موقع الدكتور الشيخ محمود عكام
415 subscribers
828 photos
1 video
2 files
486 links
تتناول هذه القناة نشاطات وأخبار الدكتور الشيخ محمود عكام.
Download Telegram
﴿وَالصَّـٰبِرِينَ في البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ﴾.
*- ثلاثةُ مَجالاتٍ تجمَعُ مواطِنَ الصَّبرِ الكُبرَىٰ، فمَن كانَ فيها صابرًا كانَ في غَيرِها أصبَر:
1- في البَأساءِ: أي في حالِ الفَقرِ والقلَّةِ وضيقِ الرِّزقِ، والصَّبرُ عليها يَعني قناعةً وعِفَّةً وزُهدًا.
2- والضَّرَّاءِ: أي في حالِ المرَضِ والفَقدِ والألَمِ، والصَّبرُ عليها يَعني تَجلُّدًا وتجمُّلًا وتحمُّلًا.
3- وحِينَ البَأسِ: أي في حالِ الخَوفِ مِن مُواجهةِ عَدوٍّ أو كائدٍ أو حاقدٍ، والصَّبرُ عليها يَعني شجاعةً وثباتًا وحِلمًا.
*- والصَّبرُ في تلكَ الثَّلاثةِ المَجالاتِ يقتَضِي مِنكَ:
-احتِمالًا لوَطأتِها، فلا يُفسِدُ أخلاقَكَ فقرٌ أو ألَمٌ أو خَوفٌ.
-ورِضاءً بتَقديرِها، في غيرِ شكايةٍ أو تَسخُّطٍ أو تضجُّرٍ.
-ورَجاءً في زَوالِها، بتَدبيرٍ مُتاحٍ مُباحٍ، ودُعاءٍ صادقٍ دائبٍ، وانتظارٍ لِفرَجٍ لا مَحالةَ آتٍ: ﴿وَلَئنْ صَبَرتُمْ لَهُوَ خَيرٌ للصَّـٰبِرِينَ﴾.
*- ولا بدَّ في تلكَ المَجالاتِ جَميعًا مِن (يَقينٍ) جازمٍ بأنَّ ثمرةَ الصَّبرِ لا تَذبُلُ، ولا تَخِيسُ، ولا تَضيعُ: ﴿وَاصْبِرْ فإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجرَ المُحسِنينَ﴾.
*- علىٰ أنَّ اللُّطفَ الإلهيَّ لا يُخلِي وِفاضَ الصَّابِرينَ مِن إشاراتٍ وبِشاراتٍ تُعينُهم علىٰ الصَّبرِ والتَّصبُّرِ، يَقولُ ﷺ: (ومَن يتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وما أُعطِيَ أحَدٌ عَطاءً خَيرًا وأَوسَعَ مِنَ الصَّبرِ).
*- فاللَّهمَّ صَبرًا علىٰ قضائِك، وأَجرًا علىٰ ابتلائِك، وصِدقًا في دُعائِك، وفرَجًا مِن فَيضِ عَطائِك، يا أرحمَ الرَّاحِمين.
د. محمود عكام
حلب في ٢٣/٨/٢٠٢٦
﴿فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيهِ وَاسْتَغفِرُوهُ﴾.
*- الاستقامةُ -في مَنطقِ القُرآنِ- هي الإقامةُ والثَّباتُ علىٰ مُرادِ اللهِ، وعدمُ الانحرافِ، لا إلىٰ مُراداتِ النَّفسِ، ولا إلىٰ مُراداتِ الخَلقِ، فالاستقامةُ توسُّطٌ واعتدالٌ بينَ انحرافَينِ حذَّرَ منهما القرآنُ:
-انحرافِ النَّفس: بما تُمليهِ من شهَواتٍ وخِداعاتٍ واغتِراراتٍ، تُفضي إلىٰ تعسُّفٍ وظُلمٍ وعِصيانٍ، وهو (الطُّغيان): ﴿فَاستَقِمْ كمَا أُمِرتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطغَواْ﴾.
-انحرافِ الخَلقِ: بما يُملونَهُ مِن أَوهامٍ وزُيوفٍ وظُنونٍ، تُفضي إلىٰ الحَيرةِ والارتيابِ والضَّياعِ، وهو (اتِّباعُ الأهواءِ): ﴿وَاستَقِمْ كمَا أُمِرتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهوَاءَهُمْ﴾.
*- والاستقامةُ -في وَعي المؤمنين- اتِّباعٌ للصِّراطِ المُستقيمِ بدلالاتهِ الربَّانيَّة: ﴿إنَّ رَبِّي علَىٰ صِرٰطٍ مُستَقيمٍ﴾، وبدلالاتهِ المُحمَّديَّة: ﴿إنَّكَ علَىٰ صِرٰطٍ مُستَقيمٍ﴾.
*- واستجابةُ النَّفسِ لتلكَ الدِّلالاتِ والهِداياتِ هي (عينُ الكرامةِ)، وهيَ أكرَمُ وأرفَعُ مِن عَجائبِ الأحوالِ وخَوارقِ العاداتِ، كما ذكرَ الشَّافعيُّ واللَّيثُ وغيرُهُما مِن الأكابرِ.
*- علىٰ أنَّ الاستقامةَ لا تَعني العِصمةَ والخُلُوَّ مِن خَطأ أو انحِرافٍ، فإنَّ رَحمةَ اللهِ جَعلَت الاستغفارَ مِن الأخطاءِ والانحِرافاتِ شيئًا مِن مَعنىٰ الاستقامةِ ذاتِها: ﴿فَاستَقِيمُوا إِلَيهِ واستَغفِرُوهُ﴾.
*- فاللَّهمَّ أعِنَّا علىٰ استقامةِ الفِكرِ والخُلُقِ، والباطنِ والظَّاهِر، واكتُبْ لنا عاقبةَ أهلِ الكرامةِ والاستِقامةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثمَّ استَقَـٰمُوا فَلَا خَوفٌ علَيهِمْ ولَا هُم يَحزَنُونَ﴾.
د. محمود عكام
حلب في ٢٦/٨/٢٠٢٦
﴿يَـٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَىٰ اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.
*- للذَّنبِ -مِن حَيثُ تكرارُهُ- نَوعان:
-ذَنبٌ عارِضٌ: أو ذَنبٌ غيرُ مُعتادٍ، يَعرِضُ للإنسانِ في زمانِه مرَّةً أو مرَّاتٍ مَعدوداتٍ، فهٰذا تمحُوهُ تَوبةٌ مُصلِحةٌ لذٰلكَ الذَّنبِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعدِ ذٰلِكَ وَأَصلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
-ذَنبٌ مُتكرِّرٌ: أو ذَنبٌ مُعتادٌ، لا يَنفَكُّ الإنسانُ يُقارِفُهُ في زمانِه مرَّةً بعدَ مرَّة، فهٰذا يَحتاجُ إلىٰ تَوبةٍ نَصوحٍ: ﴿تُوبُواْ إلَىٰ اللهِ تَوبَةً نَصُوحًا﴾.
*- والتَّوبةُ النَّصوحُ توبةٌ مُعمَّقةٌ، تتَجاوزُ إصلاحَ الذَّنبِ إلىٰ إصلاحِ النَّفسِ التي تُنتِجُ هٰذا الذَّنبَ، فهيَ علاجٌ جَذريٌّ للسَّببِ الذي يُولِّدُ هٰذا الذَّنبَ، وليسَت علاجًا مؤقَّتًا لظاهرِ ذلكَ الذَّنبِ.
*- ويُعينُ علىٰ التَّوبةِ النَّصوحِ أن يكونَ الإقلاعُ عن الذَّنبِ والنَّدمُ عليهِ مِن حَيثُ هُو ذنبٌ، أي لأنَّهُ مَبغوضٌ للهِ، لا مِن حَيثُ هُو مُؤذٍ أو مُؤلِمٌ أو مُخجِلٌ، فإنَّ النَّفسَ قد تتَحايلُ في تجاوزِ تلكَ الآثارِ، ولكنَّها لا تَملِكُ حيلةً في التَّخفِّي مِنَ اللهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنتُمْ واللهُ بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
*- فالتَّوبةُ النَّصوحُ -إذًا- توبةٌ خالِصةٌ لأجلِ اللهِ لا لشَيءٍ آخرَ، توبةٌ تُعالجُ سَببَ الذَّنبِ لا الذَّنبَ وَحدَهُ، توبةٌ تُعقِبُ في النَّفسِ بُغضًا مُستَدامًا لذٰلكَ الذَّنبِ، ونُفورًا مِن مَداخلِهِ ومُقدِّماتِهِ وأجوائهِ وأشباهِهِ، إلىٰ أن يَطويَهُ النِّسيانُ والهِجرانُ.
*- فاللَّهمَّ مُنَّ علينا بتَوبةٍ نَصوحٍ من سائرِ الذُّنوبِ والعُيوبِ، ومِن كلِّ ما يَحجُبُنا عن حَضرتِكَ يا علَّامَ الغُيوبِ.
د. محمود عكام
حلب في ٢٨/٨/٢٠٢٦
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ المَلَـٰئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم﴾.
*- الطَّيِّبونَ أناسٌ طَيَّبوا نُفوسَهم، أي طَهَّرُوها، مِن لوَثاتِ الآثامِ، وكُدُوراتِ الأوهامِ، ومِن قبائحِ الأحوالِ، وخبائثِ الأفعالِ، فطَيَّبَ اللهُ قلوبَهم بمَحبَّتِه، وأوقاتَهم بمَغفرتِه، ومآلَهم برَحمتِه، فصَارُوا يَستَطِيبونَ وَداعَ الدُّنيا واستِقبالَ الآخِرة، يُحِبُّونَ لقاءَ اللهِ، فيُحِبُّ اللهُ لقاءَهُم.
*- الطَّيِّبونَ أناسٌ عاشُوا سَلامَ النَّفسِ والقَلبِ والرُّوحِ، حيالَ أقدارِ اللهِ، وحيالَ خَلقِ اللهِ، فمَنَّ اللهُ عليهِم بعاقبةِ السَّلامِ في خاتمةِ الحياةِ الفانيةِ وفاتحةِ الحياةِ الباقيةِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ المَلَـٰئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيٍكُم﴾.
*- يَقولُ ابنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنهُ: (إذا جاءَ ملَكُ المَوتِ ليَقبضَ رُوحَ المؤمنِ قالَ: ربُّكَ يُقرِئُكَ السَّلامَ).
*- ويَقولُ البراءُ بنُ عازبٍ رَضيَ اللهُ عنهُ: (يَلقىٰ مَلَكُ المَوتِ المُؤمِنَ، فلا يَقبِضُ رُوحَهُ حتَّىٰ يُسلِّمَ عليهِ﴾.
*- والسَّلامُ مِن اللهِ وملائكتِهِ بشارةٌ مُحقَّقةٌ لتِلكَ النَّفسِ الطَّيِّبةِ بنَعيمٍ مُقيمٍ، لا يُنغِّصُهُ زَوالٌ، ولا يَشُوبُهُ ألَمٌ، ولا يُعكِّرُهُ حُزنٌ، ولا يُشوٍّشُهُ خَوفٌ، تَقولُ لهُ الملائكةُ إذا حَضرَتهُ الوَفاةُ -كما يُخبِرُ المُصطَفَىٰﷺ-: (اُخرُجي أيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبةُ، كانَت في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، اُدخُلي حَمِيدةً، وأَبشِرِي برَوحٍ ورَيحان، ورَبٍّ غَيرِ غَضبان)، (اُخرُجي إلىٰ مَغفرةٍ مِنَ اللهِ ورِضوانٍ).
*- فاللَّهمَّ أَحيِنا في طِيبٍ وسَلامٍ، واختِمْ لنا بالطِّيبِ والسَّلامِ، وطيِّبْ أسمَاعَنا وسَلِّمْ أرواحَنا ببِشارتِكَ الأزليَّةِ: ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾.
د. محمود عكام
حلب في ٣٠/٨/٢٠٢٦
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهتَدُواْ﴾
هِداياتٌ نبَويَّةٌ جامِعَةٌ
*- يقولُ ﷺ: (مَا مِن جُرعَةٍ أعظَمُ أجرًا عندَ اللهِ مِن جُرعةِ غَيظٍ كَظَمَها عَبدٌ ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ) وفي روايةٍ: (ما كَظَمَها عبدٌ للهِ إلَّا مَلَأَ اللهُ جَوفَهُ إيمانًا). [أخرَجهُ أحمدُ وابنُ ماجُه]
*- يقولُ ﷺ: (المُسلِمُ أخُو المُسلِمِ، لا يَظلِمُهُ، ولا يُسلِمُهُ، ومَن كانَ في حَاجةِ أخيهِ كانَ اللهُ في حاجَتِه، ومَن فرَّجَ عن مُسلمٍ كُربةً فرَّجَ اللهُ بها عَنهُ كُربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامَةِ، ومَن سَترَ مُسلِمًا سَترَهُ اللهُ يومَ القيامةِ). [أخرَجهُ البُخاريُّ ومُسلِم]
*- يقولُ ﷺ: (واللهِ لا يُؤمِنُ، واللهِ لا يُؤمِنُ، واللهِ لا يُؤمِنُ)، قالوا: مَن يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: (الذي لا يَأمَنُ جارُهُ بَوائقَهُ). أي شَرَّهُ وأَذاهُ. [أخرَجهُ البُخاريُّ]
*- يقولُ ﷺ: (اتَّقُوا النَّارَ ولَو بشِقِّ تَمرةٍ، فمَن لَم يَجِدْ فبِكَلِمةٍ طيِّبةٍ). [أخرَجهُ البُخاريُّ ومُسلِم].
*- يقولُ ﷺ: (أيُّما مُسلِمٍ شَهِدَ لهُ أربعةٌ بخَيرٍ أدخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ)، فقُلنا: وثلاثةٌ؟ قالَ: (وثلاثةٌ)، فقُلنا: واثنانِ؟ قالَ: (واثنانِ)، ثمَّ لَم نَسألْهُ عَن الواحِدِ. [أخرَجهُ البُخاريُّ]
*- فاللَّهمَّ أنزِلْ هٰذِه الهِداياتِ النَّبويَّةَ الشَّريفةَ في قُلوبِنا وعُقولِنا مَنزِلةَ الرِّعايةِ والتَّدبُّرِ والامتِثالِ، واجمَعْ لنا بها هِداياتِ الظَّاهرِ والباطنِ، والحَالِ والمَآلِ، يا أرحمَ الرَّاحِمينَ.
د. محمود عكام
حلب في ١/٩/٢٠٢٦
﴿وَلـٰكِنْ كُونُواْ رَبَّـٰنِیِّـۧنَ﴾.
*- أنتَ ربَّانيٌّ: إذا كانَ اللهُ وَحدَهُ مَركزَ فِكرِكَ وحَياتِكَ، وكانَ هُوَ دُونَ سِواهُ مَعقِدَ آمالِكَ ورَغَباتِكَ، وبهِ لا بغَيرِه مَناطُ سَعادتِكَ ومَرضاتِكَ.
*- أنتَ ربَّانيٌّ: إذا راقَبتَ اللهَ في خَلَواتِكَ، وآثَرتَهُ علىٰ غَيرِه في جَلَواتِكَ، وكبَّرتَهُ في ظُنونِكَ وأفكارِكَ كما تُكبِّرُهُ في صَلَواتِكَ.
*- أنتَ ربَّانيٌّ: إذا جَمعتَ الحِكمةَ إلىٰ عِلمِكَ، والرَّحمةَ إلىٰ عَمَلِكَ، والتَّلطُّفَ إلىٰ قَولِكَ، والتَّعطُّفَ إلىٰ فِعلِكَ.
*- أنتَ ربَّانيٌّ: إذا كنتَ تُقبِلُ علىٰ نَفسِكَ بالتَّهذيبِ والتَّزكِية، وعلىٰ عَقلِكَ بالتَّثقيفِ والتَّوعِية، وعلىٰ قلبِكَ بالتَّطهيرِ والتَّصفِية، وعلىٰ طَبعِكَ بالتَّحسينِ والتَّرقِية.
*- أنتَ ربَّانيٌّ: إذا قُمتَ للهِ بحَقيقةِ الإخلاصِ والعُبوديَّةِ، وللخَلقِ بحَقيقةِ الإحسانِ والإنسانيَّةِ، وللدِّينِ بحَقيقةِ الإيمانِ والوسَطيَّةِ.
*- أنتَ ربَّانيٌّ: إذا استَعذَبتَ السُّجودَ بينَ يدَي اللهِ، والبُكاءَ مِن خَشيَةِ اللهِ، والخُضوعَ لأَمرِ اللهِ، والعَطاءَ في سَبيلِ اللهِ، والخِدمةَ لخَلقِ اللهِ، والنَّصيحةَ لوَجهِ اللهِ، والمَحَبَّةَ لرَسُولِ اللهِ ﷺ، وترطيبَ لسانِكَ بذِكرِ اللهِ.
د. محمود عكام
حلب في ٥/٩/٢٠٢٦
﴿وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَا ءَاتَواْ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُم إِلَىٰ رَبِّهِم رٰجِعُونَ﴾
*- الوَجَلُ هَـٰهُنا وَجَلُ المُحسنِ لا وَجَلُ المُسيء، وهُو قلَقٌ إيجابيٌّ يَعودُ علىٰ العملِ بالتَّحسينِ المُطَّردِ علىٰ طُولِ العُمُر.
*- فالقضيَّةُ في وَعيِ الصَّادقينَ ليسَت في استِنجازِ الطَّاعاتِ والمَبرَّاتِ، ولا في تَحصيلِ المعارفِ والدِّراياتِ، وإنَّما في قَبولِ تلكَ الأعمالِ في ميزانِ ربِّ الأرضِ والسَّمٰواتِ.
*- ولأَجلِ هٰذا، تَراهُم لا يُقدِّمونَ عِلمًا ولا عَملًا إلَّا علىٰ وَجهِ التَّواضُعِ والإقرارِ بالتَّقصير، وَجَلًا مِن أن يُحرَموا نِعمةَ القَبول.
*- وقد سألتِ السيِّدةُ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها رَسولَ اللهِ ﷺ عن أصحابِ القُلوبِ الوَجِلَةِ في الآيةِ، فقالَت: أَهُمُ الذينَ يَشرَبونَ الخمرَ ويَسرِقون؟ فقالَ ﷺ: (لا يا بنتَ الصِّدِّيق، ولكنَّهمُ الذينَ يَصُومونَ ويُصَلُّونَ ويتَصدَّقونَ وهُم يَخافونَ ألَّا تُقبَلَ مِنهُم: ﴿أُولَـٰئكَ يُسٰرِعُونَ في الخَيرٰتِ وَهُم لَهَا سَـٰبِقُونُ﴾.
*- فالوَجَلُ يَعتَريهم في كلِّ حالٍ، إنْ أساؤوا خافوا المُؤاخَذةَ، وإنْ أحسَنُوا خافوا عَدمَ القَبولِ، وذاكَ أنَّهم أدرَكوا عَجزَ العابدِ بجانبِ فَضلِ اللهِ، وقُصورَ العالِمِ بجانبِ عِلمِ اللهِ، فالقَبولُ إذًا تَفضُّلٌ من الرَّحمٰن، لا استِحقاقٌ للإنسان.
*- يَقولُ أبو الدَّرداءِ رَضيَ اللهُ عنهُ: (لَأَن أستَيقِنَ أنَّ اللهَ تقبَّلَ منِّي صلاةً واحدةً أحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنيا وما فيهَا). ويَقولُ فَضالَةُ بنُ عُبَيدٍ رَضيَ اللهُ عنهُ: (لأَن أَعلمَ أنَّ اللهَ تقبَّلَ منِّي مِثقالَ حبَّةٍ مِن خَردَلٍ أحَبُّ إليَّ مِن الدُّنيا وما فيهَا).
*- فاللَّهمَّ زِدنا لكَ وَجَلًا، ولوَجهِكَ عَمَلًا، ولِقَبولِكَ أمَلًا، واجعَلنا مِمَّن قُلتَ فيهم: ﴿أولَـٰئكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنهُمٍ أَحسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصحَـٰبِ الجَنَّةِ وَعدَ الصِّدقِ الَّذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾.
حلب ٧/٩/٢٠٢٦
﴿وَإِنْ تَعُدُّواْ نِعمَةَ اللهِ لَا تُحصُوهَا﴾.
*- إضافةُ النِّعمةِ إلىٰ اللهِ دَالٌّ علىٰ عُمومِها ودَوامِها، وكمالِها وتَمامِها، وجَمالِها وجَلالِها، فالنِّعمةُ تُناسِبُ وَصفَ المُنعمِ أبدًا.
*- فنِعَمُهُ تَعالىٰ -إذًا- عَصِيَّةٌ علىٰ الإحصاءِ، نادَّةٌ عن الاستِقصاءِ، تَعُمُّ كلَّ مَجالٍ، ولا يَخلُو مِنها مَجالٌ:
-فمِنها الدُّنيويَّةُ: بما تتُّسعُ لهُ مِن نِعَمٍ ماديَّةٍ، ظاهِرةٍ في المَنافعِ والأرزاقِ وما بهِ سلامةُ البيئةِ والبدَنِ، ونِعَمٍ معنويَّةٍ، باطِنةٍ في الإيمانِ والأخلاقِ وما بهِ سلامةُ الفِكرِ والرُّوحِ.
-ومِنها الأُخرويَّةُ: بما تتَّسعُ لهُ مِن نِعَمِ شريفةٍ عُليا، تتَجلَّىٰ في البقاءِ بلا فَناءٍ، والسُّرورِ بلا اغتِمامٍ، والعِلمِ بلا جَهلٍ، والغِنَىٰ بلا فقرٍ، والرِّضا الإلهيِّ بلا سُخطٍ.
*- أمامَ فَيضِ هٰذه النِّعَمِ يَبقىٰ الإنسانُ في حالِ قُصورٍ وتَقصيرٍ، ويَبقىٰ الرَّحمٰنُ في حالِ إحسانٍ وغُفرانٍ:
-﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعمَتَ اللهِ لَا تُحصُوهَا إنَّ الإنسٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾: هُنا تنكشفُ صِفةُ الإنسان: (ظَلُومٌ) يَظلِمُ نفسَهُ إذ يَنشغلُ بالنِّعمةِ عن المُنعِمِ، و(كفَّارٌ) يَستَقِلُّ النِّعَمَ ولا يُوفِّيها الشُّكرَ والعِرفان.
-﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لَا تُحصُوهَا إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: هُنا تتَجلَّىٰ صِفةُ الرًَحمٰن: (غَفُورٌ) يَغفرُ للعبدِ غَفلتَهُ وتقصيرَه، و(رَحِيمٌ) يُديمُ عليهِ نِعمَتَهُ ورَحمتَهُ وتَيسيرَه.
*- فكأنَّ اللهَ يتكرَّمُ ويتلطَّفُ بعَبدِه قائلًا: (إنْ كنتَ ظَلومًا فأنا غَفورٌ، وإنْ كنتَ كفَّارًا فأنا رَحيمٌ)، أقابِلُكَ بما يَليقُ بشَأني ووَصفي، لا بما يَستَحقُّهُ شأنُكَ ووَصفُك.
*- فسُبحانَ مَن لا نُحصِي لنَعمائهِ حَصرًا ولا عَددًا، وهُو المُتَطوِّلُ والمُتفضِّلُ علينا بالإنعامِ أبدًا.
د. محمود عكام
حلب في ٩/٩/٢٠٢٦
﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
*- مقامُ الشُّكرِ مقامٌ جَليلٌ وعَزيزٌ: ﴿وَقَليلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾، لا يَبلغُهُ علىٰ التَّحقيقِ سوَىٰ أُولي العَزمِ من الرُّسُلِ، كإبراهيمَ عليهِ السَّلامُ: ﴿شَاكِرًا لِأَنعُمِهِ﴾، ونُوحٍ عليهِ السَّلام: ﴿إنَّهُ كَانَ عَبدًا شَكُورًا﴾، ومُحمَّدٍﷺ: (أفَلا أَكونُ عَبدًا شَكُورًا).
*- أمَّا سائرُ المُؤمنينَ فيُقارِبونَهُ علىٰ استِحياءٍ، كلٌّ بحسَبِ إيمانِه، فيَشكرُ اللهُ لهُم ذلكَ بمُقتضَىٰ رَحمتِه:
-فالعبدُ (شاكرٌ): وشُكرُهُ مِن آثارِ إيمانِه وتَقواه، إذْ يَستَشعِرُ النِّعمةَ في كلِّ حالٍ، ويُرضِي بها ربَّهُ في كلِّ مَجالٍ، ولا يَغفُلُ أبدًا عنِ المُنعِمِ المُتَعال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾.
-واللهُ (شاكرٌ): وشُكرُهُ مِن آثارِ علمِهِ ورَحمتِه، إذْ يَعلَمُ ضَعفَ عبدِه، فيَشكُرُ لهُ عَملَه، يَقبَلُ منهُ القَليل، ويُثيبُهُ عليهِ بالجَزيل، ويُمِدُّهُ علىٰ الدَّوامِ بكلِّ لطيفٍ وجَميل: ﴿وَكانَ اللهُ شاكرًا عليمًا﴾.
*- واللهُ فوقَ ذلكَ (شَكُورٌ) أيضًا: ﴿واللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾، يَهَبُ للعبدِ ثوابَ الشُّكرِ ومَنافعَهُ: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفسِهِ﴾، ثمَّ يَحلُمُ عليهِ، فلا يُعاجِلُهُ بعُقوبةِ النُّكرانِ والكُفران، بَل يُقابلُهُ بالاستغناءِ والإكرام: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
*- فاللَّهمَّ زِدنا لكَ ذِكرًا وشُكرًا، وزِدنا مِنكَ رَحمةً وشُكرًا، وقد عَلِمْنا أنَّنا لا نُوفِّيكَ حَقَّ شُكرِك، لكنَّنا نَطمَعُ في حِلمِكَ وعَفوِك، فاكتُبنا عندكَ مِن الشَّاكرينَ بمَحضِ مَنِّكَ ومَغفرتِك: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
د. محمود عكام
حلب في ١١/٩/٢٠٢٦
يَقولُ ﷺ: (الكلِمةُ الحِكمةُ ضالَّةُ المُؤمِنِ).
1- يُروَىٰ أنَّ عيسىٰ عليهِ السَّلامُ قال: لا تُجالِسوا المَوتَىٰ، فتَموتَ قلوبُكُم، قيلَ: ومَن المَوتَىٰ؟ قال: المُحِبُّونَ للدُّنيا، الرَّاغِبونَ فيها عَن سِواها. ﴿وَمَا يَستَوِي الأَحيَاءُ وَلا الأَموٰتُ﴾.
2- يقولُ عمرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنهُ: عليكَ بأهلِ الصِّدقِ، فعِش في أكنافِهم، فإنَّهم زينةٌ في الرَّخاءِ، وعُدَّةٌ في البلاءِ.
3- سُئلَ ابنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنهُ: متىٰ يكونُ الهَرجُ؟ فقالَ: حينَ لا يَأمَنُ الرَّجلُ جَليسَهُ.
4- اغتاظَت السيِّدةُ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها يومًا علىٰ خادِمِها، فقالَت: للهِ دَرُّ التَّقوَىٰ! ما ترَكَت لذِي غَيظٍ شفاءً.
5- قالَ رَجلٌ لأُويسٍ القَرَنيِّ رَضيَ اللهُ عنهُ: صِلنا بالزِّيارة، فقالَ لهُ: قد وصَلتُكَ بما هُو خَيرٌ مِن الزِّيارةِ، بالدِّعاءِ بظَهرِ الغيبِ، فإنَّ الزِّيارةَ قد يَعرِضُ فيها الرِّياءُ والتَّكلُّفُ.
6- لا تَجتمعُ مُراقبةُ الحَقِّ معَ مُراقبةِ الخَلقِ أبدًا، فمُحالٌ أن تَشهَدَهُ وتَشهَدَ مَعهُ سِواهُ: ﴿فَلا تَخشَوُا النَّاسَ وَاخْشَونِ﴾.
7- أَرِح فؤادَكَ مِن هَمٍّ ووَسواسِ * تدبيرُ ربِّكَ يَسرِي لا هَوَىٰ النَّاسِ.
د. محمود عكام
حلب في ١٣/٩/٢٠٢٦