يوسف سمرين
10.2K subscribers
732 photos
26 videos
12 files
40 links
قناة للمباحثة والفكر والنقد...
Download Telegram
معوقات لتغيير منظومات فكرية

أحسب أن كثيرين ممن لا يزالون يتحجرون على منظومات كلامية قديمة يحكمهم عدة معوقات عن النظر إلى حلول فلسفية أخرى، ويمكن الحديث عن ٣ معوقات أساسية:

١- الخطابات التي حاولت إقناعهم بأن المنتجات العلمية يمكن الأخذ بها بمعزل عن الأسس الفلسفية التي مهدت لها.

وهذا أذكره في كلمات قرأتها مرة لمصطفى محمود صاحب برنامج (العلم والإيمان) حين قال بأن الحضارة الغربية قسمان: قسم علمي، وقسم ثقافي-فكري-فلسفي، ويمكننا الأخذ بالعلمي دون الفلسفي.

ويتجاهل هذا الخطاب أن الغرب لم يكن ليصل إلى ابتكارات علمية لو بقي حبيس الفلسفات القريبة من المنظومات الكلامية، مثل الأكويني.

٢-الخطابات التي مجدت التراث بشكل عام دون اعتبار أن من التراث ما هو مختلط أصلًا بالفلسفات الوافدة المترجمة.

وهذا الخطاب نستطيع أن نجده بشكل كبير في الخطابات القومية، نحن عندنا ابن سينا وابن رشد وابن المبارك! مهلًا لم يكن هذا واحدًا، فابن رشد وابن سينا تأثرا بشكل كبير بالوافد المترجم، وعماده الفلسفة الأرسطية فالشاهد هنا النظرة التمجيدية المبالغ فيها للتراث بأنه كله أصيل كونه عربي اللسان ليس صحيحًا.

٣-النفسية الدفاعية، هذه النفسية تشكلت في إطار الاقتناع بوجود هوية قومية مميزة، وبالتالي ينشأ خوف من تهافت الهوية تمامًا، أي مقاربة مع غيرنا ستصبح استشراقًا، أو مؤامرة قد تعبث في الهوية الإسلامية بشكل عام، علمًا أن المقصود بالهوية قد يكون فيه النقطة ٢، وهو عدم التنبه للأنساق الأجنبية أصلًا في التراث.
حوار... مع القراء الكرام.
بمناسبة رد عبد الله الدعجاني على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)
الحلقة الأولى

بعد خمس سنوات من الردود المتبادلة مع عبد الله الدعجاني، مؤلف كتاب (منهج ابن تيمية المعرفي) كان مفترضًا به أن يحسن من معارفه، ومن صياغته وأسلوبه الذي يحرص به على محاكاة لغة (الأدب)، في مباحث فكرية وفلسفية، لكنه أطل بنقد هذه المرة على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة) ولم يكن موفقًا في الأولى ولا الثانية، دون أي إشارة لأي تطوير على معارفه، أو أطروحاته.

ورغم تطوع بعض أنصاره بالتهويش على الكتاب، إلا أنه لا يظهر أنه رضي عن قولهم فلم يكتفِ به، فانتصب للرد على الكتاب، ونظرًا لانفعاله الذي حجب عنه التريث في إطلاقاته، فستكون فرصة للحوار مع القراء، ممن قرأوا كتابه، بأن يقرأوا نقده للكتاب، فهناك من راهن على عبد الله الدعجاني بصفته كتب كتابًا في موضوع منهج ابن تيمية، فخيل إليه أنه سيكون ندًا لكتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود)، وسيتم نشر رابط رده في آخر هذا المنشور، حتى يطالع القراء طبيعة ما قاله، وطريقته في التفكير، وأسلوب قلمه (*).

افتتح مقالته بقوله حوار مع (الرفيق) وهي كلمة كانت ولا زالت تنتشر في صفوف اليسار، فاستعملها من باب اللمز، على أي حال لا حاجة للرد عليه بمثل هذا الأسلوب، يذكرني هذا بتصرف صبياني من أحدهم حين قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يساريًا، لماذا؟ لأنه قال "اللهم الرفيق الأعلى"، ومع ذلك لابد من بيان:

قد يكون المرء ماديًا من ناحية فلسفية، ولا يلزم من هذا وصفه باليسار، حيث إن اليسار وصف لمذهب سياسي، والمادية وصف لموقف فلسفي في الأنطلوجيا، وها هو ماريو بونخي على سبيل المثال يرى بأن نيتشه مادي من ناحية أنطلوجية، ومع ذلك فنيتشه كان من أشد خصوم الاشتراكية، وتكرر لمزه بالماركسي، بحجة المادية، على أن الكتاب فيه عرض لمذهب فويرباخ، ولم يكن ماركسيًا، بل سبق ماركس إلى المادية، وعنه أخذ ماركس، وفي الكتاب كذلك باكونين وهو مخالف لكارل ماركس، لكن الرجل أراد اللمز كيفما اتفق، رغم احتواء الكتاب على فصل خاص بالديالكتيك بصيغته الماركسية ونقده.

وغني عن القول بأن ابن تيمية نفسه لمزه خصومه بأوصاف وألقاب، وكانت علامة على الإفلاس، ولكن لعل وقع الكتاب كان شديدًا على عبد الله الدعجاني أثر على تنبهه لهذا، وتنبئ سطوره المتوترة بشيء من ذلك حيث شبهه بشخصية من أشهر روايات [الرعب العالمي]، رواية ماري شيلي (فرانكنشتاين)!

بعيدًا عن كل تشغيباته اللفظية، أدخل في الرد:

قال: (هل الله تعالى مادة؟) بهذا الأسلوب البعيد تمامًا عن ابن تيمية، أو عمن هضم منهجه، بل هو الذي يوضع في جانب خصوم ابن تيمية، فبإعادة صياغة السؤال الذي كان يوجه إلى ابن تيمية، (هل الله جسم؟) انطلق الدعجاني، فماذا كان ابن تيمية يقول؟

قال ابن تيمية: " هذه الألفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفي ولا إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك، فإن بيّن أنه أثبت حقًا، أثبته، وإن أثبت باطلًا ردّه" [1]، وذلك أن "لفظ التجسيم لفظ مجمل لا أصل له في الشرع، فنفيه وإثباته يفتقر إلى تفصيل ودليل" [2].

لا يحتاج الأمر سوى إلى قليل من الذكاء، حتى يعلم القائل أنّ اصطلاح المادة لم يرد في الشرع، فنفيه وإثباته يفتقر إلى تفصيل ودليل، فما تعريف المادة، وما المقصود بها عند الماديين؟ هي الوجود الموضوعي القابل للحس، فلو نفى هذا عن الله، وحذفنا لفظ المادة، ماذا سيكون الجواب؟

- لا، الله ليس وجوده موضوعيًا قابلًا عن الحس.

فهذا يظهر بعد الكاتب عن ابن تيمية تمامًا، ذلك الذي قال بالحرف: "إن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعًا عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كل ما لا يشار إليه، لا يكون موجودًا" [3]

ورجل لم يهضم البحوث المتناولة لهذا في الكتاب يقول: "ليس في الوجود والمعرفة ـ عنده وأساتذته الماديين ـ إلا طريقان: إما المادية وإما المثالية، وفازت المادية في صراعها مع المثالية"

بحق؟ ماذا قال ابن تيمية أصلًا؟ قال بأن الأشياء إما معينات قابلة للحس، وإما ذهنية ليس لها وجود في الخارج، والانطلاق في المعرفة من المعينات الخارجية إلى الذهن، من الذي حصر في هذين؟ إما معينات قابلة للحس، وإما ذهنية فحسب، إنه ابن تيمية، فهل هذا الكلام كلام الماديين؟ بشهادته هو نعم، لو زدنا درجة أخرى، المثالية يعرفها ابن تيمية جيدًا فهو يرد على أفلاطون وهو مثالي لا يجادل في ذلك من له أدنى اطلاع، ويرد على أرسطو فيقول:

"إذا حُقق الأمر عليهم، لم يوجد في الخارج إلا الجسم وأعراضه، وأثبتوا في الخارج أيضًا الكليات المقارنة للأعيان، وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا الأعيان بصفاتها القائمة بها" [4].
والماديون لا يعنيهم الصيغة التي يجري التعبير بها عن فلسفتهم، سمها الشيئية مثلًا، لا إشكال، بالانطلاق من الأشياء إلى الذهن، وليس هذا حديثًا عنهم دون أن يقولوه، فهذا لينين وهو مادي لا شك في هذا، قال: "المقصود عندنا لا يتعلق بهذه الصياغة أو تلك للمادية، بل بتضاد المادية للمثالية، بالفرق بين الخطين الأساسيين في الفلسفة، أمن الأشياء نمضي إلى الإحساس والفكر، أم من الفكر والإحساس إلى الأشياء" [5]، لا مشكلة مع الصيغة مع اللفظ، بدل أسلوب المماحكة اللفظية الهزيل.

فهنا يسمي المعينات في الخارج بالأشياء، وكما هو معلوم فإن سلف المثالية ((الدينية)) في الوسط الإسلامي كان جهم بن صفوان، وكان يمتنع عن تسمية الله بأنه [شيء] حتى لا يشارك الماديين الذين قابلهم جهم كذلك [السمنية] في نظرتهم للوجود، كل هذا يقفز عنه الدعجاني ليقول: هل الله مادة؟ ويحتاج جاوبًا دون استفصال، له أن يسلك ما يشاء لكن حتمًا ليس هذا من ابن تيمية في شيء.

ويقفز الدعجاني إلى الغيب ليقول: " بتلك الرؤية المادية الصارمة يتعاطى الكاتب مع عالم الغيب، منطلقًا من الاعتقاد الجازم بأن كل موجود خارج الذات مادي محسوس".
هل هذا الرجل قرأ ابن تيمية؟ ابن تيمية ماذا قال في الغيب؟
قال: "الموجود هو ما يمكن الإحساس به، ولو في الآخرة، وأن ما أخبرت به الرسل من الغيب، كما أخبرت به عن الجنة والنار والملائكة، بل وإخبارهم عن الله تعالى، هو مما يمكن معرفته بالحس، كالرؤية، فهذا قول جماهير أهل الإيمان بالرسل، وسلف الأمة وأئمتها، فإنهم متفقون على أن الله يرى في الآخرة عيانًا، كما يرى الشمس والقمر"[6].
انظروا ماذا يقول ابن تيمية، إن الموجود ما يمكن الإحساس به ولو في الآخرة، على منطق الدعجاني ابن تيمية ينظر إلى الوجود بما فيه عالم الغيب بأنه كل موجود خارج الذهن مادي محسوس، بل ابن تيمية يذهب أصرح من ذلك بقوله: "الرسل لم تفرّق بين الغيب والشهادة، بأن أحدهما معقول، والآخر محسوس، كما ظن ذلك من ظنه من المتفلسفة والجهمية، ومن شركَهم في بعض ذلك، وإنما فرّقت بأن أحدهما مشهودٌ الآن، والآخر غائب عنا لا نشهده الآن، ولهذا سمّاه الله تعالى غيبًا" [7]
ابن تيمية لا يفرق بين المشهود [المادي] والغيب بأن واحدًا منهما معقول وآخر محسوس، ويحكم بأن المخالف في ذلك من الجهمية، ومن شركهم في ذلك، أقرأت ذلك أيها الباحث في التراث التيمي: ((شركهم في ذلك)).

وقد كان عبد الله الدعجاني يتتلمذ على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود) بطريقة سيئة، فقال: " فهي ـ في نظره ونظر المادي الملحد شوبنهور: " أكثر الأنساق الفلسفية المنطلقة من الموضوع تماسكًا" وأحال إلى كتابي، أحب أن أقول له شوبنهاور لم يكن ماديًا أصلًا، بل هو مثالي، لكن لما زاد من عنده أخطأ، وكما قيل من أحب ألا يعلم مبلغه من العلم فعليه ألا يتحدث فيما لا يعلم.

بالنسبة للمقارنة المعقودة، فهي من ابن تيمية نفسه مع السمنية، ليست مني فحسب، الذي حرص مرارًا على بيان مذهبهم، وتحقيقه، ودفع افتراءات المثاليين عليهم، وهنا حتى لا يختلط الأمر على القارئ، لابد من بيان عدة مجالات يجري الحديث فيها:

1-المبحث في نظرية المعرفة: والماديون ينطلقون من الحس، قبل تشكل الكليات، ولا يعني هذا انحصارهم في المدخلات الحسية والإزراء بالمعقول، فهي ((فلسفة)) معقولة.

2-المبحث في نظرية الوجود: والماديون يقولون بأن الوجود هو الواقع المستغني عنا، وغير تابع لمعارفنا، وقابل للحس.

3-مبحث الأخلاق: والأخلاق تنطلق من الذهن، فهي توصف بالمثالية، ولكن تقع خلفها نظرية المعرفة والوجود فتضبطها عند المادية بخلاف المثاليين.

4-مبحث الإلهيات: وهو مبحث مستقل، ومع ذلك فهو مرتبط مبحث الوجود ومبحث المعرفة، وهنا يوجد مادي مؤمن وآخر ملحد، فالملحد هو الذي يحصر الخارجي في الدنيا، والمؤمن يضيف إليه الآخرة، والإيمان بخالق.

وبهذا يتضح أن هناك خلطًا كبيرًا بين هذه المباحث الأربعة عند العديد ممن تصدروا للكلام في هذا، ويزعجهم أن كلامهم يعريه النقد، ولذا يفزعون إلى الاستعارات اللغوية الفارغة.

وحتى لا أطيل على القارئ أختم بهذا، قال عبد الله الدعجاني بأنه يريد: "الاكتفاء ينفي المثل عن الله ((ليس كمثله شيء))، وهذا اعتراف صريح بنفي المادية عن الله؛ لأن "المادة" مخلوقة ندرك بعض مظاهرها إدراكا حسيًا، وهي داخلة دخولًا أوليًا في نفي المثل عن الله".
يذكر هذا بعقلية الجهمية، "قال أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل: قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة: تقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

فقلت له: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] قال: ما أردت بها؟
قلت: القرآن صفة من صفات اللَّه تعالى وصف بها نفسه، لا ننكر ذلك ولا نرده." [8]
فما يقوله يدور وفق عقلية الجهمية، حين رأوا بأن "ليس كمثله شيء" صريحة في نفي التجسيم عن الله، وبالتالي فالأحرف عندهم من التجسيم، وبالتالي ينزهون الله عنها، لأن كل حرف ((ندرك بعض مظاهره إدراكًا حسيًا))، والدعجاني لا يختلف عنهم سوى أنه أبدل مكان الجسم لفظ مادة، حيث صارت كل مادة عنده مخلوقة! وقوله ((ندرك بعض مظاهرها إدراكًا حسيًا وهي داخلة دخولًا أوليًا في نفي المثال عن الله"، فعلى أن هذا الاصطلاح قد سبق بأنه يشمل كل ما له وجود موضوعي يقبل الحس، وبالتالي فالقرآن يصبح مخلوقًا، كونه يُسمع بالآذان، وهذا هو كلام الجهمية في هذه المسألة، حتى قالوا القرآن مخلوق فهو عندهم قابل للحس.

مودتي.

_______
(*) رابط كلام الدعجاني:
https://www.facebook.com/abdullah.daj/posts/1268172690196893
[1] مجموع الفتاوى، ج5، ص298، 299.
[2] مجموع الفتاوى، ج5، ص307.
[3] درء تعارض العقل والنقل، ج6، ص131.
[4] درء تعارض العقل والنقل، ج5، ص173، 174.
[5] المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم–موسكو، الترجمة إلى العربية 1981م، طبع في الاتحاد السوفييتي، ص 38، باختصار.
[6] درء تعارض العقل والنقل، ج5، ص131، 132.
[7] درء تعارض العقل والنقل، ج9، ص15.
[8] الجامع لعلوم الإمام أحمد، ج3، ص397.
كل عام وأنتم بخير وعافية
Forwarded from Yousef Saadeh Taqatqeh
قرأت ورقة بعنوان «بطلان تفسير سمرين لطبيعة الوعي عند شيخ الإسلام» لصاحبها وهي ملحقة بما كتبه في «التعليق الودود» الذي سبق التعليق عليه. في هذه الورقة يعزف الناقد المعزوفة القديمة: هناك فرق بين الإثبات الفطري والإتجاه المادي (كأن خصومه لم يثبتوا هذه التفرقة وكأني لم أقل أن الفطرة ليست بديلا عن التفلسف)، وأن المادة هي الوجود الموضوعي بلا أي ضابط، وأن صاحب كتاب «نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود» يريد التقرب إلى المادية الجدلية (كأن خصمه لم ينتقد الديالكتيك في كتابه، وكأن الخط العام ليس فيه إلا أتباع ماركس).

يذكر الناقد في تعليقه موطنين أخطأ خصمه فيهما:
١. كيفية حصول الوعي.
٢. وجود احساسات لا تقوم بالجسد.

===
قبل أن نبدأ في التعليق هناك نقطة وجب التنبيه عليها: تعلق التعقل بالقلب واستقلال الروح عن الجسد ليسا منافيين للمادية كما يحاول الناقد تصويرهما. خذ رواد المذهب الذري الإغريقي مثلا، فهم يقولون أن الروح هي ذرات خاصة من مادة شبه نارية، وتعقلها متعلق بالقلب لا الدماغ، وهذا كله لم يمنع من تصنيفهم على أنهم ماديون!
كما أن المادية الحديثة والمعاصرة تقول بأن العقل وظيفة الدماغ، فهذا القول ليس حكرا على المادية الجدلية.
فالرجل، كعادته، ليس محررا لموضع النزاع بين المادية وخصومها، ويريد أن يتشبث بأي خلاف داخلي لينزع عن فلسفة ابن تيمية توجهها المادي.

===

الموطن الأول:
يرمي الناقد خصمه بعدم الأمانة في النقل، ففي هذا الموطن يذهب إلى أن:
١. العقل قائم بالنفس لا بالجسد
٢. العقل متعلق بالقلب لا بمجرد الدماغ

أما كون العقل قائم بالنفس فهو مسلم، غير أن هذا يكون عند انفصالها عن الجسد، الأمر سيختلف عند حلول النفس في الجسد؛ فالروح شرط للحياة:
• "الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة" [المجلد التاسع من مجموع الفتاوى].
والحياة المقصودة هنا هي الحياة الحيوانية التي تختص بالوعي والحركة الإرادية:
• "الحياة نوعان: حياة الحيوان وحياة النبات، فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية وحياة النبات خاصتها النمو والاغتذاء" [المجلد الثاني عشر من مجموع الفتاوى].
إذًا، فالروح عند اتصالها بالجسد تكون شرطا للوعي والإرادة لا علة تامة لها كما لو كانت منفصلة، إذ أنه لا بد أن:
• "يحصل لكل منهما من التغير والاستحالة ما يوجب الاتحاد، وأن يكون المركب المتحد المختلط المركب منهما شيئا ثالثا ليس هو أحدهما فقط، ولا مجموع كل منهما على حاله." [الجزء الثاني من الجواب الصحيح].
• "فالبدن إذا كانت فيه النفس تتغير صفاته وأحكامه وتختلف أحواله باجتماعها وافتراقها والنفس إذا كانت في البدن تختلف صفاتها وأحكامها." [المرجع السابق].

باختصار، العقل الذي كان صفة للنفس عند انفصالها عن الجسد هي صفة للجسد الحي عند اتصال الروح به. أما تعلق العقل بالقلب فسيقول ابن تيمية أن لفظ القلب يطلق على الجوف مطلقا كما ويطلق على العضو، ليختار بعد ذلك الدماغ ليكون مبدأ الفكر والنظر فيه (مبدأ الشيءِ: أوّله ومادّته التي يتكوَّن منها، كالنَّواة مبدأ النَّخل، أو يتركَّب منها كالحروف مَبْدأ الكلام [المعجم الوسيط])، أما مبدأ الإرادة فيكون في القلب. إذًا، لم يحرف يوسف سمرين شيئا من كلام ابن تيمية؛ إذ عضو التعقل والمعرفة عند ابن تيمية هو الدماغ، أما إرادة القلب فهي تابعة للدماغ "فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء"، والإرادة ليست علما وإن كانت تستلزمه.

أما نقله عن تعلق المعرفة بالقلب، فلا بد أن يحمل المجمل على المفصل، إذ القلب هنا يقصد به مطلق الجوف لا العضو كما سبق بيانه. لذلك سترى ابن تيمية يقول: "ما يعلمه الإنسان من حق وباطل فإنه يقوم #بقلبه ويحل بروحه المنفوخة فيه المتصلة بالقلب الذي هو المضغة الصنوبرية الشكل"، فقلبه يقصد بها جوفه، لا العضو كما هو المقصود من لفظة القلب الثانية. وما فصله ابن تيمية عن علاقة الفكر والنظر بالدماغ وعلاقة الإرادة بالقلب يكفي لحمل ما هو مجمل عليه.

===

الموطن الثاني:

يقول أن هناك أحاسيس تبدأ من الروح لا الجسد، وليستدل على ذلك اقتبس كلاما لابن تيمية يقرر فيه التفاعل بين البدن والروح (كأن خصومه لا يسلمون بذلك)!!!

لن يكتف بذلك، بل سيقتبس عن ابن تيمية كلاما يناقض قوله هو: "ولذة القلب وألمه أعظم من لذة الجسم وألمه، أعني ألمه ولذته النفسانيتين وإن كان قد يحصل فيه من الألم من جنس ما يحصل في سائر البدن بسبب مرض الجسم فلذلك شيء آخر" [المجلد السادس من مجموع الفتاوى].
إذًا، فاللذة والألم النفسيان يقومان بالقلب (وقد سبق الحديث عن معنى القلب)، أي بالجسد، لذلك ترى ابن تيمية عندما يفرق بين «اللذة والألم النفسيين» و«اللذة والألم الجسميين» يتبعه تفريق بين «القلب» و«سائر الجسد»!! لا أن النفس منعزلةٌ عن أعضاء التعقل الجسدية!

إذًا، فكلام الناقد هنا ليس إلا مصادرةً على المطلوب. زد على ذلك تحريفه لكلام يوسف عندما تعرض لقول أحدهم من أن منشأ الوعي
Forwarded from Yousef Saadeh Taqatqeh
هو الروح غير المادية؛ فاعتراض يوسف سمرين على هذا القول كان لتفريق القائل بين الروح والمادة، لا لجعله الروح شرطا للوعي!!!
فيرمي الناقد بعدها خصمه بالبتر والتحريف، وينسى نفسه!
حوار... مع القراء الكرام.
بمناسبة رد عبد الله الدعجاني على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)
الحلقة الثانية

اندفع عبد الله الدعجاني ليكمل سلسلته في نقد كتاب [نظرية ابن تيمية في المعرفة]، وكما هي عادته التي جرى عليها في منشوره الأول ضجت سطوره بمهاجمة شخص الكاتب، مستعرضًا بعض محفوظاته الأدبية، لتطل في ذهنه هذه المرة قصيدة [الثعلب]، وكأنه لا يقرأ في الأدب إلا بهذا الهدف؛ زيادة قاموسه في الشتائم، دون أي أثر لتلك القراءة في زيادة قدراته النقدية، وغاظه أنني لم أجاره في ذلك الميدان، كيفما كان فلست قاصرًا عنه، ولكن لن أفسد عليه فرحة العيد، ولن أعكر على القراء متابعة الحوار، وسيوضع كلامه آخر المنشور [*]، فإلى الرد على كلامه:

قال: "من قبعة لينين إلى عمامة ابن تيمية"، واصفًا الكاتب بأنه كتب "بعنفوان أحمر"، "قارنوا بين رزانة الرفيق لما يلبس عباءة ابن تيمية، وبين شطحاته لما يتشح برداء لينين!".

أليست هذه زيادة في نغمة طنبور سُمعتْ من قبل؟

لقد كانت إلماحة سابقة من سعيد فودة أحد أهم خصوم ابن تيمية المعاصرين، جعلته يستحضر قول الماركسيين في بيان الرد على ابن تيمية ليقول: "هؤلاء هم الماركسيون الماديون القائلون بالتسلسل في القدم وفي المستقبل، أي في الماضي والمستقبل" [1] ثم بعد قليل: "هذا الكلام صريح غاية في الصراحة في قول ابن تيمية بتسلسل الحوادث في القدم" [2] فكأنه يلمح إلى عنفوان أحمر.

لكن الدعجاني لا يرتضي بالتلميح، فلا أدري هل الدعجاني خصم للكاتب بحق؟ أم يخاصم أفكار ابن تيمية نفسها، ويردد تلك الدعاية التي كان خصوم ابن تيمية يلمحون إليها، لكنه هذه المرة بالتصريح دون تلميح، وقد سبق في ردي الأول أن الرجل هاوٍ في هذا الباب، إلى الحد الذي جعله يصنّف شوبنهاور ماديًا، وجرى بيان أن المادية لا يلزم منها الماركسية، وكيف يكون هذا والماركسية مذهب متأخر من المذاهب التي انتسبت إلى المادية.

لكن الدعجاني أخرج ما في جعبته، وأراد نسف القول بأن ابن تيمية مادي الفلسفة، كيف؟ قال:

"من أبجديات الفلسفة المادية ربط "المادة" بالزمان والمكان ربطًا حتميًا لا فكاك منه، فـ "المادة" و"الوجود الموضوعي القابل للحس" يستحيل أن يكون بلا زمان ولا مكان، هذا "إنجلز" ـ المنظر الثاني للمادية الجدلية ـ يقول: " ليس ثمة في العالم أي شيء غير المادة المتحركة، والمادة المتحركة لا تستطيع أن تتحرك إلا في المكان والزمان"

حسن، وما الذي يذهب إليه الدعجاني؟

"اعتقادنا الديني بمخلوقية الزمان والمكان فإنه يستحيل اعتقاد أو وصف أو الإخبار عن "الله تعالى" بـ "المادة" و"الوجود الموضوعي القابل للحس"، لما علم من الدين بالضرورة استحالة أن يحيط به سبحانه شيء من مخلوقاته"
أي إن الدعجاني ينفي الزمان والمكان عن الله، لأن الزمان والمكان مخلوقان، فينفي أن يكون الله له "الوجود الموضوعي القابل للحس"!! بهذا الاندفاع يصوّر الدعجاني مذهبه، يستحيل اعتقاد [الوجود الموضوعي القابل للحس]! في الله.

فليعتقد ما شاء لكن ليس هذا مذهب ابن تيمية حتمًا، القائل: "إن الموجود لابد أن يمكن أن يكون محسوسًا بإحدى الحواس، لا أنه لابد لمن أقر به أن يحس به، وهذا الأصل الذي قالوه عليه أهل الإثبات، فإن أهل السنة والجماعة المقرين بأن الله تعالى يُرى متفقين على أن ما لا يمكن معرفته بشيء من الحواس فإنما يكون معدومًا لا موجودًا" [3].

الدعجاني الذي كتب كتابًا عن ابن تيمية، وكان في منشوره الأول قد تظلم من نقده فيه بقوله عن الكاتب:
"جزارته البشعة لنصوص المفكرين والعلماء مع تشويه رؤاهم، وقد نالني منه نصيب في توصيفه العلاقة المفتعلة بين ابن تيمية وكانط"

((العلماء)) و((المفكرون)) يجري تشويه قولهم ومنهم الدعجاني بنظره لنفسه، فيرى أن الكاتب اتهمه بإقامة علاقة مفتعلة بين ابن تيمية وكانط، بحق؟ وكأن كتابه رفع من بين أيدي العالَمين، ألم يقل فيه:

" قريب من هذا التوازن المعرفي التيمي، ما قرره الفيلسوف الألماني كانط" [4].

ولم يكتف بالقرب، حتى قال صراحة: "يقول ابن تيمية [وساق نصًا لم يفهمه إلى أن قال] الحل يكمن في القول بتظافر العقل والواقع، على إنتاج المبادئ الأولية، وتلك رؤية الفيلسوف كانط" [5].

ثم ها هو يعيد كلام كانط بنفي الزمان والمكان عن الله، ويعلل هذا بقوله باستحالة أن يحيط شيء بالله، عفوًا هذا مبني على مذهب أرسطو في المكان، بأنه الحد الباطن للحاوي الملامس مباشرة للمحوي على ألا يكون متصلًا بالمحوي، الطريف بالموضوع أنه في منشوره الأول حرص على عيب الكاتب بقوله: " منقبًا باجتهاد في ركام الأفكار البالية منذ ستينيات القرن الماضي" أفكار الستينات بالية، أما ما قبل الميلاد، فهي حية عند الدعجاني، يا له من تقدمي!!

هل هذا قول ابن تيمية في المكان أصلًا؟ وهل ابن تيمية ينفي المكان هكذا بإطلاق كما يقول الدعجاني؟
يقول ابن تيمية: "من اعتقد أن العرش هو المكان، وأن الله فوقه، مع غناه له، فلا ريب أنه في مكان بهذا الاعتبار" [6]، فلا ريب أنه في مكان! لكن انظر الدعجاني:

"اعتقادنا الديني بمخلوقية الزمان والمكان... لما علم من الدين بالضرورة استحالة أن يحيط به سبحانه شيء من مخلوقاته".

أبدل كلام ابن تيمية بكلام الدعجاني ليصبح كلام ابن تيمية بنظر الدعجاني "فلا ريب أنه في مخلوق يحيط به"!!
أهذا هو مبلغ جهد الدعجاني في تصوير مذهب ابن تيمية في المكان!
نأتي للزمان، وهو نسبة بين الحوادث عند ابن تيمية، هل الحوادث عند ابن تيمية كلها مخلوقة حتى يتم نفي الزمان كما هو مذهب الدعجاني؟

يقول ابن تيمية:

"فالموجود هنا هو الله سبحانه وتعالى، وهو متقدم على العالم، بتقدم هو من صفات نفسه، وإذا قيل هو زماني وكان المراد بالزمان هنا شيئًا من صفاته، لم يكن ذلك محالًا، وليس النزاع في مجرد لفظ، فإنا نعقل ونتصور تصوّرًا بديهيًا وجود شيء قبل شيء، من غير أن كون هناك موجود غيرهما، فهذا التقدم سواء سموه زمانيًا أو لم يسموه فهو معقول" [7].

لم يكن هذا محالًا!

في حين يقول الدعجاني: "علم من الدين بالضرورة استحالة هذا"!! ابن تيمية يجهل بنظر الدعجاني معلومًا من الدين بالضرورة، ويقول: لم يكن هذا محالًا وليس النزاع في مجرد لفظ.

على أن نفي الدعجاني الزمان بإطلاق، ما الذي يفهمه منه المتكلمون والفلاسفة؟

يعني أنه لا يوجد حوادث، حتى يقال هذا قبل هذا، وهذا بعد هذا، وهذا يتركب على مذهب أرسطو (المحرك الذي لا يتحرك) وأوقع المتكلمين والفلاسفة في إشكالات كبيرة في مسألة ((خلق العالم)) لأن مذهب أرسطو لا يتسع لمسألة الخلق، لكن الدعجاني يكرر كلام خصوم ابن تيمية بجدارة، لا زمان، إذ لا حوادث، لا قبل ولا بعد، لا يوجد ملكة لوصفه بهذا.

وللتسهيل هذا هو القرآن، القرآن من حروف وكلمات، جرب أن تنفِ الزمان عن الحروف؟ يعني لا يوجد حرف [قبل/ظرف زمان] حرف، إذ إن هذا أمر ضروري لتركيب الكلام، ما الذي يبقى؟

1-إما القول بأن القرآن مخلوق، إذ جرى عليه زمان فالباء في بسم الله، قبل السين ضرورة، ثم السين.

2- أو القول: بأن هذا القرآن اللفظي مخلوق كما هو مذهب الأشعرية والماتريدية وإثبات كلام قديم ليس فيه حروف (ولا يجري فيه زمان).

3- أو القول بأن الحروف كلها قديمة وهي مكابرة، حيث إن الكلام المركب يلزم منه الحدوث.

وكيفما كان فمذهب ابن تيمية حدوث الأفراد، مع عدم القول بأنها مخلوقة، بل أفراد الكلام حادثة غير مخلوقة عند ابن تيمية، أي إنه يقول بجريان ما اصطلح عليه بالزمان [نسبة بين الحوادث] دون تخيل أن الزمان شيء متوسط بين الحوادث قائم بنفسه كما يتخيل الدعجاني.
مودتي.

______
(*) رابط كلام الدعجاني:
https://www.facebook.com/abdullah.daj/posts/1268842863463209
[1] رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها، عبد الوهاب الإخميمي، تحقيق: سعيد عبد اللطيف فودة، ص28.
[2] رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها، عبد الوهاب الإخميمي، تحقيق: سعيد عبد اللطيف فودة، ص35.
[3] بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، ط مجمع الملك فهد، ج2، ص341.
[4] منهج ابن تيمية المعرفي، عبد الله الدعجاني، ص306.
[5] منهج ابن تيمية المعرفي، عبد الله الدعجاني، ص340، 341.
[6] درء تعارض العقل والنقل، ج6، ص249.
[7] بيان تلبيس الجهمية، ط الملك فهد، ج5، ص222، 223.
حوار... مع القراء الكرام.
بمناسبة رد عبد الله الدعجاني على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)
الحلقة الثالثة

أكمل عبد الله الدعجاني بعنوان (لم يكن لغزًا) وأعاد فيه صياغة كلامه، ووجهه إلى القراء الذين لمس فيهم حسًا نقديًا لكلامه(*)، فلا يصدّق الناس كل ما يقال لهم، وأعاد هل الله مادة؟ وهو السؤال القديم هل الله جسم، ونفى هذا تمًامًا لأن المادة أو الوجود الموضوعي لا يكون إلا في زمان ومكان.

وقال: "أن يكون الله تعالى متزمنًا في "زمان مخلوق"، ومتمكنًا في "مكان مخلوق"، وهذا باطل بإجماع السلف الصالح، بل وبإجماع أهل القبلة، إلا ما أثر عن مقالات التمثيل".

وهذه الإجماعات مبنية على إلزاماته وهي من كيس الدعجاني، فما هو موقف ابن تيمية؟

سبق كلامه الصريح في قوله بأنه يثبت المكان بقوله لا ريب، وأما الزمان فقد قال فيه كذلك ما سبق، ولازم قول الدعجاني أن يكون كل ما يشار إليه، وكل ما فيه زمان ومكان مخلوق، وهذا رفضه ابن تيمية، ولازمه بأن الله لا يوصف بأنه (قبل العالم) قبلية زمنية، لأن الله لا يجري عليه زمان، كما ذهب إليه ابن سينا، وقد رد عليه ابن تيمية، فقال:

"إن التقدم والتأخر المعروف، هو التقدم والتأخر بالزمان، فإن ((قبل)) وبعد ونحو ذلك معانيها لازمة للتقدم والتأخر الزماني"[1] "وهو سبحانه متقدّم على كل ما سواه التقدم الحقيقي المعقول" [2] أي التقدم الزمني، فلما يطبق الدعجاني كلامه، يكون سلفه ابن سينا، لا ابن تيمية.

هذا بنظر الدعجاني مادية يجب ذمها، ولمز أصحابها بالرفاق، ولكن مهلًا، قال ابن تيمية: "ولم يذم أحد من السلف أحدًا بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره" [3] لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء حتى يبدل المرء مكان مجسم، مادي، ورفيق! ومكان الجهمية أولئك الذين تمسكوا بنفي الجسم=نفي المادة، نفي الزمان والمكان، وهو ما يصنعه عبد الله الدعجاني.

هل الله مادة (الدعجاني)؟ أو هل الله جسم (الجهمية)، يقول ابن تيمية في سياق حديثه عن ردود متكلمة أهل الإثبات على المعتزلة: "وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، أنه ليس بجسم، وأن صفاته ليست أجسامًا وأعراضًا؟ فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل؛ بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل، جهل وضلال" [4].

ويتبع: "لم يدل العقل على حدوث كل موصوف قائم بنفسه وهو الجسم، وكل صفة قائمة به وهو العرض، والدليل المذكور على ذلك دليل فاسد، وهو أصل «علم الكلام» الذي اتفق السلف والأئمة على ذمه وبطلانه" [5].

إن الدعجاني اختار صفًا ليس صف الحجج التيمية، ولا المنهج التيمي حتمًا، بل حجج خصوم ابن تيمية، ويزيد الأمر وضوحًا التالي، قال ابن تيمية عن أهل الكلام:

"التزموا حدوث الموصوفات بحدوث صفاتها، ولزمهم على ذلك وإن لم يلتزموه حدوث كل قائم بنفسه، بل حدوث كل موجود، فكان ما ذكروه من الحجة متضمنًا حدوث الموجودات كلها، حتى الرب تعالى ومعلوم أن الدليل على ذلك لا يكون حقًّا" [6].

مع أن كلام أهل الكلام إنما هو في الجسم [المادة]، ولكن ابن تيمية رأى بأن كلامهم في هذا يؤدي إلى القول بحدوث كل موجود، أي إن هذا الاصطلاح ينسحب معنويًا على الله، والأمر نفسه يقال للدعجاني الذي رأى بأن المادة هي الوجود الموضوعي، الذي في الزمان والمكان، فنفى الزمان والمكان، وهذا يعني نفي الحركة، والوجود الموضوعي القابل للحس، وهذا هو القول الذي رفضه ابن تيمية بشكل قاطع، ورفض ذلك التهويل بالقول هذا قول أهل التجسيم، ولكن الدعجاني لم يكن في زمن ابن تيمية حتى يخاطبه بالرفيق.

ثم قال الدعجاني: " ما المدهش في الأمر؟ المدهش ـ حقًا ـ أن "الرفيق السلفي" ينكر علي اعتقادي بأن كل مادة مخلوقة، ففي منشوره الخميس30 يوليو 2020م. يقول ـ لامزًا إياي بالتجهم: " والدعجاني لا يختلف عنهم سوى أنه أبدل مكان الجسم لفظ مادة، حيث صارت كل مادة عنده مخلوقة! فهل توافقوني ـ يا قرائي الكرام ـ أم توافقونه؟ هل تعتقدون أن كل مادة مخلوقة؟ أم أن هناك مادة خالقة وأخرى مخلوقة؟، ويا ليت شعري من سلفه من أهل القبلة؟ "المادة قسمان خالقة ومخلوقة"!".

صيغة الاندهاش هذه تعبّر عن طريقته في الكتابة عن ابن تيمية، كان يكتب ما لا يخالف اندهاشه، لا ما يحقق البحث، بقطع النظر عن انفعالاته النفسية، من اندهاش وعدمه، فلما قال أهل الكلام كل جسم مخلوق، لم يكن ابن تيمية ليوافقهم في هذا، فيقول: "إن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعًا عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كل ما لا يشار إليه، لا يكون موجودًا" [7].

وهذا يشمل الله، إلا أن يكون ابن تيمية عنده ليس من أهل القبلة، فها هو ابن تيمية يقول: "بل هذا هو الواجب" أرأيت من السلف في هذا؟

وأختم بهذه العبارة لابن تيمية، بدل الحذلقة اللغوية والتمسك بألفاظ تشنيعية فحسب، قال ابن تيمية:
"الأمور العقلية المحضة لا عبرة فيها بالألفاظ، فالمعنى إذا كان معلومًا إثباته بالعقل لم يجز نفيه لتعبير المعبّر عنه بأي عبارة عبّر بها، وكذلك إذا كان معلومًا انتفاؤه بالعقل لم يجز إثباته بأي عبارة عبّر بها المعبِّر" [8].

مودتي.

_____
(*) رابط كلام الدعجاني:
https://www.facebook.com/abdullah.daj/posts/1269731076707721
[1] منهاج السنة، ج1، ص171.
[2] منهاج السنة، ج1، ص173.
[3] بيان تلبيس الجهمية، ج1، ص372.
[4] بيان تلبيس الجهمية، ج1، ص373.
[5] بيان تلبيس الجهمية، ج1، ص373.
[6] بيان تلبيس الجهمية، ج1، ص424، 425، باختصار يسير.
[7] درء تعارض العقل والنقل، ج6، ص131.
[8] درء تعارض العقل والنقل، ج1، ص240.
الشيء/الجسم/المادة

كان جهم بن صفوان (١٢٨هـ) قد أنشأ منظومة مثالية طوّرها في إطار صراعه مع فرقة عُرفت في التراث الإسلامي بالسمنية وهي تشارفاكا، فرقة هندية ملحدة تتبنى الفلسفة المادية، كما جرى بيانه في [نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود].

حاول جهم في فلسفته إثبات إله غير القابل للحس، أو بعبارة أخرى غير قابل (للتشييء=وهو اصطلاح بقي بعدهمستعملًا في الإسماعيلية) حيث نفى جهم أن يكون الله (شيئًا).

في القرآن: (الله خالقُ كل شيء) [الزمر: ٦]، فهل يوجد شيء غير مخلوق؟! نفى جهم هذا، فكل ما هو شيء هو مخلوق عنده، من حيث اللغة كان لفظ شيء لا يبعث على ارتياح في نفس جهم لتعارضه مع فكرته، فتقول وسط الشيء، جزء الشيء، هذا الشيء أكبر من هذا الشيء، وبالتالي لم يكن جهم راضيًا على إطلاق-وصف الشيء-على الله، حيث إن الإله عنده غير قابل للحس، للإشارة، لأدنى مشابهة مع غيره.

ولكن لسوء حظه فإنه اصطدم بما يخالفه من القرآن: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله) [الأنعام: ١٩) فسمى الله نفسه شيئًا، كما قال البخاري، ونقل الإجماع على هذا غير واحد كابن القطان، وتتابعت الفرق على تسليم الإجماع كما ذكره الرازي في [المطالب العالية].

كان لابد من تغيير الصيغة، مع الإبقاء على الفكرة، فصارت الجهمية تقول (هو شيء لا كالأشياء)، واستبدلت لفظ شيء باصطلاح جسم، ونقلت الفكرة الجهمية لهذا الاصطلاح الجديد الذي لم يكن على عهد جهم.

فصار كل جسم مخلوق، والله ليس جسمًا، وبقيت الفكرة هي نفسها، ويظهر أن هذه الحيلة اللفظية كان لها أثرها الهائل، حيث تتابعت كثير من الفرق على ترديدها، إنه لأمر لافت أن يظهر كم هي المسألة لفظية عند كثيرين، يكفي تغيير الغلاف لقبول المضمون الذي سبق رفضه!

وقف ابن تيمية بشكل شرس نقديًا حول التفصيل الكلامي حول أن غير الله جسم [تم خرق هذا لاحقًا عند المتكلمين وغالبًا كان من جهة الغزالي حيث نصر وجود ممكن غير جسم=الروح] وأن الله غير جسم، في موضع كثيرة مسميًا هؤلاء بالجهمية، يظهر هذا في رده على الرازي بعنوان [بيان تلبيس الجهمية].

ثم في القرن ٢٠، تتابعت الكتابات الإسلامية على رفض [المادية] في صورة مذهلة لإعادة التاريخ أصداء ذلك اللقاء بين تشارفاكا [السمنية] وجهم، وجرى الحديث مرارًا عن الإله غير المادي، مقابل المادة المخلوقة.

اللافت في كل ما سبق، كم يُحدث تغيير عبارة نسيانًا شبه كامل للأطروحات الأقدم منها التي حوت المضمون نفسه.
كلمة في حق فاضل ..

محمد صالح العثيمين ، ذلك الفقيه ، الأصولي ، النحوي ، لا أبالغ إن قلت لم أعرف عالماً معاصراً له هيبة العلماء مثله ، لم أدركه ، ولو أدركته لسعيت لزيارته ، والاستفادة منه ، سمعته سماعاً ، وقرأت له قراءة ، وعند قراءتي لأي كتاب فقهي ، أكاد أجد بين حروفه نبرة صوت العثيمين ، يعلم جاهلاً ، ويفيد سائلاً ..
قبل أن أعرفه - ولم يحلني إليه أحد أعرفه ، إنما دفعني إلى معرفته كتاب جر إليه كتاب وهكذا - كنت أقرأ لبعض من أسمع مدح الناس له ، فأجد فيه نقصاً في الإفادة ، يذكر مصادره المهولة ، دون أدلته ، ولا وجه استدلالاته ، بل تجده يقول قال فلان هذا حرام ، وآخر مباح ، ونختار الوسط ! مكروه ، فلا تدري ماذا سيصنع لو اختلفوا في مسألة على خمسة أقول ، فكيف وهناك من المسائل ما يفوق الخلاف فيها عشرين قولاً ويزيد .
كنت أستثقل الأمر ، فأقول في نفسي : وكأن الكاتب حريص على أن لا يعلمك صنعته !، إنك مجبر على ذكره هو لا معرفة استدلاله ، إنك تعود إليه دوماً وحتماً ، ثم فرق بين بيان الحكم وبين بيان العلم لطالبه ! ، فماذا أصنع وقد شغفت حباً بطلب العلوم الشرعية ، ثم عثرت على كتاب يشرح الواسطية ، واقدروا لذلك الحدث سنه ، وهو يقلب صفحات هذا الكتاب ، ويلتهمه كما يزدرد جائعٌ طعاماً .
ثم عثرت على كتاب في الفقه ، سماه جامعه (الفقه على المذاهب الأربعة) ، وبدأت بقراءته بنهم ، فإذا هو مقطع تقطيعاً ، لا تكاد تتابع باباً ، حتى ينقطع الحديث وينتقل إلى غيره ، فبحثت في الحواشي ، فوجدت أنه مستل من دروس صوتية للعثيمين ! ، فطرت فرحاً بأن له دروساً صوتية ، ولم أكن أعلم بها ، ولا دلني عليها مخبر ، فمن أين أحضرها ، والمرء هنا يجهد ليعثر على كتابٍ للعثيمين ، فكيف بدروس صوتية ، حتى علمت بوجود محل فيه شبكة إنترنت ، وكانت في بداية الظهور ، مخصصة لطلاب الجامعة ، ودخلته ولا تجد فيه من يعينك على كيفية استعماله ، ثم ظفرت بعد جهد ببعض شروحه ، وبدأت أستمع إليه يدرّس الأجرومية والألفية ، وزاد المستقنع ، أحمّل الدرس والدرسين وكان وقتها تمضي الساعة وأنت تقوم بإنزال مادة صغيرة ، ثم تنقلها ، وتكررت زياراتي وأنا أحمّل كل مرة درساً أو أكثر ، وبدأت أدمن سماعه ، وقد أتسمر لساعات طوال ، أسابق الفجر في سماع دروسه ، فلا أفطن إلا وقد جاء وقت المدرسة ، ثم أعود متلهفاً لسماعه إلى البيت فلا يفصلني عنه إلا الصلاة ، وما أقيم به أودي .
ولم أعرف سلفياً وقتها عن قرب ، ولا ما يميزهم عن غيرهم ، ولا فهمت من العثيمين أنه يدعو لانتماء لحزب ، أو نصرة طائفة تعصباً لا عن أدلة ، ولا فهمت أنه زهّد بفقه الأئمة الأربعة ، بل ما كان إلا معظمّاً للسلف ، ملتمساً العذر لمخالف في مسائل ، يدفع إلى الانتفاع من كتبهم ، والتشبع من علومهم ، ولما التقيت بعد ذلك برجل قال إنه سلفي ، فإذا به يتشدد في مسائل الخلاف فيها شهير ، ويزهد في الفقه علمت أنه أجنبي عن العثيمين ، فما يقول هذا من سمع له شيئاً ، فكيف بأحدهم اليوم يعمم صورة هذا الشاب ، ويقزم أمر ذلك العلم ، في غمرة نقده للسلفية .
ودارت الأيام ، وكبرت ، وقرأت أكثر ولم أتكاسل عن القراءة رغم امتناع السماع لذلك الفاضل ، فقد حجزني السجن عن سماعه لسنوات ، ثم عدت ودخلت كلية الدعوة وأصول الدين ، وتخصصت في مجال الفقه ، مع شدة نهمي بالفقه وكتبه وعلومه ، ومع كثرة من قابلتهم ممن يشار إليهم بالبنان ، وكم من معظّم في عين الصغير يتصاغر شأنه حين يكبر ، وكم من خبر صدّقه طفل كذّبه في بلوغه ، إلا أنني لما أستمع إلى درس للعثيمين بعد هذا الحين أتصاغر عارفاً بحقه وفضله وقدره ، مدركاً جهلي ، لا فضيلة في هذا تلفني بل هو تحقيق للأمر على وجهه ، فرحمه الله من معلّم ، وجزاه الله خيراً على ما تفضل به علينا ، رغم بعد الشقة ، وعدم إدراكه ، إلا أن من حسنات المرء علماً ينتفع به بعد موته .
ثم تجد بعدها من يتشبع بما لم يعط ، يقيم نفسه حكماً يقيّم العثيمين فهو عنده وسط في الطلب ، له اطلاع على روضة الناظر لابن قدامة ، وله مشاركة في الفقه ! ، وعلومه قد تجاوزها الزمن حد الاستهلاك المكرر ، فينتظر ما يدفعه رحم الزمان فيما بعد ، وعند مطالعتك لآرائه لا تجدها إلا شذرات مقطعة ، علاقة النتيجة عنده بما سبقها من تسلسل ، كعلاقة فاقت اقتران العاديات في نظر الأشعري ، هي من قبيل المصادفات ، بل المفاجآت ، فأضحى الصدر في (فلسفتنا) نموذجاً للعبقرية الفذة عنده ، وما كتابه ذلك إلا أضحوكة بين النظريات ، وهو مجرد بناء فوقي لخرافات تاريخ الظهور وما بعد الظهور لسميه الصدر الآخر ، وما يسحر به المعممون عقول الصبيان ، فذلك عبقري ، وفاضلنا يجري تقييمه بما اقتصه المتشبع زوراً من هنا وهناك .
مودتي
ورد على كتاب [نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود] اعتراض يقول، بأن ابن تيمية قال بموافقة السمنية لما يتفق عليه العقلاء من كونه لا يوجد إلا ما يقبل الحس، لا أنه يوافق أصلهم في الوجود، فقد كانوا ملحدين.

—————
فيقال: أي اشتراك هو المقصود مع العقلاء؟ فابن تيمية قال كلام السمنية في الوجود إنه عليه أهل الإثبات، وأهل الإثبات يتحدثون عن الله واليوم الآخر في نظرتهم للوجود، والسمنية تحدثت عن الدنيا فحسب، فلو كانت النظرة المادية تعني في صميمها الإلحاد لوقع الاعتراض على ابن تيمية في مقاربته حيث إن الوجود الذي تثبته السمنية غير الوجود الذي عليه أهل الإثبات، فما ينفيه الأولون يثبته الآخرون فأي قول حينها يكون هو الذي وافق عليه أهل الإثبات؟!

وهذا يظهر أن العديد من الاعتراضات التي تساق ضد الكتاب لو صدق أصحابها لجعلوها على ابن تيمية، لكنهم يتأولونه ثم يعترضون متى جرى إثبات معنى كلامه.

فما يتحدث عنه ابن تيمية هو تصحيح موقف السمنية من [الوجود] هذا مبحث، وتطبيق هذا المبحث بالتفريع عنه في [الإلهيات] مبحث آخر، ومن باب التقريب وقع في أصول الشافعي أن الأمر يفيد الوجوب ما لم تأتِ قرينة صارفة، ثم إنه جعل الأمر في [كل بيمينك] من باب الندب، وأنه أمر على جهة الأدب، فلا ينقض بهذا التفريع أصله ومن خالفه في هذا يطبق القاعدة الأصولية ويطالبه بالصارف عن الوجوب إلى الندب ونحو هذا، فالأول مبحث [أصولي] والثاني مبحث [فقهي]، ومن لم يفرق بين الأصل والتفريع أبعد النجعة، ومباحث [الإلهيات] فرع عن مباحث [الوجود].
لا يكون العالمُ عالمًا وهو يتساوى مع الجاهل في موضوعه، ولذا فإن بعض الناس يسارع إلى ما يروى عن مالك: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، وهذا كالقول بأن الأدلة فوق جميع الآراء وهذا صحيح لكنه غير كافٍ دون أن يستحضر المرء الفرق بين العالم الذي عاش عمره بين الأدلة وتقليبها، وبين أي إنسان بعيد عن هذا.

والحق أن العالم يفترق عن غيره بأن الأصل أن يؤخذ بقوله حتى يدل دليل على خلاف قوله، بخلاف غيره فالأصل ألا يؤخذ بقول غير العالم حتى يدل الدليل على صواب قوله، وبين هذين فرق كبير.