كنت أتكلم مع قريب لي عن الشعور عند الجمادات، فاسترسلنا في كلام كثير، كان منه أن استدل بآية: "إنا عرضْنا الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال فأبيْنَ أن يحمِلْنَها وأشفقن منها"!
فهي وإن لم يكن عندها العقل والشعور الذي نعرفه، لكن لديها شعور بحسبها يتضمن إيمان جِبلي، ناتج عن رفض حمل "الأمانة" التي عُرضت عليها!
هذا المعنى يُرجح معنى "الإرادة" في تفسير حمل الأمانة الذي يُفيده كلام بعض المفسرين، كأن هذه الجمادات حين رفضت حمل الأمانة رفضت أن تكون إرادتها حُرة، لأنها تعلم أن هذا سيأتي على حساب إيمانها المجبولة عليه الذي يجعلها تُسبح الخالق بلا ملل ولا كلل.
ففي تلك اللحظة التي رفضت فيها هذه الأجرام الضخمة - على ما فيها من قوة وشدّة - حمل الأمانة، كانت تعي أنه سيُصبح لها الفعل أو الامتناع، الطاعة أو العصيان، "عرض تخيير لا تحتيم" كما قال السعدي.. فأدركت أن هذا العطاء - المُغري - ربما يأتي بثمن باهظ؛ أن تفقدَ النقاء الأول، فتجد نفسها مُعرضة للظُلم والخيانة والتقلب في الهوى، فاختارت الأسلم، فقالت - كما في الأثر: "لا، نحن مسخّرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا"، وهو المعنى الذي لمس عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند موته فقال: "ودِدتُ أني نَجَوْتُ منها كَفَافًا، لا لي ولا عليَّ".
وهنا تكمن مأساة الإنسان، الإنسان وحده - على ضعفه وقلة حيلته - قَبِل هذا العرض! قَبِل أن يكون حرًا، وهي حرية وضعت بالأساس ليكون طائعًا، أملًا في الثواب، لكنه لما أصبح لزامًا عليه أن يختار في كل لحظة، وكل اختيار يحمل معه مسئولية، وهو واهن العزم بطبعه؛ ما كان منه إلا أن تبجح بالحُرية التي أُعطيها مغترًا بعقله مُفرِّطًا في عهد حمل الأمانة!
فما تشهده من ظلم ونفاق وخيانة ومكر وانتكاس بعد استقامة، ليس إلا انعكاسًا مباشرًا لنسيان هذه الحقيقة الكبرى؛ أننا حين قَبِلنا الحمل؛ رضينا أن نكون مسئولين عن الأداء، نسينا الثمن الحقيقي لإرادتنا كأنها هبة بلا حساب وتفضيل بلا عواقب!
فلا عجب أن تصف الآية الإنسان بـ "ظلُومًا جهُولا" بصيغة المبالغة! فهو ما بين تفريط بسوء نية (ظلومًا) وتفريط بإهمال وقلة اكتراث (جهولا)، فهذا الظلم وهذا الجهل كما كان سر قوته لحظة التحمل؛ هو سر ضعفه لحظة الأداء.
فهي وإن لم يكن عندها العقل والشعور الذي نعرفه، لكن لديها شعور بحسبها يتضمن إيمان جِبلي، ناتج عن رفض حمل "الأمانة" التي عُرضت عليها!
هذا المعنى يُرجح معنى "الإرادة" في تفسير حمل الأمانة الذي يُفيده كلام بعض المفسرين، كأن هذه الجمادات حين رفضت حمل الأمانة رفضت أن تكون إرادتها حُرة، لأنها تعلم أن هذا سيأتي على حساب إيمانها المجبولة عليه الذي يجعلها تُسبح الخالق بلا ملل ولا كلل.
ففي تلك اللحظة التي رفضت فيها هذه الأجرام الضخمة - على ما فيها من قوة وشدّة - حمل الأمانة، كانت تعي أنه سيُصبح لها الفعل أو الامتناع، الطاعة أو العصيان، "عرض تخيير لا تحتيم" كما قال السعدي.. فأدركت أن هذا العطاء - المُغري - ربما يأتي بثمن باهظ؛ أن تفقدَ النقاء الأول، فتجد نفسها مُعرضة للظُلم والخيانة والتقلب في الهوى، فاختارت الأسلم، فقالت - كما في الأثر: "لا، نحن مسخّرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا"، وهو المعنى الذي لمس عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند موته فقال: "ودِدتُ أني نَجَوْتُ منها كَفَافًا، لا لي ولا عليَّ".
وهنا تكمن مأساة الإنسان، الإنسان وحده - على ضعفه وقلة حيلته - قَبِل هذا العرض! قَبِل أن يكون حرًا، وهي حرية وضعت بالأساس ليكون طائعًا، أملًا في الثواب، لكنه لما أصبح لزامًا عليه أن يختار في كل لحظة، وكل اختيار يحمل معه مسئولية، وهو واهن العزم بطبعه؛ ما كان منه إلا أن تبجح بالحُرية التي أُعطيها مغترًا بعقله مُفرِّطًا في عهد حمل الأمانة!
فما تشهده من ظلم ونفاق وخيانة ومكر وانتكاس بعد استقامة، ليس إلا انعكاسًا مباشرًا لنسيان هذه الحقيقة الكبرى؛ أننا حين قَبِلنا الحمل؛ رضينا أن نكون مسئولين عن الأداء، نسينا الثمن الحقيقي لإرادتنا كأنها هبة بلا حساب وتفضيل بلا عواقب!
فلا عجب أن تصف الآية الإنسان بـ "ظلُومًا جهُولا" بصيغة المبالغة! فهو ما بين تفريط بسوء نية (ظلومًا) وتفريط بإهمال وقلة اكتراث (جهولا)، فهذا الظلم وهذا الجهل كما كان سر قوته لحظة التحمل؛ هو سر ضعفه لحظة الأداء.
من المعاني التي يحرص القرآن على غرسها في نفس المؤمن "سِعة الآخرة".. في كل سورة تقريبًا يتحدث القرآن عن أبواب ضخمة وأنهار كبيرة وحدائق غنية وقصور فخمة ولذّات غير متناهية لا في الكم ولا في النوع ولا في اللّذّة، عن سكينة لا يضطرب معها قلب وخلود لا يعتريه شيب وانبهار لا ينقضي!
مرةً من خلال القَصص القرآني والكشف عن مصائر الصالحين، ومرةً عبر المقارنة والتضاد بين طبيعة الدنيا والآخرة ولذّات الدنيا والآخرة، ومرةً عبر الأسئلة البلاغية والحوار الجدلي لإيقاظ العقل واستجاشة المشاعر...
فهذا التكرار المستمر لهذه المعاني بأساليب مختلفة وألفاظ متنوعة؛ ليس للترف الخيالي، بل خطاب حكيم، غرضه:
إخراج المؤمن من ضيق الدنيا إلى سِعة الآخرة.
حتى أن خيال الإنسان يتقاصر عن أن يتصور هذه السِعة، وكلما تقاصر عن أن يتصورها؛ تضاءلت في نفسه الدنيا بما فيها من ملذّات وآلام.. وكان الشيخ الشعراوي في تفسير قول الله تعالى: "فما مَتَاعُ الحياة الدنيا في الآخرةِ إلا قَليلٌ"، يقول: "ذلك أن الإنسان بفطرته يُحب كثرة النعم".
إن استشعار سعة الجنة، ليس هروبًا من واقع الدنيا، بل ضرورة لاستعادة التوازن.. فحين ينتبه المؤمن لهذا المقصد القرآني ويستولي على قلبه؛ ينعتق من أسر الضيق الدنيوي، فلا الفقر يُحطم آماله، ولا الظلم يكسر نفسه، ولا صولة الباطل توهن عزمه، ولا التعب يستنزف صبره، إذ كل بلاء في الدنيا مؤقت، وكل نعيم فيها زائل.
مرةً من خلال القَصص القرآني والكشف عن مصائر الصالحين، ومرةً عبر المقارنة والتضاد بين طبيعة الدنيا والآخرة ولذّات الدنيا والآخرة، ومرةً عبر الأسئلة البلاغية والحوار الجدلي لإيقاظ العقل واستجاشة المشاعر...
فهذا التكرار المستمر لهذه المعاني بأساليب مختلفة وألفاظ متنوعة؛ ليس للترف الخيالي، بل خطاب حكيم، غرضه:
إخراج المؤمن من ضيق الدنيا إلى سِعة الآخرة.
حتى أن خيال الإنسان يتقاصر عن أن يتصور هذه السِعة، وكلما تقاصر عن أن يتصورها؛ تضاءلت في نفسه الدنيا بما فيها من ملذّات وآلام.. وكان الشيخ الشعراوي في تفسير قول الله تعالى: "فما مَتَاعُ الحياة الدنيا في الآخرةِ إلا قَليلٌ"، يقول: "ذلك أن الإنسان بفطرته يُحب كثرة النعم".
إن استشعار سعة الجنة، ليس هروبًا من واقع الدنيا، بل ضرورة لاستعادة التوازن.. فحين ينتبه المؤمن لهذا المقصد القرآني ويستولي على قلبه؛ ينعتق من أسر الضيق الدنيوي، فلا الفقر يُحطم آماله، ولا الظلم يكسر نفسه، ولا صولة الباطل توهن عزمه، ولا التعب يستنزف صبره، إذ كل بلاء في الدنيا مؤقت، وكل نعيم فيها زائل.
لا مفر لأحدٍ من الكدر والألم والموت، برًا كان أم فاجرًا، لكن المؤمن يتألم أولًا وألمه غير خالٍ من النعيم، ويتنعم آخرًا ونعيمه صافٍ من الكدر.. والفاجر يتنعم أولًا ونعيمه غير خالصٍ من الكدر، ويشقى آخرًا وشقاؤه خالصٌ من النعيم!
لو أن قولًا واحدًا جامعًا يصف الدنيا ووحشتها، ويصف الآخرة وأُنسها، فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يموت وله عند الله خيرٌ؛ يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، وإن كانت له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل مرةً أخرى"!
هذه أصدق شهادة عن الدنيا، شهادة من عاين الحقيقة؛ أن الدنيا بأسرها، بكل زخارفها ومُتعها لا تعدل لحظة واحدة من هناء الآخرة.. وبكل كدرها وآلامها لتهون أمام لحظة واحدة من نعيم الآخرة!
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة".
فجعل "الشهادة" مع أنها أشرف الميتات؛ أيسر الميتات.. فسبحان من جعل قتل أعداء الله لأوليائه كرامةً ورحمة.
رحم الله أبا عبيدة وإخوانه، وتقبلهم في عليين.
لو أن قولًا واحدًا جامعًا يصف الدنيا ووحشتها، ويصف الآخرة وأُنسها، فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يموت وله عند الله خيرٌ؛ يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، وإن كانت له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل مرةً أخرى"!
هذه أصدق شهادة عن الدنيا، شهادة من عاين الحقيقة؛ أن الدنيا بأسرها، بكل زخارفها ومُتعها لا تعدل لحظة واحدة من هناء الآخرة.. وبكل كدرها وآلامها لتهون أمام لحظة واحدة من نعيم الآخرة!
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة".
فجعل "الشهادة" مع أنها أشرف الميتات؛ أيسر الميتات.. فسبحان من جعل قتل أعداء الله لأوليائه كرامةً ورحمة.
رحم الله أبا عبيدة وإخوانه، وتقبلهم في عليين.
أول ما قفز إلى ذهني عندما قرأت عن فضائح إبستين هو قول الله تعالى: "ويريدُ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا"
وهي آية لا ينقضي العجب من معانيها وبلاغتها.. لاحظوا كيف أن الآية ربطت إرادة الشر بالناس، لا "الشيطان"، رغم أن الشيطان هو الآمر به وهو الذي يوسوس ويُزيّن، فالذين يتبعون الشهوات أعوانه في النهاية.
لكنه ركّز على أعوان الشيطان ليُنبه على السبب المباشر في انحطاط الناس، وليقطع المعاذير ويواجه الإنسان بمسئوليته التي هي مرتكز الدين.. ذلك أن الشهوة حين تتمكن وتغلب وتستعبد النفوس؛ تعمي عن أبسط الحقائق وعن المفاسد والشقاء والخسار وعواقب الأمور!
غير أن أعجب ما في الآية هو قوله تعالى: "ميلًا عظيمًا".. فالميل هو العدول الطفيف عن الاستواء، فإذا كان عظيمًا فقد ابتعد بالإنسان بالكلية.. فقوله: "ميلًا عظيمًا" يُشير إلى كيف بدأ الانجراف؟ وكيف انتهى؟
فكأن المعنى أنهم حين استهانوا بالشهوات واستجابوا لها مرةً بعد مرة؛ داروا معها حيث دارت، فامتثلوا أمرها وأطاعوها حيث ذهبت، وخدموها وأمروا بما أمرتهم به غير مبالين بما ذهبت إليه من عظائم الأمور.
فسبحان من أشهدنا صدق ما أنزله في كتابه!
وهي آية لا ينقضي العجب من معانيها وبلاغتها.. لاحظوا كيف أن الآية ربطت إرادة الشر بالناس، لا "الشيطان"، رغم أن الشيطان هو الآمر به وهو الذي يوسوس ويُزيّن، فالذين يتبعون الشهوات أعوانه في النهاية.
لكنه ركّز على أعوان الشيطان ليُنبه على السبب المباشر في انحطاط الناس، وليقطع المعاذير ويواجه الإنسان بمسئوليته التي هي مرتكز الدين.. ذلك أن الشهوة حين تتمكن وتغلب وتستعبد النفوس؛ تعمي عن أبسط الحقائق وعن المفاسد والشقاء والخسار وعواقب الأمور!
غير أن أعجب ما في الآية هو قوله تعالى: "ميلًا عظيمًا".. فالميل هو العدول الطفيف عن الاستواء، فإذا كان عظيمًا فقد ابتعد بالإنسان بالكلية.. فقوله: "ميلًا عظيمًا" يُشير إلى كيف بدأ الانجراف؟ وكيف انتهى؟
فكأن المعنى أنهم حين استهانوا بالشهوات واستجابوا لها مرةً بعد مرة؛ داروا معها حيث دارت، فامتثلوا أمرها وأطاعوها حيث ذهبت، وخدموها وأمروا بما أمرتهم به غير مبالين بما ذهبت إليه من عظائم الأمور.
فسبحان من أشهدنا صدق ما أنزله في كتابه!
الأصدقاء.. تتوفر كتبي في:
تونس: دار المازري
الجزائر: مكتبة المجد
سوريا: مكتبة المحراب
تركيا: مكتبة الغرباء، ومكتبة وسم
غير ذلك: عبر أركان
من هنا مقدمات الكتب وفهارسها
تونس: دار المازري
الجزائر: مكتبة المجد
سوريا: مكتبة المحراب
تركيا: مكتبة الغرباء، ومكتبة وسم
غير ذلك: عبر أركان
من هنا مقدمات الكتب وفهارسها
من عجائب الشريعة الخالدة التي قلما يُنتبه لمعنى المعجزة فيها: "رمضان"!
بعد حدث مثل فضائح إبستين، حين تتأمل فعل "الصيام" باعتباره سلوكًا شرعيًا مفروضًا؛ تفهم من هذه العادة التعبدية معنى وجودي في غاية الأهمية، وهو أنك كائن محدود، لك سقف ينبغي أن تقف عنده، وأن في "الحرمان" على سبيل العبادة حكمة تتجاوز الجسد والفعل إلى صميم النفس والوجود!
وكأن غاية من غايات "الصيام"؛ غرس الوعي المستمر بوجود حدود ينبغي ألّا تُتجاوز، لأن النفس التي لا تعرف الحرمان تكون مُهيّأة لأن تبتلعها رغباتها، والنفس التي لا تعرف الحدّ تفقد القدرة على التمييز بين الرغبة والحق، بين ما تستطيعه وما يجوز لها، فتتحول القُدرة المطلقة إلى فجور مطلق.
حين تنظر للحضارة المعاصرة وهي تغرس في الإنسان - في التربية والاقتصاد والتعلم والنفس وكل مجالات الحياة - أن "الحرمان" شرّ ينبغي القضاء عليه، وتكون النتيجة أن النعم والمُدركات العادية لا تصبح كافية للإنسان؛ عندها تلمس معجزة "الصيام" الخالدة كفريضة رُفعت لتكون من أهم أركان الدين، بل نسج الدين منها منظومة كاملة تُعيد ترتيب علاقته بذاته وبالعالم، ولاحظ - على سبيل المثال فقط - كيف جُعل الصيام عنصرًا في الكفّارات، يمين وظهار وفِطر؛ فصار "الحرمان" نفسه أداة للتزكية والتوبة!
فتعرف ضرورة الدين لإصلاح الناس، وماذا خسر العالم ببعده عنه!
رغم كل التعقيد الذي وصل له العلم حول النفس وطبيعتها، عدنا في النهاية لحقيقة بسيطة أولية لطالما ذكرنا بها الدين وغفلنا عنها: أن ما يحفظ على الإنسان إنسانيته يبدأ من أبسط فعل: أن يجوع وهو يملك الطعام، ويعطش والماء أمامه، ويُمسك شهوته وهو قادر على تصريفها.. ليتذكّر دائمًا وأبدًا أنه ليس مقدسًا، وأن رغباته ليست مقدسة، وقديمًا قيل: "إن النفس إذا عُودت على نيل المباحات؛ ضعُفت أمام المحرمات".
بعد حدث مثل فضائح إبستين، حين تتأمل فعل "الصيام" باعتباره سلوكًا شرعيًا مفروضًا؛ تفهم من هذه العادة التعبدية معنى وجودي في غاية الأهمية، وهو أنك كائن محدود، لك سقف ينبغي أن تقف عنده، وأن في "الحرمان" على سبيل العبادة حكمة تتجاوز الجسد والفعل إلى صميم النفس والوجود!
وكأن غاية من غايات "الصيام"؛ غرس الوعي المستمر بوجود حدود ينبغي ألّا تُتجاوز، لأن النفس التي لا تعرف الحرمان تكون مُهيّأة لأن تبتلعها رغباتها، والنفس التي لا تعرف الحدّ تفقد القدرة على التمييز بين الرغبة والحق، بين ما تستطيعه وما يجوز لها، فتتحول القُدرة المطلقة إلى فجور مطلق.
حين تنظر للحضارة المعاصرة وهي تغرس في الإنسان - في التربية والاقتصاد والتعلم والنفس وكل مجالات الحياة - أن "الحرمان" شرّ ينبغي القضاء عليه، وتكون النتيجة أن النعم والمُدركات العادية لا تصبح كافية للإنسان؛ عندها تلمس معجزة "الصيام" الخالدة كفريضة رُفعت لتكون من أهم أركان الدين، بل نسج الدين منها منظومة كاملة تُعيد ترتيب علاقته بذاته وبالعالم، ولاحظ - على سبيل المثال فقط - كيف جُعل الصيام عنصرًا في الكفّارات، يمين وظهار وفِطر؛ فصار "الحرمان" نفسه أداة للتزكية والتوبة!
فتعرف ضرورة الدين لإصلاح الناس، وماذا خسر العالم ببعده عنه!
رغم كل التعقيد الذي وصل له العلم حول النفس وطبيعتها، عدنا في النهاية لحقيقة بسيطة أولية لطالما ذكرنا بها الدين وغفلنا عنها: أن ما يحفظ على الإنسان إنسانيته يبدأ من أبسط فعل: أن يجوع وهو يملك الطعام، ويعطش والماء أمامه، ويُمسك شهوته وهو قادر على تصريفها.. ليتذكّر دائمًا وأبدًا أنه ليس مقدسًا، وأن رغباته ليست مقدسة، وقديمًا قيل: "إن النفس إذا عُودت على نيل المباحات؛ ضعُفت أمام المحرمات".
رغم أهمية فكرة حراسة الحواس، وتأثيرها في النفس في كل وقت، إلا أن هذا المعنى يتأكد في رمضان أكثر من أي وقت آخر، باعتباره زمن تُكسر فيه أرسخ الأنماط؛ الأكل والشرب والشهوة.. فالانقطاع الواعي المتكرر عن المثيرات الحسية لمدة ثلاثين يومًا متصلة كفيل أن يُرسّخ في النفس عادات جديدة يبقى أثرها بعد انقضاء هذه الأيام.
فالصورة التي تتردد على البصر، والصوت الذي يتواتر على السمع؛ يُعيدان تشكيل الاستجابة والمشاعر والآمال، فسُنّة الله عز وجل في النفس أنها تتطبع على ما تستقبل، وتتشكل على ما تألف.. فسلامة النفس لا تبدأ في الأعماق كما يُظنّ، بل تبدأ عند العتبات؛ عند البصر قبل أن يمتد والأذن قبل أن تسمع واللسان قبل أن ينطق.. فالنفس تفقد من سلامتها بقدر ما تُرسل حواسها في فضاء الاستكثار والمقارنة والزخرف الزائف!
لذلك كان القرآن دقيقًا جدًّا في تأكيد "المسئولية" عن الحواس؛ "إنّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كُلُّ أولئك كان عنه مسئولا".. ولاحظ كيف عاملها القرآن معاملة العقلاء في قوله: "أولئك" الغالب استعماله للعاقل، تنزيلًا لتلك الحواس منزلة العقلاء، لأنها جديرة بذلك إذ هي طريق العقل كما قال الطاهر بن عاشور.
فالتعرض المستمر للمنكر يُفضي إلى تبلد القلب تجاهه، ويُفقد النفس قُدرتها على استشعار الإيمان، وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى بأبلغ وأوجز عبارة: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء"، فالحديث يصف بدقة مذهلة آلية التراكم النفسي لأثر المنكر، وأن الخلل لا يحدث دفعة واحدة بل بالتدرج والتكرار!
المعنى نفسه في الآية: "والذين لا يشهدونَ الزُّور وإذا مرُّوا باللغو مرُّوا كراما"، لأن ما ينتبه له الإنسان مرةً بعد مرة؛ ينمو في وعيه ويتعمق، ولاحظ كيف أن الآية لم تكتف بالنهي عن الزور، بل حددت منهج الأتقياء في التعامل مع الزور وما هو أعم منه "اللغو" حين يُفاجئها؛ "المرور الكريم" أي ترك الانخراط والاستغراق فيه.
صلاح الباطن لا يبدأ بقفزة كبرى، فالإنسان غالبًا ما يعود إلى أدراجه بعدها، بل يبدأ بعادات يومية في ضبط ما يرى وما يسمع وما يُتيح لنفسه أن يستغرق فيه.. وبقدر ما تصفو المداخل يصفو الداخل.
كل عام وأنتم بخير
فالصورة التي تتردد على البصر، والصوت الذي يتواتر على السمع؛ يُعيدان تشكيل الاستجابة والمشاعر والآمال، فسُنّة الله عز وجل في النفس أنها تتطبع على ما تستقبل، وتتشكل على ما تألف.. فسلامة النفس لا تبدأ في الأعماق كما يُظنّ، بل تبدأ عند العتبات؛ عند البصر قبل أن يمتد والأذن قبل أن تسمع واللسان قبل أن ينطق.. فالنفس تفقد من سلامتها بقدر ما تُرسل حواسها في فضاء الاستكثار والمقارنة والزخرف الزائف!
لذلك كان القرآن دقيقًا جدًّا في تأكيد "المسئولية" عن الحواس؛ "إنّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كُلُّ أولئك كان عنه مسئولا".. ولاحظ كيف عاملها القرآن معاملة العقلاء في قوله: "أولئك" الغالب استعماله للعاقل، تنزيلًا لتلك الحواس منزلة العقلاء، لأنها جديرة بذلك إذ هي طريق العقل كما قال الطاهر بن عاشور.
فالتعرض المستمر للمنكر يُفضي إلى تبلد القلب تجاهه، ويُفقد النفس قُدرتها على استشعار الإيمان، وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى بأبلغ وأوجز عبارة: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء"، فالحديث يصف بدقة مذهلة آلية التراكم النفسي لأثر المنكر، وأن الخلل لا يحدث دفعة واحدة بل بالتدرج والتكرار!
المعنى نفسه في الآية: "والذين لا يشهدونَ الزُّور وإذا مرُّوا باللغو مرُّوا كراما"، لأن ما ينتبه له الإنسان مرةً بعد مرة؛ ينمو في وعيه ويتعمق، ولاحظ كيف أن الآية لم تكتف بالنهي عن الزور، بل حددت منهج الأتقياء في التعامل مع الزور وما هو أعم منه "اللغو" حين يُفاجئها؛ "المرور الكريم" أي ترك الانخراط والاستغراق فيه.
صلاح الباطن لا يبدأ بقفزة كبرى، فالإنسان غالبًا ما يعود إلى أدراجه بعدها، بل يبدأ بعادات يومية في ضبط ما يرى وما يسمع وما يُتيح لنفسه أن يستغرق فيه.. وبقدر ما تصفو المداخل يصفو الداخل.
كل عام وأنتم بخير
لا شيء يُرقّق قلب المسلم في رمضان كالحديث عن تدبّر القرآن، تلين النفس لأقصر آية، ويتوقف العقل عند ما لم ينتبه له من قبل.
غير أن هذا الانفتاح - على جماله - يكشف في الوقت نفسه عن انتقائية عميقة تحصل بدون قصد، حيث التركيز على آيات القصص والرحمة والخلق والوعد والوعيد، وتجاوز آيات الأحكام العملية وبناء نظام الجماعة، ربما لأن موضوعاتها تبدو ثقيلة لا تناسب روحانية الشهر كما يعتقد بعض الناس.
رغم أن آيات الأحكام لها جمالها الخاص الذي لا يُدرك إلا بالتدبر؛ حين ترى نظامًا متسقًا لا ثغرة فيه، يبدأ من الكليات فلا يُناقض الجزئيات، ويبدأ من الجزئيات فتُفضي إلى الكليات، وحين تُدرك أن الله تعالى لم يتركنا نتخبط في أثقل مواطن الحياة، خلق الكون ودبّر أمر كل الخلق ثم هو مع هذه العظائم يُحدد في كتابه حصص الميراث والعدة بالأشهر والشاهد واليمين والعقوبات والعقود!
تأمل لفظة "حدود" في القرآن، التي يعاملها البعض بوصفها مصطلح عقابي بحت، لكن "الحد" في أصله العربي معناه الفاصل والحاجز والنهاية، فالحدود في القرآن لا تقتصر على العقوبات، هنا يكمن البُعد "التعبدي" في هذه اللفظة الذي غالبًا ما يُغفل عنه، وهو مذهل حين تتأمله في النص القرآني مباشرةً..
لفظ "حدود الله" ورد في القرآن الكريم ١٢ مرة، وتوزّعت على سياقات متباعدة جدًّا؛ في الصيام، وفي الزواج، وفي المواريث، وفي العدة والطلاق، وفي الجرائم.
العقوبات المقدّرة شرعًا استُعير لها من هذا المفهوم الأوسع، لا العكس، أي أن "حدود الله" هي المنظومة الكبرى في حياة الإنسان كلها، والعقوبات المقدّرة ليست إلا الأثر القانوني لتجاوز هذه الحدود، لا الحدود ذاتها.
بعبارة أخرى؛ الناس حين يسمعون كلمة "الحدود" يظنون أنها تعني العقوبات أصلًا ورأسًا، وأن معناها الأصيل هو الجلد والقطع ونحوه، لكن الحقيقة أن جملة "حدود الله" أصلها في القرآن - قبل أن تُستخدم اسمًا للعقوبات - يشمل المنظومة الكبرى للحياة كلها.
تخيّل جدارًا وشخصًا اصطدم به؛ الجدار هو الحدّ، والاصطدام هو العقوبة، الفقهاء كانوا يُدركون هذا الفرق جيدًا، فاستعملوها بالمعنيين الواسع والضيق، ومنه كان تعظيمهم للشرع وأحكامه، لكن المستشرقون والحداثيون لم يستوعبوا هذا الفرق، فسلبوا المعنى التعبدي من النص، واقتصروا حياله على المعنى العملي، واختزلوا المعنى الكبير في الاستخدام الضيق.
ولذلك، تأمل الفارق الدقيق بين "فلا تقربوها" و "فلا تعتدوها"، في آية الصيام قال: "فلا تقربوها"، وفي آيات الطلاق والمواريث قال: "فلا تعتدوها" وقال: "ومن يتعدَّ"، الفارق أنه في العبادات يُنهى عن مجرد الاقتراب من الحدّ، أما في المعاملات فيُنهى عن تجاوزه، كأن المنطقة المحيطة بالعبادة أكثر حساسية، والحماية فيها تبدأ قبل الحدّ نفسه بمسافة، وهذا يكشف أن الحدود ليست خطوطًا للعقاب، بقدر ما هي بنية اجتماعية (شبيهة بالهندسية) للحياة الإنسانية، بعضها محاط بحرم أوسع من بعض.
في الحديث المشهور: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات" هو في جوهره تفسير للحدود بلغة المساحة والمسافة، لا بلغة العقوبة، وحديث: "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه" يستخدم صورة الحمى والملكية (الأرض التي يحظر الاقتراب منها) ليصف علاقة الإنسان بحدود الله، فكلا الحديثين يرسمان صورة مكانية: الحدّ ليس مجرد عقوبة، بل خط في الفضاء الأخلاقي والتشريعي يُرسم ليُحترم.
"الحدود" في القرآن هي اسم لمنظومة الحدود الإلهية في الوجود الإنساني بأسره: في العبادة والأسرة والمال والمجتمع، والعقوبات المقدّرة لم تُسمَّ حدودًا لأنها قاسية أو مغلظة كما هو شائع في الاستعمال أو الفهم، بل لأنها تُجسّد ما هو خارج عن هذه الحدود، كأنه لا شيء آخر بعدها.
إن شاء الله خلال شهر رمضان أنشر مقالات متتابعة في تدبر آيات الأحكام العملية، الغرض منها بيان بلاغة القرآن في بيان الأحكام الشرعية، ولن تكون مجملة أو كلية بل تنصب على لفظ بعينه أو جمل قصيرة من القرآن، أركز على معانيها العميقة ودلالتها وتأثيرها العقدي والأخلاقي في الحُكم الشرعي، نفعني الله وإياكم بها.
#تدبر_آيات_الأحكام
غير أن هذا الانفتاح - على جماله - يكشف في الوقت نفسه عن انتقائية عميقة تحصل بدون قصد، حيث التركيز على آيات القصص والرحمة والخلق والوعد والوعيد، وتجاوز آيات الأحكام العملية وبناء نظام الجماعة، ربما لأن موضوعاتها تبدو ثقيلة لا تناسب روحانية الشهر كما يعتقد بعض الناس.
رغم أن آيات الأحكام لها جمالها الخاص الذي لا يُدرك إلا بالتدبر؛ حين ترى نظامًا متسقًا لا ثغرة فيه، يبدأ من الكليات فلا يُناقض الجزئيات، ويبدأ من الجزئيات فتُفضي إلى الكليات، وحين تُدرك أن الله تعالى لم يتركنا نتخبط في أثقل مواطن الحياة، خلق الكون ودبّر أمر كل الخلق ثم هو مع هذه العظائم يُحدد في كتابه حصص الميراث والعدة بالأشهر والشاهد واليمين والعقوبات والعقود!
تأمل لفظة "حدود" في القرآن، التي يعاملها البعض بوصفها مصطلح عقابي بحت، لكن "الحد" في أصله العربي معناه الفاصل والحاجز والنهاية، فالحدود في القرآن لا تقتصر على العقوبات، هنا يكمن البُعد "التعبدي" في هذه اللفظة الذي غالبًا ما يُغفل عنه، وهو مذهل حين تتأمله في النص القرآني مباشرةً..
لفظ "حدود الله" ورد في القرآن الكريم ١٢ مرة، وتوزّعت على سياقات متباعدة جدًّا؛ في الصيام، وفي الزواج، وفي المواريث، وفي العدة والطلاق، وفي الجرائم.
العقوبات المقدّرة شرعًا استُعير لها من هذا المفهوم الأوسع، لا العكس، أي أن "حدود الله" هي المنظومة الكبرى في حياة الإنسان كلها، والعقوبات المقدّرة ليست إلا الأثر القانوني لتجاوز هذه الحدود، لا الحدود ذاتها.
بعبارة أخرى؛ الناس حين يسمعون كلمة "الحدود" يظنون أنها تعني العقوبات أصلًا ورأسًا، وأن معناها الأصيل هو الجلد والقطع ونحوه، لكن الحقيقة أن جملة "حدود الله" أصلها في القرآن - قبل أن تُستخدم اسمًا للعقوبات - يشمل المنظومة الكبرى للحياة كلها.
تخيّل جدارًا وشخصًا اصطدم به؛ الجدار هو الحدّ، والاصطدام هو العقوبة، الفقهاء كانوا يُدركون هذا الفرق جيدًا، فاستعملوها بالمعنيين الواسع والضيق، ومنه كان تعظيمهم للشرع وأحكامه، لكن المستشرقون والحداثيون لم يستوعبوا هذا الفرق، فسلبوا المعنى التعبدي من النص، واقتصروا حياله على المعنى العملي، واختزلوا المعنى الكبير في الاستخدام الضيق.
ولذلك، تأمل الفارق الدقيق بين "فلا تقربوها" و "فلا تعتدوها"، في آية الصيام قال: "فلا تقربوها"، وفي آيات الطلاق والمواريث قال: "فلا تعتدوها" وقال: "ومن يتعدَّ"، الفارق أنه في العبادات يُنهى عن مجرد الاقتراب من الحدّ، أما في المعاملات فيُنهى عن تجاوزه، كأن المنطقة المحيطة بالعبادة أكثر حساسية، والحماية فيها تبدأ قبل الحدّ نفسه بمسافة، وهذا يكشف أن الحدود ليست خطوطًا للعقاب، بقدر ما هي بنية اجتماعية (شبيهة بالهندسية) للحياة الإنسانية، بعضها محاط بحرم أوسع من بعض.
في الحديث المشهور: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات" هو في جوهره تفسير للحدود بلغة المساحة والمسافة، لا بلغة العقوبة، وحديث: "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه" يستخدم صورة الحمى والملكية (الأرض التي يحظر الاقتراب منها) ليصف علاقة الإنسان بحدود الله، فكلا الحديثين يرسمان صورة مكانية: الحدّ ليس مجرد عقوبة، بل خط في الفضاء الأخلاقي والتشريعي يُرسم ليُحترم.
"الحدود" في القرآن هي اسم لمنظومة الحدود الإلهية في الوجود الإنساني بأسره: في العبادة والأسرة والمال والمجتمع، والعقوبات المقدّرة لم تُسمَّ حدودًا لأنها قاسية أو مغلظة كما هو شائع في الاستعمال أو الفهم، بل لأنها تُجسّد ما هو خارج عن هذه الحدود، كأنه لا شيء آخر بعدها.
إن شاء الله خلال شهر رمضان أنشر مقالات متتابعة في تدبر آيات الأحكام العملية، الغرض منها بيان بلاغة القرآن في بيان الأحكام الشرعية، ولن تكون مجملة أو كلية بل تنصب على لفظ بعينه أو جمل قصيرة من القرآن، أركز على معانيها العميقة ودلالتها وتأثيرها العقدي والأخلاقي في الحُكم الشرعي، نفعني الله وإياكم بها.
#تدبر_آيات_الأحكام
من أكثر ما يُدهش في آيات الأحكام العملية في القرآن أنها لا تُفصح عن منطقها مباشرة كما تفعل آيات الوعظ والترغيب، بل تُودعه في ألفاظها ذاتها، تنتظر الوقوف عندها.
آيات الوعظ في الغالب ما تخاطب الوجدان مباشرة، أما آيات الأحكام فتخاطب العقل والوجدان معًا في آنٍ واحد، وتضع أمامنا طبقات من المعنى لا تُكشف إلا للمتدبر المتأني.. فآيات الأحكام لا تملك إعجازًا أقل، بل تملك إعجازًا مختلفًا في الظاهر والجوهر؛ حيث الكلمة الواحدة تحمل الحكم وفلسفة الحكم معًا.
في المقال السابق وقفت عند المعاني التي يحملها تعبير "حدود الله" خاصةً المعنى التعبدي، وما فيه من جماليات.. لا يقل بلاغة عنه تعبير "يأكلون" الذي أشار له القرآن في استحلال الربا ومال اليتيم وأموال الناس بالباطل..
فاختيار التعبير بـ "الأكل" في استحلال المال ليس مجرد مجاز بلاغي يُكنّى به عن الانتفاع، بل هو اختيار دلالي مُحكم يحمل في طياته فلسفة الحكم؛ فالأكل أعمق صور الاستهلاك وأكثرها حميمية، لأن سائر أوجه الانتفاع بالمال - كالسكن والركوب واللبس - تبقى خارج البدن، منفصلة عن الذات بمسافة ما وإن قلت.. أما الأكل فهو الوجه الوحيد من الانتفاع الذي يُدخل الشيء إلى داخل الإنسان فيمتزج بدمه ويُبنى منه عظمه ولحمه.
فحين يقول القرآن: "يأكلون الربا"، "يأكلون أموالَ اليتامى"، "ليأكلون أموالَ الناس".. فهو لا يصف فعلًا اقتصاديًا إجراميًا فحسب، بل يصف تحولًا في الذات؛ حيث يصير المال الحرام جزءًا من بنية من استحله.
هذه الصورة البيانية تأخذ أوسع أشكالها وأبدع معانيها حين تقترن بتعبير "إنما يأكلونَ في بُطونِهم نارًا"، "لا يقومونَ إلا كما يقومُ الذي يتخَبّطُه الشيطان من المسّ".. حيث تنتقل الآيات بالمعنى الذهني إلى المعنى الحسي فتمنحه الحياة الشاخصة.. فالمال الحرام اشتعل في بطن من أكله، والربا نما في بطن من استحله فأثقّله حتى أفسد عليه قيامه وحركته!
فبدلًا من أن يمد الأكل الآكل قوة؛ أضعفه وأخلّ بقواه، فالجزاء أقرب ما يكون منه، ولكن لا يشعر لأن بريق المال يخدعه.
هذا المعنى تفهمه جيدًا حين تستحضر الحديث النبوي: "كل جسدٍ نبت من سُحْت فالنارُ أولى به"، حيث يلتقي الحديث مع الآيات في بنية واحدة؛ فالمال لم يبق مالًا، بل تحول بالأكل إلى خلايا وعظام ودم، فصار الجسد هو الشاهد المادي على الحرام، فصارت النار أولى به.
ثم وفي الكلمة نفسها "يأكلون" قطعًا لوهم الاضطرار.. فأضافت للآية بلاغة فوق بلاغة، فالأكل هو الحاجة الأولى التي لا يُتصوّر الاستغناء عنها، فاختيار لفظة "الأكل" في هذا الموضع تحديدًا قطع وهم قديم يتذرع به المُستحل عادةً "مُضطر"! فكأن المعنى: لو كان ثمة موضع تُباح فيه الحرمة لضرورة لكان الأكل هو أولى المواضع بذلك، فإذا كان الأكل به ممنوعًا فكيف بما هو دونه من وجوه الانتفاع؟!
وهذا من أبلغ أساليب سد الذريعة في القرآن: أن يبدأ بتحريم أشدّ الحاجات ضرورةً دون حاجة في أن يُعدد المنافع الممنوعة واحدًا بعد واحد، فإذا سقط عذر الاضطرار في أشدها سقطت معه كل الذرائع دونه.
#تدبر_آيات_الأحكام
آيات الوعظ في الغالب ما تخاطب الوجدان مباشرة، أما آيات الأحكام فتخاطب العقل والوجدان معًا في آنٍ واحد، وتضع أمامنا طبقات من المعنى لا تُكشف إلا للمتدبر المتأني.. فآيات الأحكام لا تملك إعجازًا أقل، بل تملك إعجازًا مختلفًا في الظاهر والجوهر؛ حيث الكلمة الواحدة تحمل الحكم وفلسفة الحكم معًا.
في المقال السابق وقفت عند المعاني التي يحملها تعبير "حدود الله" خاصةً المعنى التعبدي، وما فيه من جماليات.. لا يقل بلاغة عنه تعبير "يأكلون" الذي أشار له القرآن في استحلال الربا ومال اليتيم وأموال الناس بالباطل..
فاختيار التعبير بـ "الأكل" في استحلال المال ليس مجرد مجاز بلاغي يُكنّى به عن الانتفاع، بل هو اختيار دلالي مُحكم يحمل في طياته فلسفة الحكم؛ فالأكل أعمق صور الاستهلاك وأكثرها حميمية، لأن سائر أوجه الانتفاع بالمال - كالسكن والركوب واللبس - تبقى خارج البدن، منفصلة عن الذات بمسافة ما وإن قلت.. أما الأكل فهو الوجه الوحيد من الانتفاع الذي يُدخل الشيء إلى داخل الإنسان فيمتزج بدمه ويُبنى منه عظمه ولحمه.
فحين يقول القرآن: "يأكلون الربا"، "يأكلون أموالَ اليتامى"، "ليأكلون أموالَ الناس".. فهو لا يصف فعلًا اقتصاديًا إجراميًا فحسب، بل يصف تحولًا في الذات؛ حيث يصير المال الحرام جزءًا من بنية من استحله.
هذه الصورة البيانية تأخذ أوسع أشكالها وأبدع معانيها حين تقترن بتعبير "إنما يأكلونَ في بُطونِهم نارًا"، "لا يقومونَ إلا كما يقومُ الذي يتخَبّطُه الشيطان من المسّ".. حيث تنتقل الآيات بالمعنى الذهني إلى المعنى الحسي فتمنحه الحياة الشاخصة.. فالمال الحرام اشتعل في بطن من أكله، والربا نما في بطن من استحله فأثقّله حتى أفسد عليه قيامه وحركته!
فبدلًا من أن يمد الأكل الآكل قوة؛ أضعفه وأخلّ بقواه، فالجزاء أقرب ما يكون منه، ولكن لا يشعر لأن بريق المال يخدعه.
هذا المعنى تفهمه جيدًا حين تستحضر الحديث النبوي: "كل جسدٍ نبت من سُحْت فالنارُ أولى به"، حيث يلتقي الحديث مع الآيات في بنية واحدة؛ فالمال لم يبق مالًا، بل تحول بالأكل إلى خلايا وعظام ودم، فصار الجسد هو الشاهد المادي على الحرام، فصارت النار أولى به.
ثم وفي الكلمة نفسها "يأكلون" قطعًا لوهم الاضطرار.. فأضافت للآية بلاغة فوق بلاغة، فالأكل هو الحاجة الأولى التي لا يُتصوّر الاستغناء عنها، فاختيار لفظة "الأكل" في هذا الموضع تحديدًا قطع وهم قديم يتذرع به المُستحل عادةً "مُضطر"! فكأن المعنى: لو كان ثمة موضع تُباح فيه الحرمة لضرورة لكان الأكل هو أولى المواضع بذلك، فإذا كان الأكل به ممنوعًا فكيف بما هو دونه من وجوه الانتفاع؟!
وهذا من أبلغ أساليب سد الذريعة في القرآن: أن يبدأ بتحريم أشدّ الحاجات ضرورةً دون حاجة في أن يُعدد المنافع الممنوعة واحدًا بعد واحد، فإذا سقط عذر الاضطرار في أشدها سقطت معه كل الذرائع دونه.
#تدبر_آيات_الأحكام
مما يعكسه تدبر آيات الأحكام العملية أن الإسلام في جوهره ليس منظومة تكاليف تُنفَّذ فحسب، بل كذلك منظومة تربية تمر عبر الأحكام وتُودَع فيها، ولذلك قلّما يوجد حكم شرعي عملي إلا وله انعكاس تزكوي، بل التأمل الدقيق في المفردة القرآنية يكشف في الغالب أن الحكم والتزكية لا يتعاقبان بل يتلازمان، وأن القرآن تضمن في اختياره للفظة دون أخرى من الحكمة التربوية ما يساوي ما تضمنه من الحكمة التشريعية!
وما زال الكلام متصلًا في تدبر آيات الأحكام العملية، وكان منهجي اختيار مفردات قرآنية بعينها والوقوف عندها، توقفنا أولًا مع تعبير "حدود الله"، ثم تعبير "يأكلون" في آيات الربا والمال الحرام.. واليوم وقفة مع تعبير "غير باغٍ ولا عادٍ" الذي تكمن بلاغته في أنه على قصره لا يترك فراغًا في أمر من أهم ما يخص حياة الإنسان وهو "الاضطرار"؛ "فمن اضطُر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه".
فالبغي هو الطلب والقصد، ومنه "بغى الشيء" أي طلبه وتحرّاه، أما "العادي" فمن الاعتداء والتجاوز، ومنه "عدا عن حدّه" أي تخطّاه.. فالمراد بـ "باغٍ": من يتوجّه بإرادته نحو الحرام طالبًا له قاصدًا إياه، والمراد بـ "عادٍ": من تجاوز مقدار الضرورة إلى ما هو زائد عليها.
فالأولى متعلقة بالقصد، والثانية متعلقة بالقدر.. البغي في الباعث والنية، والعدوان في الحد والمقدار!
والمعنى العميق الذي تنطوي عليه الآية هو أن رخصة الاضطرار لا تُباح إلا لمن استوفى الشرطين معًا: نظافة الباطن، وانضباط الظاهر.. فمن فعل الحرام لكنه في قرارة نفسه مائلٌ له راغبٌ فيه فلا رخصة له، ومن صفى القصد لكنه تجاوز ما تقتضيه الضرورة إلى التلذذ فلا رخصة له.
كأن الآية تطلب من المضطر أن يكون كارهًا للحرام وإن كان مضطرًا له، لأن الكُره يُفضي إلى سرعة التخلص منه.. وتطلب ألا يستشعر اللذة فيه وإن كان مما يُتلذذ به، لأن استشعارها يُفضي إلى إلف الحرام والسكون إليه!
المبهر في هذا الجمع بين المعنيين أن الرخصة هنا صارت ليست إسقاطًا للتكليف، بل أصبحت في ذاتها تكليفًا جديدًا؛ أن يبقى القلب على موقفه من الحرام حتى وإن فعلته الجوارح، وألا تتجاوز الجوارح فيه وهي مُضطرة له!
فالشريعة لا تُعطّل الضمير في الأزمات ولا تنظر إلى الأزمة نظرة القانون الذي يرفع التبعة ويُعلّق الحكم حتى تنتهي الأزمة، بل تنظر إليها بوصفها اختبارًا جديدًا لا اختبارًا موقوفًا.
فالشريعة هنا تُراهن على شيء عميق في المؤمن: أنه قادر حتى في اللحظة الحرجة أن يُفرق بين ما يفعله مضطرًا وما يُريده مختارًا، وأن يُفرق بين ما يحتاجه وما يشتهيه، وهذا التمييز هو ما يصونه الجمع بين "غير باغٍ" و "غير عادٍ" في الموقف نفسه واللحظة نفسها.
هنا تفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحبُّ أن تُؤتى رخصه كما يكره أن تُؤتى معصيته".. لأن الرخصة باتت ليست إعفاءً من التكليف بل هي تكليف آخر يُحبّه الله.. فالحديث بهذا المعنى تفسير للآية في منطقها الأعمق: الرخصة عبادة لمن أتاها على وجهها، وهي معصية لمن أتاها باغيًا أو عاديًا.
وفي هذا وحده كفاية لأن يُدرك المتدبّر أن من إحكام الشريعة أنها بنت استثناءاتها على نفس الأساس الذي بنت عليه أحكامها.
#تدبر_آيات_الأحكام
وما زال الكلام متصلًا في تدبر آيات الأحكام العملية، وكان منهجي اختيار مفردات قرآنية بعينها والوقوف عندها، توقفنا أولًا مع تعبير "حدود الله"، ثم تعبير "يأكلون" في آيات الربا والمال الحرام.. واليوم وقفة مع تعبير "غير باغٍ ولا عادٍ" الذي تكمن بلاغته في أنه على قصره لا يترك فراغًا في أمر من أهم ما يخص حياة الإنسان وهو "الاضطرار"؛ "فمن اضطُر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه".
فالبغي هو الطلب والقصد، ومنه "بغى الشيء" أي طلبه وتحرّاه، أما "العادي" فمن الاعتداء والتجاوز، ومنه "عدا عن حدّه" أي تخطّاه.. فالمراد بـ "باغٍ": من يتوجّه بإرادته نحو الحرام طالبًا له قاصدًا إياه، والمراد بـ "عادٍ": من تجاوز مقدار الضرورة إلى ما هو زائد عليها.
فالأولى متعلقة بالقصد، والثانية متعلقة بالقدر.. البغي في الباعث والنية، والعدوان في الحد والمقدار!
والمعنى العميق الذي تنطوي عليه الآية هو أن رخصة الاضطرار لا تُباح إلا لمن استوفى الشرطين معًا: نظافة الباطن، وانضباط الظاهر.. فمن فعل الحرام لكنه في قرارة نفسه مائلٌ له راغبٌ فيه فلا رخصة له، ومن صفى القصد لكنه تجاوز ما تقتضيه الضرورة إلى التلذذ فلا رخصة له.
كأن الآية تطلب من المضطر أن يكون كارهًا للحرام وإن كان مضطرًا له، لأن الكُره يُفضي إلى سرعة التخلص منه.. وتطلب ألا يستشعر اللذة فيه وإن كان مما يُتلذذ به، لأن استشعارها يُفضي إلى إلف الحرام والسكون إليه!
المبهر في هذا الجمع بين المعنيين أن الرخصة هنا صارت ليست إسقاطًا للتكليف، بل أصبحت في ذاتها تكليفًا جديدًا؛ أن يبقى القلب على موقفه من الحرام حتى وإن فعلته الجوارح، وألا تتجاوز الجوارح فيه وهي مُضطرة له!
فالشريعة لا تُعطّل الضمير في الأزمات ولا تنظر إلى الأزمة نظرة القانون الذي يرفع التبعة ويُعلّق الحكم حتى تنتهي الأزمة، بل تنظر إليها بوصفها اختبارًا جديدًا لا اختبارًا موقوفًا.
فالشريعة هنا تُراهن على شيء عميق في المؤمن: أنه قادر حتى في اللحظة الحرجة أن يُفرق بين ما يفعله مضطرًا وما يُريده مختارًا، وأن يُفرق بين ما يحتاجه وما يشتهيه، وهذا التمييز هو ما يصونه الجمع بين "غير باغٍ" و "غير عادٍ" في الموقف نفسه واللحظة نفسها.
هنا تفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحبُّ أن تُؤتى رخصه كما يكره أن تُؤتى معصيته".. لأن الرخصة باتت ليست إعفاءً من التكليف بل هي تكليف آخر يُحبّه الله.. فالحديث بهذا المعنى تفسير للآية في منطقها الأعمق: الرخصة عبادة لمن أتاها على وجهها، وهي معصية لمن أتاها باغيًا أو عاديًا.
وفي هذا وحده كفاية لأن يُدرك المتدبّر أن من إحكام الشريعة أنها بنت استثناءاتها على نفس الأساس الذي بنت عليه أحكامها.
#تدبر_آيات_الأحكام
أكثر ما يأخذ بالألباب في قصص الأنبياء أنها لم تبدأ من حيث يتوقع العقل أن تبدأ قصص التغيير الكبرى، بل بدأت من صبي يُلقى في اليَمّ، ومن شابٍ يُلقى في الجُبّ، ومن نبيٍّ يُلقى في البحر، وآخر يُلقى في النار.. كلها بدايات ويكأنها نهايات!
وما يزيد مشاهدها إبهارًا أن الذين بدوا وكأنهم يتحكمون في مصائر غيرهم؛ كانوا يصنعون مصارع أنفسهم.. إخوة يوسف حين رموه في الجبّ ظنّوا أنهم يُغلقون بابًا فإذا بهم يفتحون طريقًا، وفرعون حين همّ بذبح من هابه أن يُزلزل عرشه إذا به لا يُربيه إلا عند عرشه.. كل سعيٍ منهم كان خطوةً في الطريق إلى خيبتهم!
سُنة الله تعالى الجارية في المغترّين بقوتهم؛ أنهم حين يبلغون من الغرور حدًا يرون معه أنفسهم فوق أن يُغلبوا، ففي تلك اللحظة نفسها قد بذروا بذور هزيمتهم.. الغرور بالقوة لا يجعل المغتر أعمى عن أعدائه فحسب، بل يجعله أعمى عن نفسه، فكل قرار يتخذه بمقدار قوته؛ ثقل بالقدر نفسه يسحبه إلى هاويته، فرعون لم يَهزم موسى رغم قوته، بل هُزم بسببها!
معجزة الأنبياء الكبرى ليست في تمكينهم، بل في أن الطريق إلى تمكينهم كانت مُعبَّدةً بأسباب هزيمتهم.. والقرآن إنما يقص علينا قصصهم بكثرة ليُرينا أن القوة الأقوى هي القوة الأقل إذا كان معها إيمان أكبر، وأن الأضعف ليس بشرط أن يكون الأقل قوة، بل ربما كان الأقل إيمانًا.. فالإيمان لا يُعطيك قوةً موازية، بل يُعطيك بصيرة مختلفة؛ ترى بها ما لا يُرى، وتصبر بها على ما لا يُحتمل، وتدفع بها ما لا يُقدر عليه.
ولهذا تظل قصص القرآن حيّةً في كل زمان، لأنها - في حقيقتها - لا تحكي عن فرعون بعينه ولا عن عادٍ بعينهم، بل تحكي عن سُنن لا تتبدّل، أهمها: أن القوة المجردة من الحق غرورها أول أسباب زوالها.. "فأما عادٌ فاستكبروا في الأرض بغيرِ الحق وقالوا من أشدُّ منا قوةً أولم يروا أن اللهَ الذي خلقهُم هو أشدُّ منهم قوة"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل كمال في المعلول فهو من العلة".
وما يزيد مشاهدها إبهارًا أن الذين بدوا وكأنهم يتحكمون في مصائر غيرهم؛ كانوا يصنعون مصارع أنفسهم.. إخوة يوسف حين رموه في الجبّ ظنّوا أنهم يُغلقون بابًا فإذا بهم يفتحون طريقًا، وفرعون حين همّ بذبح من هابه أن يُزلزل عرشه إذا به لا يُربيه إلا عند عرشه.. كل سعيٍ منهم كان خطوةً في الطريق إلى خيبتهم!
سُنة الله تعالى الجارية في المغترّين بقوتهم؛ أنهم حين يبلغون من الغرور حدًا يرون معه أنفسهم فوق أن يُغلبوا، ففي تلك اللحظة نفسها قد بذروا بذور هزيمتهم.. الغرور بالقوة لا يجعل المغتر أعمى عن أعدائه فحسب، بل يجعله أعمى عن نفسه، فكل قرار يتخذه بمقدار قوته؛ ثقل بالقدر نفسه يسحبه إلى هاويته، فرعون لم يَهزم موسى رغم قوته، بل هُزم بسببها!
معجزة الأنبياء الكبرى ليست في تمكينهم، بل في أن الطريق إلى تمكينهم كانت مُعبَّدةً بأسباب هزيمتهم.. والقرآن إنما يقص علينا قصصهم بكثرة ليُرينا أن القوة الأقوى هي القوة الأقل إذا كان معها إيمان أكبر، وأن الأضعف ليس بشرط أن يكون الأقل قوة، بل ربما كان الأقل إيمانًا.. فالإيمان لا يُعطيك قوةً موازية، بل يُعطيك بصيرة مختلفة؛ ترى بها ما لا يُرى، وتصبر بها على ما لا يُحتمل، وتدفع بها ما لا يُقدر عليه.
ولهذا تظل قصص القرآن حيّةً في كل زمان، لأنها - في حقيقتها - لا تحكي عن فرعون بعينه ولا عن عادٍ بعينهم، بل تحكي عن سُنن لا تتبدّل، أهمها: أن القوة المجردة من الحق غرورها أول أسباب زوالها.. "فأما عادٌ فاستكبروا في الأرض بغيرِ الحق وقالوا من أشدُّ منا قوةً أولم يروا أن اللهَ الذي خلقهُم هو أشدُّ منهم قوة"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل كمال في المعلول فهو من العلة".
حين يكشف العدو عن هويته قبل أن يكشف عن سياسته، فيقول: "لا يمكن أن نسمح للأنظمة المؤمنة بأوهام نبوية إسلامية أن يمتلكوا أسلحة نووية"، فهو لا يُصدّر موقفًا سياسيًا بقدر ما يعترف اعترافًا هوياتيًا، فالتصريح في جوهره لا يتكلم عن السلاح ولا القوة، بل يتكلم عن الحق في الفاعلية في العالم، ومن يملك الحقوق ومن لا يملكها.
والمعيار الذي يستند إليه ليس معيار القانون الدولي الزائف - كما زعم من قبل - ولا موازين القوى - كما فرض من قبل - بل معيار "العقيدة".. يعني أن ما يجري ليس سياسةً يُفاوض عليها، بل هو صراع هوية يُحدَّد فيه من هو داخل دائرة الشرعية ومن هو خارجها.
المفارقة أن من يدّعي قيم العلمانية والحياد القيمي يُعلن بوضوح عن تعريف نفسه كنقيض للإسلام، فيكشف أن العلمانية الغربية لم تكن يومًا تجاوزًا للدين، بل كانت إعادة توظيف له في خدمة هوية مختلفة.
المفارقة الأغرب أن الطرفين - في الحرب الدائرة الآن - أعلنا بوضوح عن موقفهما الديني الهوياتي وأنه نقيض المشروع الإسلامي السني!
فرهان الطرفين اليوم ليس على السلاح ولا على التفاوض، بل على "الهوية" في أصلها، ذلك أنها هي التي تستجيش مشاعر الناس وتجمع القوى وتُثير الرغبة في الابتكار والإنتاج والعمل والتحمل (وغزة أقرب مثال).
فالأُمة التي تَعرف من هي لا تُقلقها تعريفات خصومها لها، بل تتخذ من تلك التعريفات دليلًا على أنها لا تزال تُمثل شيئًا يفرض وجوده، والتاريخ يُخبرنا أن الحضارات لا تموت حين يُحاربها خصومها، بل حين تنسلخ من مرجعياتها وتذوب في مرجعيات غيرها.
ومنه تفهم لماذا ركز الإسلام قبل كل شيءٍ على "العقيدة" وبدأ بها؟ ولماذا أكد القرآن مرارًا على أن للوجود غاية لا تُحددها موازين القوى؟
لأنه جوهر "الهوية" وعمودها الفقري، وهو الذي يجعل المسلم غير قابل للذوبان والاستتباع.. أُمة تعتقد أن التاريخ مفتوح على الغيب لا تُهزم هزيمةً نهائية، لأن مرجعيتها لا تسقط حين تسقط جيوشها؛ وهذا بعينه هو ما يجعل عدوها يشعر أنه لم ينتهِ منها حتى حين يرى بعينه أنه انتهى منها.
قال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذِّكر وإنا له لحافظون"، فالمرجعية التي تقوم عليها هوية المسلم مكفول حفظها ومضمونة بضمان إلهي واضح، فالحضارة التي تبني هويتها على مرجعية محفوظة بضمان سماوي تملك في صميمها ما لا تملكه حضارة تبني هويتها على موازين قوى أرضية متحوّلة.
والمعيار الذي يستند إليه ليس معيار القانون الدولي الزائف - كما زعم من قبل - ولا موازين القوى - كما فرض من قبل - بل معيار "العقيدة".. يعني أن ما يجري ليس سياسةً يُفاوض عليها، بل هو صراع هوية يُحدَّد فيه من هو داخل دائرة الشرعية ومن هو خارجها.
المفارقة أن من يدّعي قيم العلمانية والحياد القيمي يُعلن بوضوح عن تعريف نفسه كنقيض للإسلام، فيكشف أن العلمانية الغربية لم تكن يومًا تجاوزًا للدين، بل كانت إعادة توظيف له في خدمة هوية مختلفة.
المفارقة الأغرب أن الطرفين - في الحرب الدائرة الآن - أعلنا بوضوح عن موقفهما الديني الهوياتي وأنه نقيض المشروع الإسلامي السني!
فرهان الطرفين اليوم ليس على السلاح ولا على التفاوض، بل على "الهوية" في أصلها، ذلك أنها هي التي تستجيش مشاعر الناس وتجمع القوى وتُثير الرغبة في الابتكار والإنتاج والعمل والتحمل (وغزة أقرب مثال).
فالأُمة التي تَعرف من هي لا تُقلقها تعريفات خصومها لها، بل تتخذ من تلك التعريفات دليلًا على أنها لا تزال تُمثل شيئًا يفرض وجوده، والتاريخ يُخبرنا أن الحضارات لا تموت حين يُحاربها خصومها، بل حين تنسلخ من مرجعياتها وتذوب في مرجعيات غيرها.
ومنه تفهم لماذا ركز الإسلام قبل كل شيءٍ على "العقيدة" وبدأ بها؟ ولماذا أكد القرآن مرارًا على أن للوجود غاية لا تُحددها موازين القوى؟
لأنه جوهر "الهوية" وعمودها الفقري، وهو الذي يجعل المسلم غير قابل للذوبان والاستتباع.. أُمة تعتقد أن التاريخ مفتوح على الغيب لا تُهزم هزيمةً نهائية، لأن مرجعيتها لا تسقط حين تسقط جيوشها؛ وهذا بعينه هو ما يجعل عدوها يشعر أنه لم ينتهِ منها حتى حين يرى بعينه أنه انتهى منها.
قال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذِّكر وإنا له لحافظون"، فالمرجعية التي تقوم عليها هوية المسلم مكفول حفظها ومضمونة بضمان إلهي واضح، فالحضارة التي تبني هويتها على مرجعية محفوظة بضمان سماوي تملك في صميمها ما لا تملكه حضارة تبني هويتها على موازين قوى أرضية متحوّلة.
بعض الناس تُرهق نفسها في تفكيك ما تعجز عن التأثير فيه، وتُفرّط فيما تملكه بسبب انشغالها بما لا تملكه.. والعيب ليس في الاهتمام بما تعجز عنه، بل حين تجور مساحة الاهتمام على مساحة التأثير.
من أصول علاقة المؤمن بالعالَم: أن الدين لا يتأزم حين يتأزم الواقع، وأن يد المؤمن مبسوطة بالطاعة دائمًا مهما ضاقت الأحوال.. فالعجز الذي تُلام عليه ليس حين تخرج من دائرة الفعل الكبير، بل حين تخرج من دائرة الفعل الصغير كذلك، فتعذر نفسك في الأولى لأنها أكبر منك، ثم تجعل الاهتمام بالأولى عذرًا في التفريط في الثانية لأنها أقل شأنًا!
أفدح خسارة مع الأحداث الكبرى: خسارة النفس، حين يستنزفها طوفان الأخبار والمشاعر والجدل، فيصير المرء حبيس همَّين؛ اكتراث محموم بما لا يملك تغييره، وإفراط مقصود فيما يملك إصلاحه.. والله عز وجل يقول: "والعصرِ إنَّ الإنسانَ لفي خُسر"، قال جمهور المفسرين: "خُسرٌ أي نقص".. فكلُّ يومٍ يمر؛ نقصٌ في العمر ونقصٌ في الفرصة، والمقدور بيدك قد يبلغ بك - إذا فعلتَه بصدق وصبر - منزلةً أجلّ من منزلةِ المقدور في ميادين الكبار.
ما يجري في الكون كله لا يخرج عن تدبير الله ومشيئته، والابتلاء به قد يكون لفردٍ أو جماعة وقد يكون لأفرادٍ وجماعات، يسوق سبحانه الأقوياء والضعفاء معًا، الذين أصابهم والذين هم بعيد عنه؛ إلى حيث أراد وقدّر، تحت سلطانه وبحكمته، فهم فيما يبدو: فاعلون مُدبّرون، وفي الحقيقة: مُساقون مُسيَّرون، تجري بهم المقادير إلى ما لم يحتسبوا، فمنهم من يُساق من العُسر لليُسر فرجًا، ومنهم من يُساق من اليُسر للعُسر بلاءً ومكرًا.
فمن علم هذا واعتقده سكن إلى تدبير الله، ولم تُقلقه تقلّبات الأحداث، بل جعل كلَّ همّه: الثبات على المقدور، والصبر على المقدّر.
من أصول علاقة المؤمن بالعالَم: أن الدين لا يتأزم حين يتأزم الواقع، وأن يد المؤمن مبسوطة بالطاعة دائمًا مهما ضاقت الأحوال.. فالعجز الذي تُلام عليه ليس حين تخرج من دائرة الفعل الكبير، بل حين تخرج من دائرة الفعل الصغير كذلك، فتعذر نفسك في الأولى لأنها أكبر منك، ثم تجعل الاهتمام بالأولى عذرًا في التفريط في الثانية لأنها أقل شأنًا!
أفدح خسارة مع الأحداث الكبرى: خسارة النفس، حين يستنزفها طوفان الأخبار والمشاعر والجدل، فيصير المرء حبيس همَّين؛ اكتراث محموم بما لا يملك تغييره، وإفراط مقصود فيما يملك إصلاحه.. والله عز وجل يقول: "والعصرِ إنَّ الإنسانَ لفي خُسر"، قال جمهور المفسرين: "خُسرٌ أي نقص".. فكلُّ يومٍ يمر؛ نقصٌ في العمر ونقصٌ في الفرصة، والمقدور بيدك قد يبلغ بك - إذا فعلتَه بصدق وصبر - منزلةً أجلّ من منزلةِ المقدور في ميادين الكبار.
ما يجري في الكون كله لا يخرج عن تدبير الله ومشيئته، والابتلاء به قد يكون لفردٍ أو جماعة وقد يكون لأفرادٍ وجماعات، يسوق سبحانه الأقوياء والضعفاء معًا، الذين أصابهم والذين هم بعيد عنه؛ إلى حيث أراد وقدّر، تحت سلطانه وبحكمته، فهم فيما يبدو: فاعلون مُدبّرون، وفي الحقيقة: مُساقون مُسيَّرون، تجري بهم المقادير إلى ما لم يحتسبوا، فمنهم من يُساق من العُسر لليُسر فرجًا، ومنهم من يُساق من اليُسر للعُسر بلاءً ومكرًا.
فمن علم هذا واعتقده سكن إلى تدبير الله، ولم تُقلقه تقلّبات الأحداث، بل جعل كلَّ همّه: الثبات على المقدور، والصبر على المقدّر.
من أعظم المِنن الإلهية؛ حجب الغيب عن الناس، وجعل علمه مقصورًا على الله تعالى وحده، فالحجب ليس حرمانًا بقدر ما هو رحمة ورعاية.. لذلك لم ينشغل أحد من الصحابة والتابعين بالتنبؤ بالغيبيات إلا فيما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، رغم عِظم الأحداث التي عاشوها، ورغم وجود "مُلهمون" بينهم مثل عمر رضي الله عنه، لأن معرفة المستقبل لو كان سهلًا على البشر لأفسد عليهم حاضرهم وأضعف عزائمهم.
فالإنسان الذي يعلم متى تحلّ به المصيبة، أو متى ينتصر أو ينهزم؛ إما يتكل ويتراخى أو ييئس وينكسر، فلا جدوى من الأخذ بالأسباب.. فالغيب المحجوب هو ما يُبقي المؤمن يقظًا مع موجبات العبودية، فتمام التوكل قرين تمام الجهل بالعاقبة، ومن غابت عنه العاقبة؛ ازداد افتقارًا إليه ولجوءًا له ودعاءً بين يديه.
ومع ذلك، ومع كل حدث كبير تعيشه الأُمة، تجد بعض الناس يشغلهم التنبؤ والتوقع والاستشراف، والبحث عن علامات وإشارات في الأحداث، ليُنزّلوا أحاديث الملاحم والفتن على الواقع بكل جرأة وافتئات، فينشغل الناس بالتوقعات والتخمينات، ويُنسون السؤال الأهم "سؤال العبودية": ماذا عليّ؟ ولأي غاية؟
لذلك كان من مناهي الشريعة: منع كل ما ألهي عن الفعل وأوهم بالمعرفة الغيبية، مثل التنجيم والعرافة والطيرة، بغض النظر ما إذا وافقت حقًا أو لم توافق، صدقتها الأيام أم كذّبتها، فكلها مذمومة، لأنها تشغل عن الإعداد والعمل حتى وإن لم يوافقا نصرًا أو نتيجة ذات بال، لأننا مُتعبدون بالوسيلة لا بالنتيجة.
فما بالنا وأكثر من يتكلم في هذه الأمور لا يتكلمون بعلم ولا هدى ولا كتاب منير، بل بظنون وتخرّصات وأهواء!
واجب كل وقت، ومن باب أولى أوقات الملمّات الكبرى؛ أن تتعلق القلوب بخالقها ومدبّرها، الذي بيده الضر والنفع، والخير والشر، لا بالمخلوقات المدبّرة التي ليس لها من الأمر شيء، فمن زاغ قلبه عن هذا التعلق فقد ضلّ عن حقيقة التوحيد وحقيقة التوكل، ومن علم أن الغيب محجوب عنه بحكمة إلهية فقد هُدي إلى أن واجبه هو العمل بإخلاص وصدق، والإعداد بإيمان وصبر.
فالإنسان الذي يعلم متى تحلّ به المصيبة، أو متى ينتصر أو ينهزم؛ إما يتكل ويتراخى أو ييئس وينكسر، فلا جدوى من الأخذ بالأسباب.. فالغيب المحجوب هو ما يُبقي المؤمن يقظًا مع موجبات العبودية، فتمام التوكل قرين تمام الجهل بالعاقبة، ومن غابت عنه العاقبة؛ ازداد افتقارًا إليه ولجوءًا له ودعاءً بين يديه.
ومع ذلك، ومع كل حدث كبير تعيشه الأُمة، تجد بعض الناس يشغلهم التنبؤ والتوقع والاستشراف، والبحث عن علامات وإشارات في الأحداث، ليُنزّلوا أحاديث الملاحم والفتن على الواقع بكل جرأة وافتئات، فينشغل الناس بالتوقعات والتخمينات، ويُنسون السؤال الأهم "سؤال العبودية": ماذا عليّ؟ ولأي غاية؟
لذلك كان من مناهي الشريعة: منع كل ما ألهي عن الفعل وأوهم بالمعرفة الغيبية، مثل التنجيم والعرافة والطيرة، بغض النظر ما إذا وافقت حقًا أو لم توافق، صدقتها الأيام أم كذّبتها، فكلها مذمومة، لأنها تشغل عن الإعداد والعمل حتى وإن لم يوافقا نصرًا أو نتيجة ذات بال، لأننا مُتعبدون بالوسيلة لا بالنتيجة.
فما بالنا وأكثر من يتكلم في هذه الأمور لا يتكلمون بعلم ولا هدى ولا كتاب منير، بل بظنون وتخرّصات وأهواء!
واجب كل وقت، ومن باب أولى أوقات الملمّات الكبرى؛ أن تتعلق القلوب بخالقها ومدبّرها، الذي بيده الضر والنفع، والخير والشر، لا بالمخلوقات المدبّرة التي ليس لها من الأمر شيء، فمن زاغ قلبه عن هذا التعلق فقد ضلّ عن حقيقة التوحيد وحقيقة التوكل، ومن علم أن الغيب محجوب عنه بحكمة إلهية فقد هُدي إلى أن واجبه هو العمل بإخلاص وصدق، والإعداد بإيمان وصبر.
أكثر لحظة تأسرني في قصص الأنبياء هي لحظة إلقاء أم موسى لموسى عليه السلام في اليمّ، تلك اللحظة التي تجمع بين ذروة الضياع وذروة اليقين.. أقرأ الآيات وأنا أعرف النهاية، فأشعر بالفرج والرحمة والنصر، لأني أعلم أن هذا الرضيع سينجو، وأن فرعون سيغرق..
لكن أسأل نفسي: ماذا لو لم نكن نعرف نهاية القصة، ماذا كان شعورنا حين نقرأ عن أم تُلقي وليدها في البحر خلاصًا من جبارٍ يُفسد ويستكبر في الأرض؟
ربما انفطرت قلوبنا من الهمّ والقلق والترقب، فكل حسابات الأرض تقول: ليس هناك أمل!
فإذا بتابوت موسى يستقر في قصر فرعون، في تلك اللحظة التي دخل فيها موسى قصر فرعون؛ دخل الفرج من باب الكرب، وأتى اليُسر من حيث كان العُسر.. إذ هي بداية نهاية فرعون، اللحظة التي بدأ فيها العدّ التنازلي لزوال مُلكه، والأمر صار مسألة وقت لا أكثر.. عند هذه اللحظة التي بلغت بالناظر ذروة اليأس انتهى حكم فرعون!
ظلّ فرعون يحكم بعدها عقودًا وهو لا يعلم أن مُلكه قد انتهى.. كلنا يعلم الآن أن مُلكه حينها قد انتهى، لكن فرعون لا يعلم ذاك آنذاك!
العُسر واليُسر صنوان لا يفترقان، يسيران جنبًا إلى جنب، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، لكن أكثر الناس لا ينتبهون حتى يزول العُسر، ولا يرون الفرج حتى يرتفع الكرب، فيظنون أنه جاء متأخرًا بينما هو معه أثناء الضيق.
حين يشتد بك الهم، وأنت ترى تجبر أعداء الله واستكبارهم في الأرض، تذكر قول الله تعالى: "وخابَ كلُّ جبارٍ عنيد".. المؤمن لا ينظر إلى علوّ الفجرة في الأرض، إلا ونظر معه إلى وعيد الله تعالى لهم وسُنته فيهم.. فتدبيرهم في محيط تدبيره عز وجل، ومكرهم تحت مقاديره سبحانه، مهما علوا فالله أعلى.
كان الرافعي يقول: "إنك إذا آمنت لم تعد بمقدار نفسك، إنما بمقدار القوة التي أنت بها مؤمن".
لكن أسأل نفسي: ماذا لو لم نكن نعرف نهاية القصة، ماذا كان شعورنا حين نقرأ عن أم تُلقي وليدها في البحر خلاصًا من جبارٍ يُفسد ويستكبر في الأرض؟
ربما انفطرت قلوبنا من الهمّ والقلق والترقب، فكل حسابات الأرض تقول: ليس هناك أمل!
فإذا بتابوت موسى يستقر في قصر فرعون، في تلك اللحظة التي دخل فيها موسى قصر فرعون؛ دخل الفرج من باب الكرب، وأتى اليُسر من حيث كان العُسر.. إذ هي بداية نهاية فرعون، اللحظة التي بدأ فيها العدّ التنازلي لزوال مُلكه، والأمر صار مسألة وقت لا أكثر.. عند هذه اللحظة التي بلغت بالناظر ذروة اليأس انتهى حكم فرعون!
ظلّ فرعون يحكم بعدها عقودًا وهو لا يعلم أن مُلكه قد انتهى.. كلنا يعلم الآن أن مُلكه حينها قد انتهى، لكن فرعون لا يعلم ذاك آنذاك!
العُسر واليُسر صنوان لا يفترقان، يسيران جنبًا إلى جنب، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، لكن أكثر الناس لا ينتبهون حتى يزول العُسر، ولا يرون الفرج حتى يرتفع الكرب، فيظنون أنه جاء متأخرًا بينما هو معه أثناء الضيق.
حين يشتد بك الهم، وأنت ترى تجبر أعداء الله واستكبارهم في الأرض، تذكر قول الله تعالى: "وخابَ كلُّ جبارٍ عنيد".. المؤمن لا ينظر إلى علوّ الفجرة في الأرض، إلا ونظر معه إلى وعيد الله تعالى لهم وسُنته فيهم.. فتدبيرهم في محيط تدبيره عز وجل، ومكرهم تحت مقاديره سبحانه، مهما علوا فالله أعلى.
كان الرافعي يقول: "إنك إذا آمنت لم تعد بمقدار نفسك، إنما بمقدار القوة التي أنت بها مؤمن".
شاهدت مقطعًا لداعية فاضل يحصر فيه معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة" و "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع" ونحوه، في "العلم بالشرع"!
وهذا تضييق للنص الديني مخالف للغة ولغاية العبودية، فمعيار العلم: أن يكون صالحًا في نفسه + خالص النية في حمله.. قال تعالى: "وعلمَ آدمَ الأسماءَ كلها ثم عرضهم على الملائكةِ فقال أنبؤُني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سُبحانك لا علمَ لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم"، فسمى كل معرفة تعلمها آدم "علم"، قيل: وهي التي تقوم بها مصالح الدين والدنيا.
الآن، ونحن نتفرّج على الحرب الدائرة ونسمع عن أنواع صواريخ وإمكانيات طائرات وقدرات رادارات، لا نملك إلا أن نسأل أنفسنا: أين نحن من كل هذا؟ ولماذا لا نستطيع فعل هذا؟
في القرن السابع عشر، حين بدأت ما تُعرف بـ "الثورة العلمية" في أوروبا، حدث انفصال تاريخي بين العلم والدين، بهدف جعل العلم محايدًا أخلاقيًا ومنفصلًا عن الغاية الإلهية، وهذا الانفصال لم يكن مجرد تطور منهجي، بل كان قطيعة فلسفية جعلت العلم أداة لفهم "الكيف" دون "اللماذا"، لتسخير الطبيعة دون تعظيم خالقها.
حين نفصل العلوم الشرعية عن العلوم الكونية، ونجعل الأولى "دينية" والثانية "دنيوية" في ماذا اختلفت نظرتنا حول الفصل العلماني الذي يُخرج "العبودية" من معادلة العلم والفهم؟! إننا بذلك نُسلّم للعلمانية بمقولتها الأساسية: أن العلم بالطبيعة لا علاقة له بالله!
في قول الله تعالى: "سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" أمر واضح بالتعرف على الطبيعة وفهمها، لرؤية عظمة خالقها وحكمته وقُدرته، فكيف سنرى آيات الله في النفس دون الطبيب الذي يدرس الجسم ووظائفه؟ وكيف سنرى سُنن الخالق التي تكشف عن حكمة الخلق ودقة تدبيره دون أن يدرس الفيزيائي والمهندس قوانين الكون وتقنيات التصميم؟ وكيف سنرى سنن مالك المُلك في المال وفي اجتماع الناس دون أن ندرس قوانين اجتماع الناس ومعايشهم؟
كل علم طريق إلى الله وباب من أبواب معرفة الله.
كل علم يُعطي دارسه قوة، لكن بالعبودية يحصل السداد والتوفيق والبركة، فربما بلغ المؤمن بالقليل من العلم ما لا يبلغه غيره بكثير من المعارف.
ولذلك لو تأملنا دقة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بك من علم لا ينفع"، وقوله: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:.. أو علم يُنتفع به"، فربط العلم بالنفع، وهو أوسع من حصره في علوم الشرع، وما أدق تعريف ابن عجيبة للعلم النافع بأنه "العلم الذي يقوي اليقين".
فالمعرفة في الإسلام لها معنى ولها غاية، لأن الكون كله له معنى وله غاية.. غياب هذه الحقيقة هو الذي أنتج التوحش الذي نراه، والجحيم الذي يعيشه العالم، علماء بلا خشية، ومعرفة بلا بصيرة، وتقنيات بلا أخلاق، فتحوّل العلم من قوة مُسخرة للعبودية والخير إلى قوة مُسخرة للهوى والشر، همّها الوحيد السيطرة على الموارد والتحكم في الشعوب، كل هذا نتاج فصل العلم عن الدين.
فلا عجب أن يؤكد القرآن مرارًا وتكرارًا على أن التأمل والتدبر والتعلم والنظر والتفكّر في الآفاق والأنفس أدوات موصلة إلى الله، فتحدث بها خشيته ويحدث بها الخوف منه.
لذلك جعل العلماء تعلم العلوم الدنيوية فرض على الكفاية مثلما جعلوا العلوم الدينية.. بل ذهب الشنقيطي أبعد من ذلك في تفسير قوله تعالى: "يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا"، قال: "واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية، فمن تعلمها وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقًا لما أمر الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ كانت من أشرف العلوم وأنفعها، لأنها يُستعان بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته جل وعلا، وإصلاح الدنيا والآخرة".
وهذا تضييق للنص الديني مخالف للغة ولغاية العبودية، فمعيار العلم: أن يكون صالحًا في نفسه + خالص النية في حمله.. قال تعالى: "وعلمَ آدمَ الأسماءَ كلها ثم عرضهم على الملائكةِ فقال أنبؤُني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سُبحانك لا علمَ لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم"، فسمى كل معرفة تعلمها آدم "علم"، قيل: وهي التي تقوم بها مصالح الدين والدنيا.
الآن، ونحن نتفرّج على الحرب الدائرة ونسمع عن أنواع صواريخ وإمكانيات طائرات وقدرات رادارات، لا نملك إلا أن نسأل أنفسنا: أين نحن من كل هذا؟ ولماذا لا نستطيع فعل هذا؟
في القرن السابع عشر، حين بدأت ما تُعرف بـ "الثورة العلمية" في أوروبا، حدث انفصال تاريخي بين العلم والدين، بهدف جعل العلم محايدًا أخلاقيًا ومنفصلًا عن الغاية الإلهية، وهذا الانفصال لم يكن مجرد تطور منهجي، بل كان قطيعة فلسفية جعلت العلم أداة لفهم "الكيف" دون "اللماذا"، لتسخير الطبيعة دون تعظيم خالقها.
حين نفصل العلوم الشرعية عن العلوم الكونية، ونجعل الأولى "دينية" والثانية "دنيوية" في ماذا اختلفت نظرتنا حول الفصل العلماني الذي يُخرج "العبودية" من معادلة العلم والفهم؟! إننا بذلك نُسلّم للعلمانية بمقولتها الأساسية: أن العلم بالطبيعة لا علاقة له بالله!
في قول الله تعالى: "سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" أمر واضح بالتعرف على الطبيعة وفهمها، لرؤية عظمة خالقها وحكمته وقُدرته، فكيف سنرى آيات الله في النفس دون الطبيب الذي يدرس الجسم ووظائفه؟ وكيف سنرى سُنن الخالق التي تكشف عن حكمة الخلق ودقة تدبيره دون أن يدرس الفيزيائي والمهندس قوانين الكون وتقنيات التصميم؟ وكيف سنرى سنن مالك المُلك في المال وفي اجتماع الناس دون أن ندرس قوانين اجتماع الناس ومعايشهم؟
كل علم طريق إلى الله وباب من أبواب معرفة الله.
كل علم يُعطي دارسه قوة، لكن بالعبودية يحصل السداد والتوفيق والبركة، فربما بلغ المؤمن بالقليل من العلم ما لا يبلغه غيره بكثير من المعارف.
ولذلك لو تأملنا دقة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بك من علم لا ينفع"، وقوله: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:.. أو علم يُنتفع به"، فربط العلم بالنفع، وهو أوسع من حصره في علوم الشرع، وما أدق تعريف ابن عجيبة للعلم النافع بأنه "العلم الذي يقوي اليقين".
فالمعرفة في الإسلام لها معنى ولها غاية، لأن الكون كله له معنى وله غاية.. غياب هذه الحقيقة هو الذي أنتج التوحش الذي نراه، والجحيم الذي يعيشه العالم، علماء بلا خشية، ومعرفة بلا بصيرة، وتقنيات بلا أخلاق، فتحوّل العلم من قوة مُسخرة للعبودية والخير إلى قوة مُسخرة للهوى والشر، همّها الوحيد السيطرة على الموارد والتحكم في الشعوب، كل هذا نتاج فصل العلم عن الدين.
فلا عجب أن يؤكد القرآن مرارًا وتكرارًا على أن التأمل والتدبر والتعلم والنظر والتفكّر في الآفاق والأنفس أدوات موصلة إلى الله، فتحدث بها خشيته ويحدث بها الخوف منه.
لذلك جعل العلماء تعلم العلوم الدنيوية فرض على الكفاية مثلما جعلوا العلوم الدينية.. بل ذهب الشنقيطي أبعد من ذلك في تفسير قوله تعالى: "يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا"، قال: "واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية، فمن تعلمها وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقًا لما أمر الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ كانت من أشرف العلوم وأنفعها، لأنها يُستعان بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته جل وعلا، وإصلاح الدنيا والآخرة".
اليوم كنت أتكلم مع صديق عن مشكلة شخصية بسبب الحرب الدائرة، ودار بيننا نقاش طويل عن الحرب نفسها، لكن فجأة تطور للكلام عن أسماء الله عز وجل وصفاته، لا أعلم كيف، حتى أنني سألته مبتسمًا في آخر الكلام كيف وصلنا لهذا الموضوع؟!
حين ترى قوة عسكرية تُواجه أخرى، وسلاح يتفوّق على سلاح، واستراتيجية تغلب استراتيجية.. هذا الذي تراه حقائق دنيوية مشهودة لكنها مرتبطة بحقائق أخرى أهم: حقائق دينية غيبية؛ من الذي يُديل الأيام بين الناس؟ ومن الذي يُؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء؟ ومن الذي يرفع ويخفض، ويُمكّن ويُزيل؟
الحرب - بوصفها ظاهرة دنيوية - ليست مجرد معادلة عسكرية، بل مسرح تتجلى فيه أسماء الله وصفاته؛ ترى من خلالها أن الله عز وجل "القهّار" الذي يقهر الجبابرة وينتقم للمظلومين من الظالمين، "العزيز" الذي يُعزّ من يشاء ويُذلّ من يشاء، "الحكيم" الذي يُدبّر الأمور فتسير إلى ما قَدّره لا ما خُطط له، "اللطيف" الذي يُدبّر نجاة من نجا من حيث لا يحتسب أحد، مُقلّب القلوب ومُصرّف الأمور، القادر تمام القدرة، المُتناهي في الحكمة واللُّطف والتدبير..
فمن رأى الحرب بعين السياسة فقط، فاته أن يرى يد الله فيها، فاته أن يُبصر "يُريدونَ أن" و "يُريدُ اللهُ"!
يُخطّط القادة، ويرسمون الخرائط، ويُحرّكون الجيوش، ويظنون أنهم يُمسكون بزمام الأمور.. ويقف وراء كل ذلك: "والله خير الماكرين"، "وربُّك أعلمُ بالمُفسدين"، "ونُمكِّن لهم في الأرض"، "ولتعلم أن وعدَ الله حقٌ ولكن أكثرهم لا يعلمون".. فكم من جيش خرج وهو يظن أن النصر سهلًا بين يديه، فرجع مهزومًا ذليلًا؟ وكم من فئة قليلة ظُنّ أنها لا حول لها ولا قوة، فنصرها الله على من هم أكثر عددًا وعُدّة؟
تستطيع حواسك أن ترى من خلال هذه الحرب أشياء على الأرض، لكن ما يراه قلبك في السماء يمكن أن يكون أعظم وأوسع.. حين ترى جيشًا جرّارًا بأسلحة فتاكة يُهزم على خلاف المجرى العادي للأمور تتذكر أن النصر من عند الله لا من كثرة العَدد والعُدّة، وحين ترى جبابرة تستعلي وتتجبّر ثم تسقط في لحظة، تتذكر أن الله هو القهّار الذي لا يُعجزه شيء، وتوقن بأن الأيام دُول، وأن الله هو من يُداولها بين الناس.. فلا تُفتن بقوة الأقوياء أو تيأس من ضعف الضعفاء، فتُصدق حقًّا بأن العاقبة للمتقين وأنه لا يُخلف الميعاد، وتعمل بما بين يديك من الأسباب لأن مسببها غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
حين ترى قوة عسكرية تُواجه أخرى، وسلاح يتفوّق على سلاح، واستراتيجية تغلب استراتيجية.. هذا الذي تراه حقائق دنيوية مشهودة لكنها مرتبطة بحقائق أخرى أهم: حقائق دينية غيبية؛ من الذي يُديل الأيام بين الناس؟ ومن الذي يُؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء؟ ومن الذي يرفع ويخفض، ويُمكّن ويُزيل؟
الحرب - بوصفها ظاهرة دنيوية - ليست مجرد معادلة عسكرية، بل مسرح تتجلى فيه أسماء الله وصفاته؛ ترى من خلالها أن الله عز وجل "القهّار" الذي يقهر الجبابرة وينتقم للمظلومين من الظالمين، "العزيز" الذي يُعزّ من يشاء ويُذلّ من يشاء، "الحكيم" الذي يُدبّر الأمور فتسير إلى ما قَدّره لا ما خُطط له، "اللطيف" الذي يُدبّر نجاة من نجا من حيث لا يحتسب أحد، مُقلّب القلوب ومُصرّف الأمور، القادر تمام القدرة، المُتناهي في الحكمة واللُّطف والتدبير..
فمن رأى الحرب بعين السياسة فقط، فاته أن يرى يد الله فيها، فاته أن يُبصر "يُريدونَ أن" و "يُريدُ اللهُ"!
يُخطّط القادة، ويرسمون الخرائط، ويُحرّكون الجيوش، ويظنون أنهم يُمسكون بزمام الأمور.. ويقف وراء كل ذلك: "والله خير الماكرين"، "وربُّك أعلمُ بالمُفسدين"، "ونُمكِّن لهم في الأرض"، "ولتعلم أن وعدَ الله حقٌ ولكن أكثرهم لا يعلمون".. فكم من جيش خرج وهو يظن أن النصر سهلًا بين يديه، فرجع مهزومًا ذليلًا؟ وكم من فئة قليلة ظُنّ أنها لا حول لها ولا قوة، فنصرها الله على من هم أكثر عددًا وعُدّة؟
تستطيع حواسك أن ترى من خلال هذه الحرب أشياء على الأرض، لكن ما يراه قلبك في السماء يمكن أن يكون أعظم وأوسع.. حين ترى جيشًا جرّارًا بأسلحة فتاكة يُهزم على خلاف المجرى العادي للأمور تتذكر أن النصر من عند الله لا من كثرة العَدد والعُدّة، وحين ترى جبابرة تستعلي وتتجبّر ثم تسقط في لحظة، تتذكر أن الله هو القهّار الذي لا يُعجزه شيء، وتوقن بأن الأيام دُول، وأن الله هو من يُداولها بين الناس.. فلا تُفتن بقوة الأقوياء أو تيأس من ضعف الضعفاء، فتُصدق حقًّا بأن العاقبة للمتقين وأنه لا يُخلف الميعاد، وتعمل بما بين يديك من الأسباب لأن مسببها غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أمس كتبت منشور عن تجلي أسماء الله وصفاته مع الأحداث الكبرى، فأشار أخ فاضل إلى معنى عظيم، وهو أننا نألف الاعتقاد بأن الله تعالى يتدخل بالأمور الخارقة لطبيعتنا فحسب، فإذا جرت الأمور على سُننها الطبيعية اعتبرناها "عادية" ونسينا أن الله هو مُدبرها وكيف دبرها.
وهو معنى دقيق ومهم، ومنه كانت بلاغة التعبير القرآني: "والله خلقكم وما تعملون".. فأنت تعمل بإرادتك وقدرتك وجوارحك بأسباب عادية مألوفة، وتغفل عن أن الله كما هو الخالق لجوارحك هو الخالق لعمل جوارحك، فالله سبحانه هو الذي وضع القوانين التي ألفناها، وهو الذي أجراها ويُسيّرها في كل لحظة.. فالمعجزة ليست في خرق القانون فقط، بل في وجود القانون نفسه واستمراره بهذا الثبات والدقة والتوازن.
إذا كنا نغفل عن ملاحظة أسماء الله وصفاته في الأحداث الكبرى، فإن غفلتنا عن صفاته عز وجل في ضوء أحوالنا الخاصة وتأثرنا بهذه الأحداث أعظم، حيث تمام قدرة الله وسِعتها الضخمة وعظمة تدبيره وكماله..
فأنا وأنت جرم صغير جدًّا في خضم هذه الأحداث الهائلة، واحد من ملايين البشر الذين تتقاطع حيواتهم في اللحظة نفسها، مع الحدث نفسه، كل واحد منهم له قدر خاص يسير فيه؛ مسار ابتلاء، مسار رزق، مسار هُدى، مسار ضلال، مسار سِعة، مسار ضيق.. آلاف المسارات التي فُتحت بالأسباب الكبرى نفسها، كل واحد له قصة، وكل قصة مُدبّرة بإحكام، وكل تدبير يلتقي بتدبير آخر ويُفضي إلى تدبير آخر، وتُصرف بسببه عشرات القلوب وربما آلاف وملايين، كل ذلك يجري في الوقت نفسه تحت تدبير إلهي مُحكم لا يفلت منه شيء.
هنا يمكن أن تفهم شيئًا من بلاغة قول الله تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقُها ويعلم مستقرَّها ومستودَعَها كلٌّ في كتابٍ مبين"، فكل مخلوق يدبّ على الأرض رزقه مكفول عند الله، ومكان عيشه وموته معلوم عنده ومحفوظ في كتاب بدقة متناهية، وإذا كان هذا في الكائنات غير العاقلة، فكيف بالإنسان المُكلّف؟ وإذا كان الله عز وجل لا يشغله رزق نملة عن رزق فيل، فكيف يشغله أمر عبد عن أمر عبد آخر؟
بل كل عبد عنده كأنه الوحيد الذي يُصرّف قلبه ويُدبر أمره وهداه ورزقه!
فسبحان من لا يشغله شأن عن شأن، ولا يُعجزه تدبير ملايين الأقدار في لحظة واحدة، وما كان ربك نسيا.
وهو معنى دقيق ومهم، ومنه كانت بلاغة التعبير القرآني: "والله خلقكم وما تعملون".. فأنت تعمل بإرادتك وقدرتك وجوارحك بأسباب عادية مألوفة، وتغفل عن أن الله كما هو الخالق لجوارحك هو الخالق لعمل جوارحك، فالله سبحانه هو الذي وضع القوانين التي ألفناها، وهو الذي أجراها ويُسيّرها في كل لحظة.. فالمعجزة ليست في خرق القانون فقط، بل في وجود القانون نفسه واستمراره بهذا الثبات والدقة والتوازن.
إذا كنا نغفل عن ملاحظة أسماء الله وصفاته في الأحداث الكبرى، فإن غفلتنا عن صفاته عز وجل في ضوء أحوالنا الخاصة وتأثرنا بهذه الأحداث أعظم، حيث تمام قدرة الله وسِعتها الضخمة وعظمة تدبيره وكماله..
فأنا وأنت جرم صغير جدًّا في خضم هذه الأحداث الهائلة، واحد من ملايين البشر الذين تتقاطع حيواتهم في اللحظة نفسها، مع الحدث نفسه، كل واحد منهم له قدر خاص يسير فيه؛ مسار ابتلاء، مسار رزق، مسار هُدى، مسار ضلال، مسار سِعة، مسار ضيق.. آلاف المسارات التي فُتحت بالأسباب الكبرى نفسها، كل واحد له قصة، وكل قصة مُدبّرة بإحكام، وكل تدبير يلتقي بتدبير آخر ويُفضي إلى تدبير آخر، وتُصرف بسببه عشرات القلوب وربما آلاف وملايين، كل ذلك يجري في الوقت نفسه تحت تدبير إلهي مُحكم لا يفلت منه شيء.
هنا يمكن أن تفهم شيئًا من بلاغة قول الله تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقُها ويعلم مستقرَّها ومستودَعَها كلٌّ في كتابٍ مبين"، فكل مخلوق يدبّ على الأرض رزقه مكفول عند الله، ومكان عيشه وموته معلوم عنده ومحفوظ في كتاب بدقة متناهية، وإذا كان هذا في الكائنات غير العاقلة، فكيف بالإنسان المُكلّف؟ وإذا كان الله عز وجل لا يشغله رزق نملة عن رزق فيل، فكيف يشغله أمر عبد عن أمر عبد آخر؟
بل كل عبد عنده كأنه الوحيد الذي يُصرّف قلبه ويُدبر أمره وهداه ورزقه!
فسبحان من لا يشغله شأن عن شأن، ولا يُعجزه تدبير ملايين الأقدار في لحظة واحدة، وما كان ربك نسيا.
الجامع بين دعاء الأنبياء والصالحين في القرآن استحضار أمرين عظيمين:
"لله خزائنُ السموات والأرض"
"فإذا قضى أمرًا فإنما يقولُ له كُن فيكون"
فبالأول ذهب عنهم كل يأس؛ إذ خزائنه لا تنفد ولا تنقص، وبالثاني ذهب عنهم كل وهَن؛ إذ أمره لا يحتاج إلى وقتٍ أو وسيلة.
فالمؤمن مع الله بين أمرين: لا يستعظم حاجته فيهاب لسانه طلبها، ولا يستبطئ الإجابة فيضيق قلبه عن الإلحاح بها.. أعظم أسرار الدعاء أن تعرف قَدْر من تدعوه جل جلاله، من أدرك قَدْر الله حقًّا لا يخيب ظنُّه أبدًا، مهما تأخرت الإجابة ومهما بدا مطلبه مستحيلًا!
"لله خزائنُ السموات والأرض"
"فإذا قضى أمرًا فإنما يقولُ له كُن فيكون"
فبالأول ذهب عنهم كل يأس؛ إذ خزائنه لا تنفد ولا تنقص، وبالثاني ذهب عنهم كل وهَن؛ إذ أمره لا يحتاج إلى وقتٍ أو وسيلة.
فالمؤمن مع الله بين أمرين: لا يستعظم حاجته فيهاب لسانه طلبها، ولا يستبطئ الإجابة فيضيق قلبه عن الإلحاح بها.. أعظم أسرار الدعاء أن تعرف قَدْر من تدعوه جل جلاله، من أدرك قَدْر الله حقًّا لا يخيب ظنُّه أبدًا، مهما تأخرت الإجابة ومهما بدا مطلبه مستحيلًا!
"وظِلٍّ ممدُود".. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنةِ لشجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلّها مائةَ عامٍ لا يقطعُها واقرأوا إن شئتم: وظِلٍّ ممدُود"!
وفي رواية أن الفارس يعدو على جواده، وهو من هو في الجري والسرعة، تحتها مئة عام دون أن يبلغَ نهايتها!
تخيل!
إذا كان هذا اتساع ظلّها، فماذا عن امتداد أفنانها، وكثافة أوراقها، وضخامة جذعها، وعلوّ أغصانها.. ماذا عن جلال خَلقها؟
إذا كان هذا عن الجري في ظلّها، فماذا عن سكينة النوم وراحة القعود تحتها؟ ماذا عن الطمأنينة والهدوء ورحابة المكان وانبساط الأرض تحتها؟ وكيف هي عذوبة نسيمها وحلاوة ثِمارها؟
إذا كانت شجرة واحدة بهذا الاتساع والرحابة، التي تتضاءل أمامها الفدادين الخضراء والصحارى مُترامية الأطراف.. شجرة واحدة يضيع تحتها الأفق، وتتلاشى فيها المسافات، وتصبح النهايات معها بلا معنى؛
فكيف بجنة عرضها السماوات والأرض؟
هذه آية في الضخامة والعظمة والسعة، تُحيّر الألباب وتُذهل المتأمّلين، تُذكّرنا بصغر هذه الدنيا وسرعة انقضاء ضيقها وضآلة ما فيها.
فمن غايات ذكر هذه المعاني بعد تعظيم خالقها؛ الصبر على كَدَر الدنيا ومرارتها وشدائدها، ولتخف وطأتها ويهون البذل في الله وتهون التكاليف الشرعية رغم ثقلها ورغم كل ما يعترضنا من بلاء، فالعاقبة للمتقين.
وفي رواية أن الفارس يعدو على جواده، وهو من هو في الجري والسرعة، تحتها مئة عام دون أن يبلغَ نهايتها!
تخيل!
إذا كان هذا اتساع ظلّها، فماذا عن امتداد أفنانها، وكثافة أوراقها، وضخامة جذعها، وعلوّ أغصانها.. ماذا عن جلال خَلقها؟
إذا كان هذا عن الجري في ظلّها، فماذا عن سكينة النوم وراحة القعود تحتها؟ ماذا عن الطمأنينة والهدوء ورحابة المكان وانبساط الأرض تحتها؟ وكيف هي عذوبة نسيمها وحلاوة ثِمارها؟
إذا كانت شجرة واحدة بهذا الاتساع والرحابة، التي تتضاءل أمامها الفدادين الخضراء والصحارى مُترامية الأطراف.. شجرة واحدة يضيع تحتها الأفق، وتتلاشى فيها المسافات، وتصبح النهايات معها بلا معنى؛
فكيف بجنة عرضها السماوات والأرض؟
هذه آية في الضخامة والعظمة والسعة، تُحيّر الألباب وتُذهل المتأمّلين، تُذكّرنا بصغر هذه الدنيا وسرعة انقضاء ضيقها وضآلة ما فيها.
فمن غايات ذكر هذه المعاني بعد تعظيم خالقها؛ الصبر على كَدَر الدنيا ومرارتها وشدائدها، ولتخف وطأتها ويهون البذل في الله وتهون التكاليف الشرعية رغم ثقلها ورغم كل ما يعترضنا من بلاء، فالعاقبة للمتقين.