فَرَائِدُ وَلَطَائِفُ وَفَوَائِدُ وطَرَائِفُ
83 subscribers
28 photos
14 videos
3 files
246 links
ننشر لك مختارات نادرة من الفوائد العلمية، واللطائف التربوية، والفرائد الأدبية، مع طرائف مباحة تروّح عن النفس بلا كذب .
Download Telegram
بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. وَبَعْدُ:
عَجَبًا واللهِ مِمَّنْ يَتَهَرَّبُ مِنْ كُلِّ نَصِيحَةٍ وَيُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ أوَامِرَ اللهِ بِكَلِمَةٍ بَسِيطَةٍ يَقُولُهَا بِكُلِّ بُرُودٍ: «أَنَا لَسْتُ مُطَوِّعًا!»؛ وكَأَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ صَكُّ أَمَانٍ يَحْمِيهِ مِنْ الحِسَابِ! أَيُّ جَهْلٍ هَذَا الَّذِي جَعَلَ بَعْضَ الشَّبَابِ يَفِرُّونَ مِنْ دِينِهِمْ بِحُجَّةِ "الأَلْقَابِ"؟! تُذَكِّرُهُ بِصَلَاةِ الجَمَاعَةِ فَيَقُولُ: «أَنَا لَسْتُ مُطَوِّعًا!»، وَتَنْهَاهُ عَنْ الأَغَانِي وَالمُحَرَّمَاتِ فَيُجِيبُكَ بِذَاتِ الكَلِمَةِ، وكَأَنَّ التَّقْوَى مَارَكَةٌ مُسَجَّلَةٌ لِفِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وكَأَنَّ بَاقِيَ المَسَاجِدِ وَالمُسْلِمِينَ مَعْفُوُّونَ مِنْ أَحْكَامِ الإسلامِ!
تَعَالَ أُخَيَّ نَتَكَلَّمُ بِصَرَاحَةٍ وبِلُغَةٍ بَسِيطَةٍ يفْهَمُهَا الجَمِيعُ: هَلِ المَسْجِدُ بُنِيَ لِلْمُطَاوِعَةِ فَقَطْ، بَيْنَمَا المَقَاهِي وَالشَّوَارِعُ هِيَ المَكَانُ الرَّسْمِيُّ لِبَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ؟! وَهَلْ نَارُ جَهَنَّمَ أُعِدَّتْ لِلْمُتَدَيِّنِينَ فَقَطْ، أَمْ أَنَّ عَذَابَ اللهِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ وَمَنْ ضَيَّعَهَا؟! هَلْ إِبْلِيسُ يُوَسْوِسُ لِلْمُطَاوِعَةِ وَحْدَهُمْ؟ أَمْ أَنَّ مَلَكَ المَوْتِ لَا يَزُورُ إِلَّا أَهْلَ الصَّلَاحِ؟! اقْرَأْ إنْ شِئْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾؛ فَالْأَمْرُ هُنَا لِكُلِّ البَشَرِ، فَلِمَاذَا تَسْتَثْنِي نَفْسَكَ؟!
إنَّ الحَقِيقَةَ الَّتِي يَتَجَاهَلُهَا الكَثِيرُونَ هِيَ أَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ لَا تَعْتَرِفَانِ بِالأَلْقَابِ ولا بِالأَعْذَارِ الَّتِي نَخْتَبِئُ خَلْفَهَا. أَلَسْتَ تُرِيدُ رِضَا اللهِ وَالجَنَّةَ الَّتِي فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ؟ أَلَسْتَ تَخَافُ مِنْ جَهَنَّمَ الَّتِي تُنْسِيكَ غَمْسَةٌ وَاحِدَةٌ فِيهَا كُلَّ مَلَاهِي الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا؟! تَذَكَّرْ أَنَّ اللهَ حَسَمَ المَوْضُوعَ وبَيَّنَ أنَّهُ ﴿إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾، وجَعَلَ الجَنَّةَ لَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
اعْلَمْ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يُؤَدِّي الصَّلَاةَ وَيَبْتَعِدُ عَنْ المَعَاصِي لَيْسَ "مُتَشَدِّدًا" ولا "مُطَوِّعًا"، بَلْ هَذَا هُوَ "الْحَدُّ الأَدْنَى" لِكَيْ تَكُونَ مُسْلِمًا نَاجِيًا يَوْمَ القِيَامَةِ! كَلِمَةُ "مُطَوِّعٍ" فِي الأَصْلِ تَعْنِي المُمَطِيعَ للَّهِ، لَكِنَّ الشَّيْطَانَ ضَخَّمَهَا فِي عُقُولِ البَعْضِ لِيُهَيَّأَ لَهُمْ أَنَّهَا "مِهْنَةٌ" أَوْ "تَخَصُّصٌ" لَا يَعْنِي الشَّابَّ العَادِيَّ، كَيْ يَرْتَاحَ المُرَاهِقُ أَوْ الشَّابُّ ويَبْقَى فِي المَعَاصِي تَحْتَ غِطَاءِ "أَنَا شَخْصٌ عَادِيٌّ"! أَيْنَ الحَيَاءُ مِنَ اللهِ؟ كَيْفَ نَرْضَى لِأَنْفُسِنَا أنْ نَكُونَ عَادِيِّينَ وَمُقَصِّرِينَ فِي حَقِّ اللهِ، بَيْنَمَا نُحَارِبُ وَنُنَافِسُ لِنَكُونَ فِي القِمَّةِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَالوُظَائِفِ وَالأَمْوَالِ؟!
تَوَقَّفْ عَنْ هَذِهِ الأَعْذَارِ؛ فَإِنَّ "المُطَوِّعَ" لَيْسَ جِينًا وِرَاثِيًّا ولا مِهْنَةً، بَلْ هُوَ مُسْلِمٌ قَرَّرَ أَلَّا يَبِيعَ آخِرَتَهُ عَنْ طَرِيقِ الشَّهَوَاتِ واللَّذَّاتِ. اسْتَفِقْ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ الأَوَانُ ويَأْتِيَ المَوْتُ، ولا تَعْفِ نَفْسَكَ مِنْ أوَامِرِ الدِّينِ وَأَنْتَ تَرْجُو دُخُولَ الجَنَّةِ، نسْأَلُ اللهَ أنْ يَرْزُقَنَا وَإِيَّاكَ الهِدَايَةَ والتَّقْوَى، وأنْ يُثَبِّتَ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِهِ.

أبو عبيدة بن محمد _كان الله له_

٩/صفر/١٤٤٨
مسجد الوادعي / حصوين/المهرة

..................

تيلجرام:
https://t.me/thmarnj

واتساب:
https://whatsapp.com/channel/0029Vb6qPen0bIdjKX15fh2W
1
ذكر الشيخ العزازي في محاضرة الامس ١٠/٢/١٤٤٨
في حصوين مسجد بن دول هذه الأبيات الجميلة

ذئبا رأيت مصليا
فإذا مررت به ركع
يدعو وكل دعائه
أرجو الفريسة أن تقع
عجل بها يا ذا العلا
إن الفؤاد قد انقطع
فإذا الفريسة أحرزت
ذهب التنسك والورع
• عن أمير المؤمنين  أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال :

*• - إنَّ الله يغفر الكبائر فلا تيأسوا، ويعذب على الصغائر فلا تغتروا.*
> 📚 *شرح البخاري لابن بطال (٢٦٧/١٩).*

✒️ قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
*« لا كبيرة مع التوبة والاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار »*
> 📕 ‹مدارج السالكين› (٢٣٨/١)
​كل يوم فقرة

#التتار(١٠)

ذِكْرُ وصولِهم إلى دَرْبَنَّدَ شِرْوانَ وما فعلُوه

​لما عاد التتر من بَلَد الكرج قصدوا (دَرْبَنَّدَ شِرْوَانَ)، فصاروا مدينة (شَمَاخِي) وقاتلوا أهلها، فصبروا على الحصار، ثم إن التتر صعدوا سورها بالسلالم، وقيل بل جمعوا كثيرا من الجمال والبقر وغنم، وغير ذلك، ومن قتلى الناس منهم، ومن قتل من غيرهم، والقوا بعضه فوق بعض، فصار مثل التل وصعدوا عليه، فأشرفوا على المدينة، وقاتلوا أهلها فصبروا، واشتد القتال ثلاثة أيام، فأشرفوا على أن يؤخذوا، فقالوا السيف لا بد منه فالصبر أولى بنا نموت كرامًا، فصبروا تلك الليلة، فأنثنت تلك الجيف وانهضمت، فلم يبق للتتر على السور استعلاء ولا تسلط على الحرب، فعاودوا الزحف وملازمة القتال فضجر أهلها، ومسهم التعب والكلال، والإعياء فضعفوا فملك التتر البلد، وقتلوا فيه كثيرا ونهبوا الأموال واستباحوها، فلما فرغوا منه أرادوا عبور (الدَّرْبَنَّد)، فلم يقدروا على ذلك، فأرسلوا رسولًا إلى (شِرْوَان شَاهْ مَلِكِ دَرْبَنَّدَ شِرْوَانَ) يقولون له ليرسل إليهم رسولًا يسعى بينهما في الصلح.
​فأرسل عشرة رجال من أعيان أصحابه فأخذوا أحدهم فقتلوه، ثم قالوا للباقين إن أنتم عرفتمونا طريقًا نعبر فيه، فلكم الأمان، وإن لم تفعلوا قتلناكم كما قتلنا هذا.
​فقالوا لهم إن هذا الدربند ليس فيه طريق البتة، ولكن فيه موضع هو أسهل ما فيه من الطرق فساروا معهم إلى ذلك الطريق، فعبروا فيه وخلفوه وراء ظهورهم، لما عبر التتر (دَرْبَنَّدَ شِرْوَانَ) ساروا في تلك الأعمال، وفيها أمم كثيرة منهم (الأَلآنُ، وَالْلَّكْزُ) وطوائف من الترك، فنهبوه، وقتلوا من اللكز كثيرًا، وهم مسلمون وكفار، وأوقعوا بمن عداهم من أهل تلك البلاد، ووصلوا إلى اللان وهم أمم كثيرة، وقد بلغهم خبرهم". اهـ
قلت: فتأمل ما كان عليه هؤلاء من المكر، والحيلة الخاسرة، والإرعاب، وكيف يظهرون اللين والصلح حتى يوقعوا الخصم في شر مكرهم، قبحهم الله.
​وعلى كل حال استمر التتار بالسير حتى دخلوا مملكة (الَّلاَنِ وَالقِفْجَاقَ)، وهما مملكتان واسعتان من قبائل شتى ومساكنهم في جبال القوقاز أما اللان فمساكنهم حاليا في جمهورية أوسيتيا في الاتحاد الروسي وأما القفجاق ففي جنوب شرق روسيا وأراضيهم ممتدة من نهر الغولفا إلى شمال البحر الأسود في كازاخستان وشبه جزيرة القرم.
​و(القُفْجَاقُ) الغالب عليهم الكفر، والمسلمون فيهم قلة، وأما اللأن فهي مملكة وثنية، فاجتمعت هاتان المملكتان، واتفقوا على أن يتحدوا جميعًا لقتال التتار مع أنَّه قد كان بينهم قتال؛ لكن رأوا أنَّهم أمام عدو لن يترك منهم أحدا فأتفقوا أن يكونوا جيشًا واحدًا، ويقاتلوا التتار، وبالفعل كونوا جيشًا واحدًا، وبدأ التتار بقتال هؤلاء، وكان القتل يشتد جدًا يومًا بعد يوم، فرأى التتار أنَّهم لا يستطيعون التغلب على هؤلاء مجتمعين فلجئوا إلى الحيلة والخديعة.
​وكان القُفْجَاقُ من حيث النَّسَب يرجعون إلى الترك الذين منهم التتار، فإن الترك قبائل شتى، والتتار أصلهم من قبائل الترك، وبلاد القوقاز وكثير من بلاد الصين، وبلاد الأناضول تركيا حاليا، وبلاد خراسان أفغانستان، وإقليم كرمان جنوب شرق إيران حاليا كلهم تعود أصولهم إلى القبائل التركية.
​لذلك لما عجز التتار أن يقاتلوا هذا الجيش المجتمع قاموا بخطة ماكرة، فأرسلوا إلى الذين هم أقرب إليهم نسبًا، وهم القفجاق -بالجيم المعجمة من تحت ثم القاف- فأرسلوا إليهم، وقالوا لهم أنتم منا، ومن نسبنا، وهؤلاء لا ينتمون إليكم لا بدين، ولا بنسب، فكيف تقاتلون معهم؟!.
فاتركوهم ونحن نعهدكم أننا لا نتعرض لكم، ولا ندخل بلادكم، وسنرسل إليكم بالمتاع والثياب، وبعض المؤن كبرهان على صدقنا، وعربون على صداقتنا، ونحن لا نريدكم إنما نريد اللأن، فخلوا بيننا وبينهم.
​فصدقهم القفجاق، وذهب عنهم ما فعلوه بالمسلمين من نقض العهود التي عاهدوهم عليها، والغدر بأبشع صوره.
فصدقهم القفجاق، وانعزلوا عن اللان تاركيهم يلاقون مصيرهم، ويقاتلون وحدهم، فلما صار اللان بمفردهم لم يقووا على مجابهة التتار فمن جهة قد قل عددهم، ومن جهة أخرى قد أصابهم الوهن بتفرقهم، فإنّه عندما يكون الجيش مجتمعًا، ثم يتفرق يحصل الوهن والضعف وتنهار المعنويات.
​فانكسر اللان ولم يقووا على مواجهة التتار، وانهزموا من أول معركة، وفُتك بهم التتار حتى كادوا أن يفنوهم، وشردوهم في غياض، ورؤوس الجبال، وأخذوا من بلادهم من المغائم ما لا يحصى كثرة.
​ولما انتهى التتار من قبائل اللان كان القفجاق قد أمنوا، لا سيما بعد أن أرسل إليهم التتار المتاع والأقمشة، وكانت بلاد القفجاق من أحسن البلدان في تلك البلاد من حيث أماكن الرعي والأعشاب والسهول الخضراء، يرعون فيها أنعامهم دوابهم وخيولهم، فلذلك طمع فيها التتار، فبينما هم آمنون في بلادهم، وقد تفرقوا ونزلت كل قبيلة في موطنها، وهم آمنون يظنون أن التتار لن يتعرضوا لهم كما وعدوهم، إذا بالتتار يشنون الغارات على بلاد القفجاق، ويكثفون الهجمات عليهم
إلى مدنهم وقراهم، وصارت الحرب أشبه بحرب إبادة يأتون عليهم قبيلة قبيلة، ومدينة مدينة، حتى كادوا أن يفنوهم، وأثخنوا فيهم قتلًا وتشريدًا، وأخذوا من أموالهم أضعاف أضعاف ما أعطوهم حين فرقوهم عن اللان.
​ومن ثم نزل التتار في بلاد القفجاق للاستراحة، واستمروا أشهرا يريحون في بلادهم، ويرعون مواشيهم، وكانت بلادًا طيبة المرعى متنوعة المناخ فيها أماكن باردة في الصيف، وأماكن حارة في الشتاء، ثم واصلوا المسير في بقية بلاد القفجاق حتى وصلوا إلى مدينة (شُودَاقَ) في شبه جزيرة القرم وتقع حاليا في أوكرانيا، وهي حاضرة مدنهم، ففر الناس منهم إلى الغياض، ورؤوس الجبال ومنهم من ركب البحر إلى البلدان المجاورة حتى دخلت سنة عشرين وستمائة.
🔹 [غزو بلاد الروس]
​لما دخلت سنة عشرين وستمائة، بدأ التتار بالتحرك نحو بلاد الروس، والروس ومن حولهم يدينون بالنصرانية على المذهب الأرثوذكسي، بينما كانت أوروبا تدين بالمذهب الكاثوليكي، وكان بين الكنيستين صراع كبير، فتحرك التتار، وبدأوا يتوغلون في بلاد روسيا، والعجيب أن بلاد روسيا بلاد واسعة جدًا، ومساحتها مثل مساحة اليمن قرابة خمسة وثلاثين مرة، فإن مساحتها سبعة عشر مليون كيلومتر مربع.
​وهي أكبر دولة على الإطلاق بل أوروبا كلها مجتمعة لا تساوي نصف روسيا، ومع ذلك توغلوا في هذه البلاد، واستطاعوا خلال سنة واحدة، أن يستلوا على الجزء الغربي كاملا من بلاد روسيا، وليس هذا فحسب بل لما أكملوا الجزء الغربي من بلاد روسيا دخلوا إلى أوكرانيا، واستولوا على بلاد أوكرانيا، ثم بعد ذلك دخلوا إلى بولندا، وصاروا يزحفون في قلب أوروبا، فأخذوا بولندا، وبلاد المجر، وكرواتيا، وبعض المدن الأخرى هنالك حتى صار الجنوب الغربي من روسيا، والنصف الشرقي من أوروبا مع نصف العالم الإسلامي تقريبا بيد التتار وهذا كله خلال زمن قياسي جدا ما بين سنة سبعة عشر وستمائة إلى سنة عشرين وستمائة في سنتين وبضعة أشهر، وهذا شيء لم يتفق لأحد حتى الإسكندر المقدوني الذي قيل فيه بأنه ملك العالم في زمانه فقد استمرت حروبه أكثر من عشر سنوات، ولم يصف له إلا أقل من هذه المساحة، وهؤلاء أخذوا هذه المساحة كاملة إضافة إلى بلادهم كل هذا خلال هذه السنوات اليسيرة، فكان هذا من عجائب الدهر، ومن الابتلاءات العظيمة التي ابتلى الله تعالى بها الناس في ذلك الزمان مسلمهم وكافرهم.
​ومن عجيب مكرهم أنهم حين ساروا إلى بلاد الروس، وقد علموا بكثرة الروس وسعة بلادهم، واستعدادهم للقتال، وأنه لا يمكن هزيمتهم إلا بحيلة.
​فكان ما ذكره ابن الأثير رحمه الله بقوله: "ثم إنهم ساروا سنة عشرين وستمائة إلى بلاد الروس، فسمع الروس وقفقجاق خبرهم، وكانوا مستعدين لقتالهم، فساروا إلى طريق التتر ليلقوهم قبل أن يصلوا إلى بلادهم ليمنعوهم عنها، فبلغ مسيرهم إلى التتر، فعادوا على أعقابهم راجعين، فطمع الروس وقفقجاق فيهم، وظنوا أنهم عادوا خوفا منهم وعجزا عن قتالهم، فجدوا في اتباعهم، ولم يزل التتر راجعين، وأولئك يقفون أثرهم، اثني عشر يوما.
​ثم إن التتر عطفوا على الروس وقفقجاق، فلم يشعروا بهم إلا وقد لقوهم على غرة منهم، لأنهم كانوا قد أمنوا التتر، واستشعروا القدرة عليهم، فلم تتكامل عدتهم للقتال إلا وقد بلغ التتر منهم مبلغا عظيما، فصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله.
​ودام القتال بينهما عدة أيام ثم إن التتر ظفروا واستظهروا، فانهزم قفقجاق والروس هزيمة عظيمة بعد أن أثخن فيهم التتر، وكثر القتل في المنهزمين فلم يسلم منهم إلا القليل، ونهب جميع ما معهم، ومن سلم وصل إلى البلاد على أقبح صورة لبعد الطريق والهزيمة، وتبعهم التتر يقتلون وينهبون ويخربون البلاد حتى خلا أكثرها، فاجتمع كثير من أعيان تجار الروس وأغنيائهم، وحملوا ما يعز عليهم وساروا يقطعون البحر إلى بلاد الإسلام في عدة مراكب، فلما قاربوا المرسى الذي يريدونه انكسر مركب من مراكبهم فغرق إلا أن الناس نجوا". اهـ
قلت: فتدبر قضاء الله وحكمته التي تحار فيها العقول فإنه لا يعلم ما وراء هذا البلاء من المصالح إلا الله سبحانه وتعالى، فنعوذ بالله من سوء الحال.
🔹 [غزو بلاد البلغار]
​ثم إن التتار بعد أن أخذوا جزءا كبيرا من بلاد الروس حولوا وجهتهم نحو بلاد أوروبا، فتوجهوا أولا إلى بلاد (الْبُلْغَارِ)، وأصولهم سلافية تركية والبلغار حاليا تعرف بجمهورية بلغاريا تقع جنوب شرق أوروبا.
​وكان (الْبُلْغَارُ) قد علموا بما فعله التتار في هذه الممالك، وكيف سيطروا على هذه الدول دولة دولة، وبهذه السرعة الخاطفة، وكيف أنهم لم يقف أمامهم شيء، وكيف فتكوا بالنصارى في بلاد روسيا بما لا يقل عن فتكهم بالمسلمين في بلاد الإسلام، وكانت البلدان التي نهبوها وأحرقوها وقتلوا الآلاف من أهلها في بلاد الإسلام قد هدأت نسبيا في هذه الفترة ، ورجع بعض أهلها إليها، وبدأوا يعمرونها شيئا فشيئا، فلما اقترب التتار من بلاد البلغار رأى البلغار أن قتال هؤلاء لا بد فيه من حيلة وخطة توقع بهم، وأن المواجهة المباشرة غير مجدية، لا سيما
والبلغار ليسوا ذوي عدد كبير، فاتفق رأيهم على عمل حيلة على التتار.
​وكان التتار بعد معاركهم السابقة يظنون أنه لن يقاومهم أحد لما قد قُذف في قلوب الناس من الرعب، فوصل التتار إلى بلاد البلغار، وكان البلغاريون قد فعلوا كمائن، فجهزوا جيوشهم، وجعلوها كمائن على جوانب الطريق الرئيسية التي تمر عليها جيوش التتار، فجعل التتار يدخلون بلاد البلغار، ويتوغلون ولا يجدون أحدا أمامهم يقاومهم، والبلغار يقاتلونهم بمجموعة يسيرة وينسحبون حتى استدرجوهم إلى أوساط بلادهم، فبينما هم في تقدمهم لم يشعروا إلا بالكمائن التي وضعها البلغار على يمين وشمال الطرق قد انقضت عليهم، وصاروا خلفهم، وأحاط بهم البقية من كل جهة على حين غرة، فأحاطوا بهم ووضعوا فيهم السيف، وأمعنوا فيهم قتلًا، وانتقم الله جل وعلا للمظلومين من هؤلاء الفجرة على أيدي هؤلاء النصارى، فقتلوا فيهم قتلًا ذريعًا، ولم ينج منهم إلا قرابة أربعة ألاف استطاعوا بعد إياس أن يفروا على وجوههم تاركين كل شيء وراءهم، حتى تلك البلاد كلها التي قد أخذوها، وانطلقوا إلى جنكيز خان إلى بلاد (الطَّالَقَانِ) في أفغانستان حاليا حيث كان مستقرًا هناك.
​وهذا البلاء الكبير والفساد العريض إنما حصل من هذه الطائفة التي يقال لها التتار المغربة، أما الفرقة الأخرى التي يقال لها المشرقة، وهي التي وجهها اللعين جنكيز خان نحو المشرق، فلم تكن تقل سوء عن هذه الفرقة كما سيأتي إن شاء الله.

المرجع كتاب
قصة التتار بين الحسرة والعبرة ص(٩٦إلى١٠٥)

للشيخ الفاضل أبي حذيفة زكريا الصلاحي حفظه الله ورعاه

........
.....................
تيلجرام:
https://t.me/thmarnj

واتساب:
https://whatsapp.com/channel/0029Vb6qPen0bIdjKX15fh2W
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الأعز الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على البدر الأتم، والنبي الخاتم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. أما بعد:
​فإنّ النجاة العظمى والسعادة الكبرى إنما تُنال بلزوم غَرْزِ النبي ﷺ، والاهتداء بهديه، وإحياء سنته. وإنّ من أعظم المظاهر التي تتجلّى فيها المتابعة الصادقة: الاقتداءُ به ﷺ في خشوعه وقراءته في صلواته؛ ففي ذلك جَلاءُ القلوب، ورفعةُ الدرجات، وطريقُ محبةِ رب السماوات.
​وقد كان الاعتناء بالسنّة النبوية والاقتداء بالنبي ﷺ في جميع شؤونه شعارَ الصحابة والتابعين وأئمة الهدى؛ فهذا الإمام أحمد رحمه الله يقول لابنه عبد الله: "يا عبد الله، إن استطعتَ ألا تحكَّ رأسك إلا بأثرٍ فافعل"، وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما شديد الحرص على تتبُّعِ آثار النبي ﷺ، وعلى هذا المسار الميمون مشى السلف الصالح.
​ومن جليلِ ما يُستحب للمسلم المواظبةُ عليه: الاقتداءُ به ﷺ في السور والآيات التي كان يقرأ بها في صلواتٍ مخصوصة. وفي هذه الأسطر اليسيرة نذكر أبرز ما ثبت في ذلك:

1️⃣ سُنَّةُ الفَجْرِ (رَكْعَتَا الفَجْرِ)​

الصفة الأولى: قراءة سورتي ﴿الْكَافِرُونَ﴾ و﴿الإِخْلَاصُ﴾

​عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. 📖 [رواه مسلم: 726]
الصفة الثانية: قراءة آيتين (الأولى من البقرة والثانية من آل عمران)
​عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: 136]، وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64]. 📖 [رواه مسلم: 728]
2️⃣ صَلَاةُ الوِتْرِ
​قراءة سور: ﴿الأَعْلَى﴾،و﴿الْكَافِرُونَ﴾، و﴿الإِخْلَاصُ﴾
​عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنَ الْوِتْرِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. 📖 [أبو داود: 1423، النسائي: 1730، ابن ماجة: 1171، أحمد: 21166]
[ صحيح سنن أبي داود]


3️⃣ سُنَّةُ المَغْرِبِ
​قراءة سورتي ﴿الْكَافِرُونَ﴾ و﴿الإِخْلَاصُ﴾
​عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رَمَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِشْرِينَ مَرَّةً يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. 📖 [النسائي: 992، أحمد: 5712]
[حسن صحيح سنن النسائي]


4️⃣ فَجْرُ يَوْمِ الجُمُعَةِ
​قراءة سورتي ﴿السَّجْدَةِ﴾ و﴿الإِنْسَانِ﴾
​عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم ۝ تَنْزِيلُ﴾ [السجدة]، وَ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان]. 📖 [البخاري: 891، مسلم: 880]
5️⃣ صَلَاةُ الجُمُعَةِ أَوْ العِيدَيْنِ (مُشْتَرَكٌ)
​قراءة سورتي ﴿الأَعْلَى﴾ و﴿الْغَاشِيَةِ﴾
​عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ. 📖 [رواه مسلم: 878]

6️⃣ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ (صِفَاتٌ أُخْرَى)
الصفة الأولى: قراءة سورتي ﴿الْجُمُعَةِ﴾ و﴿الْمُنَافِقُونَ﴾
​عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الم ۝ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ. 📖 [رواه مسلم: 879]

الصفة الثانية: قراءة سورتي ﴿الْجُمُعَةِ﴾ و﴿الْغَاشِيَةِ﴾
​وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَسْأَلُهُ: أَيَّ شَيْءٍ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سِوَى سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. 📖 [رواه مسلم: 878]
7️⃣ فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ (صِفَةٌ أُخْرَى)
​قراءة سورتي ﴿ق﴾ و﴿القَمَرِ﴾
​عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وَ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. 📖 [رواه مسلم: 891]

​خَاتِمَةٌ وَنَصِيحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ اللَّبِيبِ
أيها الأحبة الأكارم، وإخواني الأفاضل:
​إنّ العِلْمَ هَتَفَ بِالْعَمَلِ؛ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ! وتعلُّمُ هذه السنن والنصوص ليس لمجرد المعرفة والاستذكار، بل لنستحضرها في محراب صلاتنا، ونستشعر بها حلاوة المناجاة، فنُحيي ما اندرس منها في واقعنا، وننال الأجر العظيم الموعود به على لسان نبينا المصطفى ﷺ؛ حيث قال:
«مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»
📖 [رواه مسلم: 2674]
​فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَ النَّبِيَّ ﷺ أُسْوَتَهُ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، وَحَرَصَ عَلَى نَشْرِ هَذِهِ السُّنَنِ وَإِحْيَائِهَا فِي بَيْتِهِ وَمَعَ أَهْلِهِ وَإِخْوَانِهِ؛ لِيَكُونَ مِنْ أَعْلَامِ الْهُدَى وَمَفَاتِيحِ الْخَيْرِ، وَيَنَالَ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

✍️ كَتَبَهُ وَجَمَعَ أَحَادِيثَهُ:
الْفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ / أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدٍ (كَانَ اللَّهُ لَهُ فِي الدَّارَيْنِ)

🗓️ بتاريخ: 13 / صَفَر / 1448 هـ

📍 المكان: حَصْوِين — الْمَهْرَة
......
.....................
تيلجرام:
https://t.me/thmarnj

واتساب:
https://whatsapp.com/channel/0029Vb6qPen0bIdjKX15fh2W