اليمن_تاريخ_وثقافة
13.9K subscribers
150K photos
361 videos
2.27K files
25.2K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
#جردان عسل صافي

#الدغثور"
سد يحجز خلفه تاريخ جردان اليمنية


أسهم الحاجز الحجري في تحويل المنطقة المحيطة به إلى جنة طبيعية
جمال شنيتر  صحافي

على بعد نحو 70 كيلومتراً من مركز محافظة شبوة (عتق) بجنوب اليمن، يقع سد الدغثور الذي يعد من أشهر السدود في البلاد. وسط تلال صخرية ضخمة، ينبسط ليجسد تمازج التاريخ والجغرافيا والإنسان، فعلى هذه الأرض سجل الإنسان قبل عشرات السنين قصة كفاح خالدة بتحويل هذه التلال الطبيعية الساحرة إلى حياة جديدة له بعد سنوات من العطش والترحال، وليس بعيداً عنه كتب الإنسان قصة واحدة من أعظم ممالك اليمن القديم.
أمطار موسمية
يقع الدغثور إلى الشمال من قرية شق آل ضباب التي يبعد عنها بنحو خمسة كيلومترات، ويعد أحد روافد وادي جردان المنتسب إلى محافظة شبوة في أقصى غرب الهضبة الواقعة جنوب الجزيرة العربية، التي تسمى بهضبة السوط الممتدة من الجبال المطلة شرق مدينة عتق إلى أقصى شرق حضرموت. وتعتمد تغذيته على مياه الأمطار والسيول الموسمية لا سيما في فصل الخريف.
قصة كفاح
في خمسينيات القرن الماضي عانى أهالي جردان مشقة كبيرة في جلب المياه إلى قراهم، وكان ذلك يستغرق يوماً كاملاً من النقل بواسطة الحمير والإبل. يشير سالم بن ضباب، أحد الشخصيات العامة في المنطقة، إلى "أن تلك المعاناة جعلت أهل المنطقة يفكرون في استغلال تلال الدغثور ليكون سداً لحفظ المياه ومن ثم توزيعها وقت الجفاف".
يضيف ابن ضباب، "كانت جردان جزءاً من السلطنة الواحدية ضمن اتحاد الجنوب العربي المحتل من بريطانيا، ونتيجة لسنوات القحط والعطش، جاءت فكرة بناء سد الدغثور في عام 1959، فكان أول داعم للفكرة الشيخ صالح العاقل بن ضباب الذي عمل فحصاً نظرياً تقليدياً للتلال للتأكد من عدم وجود تشققات في أرضية السد وجوانبه، وفي الأثناء وجد آثاراً قديمة ترجع إلى عصور ما قبل الميلاد تدل على وجود سد قديم. وكان الأمر الذي ساعد في فكرة بناء السد هو تقارب المسافة بين الجبلين الشرقي والغربي وهي 13 متراً فقط، وهو ما أعطى الأهالي حافزاً قوياً لبنائه، وهكذا بدأ التخطيط لتحويل الموقع إلى سد مائي".
يتابع، "كانت إمكانات الأهالي بسيطة، وظروفهم المادية صعبة، فكان لا بد من التخطيط لبناء السد في وضع إمكانات تكاد تكون منعدمة في ظل عدم وجود معدات إنشائية وعدم امتلاك المواطنين المال، لكن حدة العطش أجبرتهم على إنجاز السد، وبالفعل تعاونوا بمبادرات طوعية مشتركة، فمُدت الشبكة على الأرض من دون حفريات، وكانوا يحضرون ثيرانهم لاستخدامها في أعمال النقل والحفر، وبعد جهد استثنائي أُنجز مشروع السد بنجاح".
زيادة منسوب المياه
لم يكتف الأهالي بذلك الإنجاز، فبعد 14 سنة وفي عهد دولة اليمن الجنوبي التي استقلت عن بريطانيا، ازداد عدد السكان مما زاد الطلب على المياه، فأصبحت المنطقة بحاجة إلى زيادة منسوب المياه في السد، وهكذا تواصلت اللجنة الأهلية مع الحكومة وطلبت تقديم المساعدة، وكان لهم في عام 1973 إنجاز المرحلة الثانية من مشروع الحياة كما يسميه الأهالي.
وفي 1980 كان المنطقة تحتاج إلى عمل سد جديد حاضن لنظيره الداخلي، ولكن كانت هناك معضلة كبيرة تمثلت في وجود كتل صخرية غاية في الضخامة، وبعد عام من المشاورات والمداولات بين الأهالي في كيفية التخلص منها، ظهرت فكرة التواصل بين اللجنة الأهلية المحلية مع الجهات الحكومية للحصول على متفجرات لتكسير تلك الكتل الصخرية، ومن ثمّ نقلها بواسطة المعدات الثقيلة إلى خارج السد.
الحياة والإنتاج
يعد سد الدغثور عند أهالي المنطقة حياتهم وتاريخهم وكفاحهم ومستقبلهم، فلولاه لما استمروا في الحياة والإنتاج في هذه البقعة من الأرض، وهكذا وبعد رحلة كفاح استمرت لسنوات، استفادت قرى أسفل وادي جردان ذات الكثافة السكانية العالية والقرى المتناثرة من مياهه كمصدر حياة للمواطنين، حيث يغطي المنطقة وضواحيها بكميات مناسبة من المياه تكفي لنحو عشرة آلاف نسمة، كما يستفاد من رافد الدغثور بسقي جزء من الأراضي الزراعية في بعض القرى المجاورة بالمديرية، التي تشتهر بزراعة محاصيل الذرة الرفيعة والدخن والسمسم والطهف، غير أن الأهم من ذلك شجرة السدر (العلب) التي يتغذى عليها النحل وينتج منها العسل.
وفي هذا الصدد يوضح ابن ضباب، "شهرة الوادي تكمن في إنتاج عسل جردان، المعروفة جودته منذ قديم الزمن، فقد حظي بأحد أطيب وأحلى عسل في شبه الجزيرة العربية، والسبب الرئيس في شهرته وجود أشجار السدر (العلب)، إذ إنها تستمد ريها من مياه الأمطار الحلوة، وليس من الآبار المالحة، بالإضافة إلى وجود بعض الأشجار الأخرى التي يجنيها النحل وعدم وجودها في الوديان الأخرى، وهذا ما جعل عسل جردان ذا شهرة، واعترافاً وإقراراً بجودته تغنى به الشعراء والفنانون، وأبرزهم الفنان الراحل أبو بكر سالم الذي غنى من كلمات الشاعر حسين المحضار عن عسل جردان "خذ من الهاشمي ما تريده واسمح بلقياك يا ذا الحسن، خذ من الفائدة والوجيدة لفي عسل نوب جردان".
قبلة السياحة
سد الدغثور بما يملكه من التشكيل الطبيعي الخلّاق والمناظر الربانية النادرة الوجود في شبه الجزيرة العربية التي تضيف للجمال جمالاً، ساعد كثيراً على جعله أحد أهم المعالم السياحية في محافظة شبوة، وجذب السياحة المحلية، لا سيما في مواسم الأمطار، إذ يرتفع منسوب المياه ويخضر الوادي، وكان للعديد من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية والإعلامية اليمنية زيارته خلال سنوات مضت، لعل أبرزهم الرئيس الأسبق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (قبل الوحدة اليمنية) علي ناصر محمد وأمين عام الحزب الاشتراكي الحاكم حينها عبد الفتاح إسماعيل، ونائب الرئيس الجنوبي علي عنتر، وعدد آخر من كبار المسؤولين في الدولة.
وبين تلال السد وأعلاه تنظم الرحلات السياحية الجميلة، وتُذبح الأغنام وتُطهى، إما في "الموفى" غالباً "لحم المندي"، وإما على الأحجار أحياناً "لحم مشوي"، ويكون العسل الجرداني حاضراً بقوة في مثل هذه الوجبات والزيارات الترفيهية.
تاريخ الحضارة
ويشير الباحث في التاريخ القديم، محمد السدلة، إلى أهمية وادي جردان الذي يقع فيه سد الدغثور، كأحد أودية مشرق العربية الجنوبية ذات الأهمية الاقتصادية والسياسية الكبيرة في تاريخ العربية الجنوبية قديماً، وقد ذُكر الوادي في عدد من نقوش العربية الجنوبية القديمة، مما يدل على تلك الأهمية التي كان يحتلها الوادي نظراً إلى ما يتمتع به الوادي من موقع استراتيجي، إذ يحل في موقع وسيط بين ميناء قنا (ساحل البحر العربي) وعاصمة مملكة حضرموت القديمة مدينة شبوة.
ويخترق الوادي عدد من الطرق الرئيسة والفرعية، أسهمت بشكل كبير في ازدهار التجارة في مملكة حضرموت قديماً، واقتصاد الممالك العربية الجنوبية في تاريخها القديم، ويعود أقدم ذكر لوادي جردان في النقوش إلى القرن السابع قبل الميلاد، إذ ذكر في نقش النصر الذي دونه الملك السبئي كرب آيل وتر، الذي تحالف مع مملكة حضرموت وقتبان، فيما كان أقدم تاريخ للوادي في القرن الخامس قبل الميلاد، وقد استدل عليه من خلال المكتشفات الأثرية التي عثر عليها في موقع هجر البريرة.
وبحسب السدلة يوجد في وادي جردان عدد من المواقع الأثرية والمستوطنات القديمة، سواء كانت هذه المواقع على ضفاف مجرى الوادي أو في روافده الخارجية، ومن أهم تلك المواقع هجر البريرة الذي يعد من أقدم المدن المعروفة في العربية الجنوبية، وأشهر المواقع الأثرية في وادي جردان، ولأهميته الكبيرة زار هذا الموقع العديد من الرحالة والمؤرخين أهمهم "فإن وايزمن" و"براين دو" ومحمد عبد القادر بافقية وجاكلين بيرن، كما أن من المواقع الأثرية الأخرى في هذا الوادي موقع هجر البناء وموقع هجر دربس.
 كما اشتهر وادي جردان بصناعة العسل وإنتاجه منذ القدم، وقد دلت الدراسات والبحوث الأثرية في وادي يثوف أحد روافد وادي جردان الرئيسة، على قدم وعراقة إنتاج العسل في هذا الوادي، حيث عثر على أشكال غريبة على مرتفعات وجبال الوادي، واعتقدوا في البداية أنها عبارة عن رسوم صخرية، ثم توصل الباحث محمد عبد القادر بافقية إلى أن هذه الأشكال الغريبة ما هي إلا عبارة عن خلايا نحل تبنى في الكهوف، أو عبارة عن فجوات في الجبال يستحيل الوصول إليها إلا بالتدلي بالحبال.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
#بهجة_الزمن_تاريخ_اليمن

الاستيلاء على يافع
كانت يافع قد شاركت في محاربة جيش الدولة القاسمية إلى جانب الشيخ حسين الرصاص، ثم انسحبت خوفاً من الهزيمة. وبعد انتهاء أحمد بن الحسن من إخضاع بني أرض، وإدخالها تحت سلطة الدولة بدأ يراسل يافع، طالباً منها الدخول في طاعة الإمام، وإعلان الولاء، لكنها لا زالت تصر على عدم الاستسلام، والدخول تحت سلطة هذه الدولة، معتقدة بأن جبالها الحصينة ستحميها وتمكنها من هزيمة جيش الدولة القادم إليها. وأن المُدافع في هذه المناطق الحصينة ستكون له الغلبة أكثر من المُهاجم، الذي قد لا يعرف الكثير عن تلك المناطق. وكما يقال: (أهل مكة أدرى بشعابها).
وبعد فشل المراسلات لم يجد أحمد بن الحسن بداً من دخول يافع وإخضاعها بالقوة، فبدأ يهيء الجيش الذي سيتجه إلى يافع، وفي المقابل كانت يافع قد استعدت للمواجهة بكل ما تستطيع من قوة. وتحصنت في الجبال، والذي أهمها جبل (العر) ويعتبر من الجبال المنيعة، فوضعت يافع في هذا الجبل حامية عسكرية كبيرة، وقطعت بعض الطرق حتى لا تستطيع الخيل المرور.
وكان لليافعيين اعتقاد كبير في السيد سالم بن أحمد السابق ذكره، حيث استنجدوا به للدفاع عن بلادهم. أما أحمد بن الحسن فقد أرسل بعض الجند إلى منطقة (الخَلَقَة)، ثم تبعهم محمد بن الحسين بجميع من معه من الجنود، بينما قبائل يافع متحصنة في جبل العر، ثم وصل الخبر إلى أحمد بن الحسن بأن الشريف سالم قادم من حضرموت بغارة إلى يافع، فأرسل بجميع عسكره إلى دثينة ليقطع عليه الطريق. فلما علم سالم بذلك عاد إلى حضرموت.
ولما استقر محمد بن الحسين في (الخلقة) أعلن أهلها الطاعة والولاء. ولم يبق من المقاومين إلا من تحصن في تلك الجبال.
ولن ندخل في تفاصيل تلك الحروب التي دارت بين الطرفين، والتي بدأت في 19 جمادى الآخر سنة (1065ه‍/ 25 إبريل1655م)، غير أنه بعد مواجهات عسكرية هامة وحاسمة تمكن جيش الدولة القاسمية بقيادة محمد بن الحسين من الاستيلاء على جبل العر بأكمله، بينما هرب اليافعيون الذين كانوا متحصنين به، ومدافعين عنه إلى الجنوب. وواصل جيش الدولة تقدمه إلى الجنوب، حتى استولى على منطقة تسمى (مرفد) ، بينما تحصن اليافعيون في أماكن حصينة، وحاربوا محمد بن الحسين وجنوده، وكادوا يهزمونهم، فأرسل محمد بن الحسين إلى أحمد بن الحسن يستنجد به قبل أن تحاصره قبائل يافع في مرفد، عند ذلك اضطر أحمد بن الحسن أن يتقدم بنفسه على رأس قوة كبيرة، وكان في البيضاء. ولما سمعت يافع بقدوم أحمد بن الحسن -وكان معروفاً لدى القبائل بقوته وقدرته على هزيمتهم-اضطرت إلى الاستسلام والخضوع له، ومن ثم لسلطة الدولة القاسمية. وقد عبر يحيى بن الحسين عن ذلك بقوله: "فلما سمعوا وصوله، وتحركت طبوله هرب يافع، وولوا الأدبار، ونجوا بالفرار. ثم طلبوا الأمان، فبذل لهم أمانهم". وتقدم إليه زعماء يافع، وهو في مرفد لتقديم الولاء والطاعة للدولة القاسمية، وبعد ذلك أرسلهم إلى أخيه محمد بن الحسن في رداع، الذي بدوره أرسلهم إلى الإمام المتوكل في ضوران. ولما وصلوا إلى الإمام عفا عنهم وأكرمهم، وأعطاهم اللباس والنقود والسلاح والخيول.
وبعد أن أصبحت يافع وما حولها تحت سيطرة الدولة القاسمية أمر الإمام المتوكل أن يُعين عليها شرف الدين بن المطهر، وأن يُعين على بلاد الرصاص ودثينة وما يليها محمد بن علي بن جميل.
وعندما شعر أحمد بن الحسن بأن مهمته قد انتهت في هذه المناطق رأى أن يعود بمن معه إلى رداع، فعاد إليها دون علم الإمام المتوكل، الذي كان يرى أن يبقى في يافع وما إليها مدة أطول خوفاً من تمردهم أو خروجهم على الدولة، فلم يعلم الإمام بخروج أحمد بن الحسن ومن معه إلا وقد أصبحوا في (الزهراء).
ويورد الجرموزي بأن السبب في تحرك أحمد بن الحسن ومن معه إلى رداع ليس لأنه أكمل فرض سلطة الدولة على تلك المناطق فحسب؛ بل أنه أيضاً وصل إليه كتاب من الأمير صالح بن حسين بن الشويع-الذي أرسله على رأس وفد إلى حضرموت-ذكر فيه بأن السلطان بدر بن عبد الله الكثيري قد أعلن الطاعة للدولة وخطب للإمام، وأطلق سراح عمه بدر بن عمر. فرأى أحمد بن الحسن بأنه لم يعد هناك ضرورة للبقاء في يافع أو التوجه إلى حضرموت. وواصل تقدمه إلى رداع قبل أن يعود إليه جواب الإمام بالبقاء في يافع.
ولما وصل جيش الدولة بقيادة أحمد بن الحسن إلى رداع استقبلهم محمد بن الحسن الذي كان بمثابة القائد الأعلى لقوات الدولة. وبعد ذلك تحرك الجميع إلى ضوران، مقر الإمام المتوكل، حيث هنأهم بالنصر، وما حققوه من توسيع لسلطة الدولة.
غير أن الأحداث أثبتت فيما بعد أن الإمام المتوكل كان صائباً عندما رأى أنه لا بد للجيش أن يبقى في يافع مدة أطول، حتى يتأكد لأحمد بن الحسن صدق استسلام يافع وخضوعها، لأنه بعد خمسة أشهر من خروج الجيش من يافع أعلن أحد زعماء يافع وهو الشيخ معوضة ابن العفيف تمرده على الدولة.
ولم يكن مع والي يافع حينذاك من الجيش ما يكفي للقضاء على ابن العفيف، فاستسلم ثم طُرد من يافع، وقُتل بعض أصحابه.
ولما علم الإمام بذلك أرسل ابنه محمد بن إسماعيل إلى البيضاء، وتبعه بقية أبناء إخوة الإمام، بما فيهم أحمد بن الحسن-الذي كان قد أخضع يافع وعاد إلى ضوران كما أسلفنا-ثم اتجه الجميع إلى الموسطة. وفي بداية سنة (1066ه‍/1655م)، تقدموا إلى يافع، ودارت بينهم معركة كبيرة هُزم فيها ابن العفيف والناخبي ولم يتمكنا من الصمود. وطلب ابن العفيف الأمان بعد أن قُتل من أتباعه حوالي ثلاثمائة. وبعد أن مُنح الأمان أُرسل به إلى الإمام المتوكل.
وحصل أحمد بن الحسن ومن معه على الكثير من الغنائم. وأمر بالاستيلاء على أموال الزعماء المتمردين، كما أمر بمصادرة أسلحة جميع أهالي بلاد ابن العفيف. واستسلمت جميع يافع لسلطة الدولة.
وقد عبّر المؤرخ يحيى بن الحسين عن ذلك بقوله: "وواجهت يافع أجمع من حد العر إلى عدن، وجميع جباله وحصونه ... وهي بلاد ممتدة واسعة، وأهلها كثيرة".
وبعد أن تمكن أحمد بن الحسن من بسط سلطة الدولة مرة ثانية. على جميع يافع وما حولها، استدعى جميع مشائخ يافع وشيخ بني أرض صالح بن أحمد الرصاص، وأرسلهم إلى الإمام لتجديد الولاء. وبعد ذلك أمر الإمام المتوكل بأخذ جميع أسلحة يافع، وإيصالها إليه في ضوران، فوصل إليه كثير من بنادقهم محملة على ظهورهم ورقابهم، وأودعها خزانة حصن الدامغ لديه. ثم عين الإمام المتوكل ابن أخيه الحسين بن الحسن والياً على يافع والبيضاء وما إليهما، وعين نائباً له في يافع الفقيه الحسين بن يحيى المخلافي، وفي بلاد البيضاء وما إليها الفقيه علي بن صلاح الجملولي. بينما استقر الحسين بن الحسن في رداع ليدير أمر تلك المناطق من هذه المدينة.
ولما استتبت الأمور في يافع وما إليها كتب أحمد بن الحسن وأخوه الحسين إلى جميع سلاطين المشرق مثل الرصاص والعولقي والفضلي وغيرهم يطلبون منهم الوصول لتجديد إعلان الولاء والطاعة. وكان من العبارات التي كتبوها: "إما وصلتم إلينا أو وصلنا إليكم". فلم يتخلف أحد منهم، وسارعوا في الوصول، وأُرسل بهم إلى الإمام المتوكل في ضوران لتجديد الولاء والطاعة. على الرغم من أنهم قد أعلنوا طاعتهم للدولة، غير أن أحمد بن الحسن رأى أنه لا مانع من تجديد الولاء، لتأكيد التبعية لهذه الدولة خاصة بعد تمرد ابن العفيف في يافع، كما أسلفنا.
ومن البديهي أنه بعد تلك الهزيمة التي مُني بها ابن العفيف وغيره من مشائخ يافع أن يكون له بالغ الأثر على خضوع باقي المناطق المجاورة، حيث تأكد لها بأن الدولة القاسمية قوة لا يستهان بها. وأن التمرد أو الخروج عليها سيكون غير ذي جدوى، لذلك نجد مسارعة زعماء هذه المناطق بإعلان أو تجديد الولاء والطاعة لهذه الدولة القوية دون قيد أو شرط.
وبذلك توطدت سلطة الدولة القاسمية في مناطق اليمن الجنوبية والشرقية بشكل فعلي. ولم يبق خارج السلطة الفعلية سوى حضرموت وما إليها، فرأت الدولة متمثلة في الإمام وأبناء إخوته أنه لا بد من إخضاعها لسلطتها بالقوة.
دخول حضرموت والاستيلاء عليها
ومما لا شك فيه أن استيلاء الدولة على حضرموت يعد ذو أهمية خاصة، كعملية استراتيجية طويلة المدى على منطقة كانت لها تضاريس صعبة.
وكما وجد الإمام مبررات لدخول المناطق الجنوبية والشرقية السابقة، سيجد هنا المبرر الذي يعطية الحق في دخول حضرموت والاستيلاء عليها.
لقد سبق أن ذكرنا بأن سلطان حضرموت بدر بن عمر كانت تربطه بالدولة القاسمية علاقات ودية وثيقة، وتبودلت بين الطرفين الهدايا والرسائل. وعندما وصل إسماعيل بن القاسم إلى الإمامة سنة (1054ه‍/1644م) تجددت العلاقات وتبودلت الرسائل والهدايا بينهما، كما كانت في عهد الإمام المؤيد. غير أن بدر بن عبد الله وهو ابن أخي السلطان بدر بن عمر كان قد أصبح يشكل خطراً على عمه بدر بن عمر، لمحاولته تحديه، مما دفع الأخير إلى تأكيد ولائه للدولة القاسمية، وذكر اسم الإمام المتوكل في الخطبة.
وكان هذا التصرف من بدر بن عمر ذا مغزى، إذ أنه سيضمن مساعدة الإمام إسماعيل إذا ما ثار أو تمرد عليه ابن أخيه بدر بن عبد الله. ولعلَّ بدر بن عمر كان يدرك ذلك وأن ابن أخيه بدأ يعد العدة لإقصائه من السلطنة، وأخذها لنفسه.
ومهما قيل من أسباب الخلاف بين بدر بن عمر وابن أخيه بدر بن عبد الله، فإن الأخير كان يطمح للوصول إلى السلطنة، لذلك استغل علاقة عمه بدر بن عمر بالإمام المتوكل في إثارة آل كثير ضده. وتمكن من القبض على عمه وعلى أبنائه وأودعهم السجن. وما أن علم الإمام المتوكل بذلك التصرف الذي قام به بدر بن عبد الله حتى اعتبره تحدياً له، وإهانة موجهة إليه، وبادر بإرسال الرسائل إليه يأمره بإطلاق سراح عمه بدر بن عمر، وإعطائه ولاية ظفار، فأجابه برسالة في شهر رمضان سنة (1065ه‍/1655م) تتضمن إجابة الإمام، بأنه أطلق سراح عمه وتنازل له عن ولاية ظفار. وأظهر في رسائله الولاء والطاعة للإمام المتوكل.
ولا شك أن هذا التصرف من بدر بن عبد الله تصرفاً طبيعياً، إذ أنه كان قد شعر بقوة الدولة القاسمية في هذه الفترة، خاصة بعد أن علم بتلك الانتصارات التي أحرزتها في المشرق والجنوب، وأنه لم يبق خارج إطار الدولة القاسمية سوى حضرموت وظفار، لذلك كان لا بد للسلطان بدر بن عبد الله أن يظهر ولاءه لهذه الدولة القوية، خوفاً من الاستيلاء على بلاده.
وكان الإمام المتوكل من الجانب الآخر يسعى لربط حضرموت بالدولة القاسمية سياسياً وإدارياً، وإخضاعها مباشرة تحت سلطة الدولة، يتضح ذلك من خلال الرسالة التي أرسلها مع القاضي الحسن بن أحمد الحيمي، الذي أرسله الإمام إلى حضرموت سنة (1067ه‍/1657) لإلزام السلطنة الكثيرية على الاعتراف بالسلطة الفعلية للدولة القاسمية على حضرموت وظفار.
وألحق الرسالة بما عُرف (بالعهد)، وتضمن العديد من الأوامر، التي ألزم السلطان بدر بن عبد الله بتنفيذها، والبدء في ذلك قبل مغادرة الحيمي لحضرموت منها: نصب النواب المعتبرين، والحكام المرتضين. وإقامة الحدود الشرعية. ومحو آثار البدع المنكرة، والاعتزاء إلى أهل البيت في العقائد والالتجاء إلى الأحكام الشرعية. وأخذ ما أمر الله بأخذه من واجبات الأموال من الصدقات والأخماس والمظالم. "وصرف القدر الذي أمرنا بصرفه في مواضعه، مما لا يتم إلا به صلاح الآمر والمأمور في تلك الجهات".
وبعد إطلاق سراح بدر بن عمر وإعطائه ولاية ظفار، وتعهد السلطان بدر بن عبد الله بالالتزام (بالعهد) الذي أرسله الإمام مع الحيمي تحسنت العلاقة في الظاهر بين الإمام والسلطان بدر بن عبد الله. وعاد القاضي الحيمي محملاً بالهدايا من السلطان بدر بن عبد الله للإمام المتوكل، غير أن الأول لم يكن صادقاً في التزامه بذلك العهد الذي أرسله الإمام. وقد شجعه أخوه جعفر بن عبد الله على الخروج عن طاعة الإمام المتوكل. وجعفر بن عبد الله كانت إليه ولاية ظفار قبل أن تُعطى لبدر بن عمر. ولا بد أن هذا سيجعله يحاول إقناع أخيه السلطان بدر بن عبد الله على أخذ ظفار من عمه بدر بن عمر بالقوة، وطرده منها. ولما حدث هذا الأمر لم يكن أمام بدر بن عمر إلا الهرب والتوجه إلى الإمام المتوكل،لإنصافه من أبناء إخوته.
وعلى الرغم من أن السلطان بدر بن عبد الله قد برر للإمام المتوكل بأن ذلك تم دون علمه من خلال رسائل تبودلت بينهما، غير أن الإمام رأى أن تلك المراسلات غير ذات جدوى، وقرر الاستيلاء على حضرموت، وإخضاعها بالقوة. وأناط بتلك المهمة لرجل المهمات الصعبة ابن أخيه أحمد بن الحسن، الذي خرج من الغراس في 20 شوال سنة (1069ه‍/10يوليو 1658م) .
وكان كلما مر بقبيلة انضم إليه عدد من رجالها، حتى انضم إليه العديد من القبائل التي كانت ترغب في الانضمام إليه، بينما الإمام المتوكل إسماعيل كان يواصل إمداده بالمال والرجال، منهم ابنه محمد بن إسماعيل وغيره، وكانت هذه الإمدادات تصل إلى أحمد بن الحسن وهو يواصل سيره في طريقه إلى حضرموت. وكان آخرها قد وصلته وهو بواسط من بلاد العولقي. ومن هناك استأنف تحرك جيشه إلى حضرموت، بعد أن رأى كثرة هذا الجيش وجاهزيته.
غير أن جيش أحمد بن الحسن قد تعرض خلال توجهه إلى حضرموت للكثير من المخاطر والمتاعب، فبمجرد تصور أن أحمد بن الحسن قد قطع بجيشه المسافة ما بين الموضع الأول، الذي تحرك منه إلى أن وصل حضرموت في نحو عشرة أشهر. نعرف مدى المصاعب والمشاق التي تعرض لها جيش كثيف كهذا يمر بمناطق لا يوجد فيها ما يلزم تموين الجيش ودوابه من ماء وغذاء، فقد اضطر الجيش أن يحفر في بعض الطرق التي مر بها آباراً بلغ عمقها إلى مائتي ذراع،لسد حاجته إلى الماء. كما نفد ما كان مع الجيش من غذاء، خاصة في وادي حَجْر، حتى اضطروا إلى أكل الميتات، وما تعب من الجمال، لانقطاع القوافل. كما تعرقل أحمد ابن الحسن وجيشه في منطقة تسمى (أنصاب)، لعدم توفر الجمال. وكانت معنويات رجاله متدنية، غير أنه استطاع أن يتغلب على ذلك بعد أن أرسل عيوناً للتعرف على البلاد. كما أن الشيخ العمودي، حاكم دوعن زودهم بما يستطيع من الغذاء. وكان موالياً للإمام المتوكل.
وفي الوقت الذي كانت فيه جيوش الدولة القاسمية تزحف إلى حضرموت، كانت رُسل الإمام تفاوض السلطان بدر بن عبد الله، وتطالبه بتنفيذ ما تعهد به من إرسال حملة إلى ظفار، لتأديب أخيه جعفر، واسترداد ظفار منه والقبض عليه أو طرده، فاعتذر السلطان بدر بن عبد الله بأنه لن يقبل أحد من آل كثير الاشتراك في هذه الحملة، بحجة أنهم لا يستطيعون أن يغادروا بلادهم لتخلفهم فيها جنود الإمام، لذلك اقترح أولاً إيقاف الزحف، وأن يعودوا من حيث أتوا، على أن يتكفل هو بدفع جميع النفقات، إلاَّ أن الإمام لا بد له أن يرفض مثل هذا العرض. ولذلك فشلت المفاوضات. واستشار السلطان بدر ذوي الرأي، فأشار عليه البعض بالتسليم وعدم المقاومة، بينما حثه الأغلبية على المقاومة، ففضل المقاومة، واستعد للقتال.
أما أحمد بن الحسن، فإنه لما وصل إلى منطقة تسمى (ريدة أبا مسدوس)، توجهت إليه معظم القبائل الحضرمية بالطعام والمؤن، معلنة ولاءها وطاعتها للإمام المتوكل.
واستمر أحمد بن الحسن في تقدمه حتى وصل إلى القرب من منطقة (هينن)، حيث جرت معركة بين الطرفين هرب على إثرها السلطان بدر بن عبد الله إلى شبام، ودخل أحمد بن الحسن هينن، في يوم الخميس 5شعبان (1070ه‍/ 15 إبريل 1660م).
واستولى هو وجيشه على ما خلّفه السلطان بدر، ثم تقدم إلى شبام، فلما علم السلطان بقدوم أحمد بن الحسن هرب من شبام إلى (وادي شنافر)، بينما دخل أحمد بن الحسن شبام، عند ذلك لم يكن أمام جميع البلاد الحضرمية إلا الاستسلام، وإعلان الولاء والطاعة. وبعد ذلك وصل أحمد بن الحسن إلى مقر السلطان بدر بن عبد الله في سيئون، واستولى على كثير من خزائنه.
أما السلطان بدر بن عبد الله فلم يكن أمامه إلا أن أعلن استسلامه وخضوعه، وأرسل إلى أحمد بن الحسن يطلب منه الأمان، فأمنه وأحسن استقباله، ثم أرسله إلى الإمام المتوكل في ضوران، الذي استقبله وأكرمه.
وبذلك يكون أحمد بن الحسن قد أكمل مهمته العسكرية بالاستيلاء على معظم المناطق التي كانت تخضع للسلطان بدر بن عبد الله، ثم قام بتنظيم شؤونها الإدارية، فعين الولاة والعمال على المدن الحضرمية، ونصب القضاة، وجمع الزكاة، وحرَّم الملاهي، ونودي بأن يزاد في الأذان (حي على خير العمل) تطبيقاً للمذهب الزيدي في صيغة الأذان، ومنع الناس في تريم من إقامة الذكر، المعروف، براتب السقاف.
وبعد أن أكمل مهمته العسكرية والإدارية داخل حضرموت أرسل حملة عسكرية بقيادة بدر بن جميل إلى الشحر، أهم مدن الساحل، وأرسل معه علي بن بدر بن عمر الكثيري ليكون حاكماً عليها من قبل أبيه السلطان بدر بن عمر، فلم تلق الحملة أي مقاومة تذكر، حيث أظهر المتولي للشحر الطاعة، "وسلَّم إليهم الحصن وشؤون المدينة والميناء".