اليمن_تاريخ_وثقافة
14.1K subscribers
150K photos
361 videos
2.27K files
25.3K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
حولها الحديث .
في الختام نتسائل :
يـــا ترى هل سيعيد التاريخ نفســه ليكون إنتهاء الحروب الحالية على يد أبنــاء اليمن ؟
وهل سوف تستمر الحروب وإلى متى سنظل في حروب ودمـــــاء وخراب ودمار ؟
وتساؤلات أخرى كثيرة لا نمتلك الإجابات عنها فسبحانه وتعالى وحده علام الغيوب
لكننا نعلم بأن أهمية التاريخ بما يتركه لنا من عبـر الماضي حتى لا تتكرر في الحاضر والمستقبل ..
أخيراً أود التنويه بأن التدخلات الخارجية كانت نتيجة حتمية للإختلاف بين الحكام وللخارج حساباته ومصالحه التي يعمل لتنفيذها ، وطالما والمشكله داخليه فلا بد أن يكون الحل من الداخل ولا يمكن أن ياتي من الخارج مهما كان ..

معمر الشرجبي
هنا وجب الإشارة بأن الحميريين - ملوك سبأ وذي ريدان كانوا حينها في حروب مستمرة مع ملوك سبأ حتى أن سيطرتهم إمتدت إلى أراضي ومناطق في عمق مملكة سبأ فوصلوا إلى جنوب العاصمة صنعاء حالياً وعندما لم يلمس علهان نهفان أي دعم في تلك الحرب من زوج إبنته وصهره الملك يدع أب غيلان الذي ربما كان يرى بأنها شأن داخلي في سبأ ، يبدو بأن علهان خاف من سقوط العرش بيد الحميريين (اليمنيين) فسارع للإرتماء بأحضان (الأحباش) حتى انه أهدى للآلهة 30 تمثال دفعة واحدة فرحاً وسروراً بوضع اليمن تحت الهيمنة الخارجية !!!
هذا التصرف الأحمق منح الأحباش فرصة على طبق ذهبي للتدخل في شؤون اليمن الداخلية وكانت بداية الحروب بين اليمنيين والأحباش بعد موت علهان مباشرة واستمرت الحروب المتقطعة طوال ما يقارب 300 عام كانت نهايتها وقوع اليمن تحت الحكم الحبشي لمرتين ..
مع العلم بأن الإتفاقية مع الأحباش تم نسفها على يد الملك شاعر أوتر بن علهان نهفان كما جاء في النقش Ir 12
http://dasi.humnet.unipi.it/index.php
الذي تحدث فيه القائد وافي أذرح قائلاً أنه أهدى إلمقه تمثالين ذهبين حمداً وشكراً على صدور قرار سيده الملك شاعر أوتر القاضي بتعيينه قائداً للقوات المرابطة في حدود حاشد أثناء الحرب مع الأحباش ومن معهم من قبائل السواهر وخولان ، ويذكر وافي أذرح بأنه أقام التحصينات العسكرية على طول حدود حاشد كما يتحدث عن صدور قرار يقضي بتوليه منصب قيادة فرقة خاصة من الجيش لمحاربة الأحباش ويذكر المعارك والقتلى والأسرى ... الخ
أيضاً التحالف الذي أقامه الملك علهان مع ملك حضرموت إنتهى بحرب شنها الملك شاعر أوتر ضد العزليط ملك حضرموت وهذه الحادثة نقلها لنا النقش Ir 13
http://dasi.humnet.unipi.it/index.php
الذي يتحدث فيه القائد فارع الكوكباني قائلاً بأنه أهدى إلمقه تماثيل ذهبية من غنائم المعارك في شبوة وقدمها حمداً على سلامته في الحروب التي شنها سيده الملك شاعر أوتر على العزليط ملك حضرموت وتحدث عن معارك دارت رحاها في الغيل وأرض قتبان ضد قبائل ردمان وأوسان ويشكر الآلهة على الثقة التي نالها عندما صدر قراراً بتعيينه قائداً لحراسة قصر شقر الذي تقيم فيه سيدته ( ملاك أحلك ) أخت الملك شاعر أوتر واستمر في حراسة الحصن 15 يوم ويذكر عودته بالسلامة مع سيده شاعر أوتر ويشكر الآلهة على سلامته في كل المعارك والحروب ...الخ
هنا وعلى الرغم من أن الملك شاعر أوتر كان مشاركاً مع والده في الحكم والإتفاقية مع الأحباش تم توقيعها عندما كان هو ولياً للعهد إلا أنه ادرك خطأ والده أو ربما كان أكثر وطنية من والده فبمجرد توليه للحكم شن حروباً شاملة على الأحباش وشن حروب أخرى في سبيل إستقرار اليمن والتي شهدت بالفعل فترة من الإستقرار ..
والحقيقة المؤلمة تفرض علينا الإعتراف بأن الإستقواء بالخارج لعنة تطاردنا منذ الزمن القديم إلى العصـر الحديث وأهم الأسباب التي أدت لذلك الإختلاف بين الأقيال قديماً و الإختلاف بين السياسيين حديثاً على تولي الحكم وكل سعير الحروب لم يكتوي به الأقيال أو السياسيين لوحدهم بل إكتوى به أهل اليمن جميعاً .. ففي الماضي استمرت تلك الحروب لسنوات أهلكت الحرث والنسل حتى سقطت اليمن تحت الحكم الحبشي منتصف القرن الرابع الميلادي ولم يكن الخلاص منهم إلا بظهور حكام أقوياء إستطاعوا لم شمل اليمنيين وتوحيد صفوفهم فطردوا الأحباش لكن لم يمضي قرنين من الزمن حتى عادت اللعنة لتطاردنا من جديد والسبب إختلاف الحكام فوقعت اليمن تحت الحكم الحبشي للمرة الثانية منتصف القرن السادس الميلادي وحينها سارع الملك سيف بن ذي يزن طالباً تدخل الفرس لطرد الأحباش وتحقق ذلك بالفعل لكن هذا التدخل أوقع اليمن تحت الإحتلال الفارسي أي أنه لم يفعل شيء لتحرير اليمن سوى أنه إستبدل الحكم الحبشي بالحكم الفارسي فقط !!!
ولم يخلِّص اليمنيين من تلك الأوضاع إلا ظهور الإسلام الذي أعاد توحيد أهل اليمن تحت رايته فأصبحت اليمن 3 مخاليف - أقاليم هي : مخلاف صنعاء ومخلاف الجند ومخلاف حضرموت واستمر هذا الوضع المستقر نسبياً قرابة 70 عام تنفس فيها أهل اليمن الصُعَدَاء لكن بزوغ الخلاف بين (أقطاب قريش) أولاً الخلاف بين بني أمية والزبير بن العوام وثانياً الخلاف بين العباسيين والعلويين أدى لإنعكاس الوضع على اليمن مباشرة فبدأت الحروب بالظهور ثانية وقد عانى أهل اليمن مثل غيرهم في العالم الإسلامي بسبب الخلافات بين بني أمية والزبير ومن ثم العباسيين وأبناء عمومتهم العلويين .. ولم تعرف اليمن الإستقرار بعدها إذ ظهرت الدويلات المذهبية والطائفيه إبتدأ من دولة بني زياد ودولة بني يعفر ودولة الزيديين والقرامطة والصليحيين وبني زريع وبني أيوب وغيرها من الدويلات التي أعادت الحروب إلى الواجهة حتى بزغ نجم الدولة الرسولية التي شهدت اليمن في عهدها إستقرار نسبي لكن بعد زوالها عاد الشتات والصراع واستمرت تلك الأوضاع المأساوية إلى عصرنا الحالي وما بين هذا وذاك الكثير والكثير من الأحداث التي يطول
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
قصة سبأ


قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاما آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [سبأ: 15-19] .

قال علماء النسب منهم محمد بن إسحاق: اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، قالوا: وكان أول من سبى من العرب فسمى سبأ لذلك. وكان يقال له: الرائش، لأنه كان يعطي الناس الأموال من متاعه.

قال السهيلي: ويقال إنه أول من تتوج.

وذكر بعضهم أنه كان مسلما، وكان له شعر بشر فيه بوجود رسول الله ﷺ، فمن ذلك قوله:

سيملك بعدنا ملكا عظيما * نبي لا يرخص في الحرام

ويملك بعده منهم ملوك * يدينون العباد بغير ذام

ويملك بعدهم منا ما ملوك * يصير الملك فينا باقتسام

ويملك بعد قحطان نبي * تقي جبينه خير الأنام

يسمى أحمدا يا ليت أني * أعمر بعد مبعثه بعام

فأعضده وأحبوه بنصري * بكل مدجج وبكل رام

متى يظهر فكونوا ناصريه* ومن يلقاه يبلغه سلامي

حكاه ابن دحية في كتابه (التنوير) في مولد البشير النذير.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن دعلة، سمعت عبد الله بن العباس يقول:

إن رجلا سأل النبي ﷺ عن سبأ ما هو: أرجل أم امرأة أم أرض؟

قال: « بل هو رجل، ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون: فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير، وأما الشامية: فلخم، وجذام وعاملة، وغسان ».

وقد ذكرنا في التفسير أن فروة بن مسيك الغطيفي، هو السائل عن ذلك، كما استقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه هناك، ولله الحمد

والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها، وقد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن، وأحدهم تُبَّع، وكان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم، كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك.

وكانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت تُبَّعا، كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك مصر فرعون، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الهند بطليموس.

وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس، وقد قدمنا قصتها مع سليمان عليه السلام، وقد كانوا في غبطة عظيمة، وأرزاق دارة، وثمار وزروع كثيرة، وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد، فلما بدلوا نعمة الله كفرا أحلوا قومهم دار البوار

قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا. وزعم السدي أنه أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي، فالله أعلم. والمقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى إلى الضلال، وسجدوا للشمس من دون الله، وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا، واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم، كما قال تعالى: { فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ } [سبأ: 16-17] .

ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم، أن سد مأرب كان صنعته أن المياه تجري من بين جبلين، فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا، حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين، وغرسوا فيهما البساتين والأشجار المثمرة الأنيقة، وزرعوا الزروع الكثيرة.

ويقال: كان أول من بناه سبأ بن يعرب، وسلط إليه سبعين واديا يفد إليه، وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء، ومات ولم يكمل بناؤه، فكملته حمير بعده، وكان اتساعه فرسخا في فرسخ.

وكانوا في غبطة عظيمة، وعيش رغيد، وأيام طيبة، حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها ؛ فتمتلئ من الثمار ما يتساقط فيه من نضجه وكثرته.

وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث، ولا الدواب المؤذية، لصحة هوائهم، وطيب فنائهم، كما قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } [سبأ: 15] .

وكما قال تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم: 3] .
فلما عبدوا غير الله، وبطروا نعمته، وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم، وطيب ما بينها من البساتين، وأمن الطرقات، سألوا أن يباعد بين أسفارهم، وأن يكون سفرهم في مشاق وتعب، وطلبوا أن يبدلوا بالخير شرا، كما سأل بنو إسرائيل بدل المن والسلوى: البقول، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل، فسلبوا تلك النعمة العظيمة، والحسنة العميمة، بتخريب البلاد، والشتات على وجوه العباد، كما قال تعالى: { فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ } .

قال غير واحد: أرسل الله على أصل السد الفار، وهو الجرذ، ويقال: الخلد، فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير، فلم تغن شيئا، إذ قد حم القدر، ولم ينفع الحذر، كلا لا وزر، فلما تحكم في أصله الفساد، سقط وانهار، فسلك الماء القرار، فقطعت تلك الجداول والأنهار، وانقطعت تلك الثمار، ومادت تلك الزروع والأشجار، وتبدلوا بعدها برديء الأشجار والأثمار، كما قال العزيز الجبار: { وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ } .

قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: هو الأراك، وثمره البرير، وأثل وهو: الطرفاء، وقيل: يشبهه، وهو حطب لا ثمر له { وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ } وذلك لأنه لما كان يثمر النبق، كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير، وثمره بالنسبة إليه كما يقال في المثل: لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى.

ولهذا قال تعالى: { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ } أي: إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا، وكذب رسلنا، وخالف أمرنا، وانتهك محارمنا.

وقال تعالى: { فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } وذلك أنهم لما هلكت أموالهم، وخربت بلادهم، احتاجوا أن يرتجلوا منها، وينتقلوا عنها، فتفرقوا في غور البلاد ونجدها، أيدي سبأ شَذَرَ مَذَرَ.

فنزلت طوائف منهم الحجاز، ومنهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة، وكان من أمرهم ما سنذكره، ومنهم المدينة المنورة اليوم، فكانوا أول من سكنها. ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، فخالفوا الأوس والخزرج، وأقاموا عندهم، وكان من أمرهم ما سنذكره.

ونزلت طائفة أخرى منهم الشام، وهم الذين تنصروا فيما بعد، وهم: غسان، وعاملة، وبهراء، ولخم، وجذام، وتنوخ، وتغلب، وغيرهم، وسنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين رضي الله عنهما.

قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة قال: قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة، وهو ميمون بن قيس:

وفي ذاك للمؤتسي أسوة * ومأرم عفي عليها العرم

رخام بنته لهم حمير * إذا جاء مواره لم يرم

فأروى الزرع وأعنانها * على سعة ماءهم إذ قسم

فصاروا أيادي لا يقدرو * ن على شرب طفل إذا ما فطم

وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة، أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي، ولخم هو ابن عدي بن الحارث بن مرة بن ازد بن زيد بن مهع بن عمرو بن عريب بن يشجب ابن زيد بن كهلان بن سبأ. ويقال: لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ، قاله ابن هشام.

قال ابن إسحاق: وكان سبب خروجه من اليمن فيما حدثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء، فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، فكاد قومه، فأمر اصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه، أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به.

فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي، وعرض أمواله، فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله، وانتقل في ولده وولد ولده.

وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك، مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، فكانت حربهم سجالا، ففي ذلك قال عباس بن مرداس:

وعك بن عدنان الذين تلعبوا * بغسان حتى طردوا كل مطرد

قال: فارتحلوا عنهم، فتفرقوا في البلاد، فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزل الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرا، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان.

ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات. وقد روي عن السدي قريب من هذا.

وعن محمد بن إسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهنا. وقال غيره: كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة، فأخبرت بقرب هلاك بلادهم، وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذي سلط على سدهم، ففعلوا ما فعلوا، والله أعلم. وقد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة، فيما رواه ابن أبي حاتم في التفسير
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
ملكة مملكة سبأ

في عهد النبي موسى عليه السلام وبعد هلاك فرعون ” سكن كل بني إسرائيل ” وهم ذرية النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام منطقة سيناء فقط ، وفي عهد النبي داود أتسع موطنهم إلى فلسطين، وفي هذا العهد كانت بعض أحفاد إسماعيل عليه السلام وهم مجموعة قبائل عربية، ومنهم ذرية نابت وقيدار إبنا إسماعيل عليه السلام، و القيداريون أول من سموا ب”العرب” من قبل الآشوريين، في الحديث: ( أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل و هو إبن أربع عشرة سنة ) صحيح الجامع الصغير، وهم بدو رعاة الغنم كانت تنتشر في بادية الشام والعراق وعاصمتها دومة الجندل ” ادوماتو” وكانوا يدفعوا الجزية للآشوريين، وكانت من الاسواق الكبرى للعرب اذ كان يشترك فيها الكثير من قبائلهم وخاصة كلب وغسان وطي، وكانت بالأصل مواقع مقدسة بها أصنام وآلهة الشمس تعبدها القبائل وتأتي للتقرب اليها في مواسم معينة هي مواسم حجها فتتحول تلك المواسم الى أسواق للبيع والشراء، والمتولون لأمر السوق يأخذون عشور التجار ولهم جباه يجوبون السوق ليأخذوا عُشر ما يباع، وتذكر الكتب اليهودية إن قيدار هو بن إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام .

في عهد النبي سليمان عليه السلام اتسعت ادوماتو إلى مملكة سبأ ” تيماء وما حولها من المدن الواقعة جنوب بلاد الشام ” والسبئيون من ذرية نابت بن إسماعيل عليه السلام وكانت ملكتهم والحاكمة فيهم تسمى “شمسى” والظاهر أنها من بني إسرائيل، والله أعلم حيث أن النبي سليمان عليه السلام لا يعلم عنها شيئاً ومن المعلوم دعوة الأنبياء تكون لأقوامهم فقط في الحديث قوله عليه السلام ” كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود “، وأخبار الآشورية في ذلك الوقت تصف هذه الملكة كحاكمة قوية التي كانت جريئة بما يكفي لمواجهة الملوك الآشوريين، قال الله تعالى: ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ*إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ*وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ) 22-24 النمل، جاء في إنجيل متى 12: 42 ” مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ ” وكلمة تيمن أي الجنوب، وفي سفر الملوك الأول 10: 1-4 ” وَسَمِعَتْ مَلِكَةُ سَبَا بِخَبَرِ سُلَيْمَانَ لِمَجْدِ الرَّبِّ ، فَأَتَتْ لِتَمْتَحِنَهُ بِمَسَائِلَ*فَأَتَتْ إِلَى أُورُشَلِيمَ بِمَوْكِبٍ عَظِيمٍ جِدًّا، بِجِمَال حَامِلَةٍ أَطْيَابًا وَذَهَبًا كَثِيرًا جِدًّا وَحِجَارَةً كَرِيمَةً. وَأَتَتْ إِلَى سُلَيْمَانَ وَكَلَّمَتْهُ بِكُلِّ مَا كَانَ بِقَلْبِهَا*فَأَخْبَرَهَا سُلَيْمَانُ بِكُلِّ كَلاَمِهَا. لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ مَخْفِيًّا عَنِ الْمَلِكِ لَمْ يُخْبِرْهَا بِهِ*فَلَمَّا رَأَتْ مَلِكَةُ سَبَا كُلَّ حِكْمَةِ سُلَيْمَانَ، وَالْبَيْتَ الَّذِي بَنَاهُ ” وفي 9 ” لِيَكُنْ مُبَارَكًا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي سُرَّ بِكَ وَجَعَلَكَ عَلَى كُرْسِيِّ إِسْرَائِيلَ. لأَنَّ الرَّبَّ أَحَبَّ إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ جَعَلَكَ مَلِكًا، لِتُجْرِيَ حُكْمًا وَبِرًّا ” وفي 13 ” وَأَعْطَى الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ لِمَلِكَةِ سَبَا كُلَّ مُشْتَهَاهَا الَّذِي طَلَبَتْ، عَدَا مَا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ حَسَبَ كَرَمِ الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ. فَانْصَرَفَتْ وَذَهَبَتْ إِلَى أَرْضِهَا هِيَ وَعَبِيدُهَا ” وهذه الواقعة التاريخية نتج عنها تحالف قوي جداً بين القبائل العربية التي تسكن منطقة ادوماتو وتيماء وتبوك ومدائن صالح ومدين وبين قوم بني إسرائيل والتي تسكن فلسطين وسيناء

وأصبح هذا التحالف اتحاد قبلي ونواة لمملكة ” الأنباط “ وهم أحفاد إسماعيل وإسحاق أبناء الخليل نبي الله إبراهيم عليهم السلام جميعاً، قال محمد بن سيرين: سمعت عبيدة يقول سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول: من كان سائِلاً عن نِسْبَتِنا، فإِنا نَبَطٌ من كُوثى، أَراد كُوثى العِراق، وهي سُرَّةُ السَّوادِ التي ولد بها إِبراهيم عليه السلام وأنه كان من نَبَطِ كُوثى ( أور ) وهي من محالّ العراق وأَنَّ نسبنا انتَهى إِليه، ونحْوَ ذلك قال ابنُ عباس: نحنُ معاشِرَ قُرَيش حَيٌّ من النَّبَط مِن أَهل كُوثى، والنَّبَطُ من أَهل العِراق، وفي سجلات الآشوريين تم ذكرهم ( نبيت ) في عهد ملكهم تجلات بلاسر، وعندما إنتهت مملكة الأنباط بسبب غزو الرومان لها سنة 106م تفرقت قبائلها وبعضهم أتجهوا نحو الجنوب حيث سكنت مناطق ذات حرات فيها نخل، ويذكر دوزي ( بأن هجرة بعض قبائل بني إسرائيل لجزيرة العرب حصلت أيام السبي البابلي ) وذلك بسبب والله أعلم ما ورد في النبؤات عندهم أنه سيخرج في آخر الزمان نبي هو خاتم الأنبياء في هذه الأماكن، ومن هذه المواقع يثرب ( المدينة
المنورة ) قال عليه الصلاة والسلام في بعض بلحها: ( فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ عَلَى رِيقِ النَّفْسِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سِحْرٍ أَوْ سُمٍّ ) رواه أحمد وصححه الألباني، ووادي القرى ( الفرع بالعيص ) وسمي بالقرى  لأَنَّ القوافل التجارية أو المسافرين ( طريق البخور واللبان قديماً ) يقَرُّون في هذا الوادي للكَرَى فيها أي النوم، وسكانها من اليهود، وقد فتحها رسول الله عليه الصلاة والسلام عنوةً بعد فتح خيبر قال الله تعالى: ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ) قيل أنها الجزية و خَراج أهل القرى وقيل أنها الغنيمة التي يصيبها المسلمون من عدوّهم من أهل الحرب بالقتال عنوة، ومن بلحها ( البرني ) قال عليه الصلاة والسلام: ( خير تمراتكم البرني يذهب الداء ولا داء فيه ) صحيح الإسناد صححه الألباني ويوجد فيها مبنى أثري ويسمى باللغة النبطية ( قصر  البنت ) ومعناه القصر المبني من الحجارة مثل ( سد البنت ) في ثمد جنوب خيبر المبني بالحجارة كذلك قصر البنت الأثري في البتراء جنوب الأردن ويعود تاريخه إلى حضارة الأنباط حيث تم بنائه بالحجارة حوالي 30 ق.م، وخيبر، وفدك ( الحائط )، وكل هذه المواقع ( يثرب ووادي القرى وخيبر وفدك ) يوجد فيها حرات ونخل

والحَرَّةُ: هي ( الأرض ذات الحجارة السود )، وبدليل ما ورد في قصة سلمان الفارسي رضى الله عنه ومما قال: ( لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي ، فَقَالَ : أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ، قَالَ وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ، قَالَ ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ! إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلانٍ، فَأَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَى فُلانٍ، وَأَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَى فُلانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ، هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلامَاتٌ لا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ استَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلادِ فَافْعَلْ. قَالَ ثُمَّ مَاتَ وَغَيَّبَ، فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِي الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقْ لِي فِي نَفْسِي، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا، وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ )

وأسم بلقيس المتداول تاريخياً: هي زوجة النبي سليمان عليه السلام ” بل ييس ” معناها بالمصري (قمة الجمال) وهي ابنة فرعون مصر (اوسركون) الذي حكم مصر 950 ق.م، هذا ما أكتشفه عالم المصريات الكبير “جورج رايزنر” ضمن مئات الموميات في حفريات قصر العيني “كلية الطب”، ويقول أيضاً وقد فتشت في الوثائق العبرية فوجدت احداها تقول: بلقيس هذا الطاووس الفرعوني الجميل، جاء في سفر الملوك الأول 3: 1 ” وَصَاهَرَ سُلَيْمَانُ فِرْعَوْنَ مَلِكَ مِصْرَ، وَأَخَذَ بِنْتَ فِرْعَوْنَ وَأَتَى بِهَا إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ إِلَى أَنْ أَكْمَلَ بِنَاءَ بَيْتِهِ وَبَيْتِ الرَّبِّ وَسُورِ أُورُشَلِيمَ حَوَالَيْهَا ” .

وفي 7: 8 ” وَبَيْتُهُ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ فِي دَارٍ أُخْرَى دَاخِلَ الرِّوَاقِ ، كَانَ كَهذَا الْعَمَلِ. وَعَمِلَ بَيْتًا لابْنَةِ فِرْعَوْنَ الَّتِي أَخَذَهَا سُلَيْمَانُ ، كَهذَا الرِّوَاقِ “، الواقعة الآن بجبل جرزيم في مدينة نابلس وهو مركب من الحجر الكلسي وعلى أكمته آثار صهاريج وبلاط وقلعة للسكن ، جاء في 9: 16-17 ” صَعِدَ فِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ وَأَخَذَ جَازَرَ وَأَحْرَقَهَا بِالنَّارِ، وَقَتَلَ الْكَنْعَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي الْمَدِينَةِ، وَأَعْطَاهَا مَهْرًا لابْنَتِهِ امْرَأَةِ سُلَيْمَانَ*وَبَنَى سُلَيْمَانُ جَازَرَ وَبَيْتَ
حُورُونَ السُّفْلَى ” وفي 9: 24 ” وَلكِنَّ بِنْتَ فِرْعَوْنَ صَعِدَتْ مِنْ مَدِينَةِ دَاوُدَ إِلَى بَيْتِهَا الَّذِي بَنَاهُ لَهَا، حِينَئِذٍ بَنَى الْقَلْعَةَ ” .

وأما القول بأن ما تسمى بلقيس كانت في اليمن فهذا لا يصح تاريخياً، لأنها وقومها يعبدون الشمس من دون الله وفي اليمن لم يكن لعبادة الشمس وجود مركزي ولا هامشي, علاوةً على نظام الشورى وأما اليمن فلم تعرف نظاماً شورياً ، كذلك أن سبأ وذريته كان مسكنهم في عمق الشمال الغربي للجزيرة العربية، وتاريخياً أن السبئيون كانوا يعبدون الشمس والقمر وكوكب الزهرة جاء في حديث ابن عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قال: ” إن رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله – صلى الله عليه وسلم – عن سبأ ما هو: أَرَجُلٌ أَمِ امْرَأَةٌ أَمْ أَرْضٌ ؟ فقال: ” بَلْ هو رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً، فَسَكَنَ الْيَمَنَ منهم سِتَّةٌ ، وَبِالشَّامِ منهم أَرْبَعَةٌ ” رواه أحمد. في النصوص السومرية أن السبئيين كانوا من سكان العربية الصحراوية، والصحراء هي موطنهم الأصلي ومنها ارتحلوا إلى اليمن، وتاريخياً يبدأ عهد (ملوك سبأ) في اليمن بسنة 650 ق م وفي رأي أخر سنة 450 ق م .
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
المسيحية في اليمن

محمد النعماني

وبناء علي طلب القاري سامر ابراهيم من العراق احب ان اواضح الي ان المسيحية دخلت اليمن حسب مااشار اليها الدكتور يوسف محمدعبدالله بعد اندثار المسيحية. ويبقى احتمال أن قرية ماريا في سفح المصنعة قرية منيعة وتشبه ديرا من الأديرة ربما كانت في مرحلة لاحقة من القرن الخامس الميلادي مقرا لدير مسيحي خلال انتشار المسيحيين في اليمن وسمي موقع القرية باسمها، وإذا كان هناك من أثر لكنيسة فربما كان في موضع القرية حاليا وليس في موقع المدينة على الهضبة. وقد سميت المدينة بعد ذلك باسم حامية القرية ماريا والتي مازالت تحمل اسمها إلى اليوم.
ومصنعة في اللغة اليمنية القديمة وفي لغة أهل اليمن معناها القلعة الحصينة من الفعل صنع وتصنع بمعنى حصن وتحصن. ومن ذلك صيغة فعلاء مثل حسناء والتي صيغت على غرارها تسمية صنعاء معنى المدينة الحصينة. وتصغير مصنعة هي مصينعة ويعرف بهذا الاسم مواضع كثيرة في اليمن ومنها المصانع وهي جبال عالية وحصينة تقع في اليمن ومنها المصانع وهي جبال عالية وحصينة في سلسلة جبال الهضبة الغربية ومنها جبال حضور وكوكبان وغيرها. وقد قيل في المثل البرد حل المصانع ومسكنه بيت علمان وله عوائد في الاشمور.
ويدل النقش المذكور أن تسوير المدينة بكثافة وتحصينها وتعزيز أبوابها وشق مسالكها (ثقلها) كان في عهد الملك الحميري ثاران يهنعم بن ذمار علي يهبر ملك سبأ وذي ريدان والذي عاش في الربع الأول من القرن الرابع الميلادي وجدير بالذكر أن النقش المذكور مؤرخ عام 434 بالتقويم الحميري بما يقابل في التاريخ المعروف 319 بعد الميلاد. ويرجح أن المسيحية دخلت اليمن في عهد الملك ملكي كرب يأمن ابن صاحب النقش الملك ثاران يهنعم. وملكي كرب يهامن هو أبو الملك الشهير بالتبع اليماني وهو أسعد الكامل أبي كرب أسعد، ولعل هذا التوافق التاريخي يوضح علاقة مصنعة ماريا بالموروث المسيحي وإن كان ازدهار المدينة قد تم في عهد وثني سابق وتقول تتفق الدراسات كما تقول د. سلوى بالحاج صالح على أن أولى عمليات التبشير الجدية في اليمن المرتكزة على أساس تاريخي صحيح تعود إلى القرن الرابع الميلادي. ويعتمد هذا الرأي على الرواية اليونانية المتعلقة بالأسقف الآريوسي تاوفيل. وتقول هذه الرواية ان الامبراطور قسطنسيون (361-337) المتشيع للآريوسية، ارسل قبل سنة 356 م وفداً من الرومان إلى ملك "حِمْيَر". وكان يترأس هذا الوفد تاوفيل، وخلال فترة وجوده بالمنطقة بشر بالدين المسيحي رغم معارضة الطوائف اليهودية. وشيد ثلاث كنائس، الأولى في حاضرة الحميريين "ظفار"، والثانية في عدن على الساحل حيث كان ينزل البيزنطيون للمتاجرة. والثالثة عند مدخل الخليج العربي في "فرضة" يُحتمل أنها "هرمز".

يؤدي بنا الاعتماد على هذه الرواية إلى بعض الاستنتاجات:
أولاً: دخول المسيحية الآريوسية إلى بلاد اليمن في القرن الرابع الميلادي. والآريوسية من الطوائف المسيحية الشرقية التي تنسب إلى الكاهن المصري آريوس (توفي سنة 336م) الذي بدأ في نشر آرائه حول طبيعة الابن قبل سنة 320م بقليل في الإسكندرية. ولقد كفّره من أجلها مجمع عقد في الإسكندرية حوالي سنة 320-321م. كان آريوس يقول: "إن الله واحد غير مولود، لا يشاركه شيء في ذاته. فكل ما كان خارجاً عن الله الأحد إنما هو مخلوق. أما "الكلمة" فهو وسط بين الله والعالم. فالكلمة "مخلوق" بل إنه مصنوع، وإذا قيل أنه "مولود" فبمعنى ان الله "تبناه". ويؤدي ذلك غلى أن "الكلمة" غير معصوم طبعاً، ولكن استقامته حفظته من كل خطأ وزلل. فهو دون الله مقاماً". وهكذا فإن هذا المذهب يقوم على إنكار اللاهوت في المسيح وتصوره إنساناً محضاً، مخلوقاً ومهماً وعظيما. ولذلك أجمع الآباء في "نيقيه" على تكفيره وعلى الاعتراف بأن المسيح إله وأنه من جوهر أبيه وأنه مساوٍ للآب في الذات والجوهر. وخرجو بالصيغة العقدية الواضحة التي لم تزل عليها الأجيال المسيحية في سر الثالوث وهي: "إن الله واحد في ثلاثة أقانيم". وما يلفت الانتباه قول "البيروني" إن رأي الآريوسية في المسيح أقرب إلى ما عليه أهل الإسلام.

ثانياً: استناداً إلى بعض المعلومات الواردة في الرواية يمكننا تفسير دخول المسيحية إلى اليمن في هذه المرحلة باتصالها بالتجارة البحرية البيزنطية في البلاد، واتقصارها على السواحل. ولعله لهذا السبب نتردد في تقييم نتائج هذه الحملة فيما يخص نجاح "تاوفيل" في نشر النصرانية بين عرب اليمن وملوكها خصوصاً وان المسيحية لم تتمكن من الثبات و الصمود أمام تقوي نفوذ اليهودية في تلك الفترة، مما أدى إلى خمود الحركة المسيحية لمدة قرن على الأقل (القرن الخامس الميلادي).
هذا ما تراه المصادر النصرانية اليونانية فيما يتعلق بنشر المسيحية في اليمن. اما المصادر النسطورية فلقها رأي آخر في الموضوع إذ ترجع تاريخ دخول المسيحية إلى نجران إلى بداية القرن الخامس بواسطة تاجر نجراني يدعي "حيّان" أو "حنّان"، كان قد تنصر في الحيرة ثم عاد إلى موطنه وبشّر فيه. إلا أن هذه الروايات لا تشير إلى وجود تنظيم كنسي ملموس بنجران في القرن الخامس الميلادي.
وبالرغم من تشكيك أهل الختصاص في مصداقية الروايات العربية حول جور المسيحية في اليمن ونعتها ب"السقم" و"الغموض" لاحتوائها على عناصر أسطورية لا تنكر، فإن ذلك لا يمنعنا من الاطلاع على هذه الروايات و التدقيق في أخبارها ومعرفة مدى اطلاع الطرف العربي على تاريخ المسيحية في اليمن ونوعية الحجج والأدلة التي يقدمها.
يورد "الطبري" في تاريخه روايتين حول بداية تنصر أهل نجران فحواهما أن مصدر النصرانية في هذه المدينة رجلان واحد يدعى "فيمون" من أهل الشام والآخر أحد أشراف نجران وهو عبدالله بن ثامر. وما يمكن الاحتفاظ به من هذه الروايات هو اسم نجران فهي تدل دلالة واضحة على دخول المسيحية نجران دون غيرها من مناطق اليمن. لكن مقابل ذلك، لا نستطيع استنتاج أي تحديد زمني.
وللأحباش روايات عن انتشار المسيحية في اليمن خلاصتها أن قديساً يدعى "أزقير" أقام كنيسة ورفع الصليب وبشّر بالمسيحية في نجران في النصف الثاني من القرن الخامس. ويتبين من تفاصيل الرواية الحبشية أن القبائل العربية خارج نجران عارضت عملية التبشير المسيحية.
هلك هي أهم الروايات عن بداية نتشار المسيحية في جنوب غرب شبه جزبرة العرب. وهي تؤدي بنا إلى الخروج بعدة ملاحظات، أهمها أن نجران من أقدم المراكز التي عرفت المسيحية في المنطقة. وذلك منذ بداية القرن الخامس وعلى حساب الوثنية واليهودية، لكنها لم تتغلب على اليهودية اذ بقيت مقهورة أما تقوّي هذه الأخيرة.
ومنذ القرن السادس انطلقت الحملات التبشيرية المونوفيزية (ذات الطبيعة الواحدة) في اليمن. إذ تم تعيين أسقف "مونوفيزي" في اليمن يدعى "سيلفانوس" حوالي سنة 500م من قبل الامبراطور "انسطاس" المونوفيزي (491م – 518م). ومن الشواهد على انتشار المونوفيزية في اليمن منذ أوائل القرن السادس اهتمام الآباء المونوفيزيين بأمور كنيسة اليمن مثل مار فيلكسينس المنبجي (توفي في 523م) الذي كتب رسائل عديدة إلى الحميريين وأهل نجران. وما يعقوب السروجي (توفي في 521م) الذي كتب أيضاً رسائل عديدة إلى الحميريين.

وتحق لنا الإشارة في نطاق دراستنا لتطور المسيحية في اليمن إلى اضطهاد الملك اليهودي "ذي نواس" للنصارى هناك. إن مجرد إلقاء نظرة على المصادر المتعلقة بهذا الاضطهاد والدرسات التي اهتمت به، لتبين لنا غموض الاسباب التي دفعت بذي نواس إلى تقتيل نصارى اليمن وخصوصا ًنصارى نجران والضبابية التي أحاطت بهذا الحادث الذي تم على مرحلتين الأولى في سنة 523م والثانية في سنة 524م.
لكن ما يتضح جلياً في هذا الموضوع. أن اضطهاد "ذي نؤاس" شمل مراكز مسيحية عديدة باليمن وهي "ظفار" و"مَخا" و"مأرب" و"نجران". كما شمل مناطق أخرى من جنوب غربي البلاد العربية مثل "حضرموت" و"هجرين". وعن هذا الموضع الأخير يقول ياقوت إن الأمر يتعلق بمدينتين متقابلتين في راس "جبل حصين" بحضرموت يقال للواحدة منهما "خيدون" وللأخرى "دمون". وساكن "خيدون" "الصدف" وساكن "دمون" "بنو الحارث بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار" من "كندة".
كما تجدر الإشارة إلى أن "ذا نواس" ركز على "بني الحارث بن كعب" بنجران في اضطهاده للنصارى. ومما يلفت الانتباه في شأن بني الحارث، الوصية التي تركها الشهيد الحارث بن كعب لعشيرته والتي صرح بها أما النجرانيين وأمام ذي نواس. إذ قال:"أيها المسيحيون والوثنيون واليهود اسمعوا: إذا كفر أحد بالمسيح وعاش مع هذا اليهودي، سواء أكانت زوجتي أم من أبنائي وبناتي أم من جنسي وعشيرتي، فإنه ليس من جنسي ولا من عشيرتي وليس لي أية شركة معه، وليكن كل ما أملكه للكنيسة التي ستُبنى بعدنا في هذه المدنية. وغذا عاشت زوجتي أو أحد أبنائي وبناتي بأية وسيلة كانت، ولم يكفروا بالمسيح، فليكن كل ما أملكه لهم ولنخصص للكنيسة ثلاث قرى من ملكي تختارها الكنيسة نفسها".
وسواء لحق التحريف بهذه الوصية تعمداً أو تناسياً من قبل النقالة، فإن اهميتها تكمن في إثبات تنصر بني الحارث بن كعب وفي فهم أسباب تشبثهم بالمسيحية رغم اضطهاد ذي نؤاس.
ويحق التصريح من ناحية أخرى بأن المسيحية كانت ديانة "الفَرَسانيين" بمدينة "مَخا" و"بني الصدف" و"بني الحارث بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار الكنديين" في "هجرين" بحضرموت. ومن المهم التنبيه إلى أن تنصر الكنديين ظاهرة قديمة تعود إلى عهد تسلطهم على وسط شبه جزيرة العرب وشمالها أي قبل عودتهم إلى موطنهم الأصلي (حضرموت) في النصف الثاني من القرن السادس بقيادة عمرو بن أبي كرب بن قيس بي سلمة بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار.
ولا بد هنا من التمييز بين الأحياء الندية المتنصرة العائدة إلى موطنها في منتصف القرن السادس وبين بطون كندة التي لم تهاجر في الجنوب وكانت قد اعتنقت الديانة اليهودية مثل بين الحارث الأصغر.

فترة التجديد وتغلب العقائد المونوفيزية (525 – 575م)

استولت أثيوبيا على اليمن سنة 525م وقضت على ملكها اليهودي "ذو نواس". ولقد تميز تاريخ المسيحية في اليمن خلال ولاية الحبش عليها بظاهرتين بارزتين: أولهما انتعاش المسيحية وانتشارها من جديد بسرعة كبيرة. وكما يتأكد من النقائش التي تشتمل على صيغ مسيحية صريحة ومن شواهد المصادر العربية على جهود الحبش في سبيل نشر ديانتهم وتدعيمها بين سكان اليمن. فقد أقاموا في "صنعاء"، حاضرة ملكهم، كنيسة عظيمة هي التي عرفها العرب باسم "القلّيس" وذكروها في تواريخهم ووصفوها في كتبهم.
أما الظاهرة الثانية التي تسترعي الانتباه في هذه الفترة من تاريخ المسيحية في اليمن فتخص طبيعة المذهب الذي نشره الأحباش. وهنا يحق التصريح بأن الأمر يتعلق بالمذهب المونوفيزي وبالتحديد اليعقوبي.
كما ظهرت في اليمن خلال القرن السادس فرقة مونوفيزية هرطقية هي فرقة "اليوليانية"، نسبة إلى مؤسسها "يوليانس الهاليكارناسي" أسقف "هاليكارناس" في آسيا الصغرى زمن "ساويرس" بطريرك أنطاكية. ويعود تاريخ نشأة هذه الفرقة إلى سنة 520م. وهي تتميز بالقول بالطبيعة الواحدة في المسيح (الطبيعة الواحدة بعد التجسد مثل بقية المونوفيزيين)، غلا أنها تؤمن "بلا فسادية جسد المسيح". أي أنها تعتبر جسد المسيح غير مائت. لذلك لقب أتباع هذه العقيدة ب Aphthartôlatres أو اليوليانيين.
توجد أقدم الشواهد على دخول اليوليانية إلى بلاد اليمن في التاريخ "السعرتي". فقد جاء فيه أن لاجئين من اليوليانيين هربوا إلى الحيرة في عهد الجاثليق شيلا (توفي في 521م) غير أن النساطرة أجلوهم عنها. ومضى نفر منهم إلى نجران فأقاموا فيها وزرعوا هناك العقيدة اليوليانية. أما ميخائيل الكبير فيؤكد أن العقيدة اليوليانية تمكنت من التأثير على النفوس البسيطة في بلاد البيزنطيين والفرس والحبش والحميريين. كما يخرنا في موضع آخر بإرسال الفرقة اليوليانية حوالي سنة 550م أسقفاً يدعى سرجيوس إلى بلاد حمير وبقي هناك يرعاهم لمدة ثلاث سنوات ثم خلفه أسقف آخر يدعى موسى.
اعتماداً على هذه النصوص، يمكننا التأكيد على وجود طائفة يوليانية عربية منظمة في اليمن منذ منتصف القرن التسادس إلى جانب العقيدة اليعقوبية. فهل بقيت هذه العقائد متغلبة بين صفوف مسيحيي اليمن بعد انتهاء ولاية الحبش بسبب تدخل الفرس وسيطرتهم على البلاد؟

المسيحية في اليمن في عهد الفرس وحتى ظهور الاسلام

انطلق الحكم الفعلي للفرس في اليمن سنة 597م لما نوبّوا عليه حاكماً هو "فهرز". فكيف ستكون علاقتهم بمسيحيي البلاد وموقفهم من العقائد المنتشرة فيها؟
يتبين من خلال تتبع وضعية المسيحية باليمن في عهد الفرس، أن سياستهم تجاه معتنقيها اتسمت بكثير من التسامح. وهو ما يتأكد من استمرار بناء الكنائس بالبلاد، لا سيما بناء كعبة نجران التي لا نستبعد أن تكون كنيسة تحمل تسمية وثنية. إذ لدينا من الحجج ما يؤكد ذلك. من أبز الشواهد على كون كعبة نجران كنيسة تعليق الأصفهاني في كتاب الأغاني على لفظة كعبة الواردة في شعر الأعشى، إذ قال: " والكعبة التي عناها الأعشى ها هنا يقال إنها بيعة بناها بنو عبد المدان على بناء الكعبة وعظموها مضاهاة للكعبة وسموها كعبة نجران، وكان فيها أساقفة يقيمون وهم الذين جاءوا إلى النبي ودعاهم إلى المباهلة". وما يدعم هذا الرأي تسمية ياقوت كعبة نجران في معجمه ب"دير نجران"، وهي تسمية مسيحية واضحة.
وقد نسبت المصادر العربية بناء كعبة نجران إلى أشخاص مسيحيين وهم عبدالمسيح بن دارس بن عدي بن معقل إو إلى صهره يزيد بن عبدالمدان بن الديان الحارثي أحد أعضاء الوفد النجراني الذي قدم إلى الرسول محمد. ومما يدعم فكرة بناء كعبة نجران في عهد الحكم الفارسي باليمن، شهادة أحد الشعراء المعاصرين لعهد الرسول وهو الأعشى، ميمون بن قيس البكري، إذ قال في قصيد له مخاطباً ناقته:

فكعبة نجران حتم عليك
حتى تناخ بابوابها
نزور يزيد وعبدالمسيح
وقيساً هم خير أربابها

أما مسألة تأثير الحكم الفارسي على طبيعة مسيحية اليمن فحولها أكثر من رأي. "فأندري" يقر بسيطرة المسيحية النسطورية على اليمن من مدة ولاية الفرس إلى ظهور الإسلام. وقد قال في هذا الصدد ما تعريبه:" في الفترة التي ظهر فيها محمد، بدت كنيسة جنوب بلاد العرب نسطورية". وهو مدين بهذا الاستنتاج إلى ما أورده ابن العبري في تاريخه عن وجود أسقف نسطوري يدعى "إيشوعيهب" ضمن الوفد النجراني الذي حضر لدى النبي محمد للتفاوض معه. وهو الاسقف المذكور في البلاذري. لكن هنري غريغوار يرفض استنتاج تماماً ويؤكد أن أغلب النجرانيين بقوا يدينون باليوليانية إلى زمن الرسول محمد.
وحجته في ذلك أن الجاثليق النسطوري تيموطاوس (780 -823) وجد النجرانيين المطرودين من موطنهم منذ عهد عمر بن الخطاب، والمستقرين بوسط العراق، على مذهب يوليان وسعى إلى إدخالهم في العقيدة النسطورية.
أما نحن فلا ندعي أننا عثرنا على حجة جديدة ترجح أحد الرأيين، لكننا تولينا تحليل النص المتعلق بالوفد النجراني الذي حضر لدى الرسول محمد، لنستقريء، ما جاء فيه من تفاصيل. عسانا نعثر على ما يفيدنا في تحديد مذهب الأسقف وهويته فضلاً عن مذهب أعضاء الوفد النجراني المرافق له.
تقول في هذا الصدد رواية بسند ابن اسحق أن الأسقف "ابا حارثة بن علقمة البكري" كان يلقي المساعدة من ملوك الروم النصارى لبناء الكنائس. وقد بسطو عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. إن ما يمكن استخلاصه من هذه الرواية أن أبا حارثة كان ملكانياً ولا نستبعد مساعدة البيزنطيين لنصارى نجران من أجل نشر عقيدة مناهضة لسياسة الفرس الدينية القائمة على بث النسطورية. والملاحظ أن هذا الاستنتاج يدعمه قول ثان لابن اسحاق نعرضه حرفياً كما أورده ابن هشام نظراً إلى أهميته:"كانت تسمية الأربعة عشر الذي يؤول إليهم أمرهم: العاقب وهو عبدالمسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة البكري أخو بكر بن وائل، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبدالله، ويحسن في ستين راكباً. فكلم رسول الله منهم أبو حارثة بن علقمة والعاقب عبدالمسيح والأيهم السيد وهم من النصرانية على دين الملك.

يؤكد هذا النص مرة ثانية انتماء نصارى وفد نجران للمذهب الملكاني (الأرثوذكسية). وهكذا نكاد نوقن بأن نصارى نجران كانوا على ثلاثة أصناف عند مجيء الإسلام. مونوفيزيون (يعاقبة ويوليانيون) وملكانيون ونساطرة. وعلى ظننا أن نساطرة العراق انتهزوا فرصة دخول الفرس اليمن لينشروا هناك عقيدتهم ولعلهم كانوا يبقوا إلى بثها قبل ذلك فعززوها. وربما نجد في توجيه الرسول دعوته إلى أساقفة نجران بالجمع دليلاً على تعدد المذاهب النصرانية هناك.
وتتمثل الظاهرة الثانية التي تميزت بها كنيسة نجران عند ظهور الإسلام في بروز إكليروس محلي. ويكفي للدلالة على وجوده أسماء الاساقفة الذين احتفظت بهم ذاكرة أئمة النسب والمؤرخين وهم: الاسقف إيليا بن ذهل بن عمرو بن عامر بن ماء السماء، وعبدالمسيح بن نهد بن زيد من قضاعة. ويمكن إرجاع تاريخ تكون هذا الإكليروس إلى ما بعد ولاية الأحباش على اليمن، إذ كان أساقفة نجران وشمامستها في عهد اضطهاد النصارى من سكانها أجانب من الحيرة وفارس والحبشة والروم.
لكن ما المغزى من بروز ذلك الإكليروس المحلي؟ هل هو علامة على الاستقلالية عن الكنيسة الأم لا سيما كنيسة مصر و الحيرة والحبشة، أم هو مؤشر على فتور العلاقات بين الكنيسة الأبنة والكنيسة الأم عند ظهور الإسلام؟
نظن أن الاحتمال الثاني هو الأقرب إلى الواقع، غذ كان اليمن في الفترة القريبة من ظهور الإسلام تحت حكم الفرس الذين لا يهمهم كثيراً شأن المسيحية بل ربما ناهضوا تدخل الروم والحبش لأجل تدعيمها في اليمن. وربما جاز القول إن خروج الحبش من اليمن كان سبباً في انعزال المسيحيين فيه عن العالم المسيحي. وقد يكن ذلك سبباً في إضعافهم. وتجدر الإشارة عند هذا المستوى إلى إلى أن تركز النصارى بنجران لا يعني انعدامهم بالمدن اليمنية الأخرى. إذ كانت توجد كنائس في عدن وصنعاء ولاجزر المتخمة للساحل الغربي لليمن كجزيرة الفراسانيين التغالبة النصارى، إلا أن كنيسة نجران كانت أشهرها لعراقتها ونشاطها.

بعد هذا العرض يمكننا أن نخرج با لملاحظات التالية:
أولاً: دخلت المسيحية بلاد اليمن بصورة ثابتة منذ القرن الرابع الميلادي، وتواصل فيها انتشارها على مراحل عديدة خلال القرنين الخامس و السادس.
ثانياً: دخلت المسيحية هذه البلاد عبر خطوط تبشير عديدة انطلقت من سوريا ومن مصر والعراق والحبشة. واخترق بعضها الصحراء العربية وسلك البعض الآخر البحر.
ثالثاً: ارتبط انتشار المسيحية في بلاد اليمن بالعلاقات التجارية والديبلوماسية التي جمعتها بالشام والعراق وبتعرضها للاحتلال الحبشي.
رابعاً: أدى تعدد خطوط التبشير المسيحي في اليمن إلى تعدد أصول المسيحية. فهي يونانية بيزنطية.
خامساً: منيت المسيحية العربية في اليمن وحضرموت با نتكاسات شديدة على يد اليهود، لا سيما في الربع الأول من القرن السادس. ثم تجددت بفضل الحبش. ولم تقع محاولات للقضاء عليها أو مناهضتها مع الفرس لكنها دخلت في عهدهم مرحلة من الجمود والانكماش، وهو ما لاحظناه من خلال تعطل الاتصالات بين مسيحيي اليمن وكنائس مصر والشام والحبشه. وفي ضوء هذه المعطيات يتضح أن المسيحية لم تكن الديانة الأكثر انتشاراً في اليمن عند ظهور الإسلام، عدا في بعض المواطن مثل نجران وصنعاء وعدن.
ولئن كانت الأوضاع السياسية في اليمن مسؤولة عن جمود المسيحية وتوقف نموها، فإن تعدد المذاهب المسيحية والاختلافات بينها هي السبب الأول في عدم نضج الكنائس اليمنية وانصهارها في كنيسة واحدة قوية.
التقارير تشير حسب ماذكرت إلى أن أول عمل تنصيري منظم بدأ في اليمن كان في مدينة عدن جنوبي اليمن في خمسينيات القرن الميلادي الماضي، أما في الشطر الشمالي - سابقاً- فكان حوالي عام 1970م وذلك من خلال منظمة فدائية تدعى ( فريق البحر الأحمر الدولي ) التي أسسها المنصر ( ليوني قرني) عام 1951 وكان يطلق عليها ( الخيامون ) وهم النصارى القادمون للعمل في البلاد الإسلامية في مجالات مختلفة كالطب والتعليم والتمريض وشعار هذه المنظمة ( الإسلام يجب أن يسمعنا ) وهدفها نشر الإنجيل بين المسلمين ، ومركزها الرئيسي إنجلترا، وتحصل على الدعم من الكنائس والأفراد ومنظمات العون النصراني ويشرف هذا الفريق على عدد من المشاريع التنموية في عدد من البلاد الإسلامية والأفريقية منها: جمهورية مالي، جيبوتي، باكستان، اليمن، تنزانيا، وبموافقة الدول المضيفة.

يتحرك نشاط التنصير في اليمن من خلال الكنائس - علي ندرتها والمستشفيات والجمعيات ذات الاهتمام الإنساني والمهتمة بالأمومة والطفولة والمعوقين والبيئة وتعليم اللغات والابتعاث الدراسي والسياحة ؛ سواء في أوساط اليمنيين أم أوساط اللاجئين الأفارقة ، وأغلبهم من الصوماليين.

وهناك أكثر من 150 ألف صومالي مقيم في اليمن ، منهم ما يزيد على 50 ألفاً مسجلين لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ، وهو ما يعطي النشاط التنصيري مساحة واسعة وأرضاً خصبة للتحرك .

ويعتقد بعض المهتمين أن هذا النشاط حقق عدة قفزات بعد عام 1990 والسبب يعود إلى ما يلي:

الاستفادة من الأجواء التي وجدت بعد وحدة شطري اليمن عام 1990م والسماح بوجود وعمل المنظمات الأهلية والطوعية بصورة أكبر ، مع وجود رقابة قليلة على أعمالها وحركتها.

تدهور الأوضاع الاقتصادية في اليمن - إثر أزمة الخليج الثانية - لأسباب منها : عودة مئات الآلاف من العاملين اليمنيين في دول الخليج ، وازدياد معدلات الفقر ،وبلوغ من هم تحت خط الفقر حوالي 24%.

نزوح مئات الآلاف من الصوماليين عن بلادهم ، إثر الحرب الأهلية إلى اليمن، ولا تزال موجات النزوح مستمرة وإن كانت بمعدلات أقل .

وثمة أسباب أخرى مثل : ضعف مستويات الرعاية الصحية ، وكثرة الأمراض والأوبئة ، وتدني مستويات التعليم لا سيما في أوساط المرأة.

ويتحرك التنصير في اليمن على محورين :

الأول: القيام بالتنصير وحمل بعض اليمنيين ضمنا على ترك الإسلام، وتُقَدَّيم النصرانية على أنها (الملخص) و(المنقذ) لأحوال البشرية .

ويساعد على ذلك استغلال فقر الناس وحاجتهم . وتقوم بعض الجهات بضمهم لصالح جهات تنصيرية من خلال تعبئة استمارات خاصة بهذا الغرض .

وذكرت بعض الإحصاءات أنه عن طريق البعثة المعمدانية الأمريكية ( مستشفى جبلة) تم تنصير 120 مسلماً ، وتعتمد بعض الكنائس توزيع الانجيل والمجلات النصرانية والأشرطة المسموعة والمرئية .

وعلى سبيل المثال قامت سفينة سياحية زارت عدن عام 99 بتوزيع الانجيل ، ومجلة اسمها ( FISHERS ) تدعو إلى اعتناق النصرانية، وهناك نشرة اسمها (الأشبال) تصدر من أسبانيا يتم تداولها في أوساط بعض الشبان اليمنيين.

والآخر : محاولة إفساد الشباب وزعزعة ثقتهم وعقيدتهم من خلال إغراءات مختلفة منها الرحلات والحفلات وعرض الأفلام وبعثات تعلم الإنجليزية في الخارج .. وعلى سبيل المثال فقد زارت امرأة تدعى ( سوزان اسكندر) من أصل مصري وعضوة في الجمعية الإنجيلية الفنلندية عدن - قبل أكثر من ثمان سنوات - وركزت في زيارتها على شريحة الشباب والفتيات ، تحت ستار تلمس احتياجاتهم وأحوالهم، وقد قامت بإجراء استبيان لصالح جامعة هلسنكي - في فنلندا - تضمن أسئلة مشبوهة من ضمنها:

- ماذا ترتدين خارج المنزل ( شيذر - بالطو - حجابا - منديلا - نقابا - بدون نقاب) ؟

- هل ترغبين في العمل خارج المنزل ؟ متى تستيقظين ومتى تذهبين إلى الفراش ؟

وقد زارت هذه المرأة مدارس إعدادية وعرضت على الطلاب صوراً خليعة وطلبت من بعضهم التعليق عليها، وسألت بعض الطلبة عما إذا كانوا يتفرجون على أفلام جنسية أو يمارسون العادة السرية)!!

أبرز الكنائس والمنظمات :

هناك جهات متعددة تتبنى التنصير في اليمن وسوف نكتفي بالإشارة إلى أهمها:

الكنيسة الكاثوليكية بالتواهي : أهم موقع كنسي تم افتتاحه في الخمسينيات إبان الوجود البريطاني في محمية عدن، وربما تكون أهم كنيسة تم بناؤها في شبة الجزيرة العربية، أعيد افتتاحها مع مركز طبي ملحق بها عام 1995 من قبل السفارة الأمريكية بصنعاء.



البعثة النصرانية المعمدانية الأمريكية بإب : تنشط من خلال مستشفى جبلة التابع لها والكنيسة الملحقة بالمستشفى بصورة قوية ويمتد نشاطها إلى محافظة تعز تحت شعار الاهتمام بالفقراء ودور الأيتام وسجون النساء.