قناة || تَيْمَئِيل
779 subscribers
210 photos
4 videos
6 files
15 links
حِكمة
Download Telegram
قناة || تَيْمَئِيل
لقد عمد القوم إلى التحريف اللفظي لخدمة العقائد المحدثة فحذفوا وأضافوا انظروا إلى ما يعرف بالفاصلة اليوحناوية ( الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة ) لقد ثبت عند محققيهم أن هذا النص مقحم ومزور ولم يكن في المخطوطات الأصلية بل أضيف لاحقا لترسيخ التثليث المزعوم وكذلك…
فصل الخطاب في تهافت استدلال أهل الكتاب وكشف حجة الله في كتبهم

الحمد لله الذي جعل في باطل الأمم شواهد تنطق بالحق وصان نوره من أن تطفئه أهواء المبتدعة والمحرفين والصلاة والسلام على كلمة الله وروحه سيدنا المسيح الذي شهد لله بالوحدانية وعلى نبينا الخاتم الذي جاء بالبينة والفرقان
أما بعد
فإن الناظر في حال النصارى يجد عجبا إذ كلما راموا الاستمساك بنص ليدللوا به على ألوهية المسيح أو موضوع الفداء خرج لهم من عقر كتبهم نص آخر ينسف استدلالهم من جذوره ويرده خائبا وما ذلك إلا لأن الله عز وجل قد حفظ في كتبهم من الحق الكافي ليقيم عليهم الحجة وليجعلهم يدركون فساد ما هم عليه ويستيقنون ضرورة نبوة أخرى تهيمن على هذا الشتات وتضع ميزان الفصل ولعل أعظم ما يكشف هذا التهافت هو تمسكهم بالولادة الإعجازية للمسيح لجعله إلها وهنا يبرز نص ملشي صادق الذي يصفه كتابهم في عبرانيين 7 3 بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ بِلاَ نَسَبٍ لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نَهَايةَ حَيَاةٍ فإذا كان ملشي صادق بلا أب وبلا أم ولم يقل أحد بألوهيته أو أنه فادى البشرية فبطل أن يكون الانفراد في الولادة دليلا على الربوبية إذ لو كان عدم الأب يوجب الربوبية لكان من لا أب له ولا أم أحرى بذلك المقام وهذا الاضطراب هو عين ما قصده الله في مطالبة أهل الكتاب بأن يقيموا كتبهم في قوله تعالى ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم )
فلو أقاموا الإنجيل حقا لوجدوا نصوص التوحيد تضرب نصوص التثليث في وجوههم فإذا قالوا إنه إله لقوله أنا والآب واحد صفعهم النص في يوحنا 17 21 لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا فجعل الوحدة مع التلاميذ كوحدته مع الله وهي وحدة الهدف والمشيئة لا وحدة الذات وإذا تمسكوا بنص من رآني فقد رأى الآب خرج لهم النص في تكوين 33 10 لِأَنِّي رَأَيْتُ وَجْهَكَ كَمَا يُرَى وَجْهُ اللهِ فَرَضِيتَ عَلَيَّ فأبطل أن تكون الرؤية دليلا على الذات الإلهية بل هي رؤية أثر التجلي والرضا في البشر إن هذا التناقض الصارخ بين النصوص هو الذي يدفع العاقل للاعتقاد بفساد المعتقد الكنسي القائم ويدل دلالة قوية على أن الله أبقى هذه النصوص كشواهد حق تفتح الأبواب لضرورة نبوة خاتمة تصحح التحريف وتضع النقاط على الحروف فكانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هي الميزان الذي نزه المسيح عن التناقض وأثبت عبوديته لله ورسالته الصادقة فسبحان من جعل كتبهم تنطق بالحق الذي ينكرونه وتثبت بطلان ما يعتقدونه ليكون الدين كله لله وحده لا شريك له
قناة || تَيْمَئِيل
فصل في صفة الدليل الموجب للقطع بنبوة الأنبياء اعلم أن الدليل الذي تنعقد به حجة الله على خلقه ليس مجرد خارقة تخفى أسبابها بل هو برهان محكم يستلزم التصديق لزوما يمتنع معه الشك ومبناه على شروط جامعة لا يقبل العقل دونها حجة فأولها أن يكون الشيء المدعى فيه الإعجاز…
حقيقة المعجزة في حيز الوجوب العقلي هي ما أُعجز عنه بالفعل بأن يكون الأمر في أصله مما يقع تحت طائلة الخرق والمعارضة ثم يقع عجز الخلق عنه وقوعا مسبوقا بتوفر الأهلية وتمام الآلة وهذا العجز عندنا مشروط بالاستفاضة التي لا تقبل ريبا فالدليل الموجب للقطع لا يكون خبرا يسهل التواطؤ عليه بل هو برهان يوجب العلم بظهور أثر الصدق واستفاضة التصريح بالعجز من أهل الصنعة أنفسهم فالعرب وهم أرباب البيان وأصحاب اللسان في اللغة التي لا تحصى نظومها ولا تنتهي احتمالاتها كانوا يعارضون بعضهم بعضا في الممكن البشري لأن الإحتمالات مفتوحة لعدم الوقوف على النظم التام من نظوم ممكنة لا تحصى فلما جاءهم النظم الأتم استفرغوا وسعهم وكلت ألسنتهم فاستفاض عجز جمعهم عن الإتيان بمثله فعلم بالضرورة أن الذي أتى به قد أحصى من تراكيب اللغة ما هو فوق طاقة العقول على الرغم ما يملكون من أدوات تساعدهم على التركيب فمهما ركبوا كام تركيبهم من جنس نظمهم الممكن تعديله وهذا هو الوجوب الاستباقي الذي يقطع حجة كل مؤخر ويرفع إجمال الدعوى ببيان الواقع فلو كان هذا النظم مكنونا في طاقة البشر لكانت المعارضة ضرورة تقتضيها الهمم والدواعي وبما أن الله أوجب ظهور الحجة للصادق فقد أوجب عقلا أن يكون أثر هذا العجز هو الظاهر المستفيض الذي تنقله الكافة عن الكافة وما سواه من دعاوى الكاذبين مشروط بظهور النقيض وهو هتك الستر وانقطاع الأثر وتلاعب الشياطين كما وقع في حال مسيلمة وبهاء الله وغيرهما فلم ينقل عنهم عجز الناس بل نقل عنهم الكذب في قولهم واضطراب النظم وفضيحة المقال أما من انقطع أثرهم كبولس وماني فإنه لم يثبت لهم برهان استفرغ فيه أهل الشأن وسعهم ثم استفاض عجزهم عنه بل هو انقطاع أثر خلو من حجة فبهذا التمايز الضروري بين استفاضة العجز في حق الصادق واستفاضة الكذب في حق المدعي ينحصر الحق في حيزه ويمتنع تجويز الكذب في التواتر لأن الوجوب الإلهي يمنع استواء الاحتمالات في مقام الهداية فسبحان من جعل أثر الصدق ظاهرا لا يغيب وعوار الكذب بينا لا يستقيم ويؤيد هذا النظر قوله تعالى

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ۝٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ۝٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ۝٤٦﴾ [الحاقة ٤٣-٤٦]

وقوله سبحانه
﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦۤۚ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۝٢١﴾ [الأنعام ٢١]
2
من الأوجب في الإحتجاج عليهم ( أهل الكتاب أم الدهرية )👇
2
قناة || تَيْمَئِيل
من الأوجب في الإحتجاج عليهم ( أهل الكتاب أم الدهرية )👇
إن ذروة البيان في تفنيد أهل الزيغ والبهتان تقتضي أن يُرمى كل غوِي بما استحق من المذلة والهوان وإن من عجائب الزمان أن يتصدر للمقالة من عدم عقله الحكمة والقصد فصار يهيم في أودية الدهرية كالسائمة التي لا ترجو بعاً ولا تخشى حساباً بل إن السلم والحزم في حق هذا الجاحد اللجوج الذي انسلخ من فطرة التعقل ونقض ميثاق الخلق والتدبير هو أن يلقى حد الردة ليكون عبرة لمن اعتبر إذ لا مقام في معترك النظر لمن أعدم نفسه الكرامة وصير مآله إلى التراب والعدم فكان بقاؤه عبثاً محضاً ونقصاً في جلال الوجود أما أهل الكتاب وإن اعتلت عقولهم بشبهات الحيرة وضلوا في بعض السبل فإنهم لم ينسلخوا من أصل التصديق بالحكمة الأزلية والقصد الإلهي فكانوا بذا أحق بالخطاب وأدنى إلى استقامة النظر لأنهم أقروا بمقتضى خلق العقول ووجوب النبوة وظهورها تحقيقاً فجرت بينهم وبين أهل الحق مناظرات العقلاء الذين يسلمون بوجود علة غائية لهذا العالم ومن ثم فهم غير ملزمين بتلك البهيمية الرذيلة التي يتخبط فيها الدهرية أصحاب العقول الكليلة الذين يزعمون التمييز وهم نتاج صدفة عمياء ومسار أصم لا يفرق بين حق وباطل إن الحوار مع من يثبت النبوة والوحي هو حوار مع من استمسك بعروة التكليف أما الجاحد الذي جعل نفسه والبهيمة في رتبة واحدة في منشأ العقل وهواه فإنه لم يترك لمناظره موضعاً للنقاش إلا أن يصفه بصاغر الذل الذي يستحق السيف لا القلم إذ كيف يحاور من لا يرى لنفسه قيمة موضوعية ولا يرجو من وجوده ثمرة باقية بل الواجب الانصراف إلى من شاركنا في أصل الإقرار بصانع حكيم وغاية مقصودة ليكون الحجاج في تفاصيل الشرائع والحقائق لا في بديهيات الوجود التي يعجز الدهري عن إدراك مسبباتها بجهله المركب وادعائه الفارغ فشتان بين من عقل فنطق وبين من ضل فبهت فصار وجوده عبئاً على العقل والمنطق ووجب في حقه الزجر والقطع ليبقى حياض الحق طاهراً من رجس الجحود ونتن الإلحاد الذي لا يورث صاحبه إلا الخسران المبين في المبدأ والمنتهى
4
مقالة في وجوب النبوة ووجوب بعثة محمد صلى الله عليه وسلم

إنَّ الإنسان من حيث هو عاقلٌ مدرِكٌ للمعاني الكلية، يعلم بالحسِّ والضرورة أنَّ في الأفعال حسنًا وقبحًا، وعدلًا وظلمًا، وإحسانًا وإساءةً؛ غير أنَّ علمه بذلك علمٌ إجماليٌّ لا تفصيلي، وإدراكٌ كليٌّ لا تعيينيّ. فهو يدرك معنى العدل في الجملة، لكنه يختلف مع غيره في تعيين العادل من الظالم، ويعلم قبح الظلم إجمالًا، ثم يتنازع الناس في مصاديقه ومجاريه. ومن هنا تباينت المذاهب العقلية في الأخلاق، واضطربت الموازين، وتعارضت المرجعيات، فصار ما يراه قومٌ برًّا يراه آخرون عقوقًا، وما يعدّه فريقٌ إحسانًا يعدّه غيرهم عدوانًا.
فلو تُرك الناس إلى عقولهم المتفاوتة وأهوائهم المتجاذبة، دون مرجعيةٍ عليا توحِّد معيار الحسن والقبح، للزم أحد أمرين: إمّا أن يُجعل كلُّ ترجيحٍ نفسانيٍّ معيارًا للحكم، فيكون الظلم مثل العدل، والإحسان مثل الإساءة، إذ الكلُّ منوطٌ بما تستحسنه النفس أو تنفر منه؛ وإمّا أن يُقال بوجود معيارٍ موضوعيٍّ خارجٍ عن أهوائهم، فإن قيل به لزم السؤال: من المبيِّن له والمُفصِّل لمجمله؟ فإن لم يوجد مُبيِّنٌ معصومٌ، عاد النزاع من جديد. وحينئذٍ يكون الإنسان كالبهيمة، بل أدنى، إذ البهيمة محكومة بغريزتها، والإنسان إذا تخلّى عن هدايةٍ مُنزَّلةٍ صار محكومًا بهواه، والهوى أعمى وأضلّ.
فثبت أنَّ العقل يدلُّ على أصل الحسن والقبح، لكنه لا يستقلُّ بتعيين مناطاتهما على وجهٍ يرفع الخلاف ويردع النزاع؛ فاقتضت الحكمة إرسالَ نبيٍّ يوحِّد الأمم على مرجعيةٍ واحدة، ويبيِّن لهم ما اختلفوا فيه من الحق بإذن ربهم.
ثم إنَّ من أعوص المسائل التي أقلقت العقول مسألةَ الشرِّ في العالم؛ فإنَّ الله تعالى خلق الأسباب، وأقدر الإنسان على الضدَّين، ومكَّنه من الفعل والترك، والخير والشر. فإن لم يكن هناك معيارٌ إلهيٌّ مُلزِمٌ يحدِّد الخير ويمنع الشر، لزم أن يكون ما هو خيرٌ عند شخصٍ شرًّا عند غيره، وأن تُستباح المفاسد باسم المنافع، وأن تعمَّ الأرضَ الفوضى الأخلاقية. وحينئذٍ يُتوهَّم حاشا لله أنَّ الربَّ راضٍ بهذا الاضطراب، أو غير مبالٍ بانتشار الظلم، أو تاركٌ لعباده سدى.
والقول بذلك قدحٌ في حكمته سبحانه؛ إذ الحكيم لا يخلق قادرًا مُمكَّنًا ثم يتركه هملاً بلا بيان، ولا يمدُّه بالقوة ويحرمه من الهداية. فكما اقتضت حكمته إيجاد الأسباب، اقتضت أيضًا بيانَ مقاصدها، وتحديدَ غاياتها، ووضعَ حدودٍ فاصلةٍ بين ما يُطلب وما يُجتنب. فكان الشرعُ المبيَّن على لسان نبيٍّ ضرورةً عقليةً لحفظ النظام الأخلاقي، وصونًا للعالم من أن يتحوّل إلى ساحة صراعٍ بين أهواءٍ متنازعة.
ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ كمال الربوبية يقتضي كمال الأمر والنهي؛ إذ الربُّ في لسان العقلاء هو المالك المدبِّر المتصرِّف، ومن لوازم التدبير الأمرُ بما يصلح، والنهيُ عمّا يفسد. فإن قيل: يكتفي العقل بهذا التدبير، قلنا: العقل آلة إدراكٍ لا مصدر تشريعٍ مستقلٍّ بذاته؛ إذ هو محدودٌ بحدود التجربة، محاطٌ بآفات الوهم والنقص. فلو تُرك التشريع إلى البشر، لكانوا أربابًا لأنفسهم، يسنّون لأنفسهم ما يرونه حسنًا، ويُسقطون ما يرونه قبيحًا، فيكونون مشرِّعين من دون الله، وهو عين التناقض مع معنى الربوبية المطلقة.
فوجوب النبوة من هذه الجهة ليس تفضُّلًا محضًا، بل مقتضى الكمال الإلهي؛ فإنَّ الربَّ الكامل لا يليق بحكمته أن يخلق عباده ويتركهم بلا أمرٍ ناهٍ منه، ولا أن يفوِّض التشريع إلى من خلقهم، وهم عرضة الخطأ والهوى. بل من تمام ربوبيته أن يكون هو الآمر الناهي، وأن يُبلِّغ أمره ونهيه بواسطة رسولٍ اصطفاه وأيَّده بالمعجزة الدالة على صدقه.
ثم إنَّ فساد الشريعة يستلزم فساد الاعتقاد في الصفات الإلهية؛ إذ لو سُلِّم أن العقل يعرف وجود الله وتوحيده إجمالًا، فإنه لا يعرف تفاصيل ما يرضيه وما يسخطه إلا بالوحي. فالتحسين والتقبيح يُدركان في الجملة، لكن تعيين متعلَّق الرضا والغضب، والمحبة والبغض، والعزِّ والذل، لا يُعلم إلا بخبرٍ صادقٍ من الله.
إنَّ الكلام في الصفات الإلهية ليس ترفًا نظريًا، ولا جدلًا لفظيًا، بل هو تعيينٌ لحقيقة الإله المعبود؛ إذ الإله إنما يُعبد بما يُعرف به من أسمائه وصفاته، وبقدر ما يُتصوَّر من كماله وجلاله. فإذا اضطرب هذا التصور، اضطربت العبادة، وإذا فسد تعيين الصفات، فسد معنى الربوبية من أصله.
وبيان ذلك: أن العقل وإن دلَّ على وجود واجب الوجود، الكامل في ذاته لا يستقلُّ بتعيين متعلَّقات صفاته على وجه التفصيل؛ فهو يدرك أن الله حكيم، لكنه لا يدرك ما الذي تقتضيه الحكمة في كل جزئية من جزئيات الأفعال الإنسانية. ويدرك أن الله عادل، لكنه لا يستطيع أن يحدِّد بعقله المجرد ما الذي يرضاه الله عدلًا في كل واقعة، وما الذي يسخطه ظلمًا في كل حال.
3
فإذا تُرك هذا التعيين إلى الأهواء، وقع التحريف من جهتين:
إمّا أن تُؤوَّل الصفات حتى تُفرَّغ من مقتضاها، فيُقال: لا غضبَ حقيقيًّا، ولا سخطَ حقيقيًّا، ولا رضا على وجهٍ يترتّب عليه ثوابٌ وعقاب، بل ذلك مجرّد استعاراتٍ معنوية لا أثر لها في التشريع. فينقلب الإله إلى موجودٍ منزّهٍ عن الفعل الاختياري، منزوع الإرادة الخاصة، كأنَّه مبدأٌ كليٌّ لا يتعلّق بأفعال العباد تعلّقَ محاسبةٍ وجزاء. وهذا في حقيقته نقضٌ للحكمة؛ لأن الحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه، وترتيب الجزاء على العمل، والتمييز بين المطيع والعاصي.
وإمّا أن تُجعل الصفات تابعةً لتحسين العقل وتقبيحه الشخصي، فيُقال: ما استحسنته أنا فهو ممّا يحبّه الله، وما استقبحته نفسي فهو ممّا يسخطه الله. فيصبح رضا الله وسخطه مرآةً لأهواء البشر، لا العكس. وهنا ينقلب الترتيب: بدل أن تكون إرادة العبد تابعةً لمراد الرب، يصير مراد الرب في تصور العبد تابعًا لمراده هو.
ومن هنا كان كلُّ فريقٍ، إذا فقد الوحي الضابط، يصوغ إلهًا على مقاس تصوره الأخلاقي:
ففريقٌ يغالي في المحبة حتى يجعل الله لا يغضب ولا يعاقب، فيسقط معنى العدل والهيبة، ويصير الإله عنده رحمةً مجرّدةً بلا سلطان، فلا معنى حينئذٍ للأمر والنهي إلا على جهة الإرشاد لا الإلزام.
وفريقٌ يغالي في الغضب والانتقام حتى يكاد ينفي الرحمة، فيصير الإله عنده متربصًا بالخلق، لا مجال فيه للعفو والإحسان، فيضطرب معنى الحكمة التي تقتضي الجمع بين الجلال والجمال.
وفريقٌ يجعل العزة والذلَّ تابعةً لمقاييسه القومية أو الطبقية أو السياسية، فيظن أن من غلب فهو المرضيُّ عنه، ومن ضعف فهو المسخوط عليه، فيلبس صراعه الدنيوي لباس القضاء الإلهي.
وهكذا يتعدّد الآلهة في التصورات بعدد الأهواء، وإن اتحد الاسم في الظاهر؛ لأن حقيقة الإله ما يُعتقد فيه من صفات، وما يُظنّ أنه يحبه ويكرهه، ويرضاه ويسخطه. فإذا اختلف هذا التعيين اختلافًا جذريًا، اختلف المعبود في الحقيقة، وإن اتفقت التسمية.
ومن هنا يظهر أن فساد الشريعة ليس مجرد فساد أحكام عملية، بل هو فسادٌ في صورة الإله في القلوب. فإذا لم يُعلم على وجه القطع ماذا يحب الله وماذا يبغض، ومَن يعزّ ومَن يذلّ، ومتى يرضى ومتى يسخط، انقلبت الحكمة الإلهية إلى مفهومٍ سائلٍ تُشكِّله العقول بحسب أهوائها. وحينئذٍ لا يكون الله هو الحاكم، بل الإنسان هو الحاكم باسم الله.
وهذا عين ما عبّر عنه الوحي بذمِّ من اتخذ هواه إلهًا؛ لأن اتخاذ الهوى إلهًا ليس أن يُصرّح الإنسان بعبادة نفسه، بل أن يجعل ميزان الحق والباطل صادرًا عن نفسه، ثم يُسقِط ذلك على الله، فيتوهم أن الله لا يريد إلا ما يريد هو.
فإذا قيل: كيف تُصان الحكمة والربوبية من هذا الانقلاب؟
فالجواب: بأن يكون تعيين متعلّقات الصفات من رضا وسخط، وثواب وعقاب، وحب وبغض صادرًا عن وحيٍ معصوم، لا عن عقلٍ متقلّب. فالوحي هو الذي يحدِّد أن هذا الفعل عدلٌ فيرضاه الله، وأن ذاك ظلمٌ فيسخطه، لا لأن العقل لم يدرك أصل العدل والظلم، بل لأنه لم يدرك تفاصيل تنزيلهما في الوقائع.
وبهذا يُحفظ معنى الربوبية؛ إذ تبقى الأوامر والنواهي صادرةً من الله، لا من الإنسان، وتبقى الحكمة معيارًا فوق الأهواء، لا خاضعةً لها. فكان إرسال النبي ضرورةً لصيانة صورة الإله في العقول، كما هو ضرورةٌ لصيانة الأخلاق في الأفعال.
ولو لم يكن إلا هذا الوجه لكفى في تقرير أن النبوة ليست مجرّد تكميلٍ للفضائل، بل حراسةٌ لمعنى الألوهية من أن يُختطفها الهوى، وأن يُصاغ لكل إنسانٍ ربٌّ على قدر هواه.

فإذا تُرك الناس إلى أهوائهم في تفسير هذه الصفات، غالى قومٌ في صفة المحبة حتى أسقطوا الوعيد، وغالى آخرون في صفة الغضب حتى نفوا الرحمة، وجعل كلُّ فريقٍ ما استحسنه معيارًا لرضا الله، وما استقبحه معيارًا لسخطه. فصارت الحكمة الإلهية مؤوَّلةً بفهم الإنسان، لا محكومةً بإرادة الله، وكأنَّ الإنسان – والعياذ بالله – هو الذي يحدِّد على الله ما يحب وما يبغض.
ومن هنا فسد اعتقاد من حرَّفوا كتبهم، حتى نسبوا إلى الله ما لا يليق بكماله من الظلم والندم والهوى، لأنهم جعلوا أهواءهم معيارًا للوحي، لا الوحي معيارًا لأهوائهم. فدلَّ ذلك على أنَّ اندثار الشريعة يفضي حتمًا إلى اندراس العقيدة، وأنَّ بعثة نبيٍّ يعلِّم الناس الكتاب والحكمة ضرورةٌ لإقامة التصور الصحيح عن الله كما هي ضرورةٌ لإقامة العمل الصالح.
فإذا تقرَّر وجوب النبوة في الجملة، ثبت أنَّ كلَّ زمانٍ اندثرت فيه الحجة، وفسدت فيه المرجعية، وتنازعت فيه الأمم في أصولها، يكون زمانًا تقتضي الحكمة الإلهية فيه إرسالَ رسولٍ يُجدِّد العهد، ويقيم الحجة، ويجمع الناس على مرجعيةٍ واحدةٍ جامعةٍ مانعة.
3
وقد كان العالم قبيل بعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم كذلك: أممٌ متفرقة، وشرائعُ محرَّفة، ووثنياتٌ متكاثرة، وأخلاقٌ متناقضة، حتى غلبت القوةُ الحقَّ، وصار الباطلُ دولةً. فاقتضت الحكمة أن يُبعث رسولٌ جامعٌ خاتم، يُقيم الحجة على العالمين، ويعيد ميزان الحسن والقبح إلى أصله الإلهي.
وكانت بعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم – وهو الذي أُيِّد بالمعجزة الباهرة، وأُنزل عليه القرآن المعجز في بيانه ونظمه وتشريعه – تحقيقًا لهذا المقتضى؛ إذ جمع الله به ما تفرَّق، وأكمل به ما نُقص، وختم به ما ابتدأ. فكانت بعثته لازمةً من جهة الحكمة، واجبةً من جهة الربوبية، وضرورةً من جهة فساد الواقع، ورحمةً من جهة الحاجة الإنسانية.
فلم يكن الناس سدىً بعده، ولا تُركوا متناحرين متغالبين بلا ميزان؛ بل أقيم الحقُّ فوق رؤوس الكفر، واستبان سبيل المجرمين، وانفصلت الحجة عن الشبهة. ومن أنكر ذلك، لزمه إما القدح في حكمة الله، أو تسويغ الفوضى الأخلاقية، أو تأليه الإنسان من حيث لا يشعر.
فثبت بالعقل والنظر كما ثبت بالسمع والخبر، أنَّ النبوة ضرورةٌ لحفظ النظام الآدمي، وأنَّ بعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم كانت مقتضى الحكمة الإلهية الخاتمة، ليظهر الدين كله، ولو كره الكافرون.
3
تَبَاشِيرُ العَشْرِ وَتَبْجِيلُ ذِي العَرْش

يَا أَيُّهَا النَّاس . تَعَالَى المَلِكُ الدَّيَّان، وَعَظُمَ المَوْلَى الرَّحْمَن. مَنْ جَعَلَ النُّورَ ضِيَاء، وَرَفَعَ بِقُدْرَتِهِ السَّمَاء.. الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّر، العَظِيمُ العَلِيُّ الأَكْبَر.. سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ الغَضَب، وَأَجْزَلَ لِمَنْ أَطَاعَهُ الأَرَب.. أَكْرَمَكُمْ بِهَذِهِ العَشْر، وَأَقْسَمَ بِهَا فِي الفَجْر، لِيَمْحُوَ عَنْكُمُ الوِزْر، وَيَجْبَرَ بِالهُدَى كُلَّ كَسْر.

أَيُّهَا الغَافِلُونَ عَنِ المَصِير، إِلَى مَتَى هَذَا التَّقْصِير؟ أَمَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ كَيْفَ يَسِير، وَكَيْفَ يُطْوَى العُمُرُ القَصِير؟ إِنَّمَا الدُّنْيَا سَحَابٌ رَاحِل، وَإِنَّمَا العُمُرُ طَيْفٌ زَائِل.. فَهَلُمُّوا إِلَى بَابِ العَفْوِ الغَزِير، وَاقْصِدُوا رَبَّكُمُ العَلِيَّ الكَبِير.. انْظُرُوا لِوُفُودِهِ كَيْفَ تَسِيل، نَحْوَ بَيْتِهِ العَتِيقِ الجَلِيل.. سَارُوا شُعْثاً غُبْراً يَطْلُبُونَ الرِّضَا، وَيَرْجُونَ غُفْرَانَ مَا مَضَى.. نَادَوْا بِلِسَانٍ خَاشِع، وَأَسَالُوا دُمُوعَ التَّائِبِ الطَّائِع.. فَبَاهَى بِهِمْ رَبُّ العَالَمِين، مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ أَجْمَعِين .

فَيَا أَيُّهَا العَبْدُ الأَنِيب، لَا تَكُنْ عَنْ هَذَا الفَضْلِ غَرِيب.. الصَّوْمُ فِيهَا حِمَايَة، وَالدُّعَاءُ رِفْعَةٌ وَهِدَايَة، وَالصَّدَقَةُ لِلْقَلْبِ زَكَاةٌ وَوِقَايَة.. فَأَصْلِحْ قَبْلَ الرَّحِيلِ المَسِير، فَإِنَّ النَّاقِدَ بَصِير، وَإِنَّ المَوْتَ خَتْمُ المَصِير.. فَسُبْحَانَ مَنْ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى .
2
تواتر القرآن

القول الفصل والبرهان المستنير في وجوب تواتر القرآن من جهة العقل وضرورة النظر في رتبة التشريع والتصديق
إن من أحكم مقدمات العقول التي استقر عليها نظر أهل التحقيق والمناطقة الأقحاح أن الحكمة الإلهية إذا أوجبت النبوة والرسالة لزمها بالضرورة صيانة الحجة وآية الصدق من الضياع واللبس لئلا تبطل غاية البعثة ويصير التكليف عبثا ومن هنا ينطلق برهان وجوب تواتر القرآن من جهة العقل الصريح في ثلاث رتب يقينية لا تقبل الدفع أولاها أن مقتضى كمال الربوبية أوجب ظهور آيات الأنبياء وبراهين صدقهم في الأرض ظهورا قاهرا تتوافر الهمم والدواعي على نقله واستفاضته فإذا كان ادعاء النبوة قد اقترن بتواتر عجز العرب كافة عن معارضة النظم القرآني صار هذا العجز نفسه خبرا يقينيا لا بد من تواتره لتعم الحجة على مدار القرون ولما كان الله قد أوجب بقاء حجته لزم عقلا وجوب تواتر ما هو آكد وأعظم وهو وصايا الله وشرائعه وأوامره ونواهيه إذ المعجزات والآيات إنما هي مقدمة لغاية المعرفة والتشريع فإذا وجب تواتر المقدمة فمن باب أولى وجوب تواتر الغاية التي بها صلاح العباد وقيام البلاد وامتناع خلو الأرض من نبيين بآيتين متواترتين في زمان واحد يورثان الخلط واللبس يتعين معه أن الحجة الباقية هي الحجة المتواترة نقلا وعجزا على الدوام وثاني الرتب أن القرآن الكريم لم يكن خبرا عارضا في حياة الصحابة والتابعين بل كان هو الشغل الشاغل والمحرك الأول لمجتمعهم فكان يقرأ في الصلوات والمساجد وتستشهد به الألسن في المجالس والمحافل وتداوله الكافة تداول الماء والهواء ومع توفر أوامر النبي صلى الله عليه وسلم المشددة بوجوب الحفاظ عليه والوعيد على نسيانه والترغيب العظيم في حفظه ومداومة تلاوته وهم في ذلك محبون طائعون مستميتون في امتثال أمره يمتنع عقلا وقانونا في العادات والاجتماع أن يتطرق الإهمال أو الترك لجمهور هذا عددهم وتلك هي دوافعهم وهممهم فاستفاضة النظم في الصدور والسطور في زمن الوحي وما تلاه تجعل من تواتره ضرورة واقعية يدركها كل من سبر أحوال الأمم وطبائع البشر في حفظ ما تعظم به حاجتهم وتشتد إليه رغبتهم وثالث الرتب تكمن في جوهر النظم القرآني كونه معجزا مباينا لجنس كلام البشر ونظمهم في الذروة والتركيب وهذا يعني أن أي آية دخيلة أو لفظة غريبة أو جملة بشرية ستحاول التسلل إلى هذا النسيج ستنكشف بشريتها وتنفضح ركاكتها أمام ملكة العرب الفطرية في الفصاحة والبيان فهم الذين ميزوا ببديهة أذواقهم فرق النظم الإلهي عن النظم الإنساني فاستحال أن يمتزج المقدور بغير المقدور دون أن ينقده الحس السليم ويحذفه أهل الدراية بالكلم والبيان وبناء على هذه التقديرات الثلاث التي تجمع بين وجوب الحكمة وقانون الاجتماع وطبيعة النظم المعجز يتعين عقلا تواتر القرآن الكريم تواترا قطعيا يمتنع معه وقوع التبديل أو دخول التغيير فالحق الذي أوجبه الله لنفسه في الأرض لا بد أن يحاط بآلية نقل تمنع السفسطة وتقطع دابر الشكوك ليكون هذا الكتاب هو الحجة البالغة التي لا يغسلها الماء ولا يطالها الفناء وتستمر قائمة بالصدق والحق في العالمين . وفصل الخطاب أن من جحد هذا التواتر فقد جحد مقتضيات العقول وقوانين الوجود وخرج عن ربقة الحق والشهود ولن يجد لدعواه ركنا شديدا يأوي إليه في حضرة هذا البيان الذي دمج بين غاية الرسالة وحتمية الوسيلة في نقل الوحي الخاتم الذي لا يقبل الانفصام أو الإنعدام
.
4
قناة || تَيْمَئِيل
تواتر القرآن القول الفصل والبرهان المستنير في وجوب تواتر القرآن من جهة العقل وضرورة النظر في رتبة التشريع والتصديق إن من أحكم مقدمات العقول التي استقر عليها نظر أهل التحقيق والمناطقة الأقحاح أن الحكمة الإلهية إذا أوجبت النبوة والرسالة لزمها بالضرورة صيانة…
وتواتر المعنى غير تواتر اللفظ ولا شك أن المخالف الذي ينازع في تواتر الأحداث ونقلها بالمعاني لا يجب دخول محل النزاع معه أصلا لأن الصحابة رضوان الله عليهم نقلوا إلينا أن نبي بعث إليهم وتحداهم في نظم الكلام حتى أعجزهم عن الإتيان بحديث من مثله فثبت تواتره بهؤلاء الثلاث
3
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تُعنى هذه القناةُ بطرحِ القضايا الفكريةِ المعاصرةِ ومناقشتِها على ميزانِ العلمِ والبيان، سعياً لتقديمِ الرؤيةِ السديدةِ وتُرسِّخُ المفاهيمَ الصحيحة.

ولما كان نفعُ العلمِ لا يكتملُ إلا بإيصالهِ للناس، فإننا ندعوكم للمساهمةِ في نشرِ هذا المحتوى، عملاً بقولِ النبيِّ ﷺ: "مَن دَلَّ على خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" (رواه مسلم).
فإنَّ في إيصالِ كلمةِ الحقِّ بَلاغاً للمستبصر، وتذكرةً للغافل، وإقامةً للحجة، وقد قال ﷺ: "فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ واحِدٌ خَيْرٌ لكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ" (متفق عليه).
ساهموا في إيصالِ هذه القناةِ لغيركم، لعلَّ اللهَ أن ينفعَ بكلمةٍ تصلُ في وقتِها إلى مَن يحتاجُها.

https://t.me/taimaeel
5
فَصْلُ الخِطَابِ فِي دَحْضِ شُبْهَةِ العِلْمِ الأَزَلِيِّ وَالجَبْرِ وَتَفْكِيكِ مَغَالَطَاتِ الدَّهْرِيَّةِ
1
قناة || تَيْمَئِيل
فَصْلُ الخِطَابِ فِي دَحْضِ شُبْهَةِ العِلْمِ الأَزَلِيِّ وَالجَبْرِ وَتَفْكِيكِ مَغَالَطَاتِ الدَّهْرِيَّةِ
مَنِ اسْتَقْرَأَ شُبُهَاتِ أَهْلِ الجُحُودِ يَقِفُ عَلَى خَلَلٍ جَذْرِيٍّ فِي كِيفِيَّةِ تَصَوُّرِهِمْ لِلْحَقَائِقِ المَوْضُوعِيَّةِ وَالرَّوَابِطِ المَنْطِقِيَّةِ وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَشَدَّقُ بِهِ جَهَلَةُ الدَّهْرِيَّةِ هِيَ شُبْهَةُ العِلْمِ الأَزَلِيِّ وَالجَبْرِ حَيْثُ يَظُنُّ المُخَالِفُ أَنَّهُ قَدْ أَمْسَكَ بِحُجَّةٍ دَاحِضَةٍ تَرْفَعُ عَنْهُ رِبْقَةَ التَّكْلِيفِ وَتُسْقِطُ المَسْؤُولِيَّةَ الجَزَائِيَّةَ وَالحَقِيقَةُ الأَوَّلِيَّةُ أَنَّ هَذَا الِادِّعَاءَ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى مُصَادَرَةٍ عَمْيَاءَ عَلَى المَطْلُوبِ وَخَلْطٍ صَارِخٍ بَيْنَ الحَتْمِيَّةِ العِلْمِيَّةِ الكَاشِفَةِ وَالحَتْمِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ المُوجِدَةِ وَفِي هَذَا البَسْطِ المُفَصَّلِ نَقُومُ بِتَفْكِيكِ هَذِهِ المَغَالَطَةِ مِنْ جُذُورِهَا التَّأْصِيلِيَّةِ دُونَ مِوَارَبَةٍ
يَرْتَكِزُ المُخَالِفُ فِي مُنْطَلَقِهِ الأَوَّلِ عَلَى فَرْضِيَّةٍ هَشَّةٍ يَظُنُّهَا بَدِيهِيَّةً وَهِيَ أَنَّ عَدَمَ تَخَلُّفِ الفِعْلِ عَنِ العِلْمِ الأَزَلِيِّ هُوَ عَيْنُ الجَبْرِ المَحْضِ وَهَذَا سَفَهٌ مَنْطِقِيٌّ يَنْقُضُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ فَعَدَمُ التَّخَلُّفِ فِي ذَاتِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ القَهْرَ فِي الوُجُودِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأَنَّ عَدَمُ تَخَلُّفِ المَعْلُومِ عَنِ العِلْمِ يَنْقَسِمُ عَقْلاً إِلَى جِهَتَيْنِ مُتَمَايِزَتَيْنِ تَمَامَ التَّمَايُزِ هُمَا عَدَمُ التَّخَلُّفِ مِنْ جِهَةِ الأَسْبَابِ وَالتَّكْوِينِ وَعَدَمُ التَّخَلُّفِ مِنْ جِهَةِ العِلْمِ وَالِإحَاطَةِ فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى النِّفَاذِ الخَارِجِيِّ لِلْأَفْعَالِ وَجَدْنَا أَنَّ الفِعْلَ لَا يَقَعُ فِي الوَاقِعِ إِلَّا بِوُجُودِ مَجْمُوعِ الأَسْبَابِ وَالعِلَلِ الكَافِيَةِ لِإِحْدَاثِهِ وَالعِلْمُ بِالشَّيْءِ لَيْسَ جُزْءاً مِنَ العِلَّةِ الفَاعِلَةِ فِيهِ فَلَوْ عَلِمَ الإِلَهُ سَبَباً غَيْرَ السَّبَبِ المَوْجُودِ فِي الخَارِجِ لَمَا نَتَجَ الفِعْلُ الأَوَّلُ مِمَّا يَعْنِي أَنَّ العِلْمَ لَيْسَ هُوَ المُؤثِّرَ النَّافِذَ الَّذِي يَقْهَرُ الِإرَادَةَ وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَإِنَّ الِادِّعَاءَ بِأَنَّ مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّخَلُّفِ عَنِ العِلْمِ يُوجِبُ الجَبْرَ هُوَ قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ المَعْرِفِيَّةِ حَيْثُ جُعِلَ الكَاشِفُ صَانِعاً
وإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلِمَ فِي أَزَلِهِ مَا أَنْتَ فَاعِلُهُ بِإِتَاحَةِ أَسْبَابِ الفِعْلِ الخَارِجِيِّ مَعَ كَوْنِ إِرَادَتِكَ الحُرَّةِ جُزْءاً لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ تِلْكَ الأَسْبَابِ المَخْلُوقَةِ فالعِلْمُ الإِلَهِيُّ هُنَا هُوَ غَايَةُ الإِحَاطَةِ بِالأَمْرِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي وَاقِعِهِ فَأَنْتَ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ عِلْمِهِ لَيْسَ لِأَنَّ كَشْفَهُ لَكَ مُوجِبٌ لِلقَهْرِ بَلْ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَحَاطَ أزَلاً بِالأَسْبَابِ الكَامِلَةِ الَّتِي وَفَّرَهَا لَكَ وَالَّتِي مِنْ ضِمْنِهَا قُدْرَتُكَ عَلَى التَّرْجِيحِ وَالِاخْتِيَارِ وَلِتَفْكِيكِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ بِمَا لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ نَنْظُرُ فِي حَقِيقَةِ هَذَا العِلْمِ فَهَلِ العِلْمُ بِالأَسْبَابِ مُؤثِّرٌ بِذَاتِهِ حَيْثُ لَوْ عَلِمَ اللهُ سَبَباً غَيْرَ ذَلِكَ السَّبَبِ المَوْجُودِ لَكانَتْ نَفْسُ النَّتِيجَةِ الأُولَى تَقَعُ حَتْماً الجَوَابُ القَاطِعُ لَا لِأَنَّ تَغَيُّرَ الأَسْبَابِ يَسْتَلْزِمُ عَقْلاً تَغَيُّرَ النَّتائِجِ فَلَوْ سُلِبَتْ مِنْكَ الِإرَادَةُ لَتَغَيَّرَ الفِعْلُ حَتْماً مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ اللهِ مُطَابِقٌ لِمَا تُنْتِجُهُ الأَسْبَابُ وَلَيْسَ مَاحِياً لَهَا وَهَلْ يَجُوزُ عَقْلاً أَنْ يَعْلَمَ اللهُ أَنَّكَ سَتَفْعَلُ كَذَا وَلَا تَتَخَلَّفُ عَنْ عِلْمِهِ بِإِرَادَتِكَ الخَاصَّةِ أَيْ أَنْ يَكُونَ العِلْمُ كَاشِفاً صِرْفاً عَمَّا تَفْعَلُهُ إِرَادَتُكَ الحُرَّةُ الجَوَابُ المَحْتُومُ نَعَمْ فالعَقْلُ لَا يَمْنَعُ أَبَداً أَنْ تُحِيطَ مَعْرِفَةُ العَالِمِ بِفِعْلِ المِخْتَارِ دُونَ أَنْ تَتَدَخَّلَ تِلْكَ المَعْرِفَةُ فِي صِيَاغَةِ الِاخْتِيَارِ
إِذَنْ فَالنَّتِيجَةُ الظَّاهِرَةُ أَنَّ هَذَا الِاتِّصَالَ لَيْسَ جَبْراً مَحْضاً فَمَا يَدَّعِيهِ المُلْحِدُ مِنَ الجَبْرِ يَنْقَسِمُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إِلَى جَبْرٍ مِنْ جِهَةِ وُجُودِ الأَسْبَابِ المُحِيطَةِ بِالإِنْسَانِ وَهُوَ إِطَارُ السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ الَّتِي لَا يَمْلِكُ الإِنْسَانُ خَرْقَهَا لَكِنَّهُ يَمْلِكُ التَّحَرُّكَ دَاخِلَهَا بِإِرَادَتِهِ الَّتِي جُعِلَتْ جُزْءاً مِنَ العِلَّةِ وَجَبْرٍ مِنْ جِهَةِ مِلْكِيَّةِ الأَدَاةِ وَهُوَ كَوْنُ العَبْدِ مُحَاطاً بِأَدَوَاتٍ خَاصَّةٍ وَقُدُرَاتٍ مَحْدُودَةٍ وُجِّهَتْ لِفِعْلِهِ وَكِلَا
1
قناة || تَيْمَئِيل
فَصْلُ الخِطَابِ فِي دَحْضِ شُبْهَةِ العِلْمِ الأَزَلِيِّ وَالجَبْرِ وَتَفْكِيكِ مَغَالَطَاتِ الدَّهْرِيَّةِ
الأَمْرَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا قَهْرٌ لِلْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ المَعْصِيَةِ أَوْ تَرْكِ الطَّاعَةِ
العِلْمُ بِأَنَّ الإِنْسَانَ مُخْتَارٌ هُوَ أَبْدَهُ البَدِيهِيَّاتِ لِأَنَّنَا نَمْلِكُ قُدْرَةً عَلَى الفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي نَفْسِ الوَقْتِ وَمُبَايِنِينَ لِلْحَجَرِ مِنْ كَوْنِنَا نَمْلِكُ العِلْمَ وَتَعَلُّقَ القُدْرَةِ عَلَى الضِّدَّيْنِ وَلَكِنْ لِأَنَّ أَحَبَّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ وَلَا يَعْمَلُ العَبْدُ إِلَّا بِمُقْتَضَى الِاسْمَيْنِ يَكُونُ الشَّرُّ اخْتِيَاراً حَتْمِيّاً لِلْعَبْدِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَكَاسَلَ مَعَ وُقُوعِ أَسْبَابِ اخْتِيَارِهِ وَالعَكْسُ صَحِيحٌ فِي الخَيْرِ
1
(بعيدًا عن الموضوع المطروح أعلاه )

من تمام العقل وفضيلة المرء أن يراجع ما استقر في نفسه من آراء حين ينكشف له ما هو أولى بالحق، ولطالما استقر في نفسي أن المعرفة قبلية في جوهرها، ولكن بعد طول تأمل وتدقيق في طبيعة الإدراك، أجدني اليوم مراجعاً لذلك القول وموقناً بأن المعرفة في حقيقتها بعدية، فقد كان ثمة خلط مفاهيمي وتغافل مني والرجوع إلى ما يقتضيه الدليل شأن الباحث عن الحق، والقادم من الطرح سيشهد تغييراً جذرياً في هذا المسار
3
كل عام وأنتم أقرب إلى الله ، عيد مبارك عليكم
6
رثاء بهاء الدين زهير لابنه - @SCDownbot
ترنيم
رثاء بهاء الدين زهير لابنه | نهاك عن الغواية ما نهاكا
3
Channel photo updated
معذرة على التأخير ... لكن ربما لشئ أفضل هنا
2
Channel name was changed to «قناة || تَيْمَئِيل»