مقال اليوم ١٤
جياااشة..و الجيش قلبو فتاشة..
____________
و أنا طفل ..تحكي لي أمي ..أني ذات عيد رفضت (و إتدردقت في الواطة دي) داير هدوم العيد بتاعتي بدلة بوليس..
قالت إن أبي (فتش السوق فتيش..حتى لقاها في دكاكين الهنود)..
لاتزال صورتي في ذلك العيد مرتديا البدلة البيضاء و ممسكا بالكاب في يدي..هي الأقرب لنفسي بين مجموعة صوري القديمة..
و أنا أبن (بورسودان) أعرف قيمة البدلة العسكرية البيضاء..يرتديها ضباط القوات البحرية..
نشأت في بداية التسعينات(نشأت ما إتولدت أوكي؟)..كنت أطارد طوابير السير العسكرية ..
أقف مبهورا بزيهم الرسمي..و أطاردهم في صباحات الجمعة الباكرة و هم في (جكة الصباح)..
و من شدة ما تعودنا مطاردتهم و الجري خلفهم حتي تتقطع الأنفاس حفظت أناشيدهم و (جلالاتهم)..(جنود زبير باشا جينا نحييكم..قائدكم ما جرا..مرحب بسعادة اللواء) و بعد هذا المقطع عليك أن تصرخ عاليا..(وراروووك)..
حفظتها عن ظهر قلب..(و نفيسة بت الصول..نفيسة..لابسة دكتور شول ..نفيسة..أصلو ما معقول ..نفيسة)..
والدكتور شول لمن لا يعرفه حذاء نسائي شهير حينها..
كانوا يمرون بحينا في طريقهم إلى القاعدة العسكرية (فلامنجو)..
فأصبح الجيش..حلمنا..و شغلنا الشاغل..و بنادق الطفولة التي نلهو بها..
و لكم من (كبريتة) ضائعة..سرقناها من جوار (البوتجاز) أو (بابور الشريط).. و أستخلصنا بارودها..لنحشوه في أسلاك العجلات القديمة..و المسامير لنصنع سلاحنا ذو الدوي العالي..
كان مساء الجمعة هو يوم ممل لكل الأسرة حيث لا يعرض المسلسل اليومي و الوحيد حينها في التلفزيون..
لكنه كان مصدر سعادتي..ففي نفس توقيته يأتي (في ساحات الفداء)..
و أعانق (الجيش) لساعة كاملة..
في المدرسة كنت أحسد (أولاد فلمنقو) و هم الطلاب الذين يسكنون في القاعدة العسكرية..
كان لهم إمتيازاتهم الخاصة..لا يجلدون لو تأخروا من الطابور..و لا يحبسون معنا بعد نهاية الدوام..عقابا على جرائمنا الطفولية المتكررة..و يتنقلون من و إلى المدرسة بذلك اللوري الذي تأمروا عليه فأصبح بصا بقدرة حداد..
البص الشهير ب(ببص فلمنقو)..
لكن أشد ما كان يجعلني أحسدهم..هو أنهم أولاد (الجيش)..
الجيش الذي ذات مرة ( ركبت الظلط) على أن أذهب لأرى قاعدته العسكرية ..فأتعبني المشوار من منتصفه..فرجعت و قد بلغ مني التعب و الكذب مبلغا لا يرد..فنسجت قصتي التي حكيتها في ما قبل طابور الصباح مرات و مرات..و كيف إن عسكري في البوابة صوب علي سلاحه و هو يصرخ(ثاااابت)..كانت نهاية القصة تعتمد على مقدار دهشتك و تفاعلك..بين و رجعت بعدها و بين أطلق علي النار (و جريت جرية واحدة لحدي البيت).
أحد (أولاد فلمنقو) هؤلاء كان إسمه عبدالباسط يدرس معي في نفس الصف و كنت يومها أقدم البرنامج الصباحي في الطابور..كان دوره أن يقدم (حكمة) ..و نسيت أسم أبيه..لم أجد في ذهني سوى(مع التلميذ عبد الباسط سبدرات)..يومها ناظر المدرسة أستاذ عبد الله عثمان(جراني من أضاني) و هو يقول (أنت الله يدينا خيرك) ..
في الصف السادس ذهبت إلى أبي في عصر من( العصريات)..التي تلت رفده من الوظيفة بحجة (الصالح العام)..طالبا منه السماح لي بالإنضمام إلى (طلائع الجهاد) الذين يدربونهم في المدرسة (بالعصر)..نظر لي نظرة واحدة فهمت منها أنني لو كررت طلبي هذا لن يحدث لي خير..
فصرفت النظر..و في القلب شوق للبنادق الخشبية التي رأيتهم يحملونها..و تشبه بنادق الجيش..
لم أفهم يومها رسالة والدي جيدا..لكن ضجره من ترديدي لأناشيد (في حماك ربنا) و (النار في دارك شبت..فتقدم يا حاميها) و (جون قرنق قاعد في بيتو شلت حجر دقيتو)..
و طلبه مني (أناشيدك دي غنيها هناك في المدرسة لو سمحت)..حين تذرعت بأن هذه الأناشيد (أدونا ليها في المدرسة) ..
لم أفهم جيدا..فهمت فقط بالقدر الذي يجعلني أبتعد عن جمعية القرآن الكريم..التي كان كل منتسبيها ينتمون إلى طلائع الجهاد..و كنت على عكسهم لا ألحن في قراءة القرآن نسبة لآثار من (دق الفلقة) على قدمي حتى اليوم..في الخلوة..
فإنضممت لجمعية الإسعافات الأولية..و لطخت جراح التلاميذ ب(الجيشن) الذي يشبه لونه لون الحبر الأزرق..
لكن شغفي بالجيش كان لا يزال..
و بالطبع بتلاميذ (طلائع الجهاد) و بنادقهم الخشبية..
حتى حانت فرصتي الذهبية..
حين دعونا كل الفصل لمعسكر مقفول في (مركز النور)..فذهبنا صباح جمعة لا تنسى بالحافلات ..إلى هناك..و لامست يداي أخيرا البندقية الخشبية..
و كان اليوم حافلا..لا أذكر منه سوى أننا أكلنا كثيرا..و شاهدنا (أنتوني كوين ) في فيلم عمر المختار..فأحببت الجيش الإيطالي أكثر من الثوار الليبيين..
و رجعنا إلى المنازل..
لكن حظي التعيس جعل أبي يضبطني أتغنى بنشيد تم تحفيظنا له هناك (قائدنا البنا..دوووري..موعدنا الجنة..دوووري)
فأنتهرني لأقف فورا بعدها مع الثوار الليبين تاركا الجيش الإيطالي..و السوداني في حاله..
في المرحلة الثانوية كنت قد إستبينت الخط الأبيض من الأسود..و الفضل يعود لمكتبة ضخمة في منزل جدي..ممتلئة بكتب صادر
جياااشة..و الجيش قلبو فتاشة..
____________
و أنا طفل ..تحكي لي أمي ..أني ذات عيد رفضت (و إتدردقت في الواطة دي) داير هدوم العيد بتاعتي بدلة بوليس..
قالت إن أبي (فتش السوق فتيش..حتى لقاها في دكاكين الهنود)..
لاتزال صورتي في ذلك العيد مرتديا البدلة البيضاء و ممسكا بالكاب في يدي..هي الأقرب لنفسي بين مجموعة صوري القديمة..
و أنا أبن (بورسودان) أعرف قيمة البدلة العسكرية البيضاء..يرتديها ضباط القوات البحرية..
نشأت في بداية التسعينات(نشأت ما إتولدت أوكي؟)..كنت أطارد طوابير السير العسكرية ..
أقف مبهورا بزيهم الرسمي..و أطاردهم في صباحات الجمعة الباكرة و هم في (جكة الصباح)..
و من شدة ما تعودنا مطاردتهم و الجري خلفهم حتي تتقطع الأنفاس حفظت أناشيدهم و (جلالاتهم)..(جنود زبير باشا جينا نحييكم..قائدكم ما جرا..مرحب بسعادة اللواء) و بعد هذا المقطع عليك أن تصرخ عاليا..(وراروووك)..
حفظتها عن ظهر قلب..(و نفيسة بت الصول..نفيسة..لابسة دكتور شول ..نفيسة..أصلو ما معقول ..نفيسة)..
والدكتور شول لمن لا يعرفه حذاء نسائي شهير حينها..
كانوا يمرون بحينا في طريقهم إلى القاعدة العسكرية (فلامنجو)..
فأصبح الجيش..حلمنا..و شغلنا الشاغل..و بنادق الطفولة التي نلهو بها..
و لكم من (كبريتة) ضائعة..سرقناها من جوار (البوتجاز) أو (بابور الشريط).. و أستخلصنا بارودها..لنحشوه في أسلاك العجلات القديمة..و المسامير لنصنع سلاحنا ذو الدوي العالي..
كان مساء الجمعة هو يوم ممل لكل الأسرة حيث لا يعرض المسلسل اليومي و الوحيد حينها في التلفزيون..
لكنه كان مصدر سعادتي..ففي نفس توقيته يأتي (في ساحات الفداء)..
و أعانق (الجيش) لساعة كاملة..
في المدرسة كنت أحسد (أولاد فلمنقو) و هم الطلاب الذين يسكنون في القاعدة العسكرية..
كان لهم إمتيازاتهم الخاصة..لا يجلدون لو تأخروا من الطابور..و لا يحبسون معنا بعد نهاية الدوام..عقابا على جرائمنا الطفولية المتكررة..و يتنقلون من و إلى المدرسة بذلك اللوري الذي تأمروا عليه فأصبح بصا بقدرة حداد..
البص الشهير ب(ببص فلمنقو)..
لكن أشد ما كان يجعلني أحسدهم..هو أنهم أولاد (الجيش)..
الجيش الذي ذات مرة ( ركبت الظلط) على أن أذهب لأرى قاعدته العسكرية ..فأتعبني المشوار من منتصفه..فرجعت و قد بلغ مني التعب و الكذب مبلغا لا يرد..فنسجت قصتي التي حكيتها في ما قبل طابور الصباح مرات و مرات..و كيف إن عسكري في البوابة صوب علي سلاحه و هو يصرخ(ثاااابت)..كانت نهاية القصة تعتمد على مقدار دهشتك و تفاعلك..بين و رجعت بعدها و بين أطلق علي النار (و جريت جرية واحدة لحدي البيت).
أحد (أولاد فلمنقو) هؤلاء كان إسمه عبدالباسط يدرس معي في نفس الصف و كنت يومها أقدم البرنامج الصباحي في الطابور..كان دوره أن يقدم (حكمة) ..و نسيت أسم أبيه..لم أجد في ذهني سوى(مع التلميذ عبد الباسط سبدرات)..يومها ناظر المدرسة أستاذ عبد الله عثمان(جراني من أضاني) و هو يقول (أنت الله يدينا خيرك) ..
في الصف السادس ذهبت إلى أبي في عصر من( العصريات)..التي تلت رفده من الوظيفة بحجة (الصالح العام)..طالبا منه السماح لي بالإنضمام إلى (طلائع الجهاد) الذين يدربونهم في المدرسة (بالعصر)..نظر لي نظرة واحدة فهمت منها أنني لو كررت طلبي هذا لن يحدث لي خير..
فصرفت النظر..و في القلب شوق للبنادق الخشبية التي رأيتهم يحملونها..و تشبه بنادق الجيش..
لم أفهم يومها رسالة والدي جيدا..لكن ضجره من ترديدي لأناشيد (في حماك ربنا) و (النار في دارك شبت..فتقدم يا حاميها) و (جون قرنق قاعد في بيتو شلت حجر دقيتو)..
و طلبه مني (أناشيدك دي غنيها هناك في المدرسة لو سمحت)..حين تذرعت بأن هذه الأناشيد (أدونا ليها في المدرسة) ..
لم أفهم جيدا..فهمت فقط بالقدر الذي يجعلني أبتعد عن جمعية القرآن الكريم..التي كان كل منتسبيها ينتمون إلى طلائع الجهاد..و كنت على عكسهم لا ألحن في قراءة القرآن نسبة لآثار من (دق الفلقة) على قدمي حتى اليوم..في الخلوة..
فإنضممت لجمعية الإسعافات الأولية..و لطخت جراح التلاميذ ب(الجيشن) الذي يشبه لونه لون الحبر الأزرق..
لكن شغفي بالجيش كان لا يزال..
و بالطبع بتلاميذ (طلائع الجهاد) و بنادقهم الخشبية..
حتى حانت فرصتي الذهبية..
حين دعونا كل الفصل لمعسكر مقفول في (مركز النور)..فذهبنا صباح جمعة لا تنسى بالحافلات ..إلى هناك..و لامست يداي أخيرا البندقية الخشبية..
و كان اليوم حافلا..لا أذكر منه سوى أننا أكلنا كثيرا..و شاهدنا (أنتوني كوين ) في فيلم عمر المختار..فأحببت الجيش الإيطالي أكثر من الثوار الليبيين..
و رجعنا إلى المنازل..
لكن حظي التعيس جعل أبي يضبطني أتغنى بنشيد تم تحفيظنا له هناك (قائدنا البنا..دوووري..موعدنا الجنة..دوووري)
فأنتهرني لأقف فورا بعدها مع الثوار الليبين تاركا الجيش الإيطالي..و السوداني في حاله..
في المرحلة الثانوية كنت قد إستبينت الخط الأبيض من الأسود..و الفضل يعود لمكتبة ضخمة في منزل جدي..ممتلئة بكتب صادر
👍1
ة من دار التقدم
موسكو..ثم إن خالي صاحب الكتب هذه كان يجتمع مع أصدقائه في الصالون فأقوم أنا بخدمتهم و إستراق السمع..و حفظ أغاني مصطفى سيد أحمد..
فأنضممت في مدرسة البحر الأحمر الثانوية لجمعية (أخوان الصفا للثقافة و الفلاحة) التي كانت إلى جانب الثقافة و الفلاحة تهتم بالوقوف في الجانب الأخر من (إتحاد الطلاب)..
إتحاد الطلاب الذي يلبس منتسبيه (الكاكي) في المدرسة بينما نكتفي نحن بالقمصان البيضاء..و البناطلين البنية..
لم أتفق معهم يوما..لكني كنت أحسدهم على زيهم هذا..
زي (الجيش)..
في معسكر الخدمة الوطنية..
ساورتني نفسي الأمارة بالسوء...أن أنضم للدبابين..لا لأي شي..إلا لأنهم يشبهون( الجيش)..
و أحمد الله أن نفسي إنشغلت بأمور سيئة أخرى و لم تلح..
ذات الطفل الذي كان يطارد مواكب الجيش..صار في الجامعة يكتب المانشيتات بالخط العريض و يعلقها على الحائط..(لا درادر..لا عساكر..لا مظاليم لا مظالم)..(و العسكري المجنون ..البفهم المقلوب)..
نفس الطفل ذاك ..أصبح يتغنى بإنتصارات قوات التجمع التي تقاتل الجيش..
لم يكن الطفل وقتها على خطأ..
و لا الطالب الجامعي على خطأ..
و أيضا الجيش لم يخطيء..
كان الخطأ..حين تم إقحام مؤسسة قومية مثل الجيش في خضم الصراع السياسي..
و الأن كلما مررت بمباني القيادة العامة..أشتقت للجيش الذي كنت أركض خلفه و أنا أهتف(أنا ماشي نيالا..اووو..أوووو..أركب طيارة)..
#علي_جمال_علي ..
#اشياءبسيطة ..
موسكو..ثم إن خالي صاحب الكتب هذه كان يجتمع مع أصدقائه في الصالون فأقوم أنا بخدمتهم و إستراق السمع..و حفظ أغاني مصطفى سيد أحمد..
فأنضممت في مدرسة البحر الأحمر الثانوية لجمعية (أخوان الصفا للثقافة و الفلاحة) التي كانت إلى جانب الثقافة و الفلاحة تهتم بالوقوف في الجانب الأخر من (إتحاد الطلاب)..
إتحاد الطلاب الذي يلبس منتسبيه (الكاكي) في المدرسة بينما نكتفي نحن بالقمصان البيضاء..و البناطلين البنية..
لم أتفق معهم يوما..لكني كنت أحسدهم على زيهم هذا..
زي (الجيش)..
في معسكر الخدمة الوطنية..
ساورتني نفسي الأمارة بالسوء...أن أنضم للدبابين..لا لأي شي..إلا لأنهم يشبهون( الجيش)..
و أحمد الله أن نفسي إنشغلت بأمور سيئة أخرى و لم تلح..
ذات الطفل الذي كان يطارد مواكب الجيش..صار في الجامعة يكتب المانشيتات بالخط العريض و يعلقها على الحائط..(لا درادر..لا عساكر..لا مظاليم لا مظالم)..(و العسكري المجنون ..البفهم المقلوب)..
نفس الطفل ذاك ..أصبح يتغنى بإنتصارات قوات التجمع التي تقاتل الجيش..
لم يكن الطفل وقتها على خطأ..
و لا الطالب الجامعي على خطأ..
و أيضا الجيش لم يخطيء..
كان الخطأ..حين تم إقحام مؤسسة قومية مثل الجيش في خضم الصراع السياسي..
و الأن كلما مررت بمباني القيادة العامة..أشتقت للجيش الذي كنت أركض خلفه و أنا أهتف(أنا ماشي نيالا..اووو..أوووو..أركب طيارة)..
#علي_جمال_علي ..
#اشياءبسيطة ..