الدرُّ المُنتقَى
788 subscribers
220 photos
23 videos
72 files
50 links
Download Telegram
"يا غافلًا عمَّا خُلِقتَ له انتبِه
جدَّ الرحيلُ ولستَ باليقظانِ

سار الرفاقُ وخلَّفوكَ مع الأُلى
قنعوا بذا الحظِّ الخسيسِ الفاني

ولسوفَ تعلمُ حينَ ينكشفُ الغِطا
ماذا أضعتَ وكنتَ ذا إمكانِ"

- من نونية ابن القيم رحمه الله.
Forwarded from لا إله إلا الله
في الإخلاص لابن أبي الدنيا (١٩):
عن محمد بن أبي منصور، قال:

«أن عابدًا في بني إسرائيل عَبَد الله في سرب أربعين سنة، فكانت الملائكة ترفع عمله إلى السماء فلا يقبل، فقالت الملائكة: وعزتك ربنا ما رفعنا إليك إلا خفاءً! قال: صدقتم ملائكتي ولكنه يحب أن يُعرَف مكانُه»

أي: أنه وإن أخفى عمله إلا أنه يحب أن يعرف الناس منزلته في العبادة واجتهاده فيها.
قال ابن المبارك في الزهد (٢/‏١٧):
أنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال:

«يصعد الملك بعمل العبد مبتهجا به فإذا انتهى إلى ربه قال: اجعلوه في سجّين، إني لم أُرَد بهذا»
وقال
الضراب
في
ذم
الرياء
(٣٤):
حدثنا
أحمد

بن
مروان
قال
ثنا
إبراهيم
الحربي
قال
ثنا
محمد

بن
الحارث
عن
المدائني
قال:
قال
قتادة:

«إذا راءى العبد؛ يقول الله تبارك وتعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي يهزأ بي»
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب،
عن حفص، عن شمر، قال:

«يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب وفي صحيفته أمثالُ الجبال من الحسنات، فيقول رب العزة جل وعز: صلَّيْتَ يوم كذا وكذا ليقال: صلى فلان! أنا الله لا إله إلا أنا، ليَ الدين الخالص. صُمتَ يوم كذا وكذا ليقال: صام فلان! أنا الله لا إله إلا أنا، ليَ الدين الخالص. تصدّقتَ يوم كذا وكذا ليقال: تصدَّق فلان! أنا الله لا إله إلا أنا ليَ الدين الخالص. فلا يزال يمحو شيئًا بعد شيء، حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء، فيقول ملكاه: يا فلان، ألغير الله كنت تعمل!»
وَالنَّفْسُ قَرِينَةُ الشَّيْطَانِ وَمُصَاحِبَتُهُ، وَتُشْبِهُهُ فِي صِفَاتِهِ. وَمَوَاهِبُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَنْزِلُ عَلَى الْقَلْبِ وَالرُّوحِ. فَالنَّفْسُ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ. فَإِذَا نَزَلَتْ عَلَى الْقَلْبِ تِلْكَ الْمَوَاهِبُ: وَثَبَتْ لِتَأْخُذَ قِسْطَهَا مِنْهَا، وَتُصَيِّرَهُ مِنْ عِدَّتِهَا وَحَوَاصِلِهَا. فَالْمُسْتَرْسِلُ مَعَهَا، الْجَاهِلُ بِهَا فَيَدَعُهَا تَسْتَوْفِي ذَلِكَ. فَبَيْنَا هُوَ فِي مَوْهِبَةِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَعِدَّةٍ وَقُوَّةٍ لَهُ، إِذْ صَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ حَاصِلِ النَّفْسِ وَآلَتِهَا، وَعُدَدِهَا. فَصَالَتْ بِهِ وَطَغَتْ. لِأَنَّهَا رَأَتْ غِنَاهَا بِهِ. وَالْإِنْسَانُ يَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى بِالْمَالِ. فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ خَطَرًا، وَأَجَلُّ قَدْرًا مِنَ الْمَالِ، بِمَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا: مَنْ عِلْمٍ، أَوْ حَالٍ، أَوْ مَعْرِفَةٍ، أَوْ كَشْفٍ؟ فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ مِنْ حَاصِلِهَا: انْحَرَفَ الْعَبْدُ بِهِ وَلَا بُدَّ إِلَى طَرَفٍ مَذْمُومٍ مِنْ جُرْأَةٍ، أَوْ شَطْحٍ، أَوْ إِدْلَالٍ. وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَوَاللَّهِ كَمْ هَاهُنَا مِنْ قَتِيلٍ، وَسَلِيبٍ، وَجَرِيحٍ يَقُولُ: مِنْ أَيْنَ أُتِيتُ؟ وَمِنْ أَيْنَ دُهِيتُ؟ وَمِنْ أَيْنَ أُصِبْتُ؟ وَأَقَلُّ مَا يُعَاقَبُ بِهِ مِنَ الْحِرْمَانِ بِذَلِكَ: أَنْ يُغْلَقَ عَنْهُ بَابُ الْمَزِيدِ. وَلِهَذَا كَانَ الْعَارِفُونَ وَأَرْبَابُ الْبَصَائِرِ: إِذَا نَالُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ انْحَرَفُوا إِلَى طَرَفِ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ، وَمُطَالَعَةِ عُيُوبِ النَّفْسِ. وَاسْتَدْعَوْا حَارِسَ الْخَوْفِ، وَحَافَظُوا عَلَى الرِّبَاطِ بِمُلَازَمَةِ الثَّغْرِ بَيْنَ الْقَلْبِ وَبَيْنَ النَّفْسِ، وَنَظَرُوا إِلَى أَقْرَبِ الْخَلْقِ مِنَ اللَّهِ، وَأَكْرَمِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ وَسِيلَةً، وَأَعْظَمِهِمْ عِنْدَهُ جَاهًا، وَقَدْ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَذَقْنَهُ تَمَسُّ قُرْبُوسَ سَرْجِهِ: انْخِفَاضًا وَانْكِسَارًا، وَتَوَاضُعًا لِرَبِّهِ تَعَالَى فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ، الَّتِي عَادَةُ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ فِيهَا: أَنْ يَمْلِكَهَا سُرُورُهَا، وَفَرَحُهَا بِالنَّصْرِ، وَالظَّفَرِ، وَالتَّأْيِيدِ، وَيَرْفَعُهَا إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ.
فَالرَّجُلُ: مَنْ صَانَ فَتْحَهُ وَنَصِيبَهُ مِنَ اللَّهِ. وَوَارَاهُ عَنِ اسْتِرَاقِ نَفْسِهِ. وَبَخِلَ عَلَيْهَا بِهِ، وَالْعَاجِزُ: مَنْ جَادَ لَهَا بِهِ. فَيَا لَهُ مِنْ جُودٍ مَا أَقْبَحَهُ. وَسَمَاحَةٍ مَا أَسْفَهَ صَاحِبَهَا. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

- ابن القيم رحمه الله تعالى.
Forwarded from نور
حاجة طالب العلم إلى الهداية

من أعظم القضايا التي لا غِنى لطالبِ العلم عنها: قضيةُ الهداية؛ فهي روحُ العلم، ونوره، وسرُّ بركته وثمرته..

ومن أوجب ما ينبغي له أن يعتني به: دراسةً، وتأمّلًا، وطلبًا، ودعاءً، واستمدادًا من ربّه جلّ وعلا.

وموضوع الهداية ممّا يفرّط فيه كثيرٌ من طلبة العلم عند أوّل شروعهم في الطلب، مع أنّ حاجة طالب العلم إلى الهداية أعظمُ من حاجة غيره؛ إذ هو يسلك طريقًا دقيقًا، إن لم يُهدَ فيه ضلّ، وإن لم يُسدَّد فيه زلّ.

والهداية للإنسان عمومًا من أعظم القضايا وأجلّها؛ فالإنسان بلا هداية الله هائمٌ على وجهه، فاقدٌ لما يرشده، يسير في طريقٍ موحشٍ لا أنوار فيه. فإذا أصابته هدايةُ الله، سلك الصراط المستقيم، وأُضيئت له السُّبل، واستبانت له المعالم بنورٍ من ربّه.

وممّا يدلّ على عِظم شأن الهداية: أنّ الشريعة أوجبت علينا سؤالها في كلّ يومٍ وليلة سبع عشرة مرّة؛ في أعظم سور القرآن. فتأمّل هذا المعنى! أمرٌ أوجبه الله عليك هذا العدد، فإن فرّطت فيه كنت آثمًا. وفي هذا من المعاني التربوية ما يوجب الوقوف والتدبّر؛ فإنّ ما أوجبه الله بهذا التكرار، فالحاجة إليه ماسّة، والافتقار إليه عظيم.

وكذلك كثرةُ دعاء النبي ﷺ بالهداية؛ فقد كان يكثر من سؤال ربّه إيّاها، وهو المؤيَّد بالوحي، المعتنى به من ربّه، بل أصلُ الهداية ينزل على قلبه! ومع ذلك يلحّ في السؤال، ويكثر من الدعاء، فما بالك بنا ونحن أحوج ما نكون إليها؟

فكان من دعائه في قيام الليل:
«اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».

وجاءت النصوص الكثيرة بالترغيب في الهداية، كقوله سبحانه في الحديث القدسي:
«يا عبادي، كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم».
وغير ذلك من النصوص التي تدلّ على أنّ الهداية ينبغي أن تكون شُغل العبد، فضلًا عن طالب العلم.

وكذلك كان الأئمّة والعلماء يكثرون من سؤال الله الهداية؛ فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إذا نزلت به مسألةٌ أعضلته، مرّغ وجهه بالتراب، وقال: اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

ومشكلتنا أنّا إذا شرعنا في طلب العلم قلّ سؤالنا لله الهداية، كأنّا قد استغنينا عنها، أو ظننّا أنّا قد أُعطيناها! ومن الخلل أيضًا أنّ كثيرًا منّا لا يتصوّر طلب الهداية إلا عند وجود الانحراف، مع أنّ الهداية ليست مجرّد الخلاص من الضلال، بل هي إصابة الحق، والتوفيق له، والثبات عليه.

ففيما يحتاج طالب العلم إلى الهداية؟

يحتاج إليها في الثبات على طلب العلم، وفي لزوم بابه، وعدم الانقطاع عنه.
ويحتاج إليها في إصابة الطريق الصحيح في الطلب؛ فإنّ من الناس من يطلب العلم، لكن لا يُهدى للمنهج القويم، ولا للبرنامج النافع، ولا للصحبة الصالحة، فيبقى حائرًا يتنقّل بين البرامج، فلا يحصّل علمًا.
ويحتاج إليها في الفهم؛ فقد يُهدى إلى الطريق، ويُوفّق للاستمرار، لكن يُحرم الفقه، فلا يُفتح عليه في العلم.
ويحتاج إليها في العمل بالعلم؛ أن يوفّقه الله للعمل بما علم، فلا يكون علمُه حجّةً عليه، بل حجة له.
ويحتاج إليها في تبليغ العلم، والدلالة عليه، وإيصاله إلى القلوب.

فالهداية لازمةٌ له في كلّ شأنه؛ بل قاعدةُ هذا الباب:
أنّ كلّ ما يحتاجه طالب العلم في طلبه، فهو محتاجٌ فيه إلى هداية الله.

فلا تُواجِهوا صعابَ طلبِ العلم وحدكم، بل لاقُوها بقلوبٍ مُفتقرةٍ إلى ربّها، مستعينةٍ به، مُتقلِّدةً أسبابَ الهداية، مُتدرِّعةً بأنوارها؛ فإنّ أعظمَ ما يُستمدّ به في هذا الطريق: ما كان مأخذه من الله، ومصدره منه، وما أُفيض على القلوب من هدايته وتوفيقه.
شهرُ ذي القعدة هو من الأشهر الحُرم

«الأشهر الحُرُم يجب تعظيمها، والبعد عن ظلم النفس فيها أكثر من غيرها؛ ولهذا قال الله تعالى في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِندَ اللَّهِ اثنا عَشَرَ شَهرًا في كِتابِ اللَّهِ يَومَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ مِنها أَربَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ فَلا تَظلِموا فيهِنَّ أَنفُسَكُم﴾ [التوبة: ٣٦]، فيحرم ظلم النفس فيها بالشرك والمعاصي أشدّ من غيرها؛ فظلم النفس حرام في كل زمان، وفي الأشهر الحرم أشد وأغلظ».


[توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (٥/ ٢٧-٢٨)]
كتاب صوتي | الاستغناء با...
بوح | راشد الحليبة
مختصر كتاب الاستغناء بالقرآن
لابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى.
Forwarded from مبادرة صِلـة
تُطلق قناة صِـلـة برنامج:
في ظلال الفاتحة.. فهمًا لمقاصدها، وتذوّقًا لمعانيها، وتأمّلًا في هداياتها.


عشرة أيامٍ مع الفاتحة..
قصيرة المدة ممتـدّة الأثــر؛ تنتقل فيها من تكرار الآيات إلى شهود معانيها، فتغدو هداياتها أثرًا ظاهرًا في سلوكك وحياتك.


🔘مدة البرنامج ١٠ أيام.
🔘الانطلاقة🗓 ١٤٤٧/١١/٩ الأحد.


انضمامك للقناة الخاصة بالمبادرة يُعد تسجيلًا، رابط الانضمام للبرنامج: https://t.me/sillahsi
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
«كَمْ قارِئٍ في النَّاسِ يُحْمَدُ ذِكْرُهُ
وَيَكُونُ عِندَ اللَّهِ غَيْرَ حَمِيدِ

كَمْ فارِسٍ في الحَرْبِ نَالَ شَهَادَةً
وَيَكُونُ عِندَ اللَّهِ غَيْرَ شَهِيدِ

كَمْ عَالِمٍ في النَّاسِ سَدَّدَ رَأْيَهُ
وَيَكُونُ عِندَ اللَّهِ غَيْرَ سَدِيدِ

يَا قارِئَ القُرْآنِ لا تَرْكَنْ إِلَى
مَدْحِ العِبَادِ وَمَنْطِقِ التَّمْجِيدِ»
"ما أكرمَ الله..

لا بابٌ ولا حُجُبُ"
"إن عمر الإنسان مدةُ حياته، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه، والتنعُّم بحبه وذكره، وإيثار مرضاته."

ابن القيم رحمه الله تعالى.
"من قدّر نعمةَ توحيده لله تعالى حقَّ قدرِها، عظَّم من كان سبب وصولِها إليه، وملأ حبُّه أركان قلبِه، ولم يجد كفاءَ نعمته عليه جزاءً يليق بها؛
لأنهُ كان على شَفا حُفرة من النار فأنقذه الله به منها، بل ظلَّ يرعاهُ ويحُوطه ويُؤثره بشفاعتِه ويستغفر له، ويسعَى عليه بين يدَي ربِّه، حتى كان من أكرَم أمةٍ على الله تعالى بمقام نبيّه الأكرم الأعظم.


فاللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد سبب نعمتك إلينا، ومنّتك العظمى التي أسبغتها علينا، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين."
"من كمال الأدب مع الجناب النبوي ألّا تُخطف الصلاة عليه خطفًا، أو تُدمج حروفها عجلةً حتى يُكاد لا يُدرى ما هي؛ فالمقام مقام عرض وحضور، قال فيه ﷺ: «فإن صلاتكم معروضة عليّ»، والهدايا تُجمَّل عند العرض، ولا تُلقى بعجلة خاطفة، وقد أصّل ابن مسعود -رضي الله عنه- لهذا المعنى الدقيق في قوله: «إذا صلّيتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاةِ عليه؛ فإنكم لا تدرون لعلّ ذلك يُعرَض عليه»."
باب: ذكر أخلاق أهل القرآن

ينبغي لمن علَّمه الله القرآن وفضله على غيره ممن لم يحمله كتابه، وأحب أن يكون من أهل القرآن وأهل الله وخاصته، وممن وعده الله من الفضل العظيم؛ مما تقدم ذكرنا له, وممن قال الله عز وجل: {يتلونه حق تلاوته} [البقرة: ١٢١]- قيل في التفسير: يعملون به حق عمله -، وممن قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة, والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران»

فينبغي له أن يجعل القرآن ربيعا لقلبه، يعمر به ما خرب من قلبه، ويتأدب بآداب القرآن, ويتخلق بأخلاق شريفة، يبين بها عن سائر الناس ممن لا يقرأ القرآن.

فأول ما ينبغي له أن يستعمل: تقوى الله عز وجل في السر والعلانية باستعمال الورع في مطعمه، ومشربه، وملبسه, ومكسبه، ويكون بصيرا بزمانه وفساد أهله، فهو يحذرهم على دينه، مقبلا على شأنه, مهموما بإصلاح ما فسد من أمره، حافظا للسانه، مميزا لكلامه؛ إن تكلم تكلم بعلم إذا رأى الكلام صوابا، وإن سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صوابا، قليل الخوض فيما لا يعنيه، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه، يحبس لسانه كحبسه لعدوه، ليأمن شره وسوء عاقبته.

قليل الضحك فيما يضحك فيه الناس؛ لسوء عاقبة الضحك، إن سر بشيء مما يوافق الحق تبسم، يكره المزاح خوفا من اللعب، فإن مزح قال حقا، باسط الوجه، طيب الكلام.

لا يمدح نفسه بما فيه فكيف بما ليس فيه؟ يحذر من نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه. ولا يغتاب أحدا، ولا يحقر أحدا، ولا يسب أحدا, ولا يشمت بمصيبة، ولا يبغي على أحد، ولا يحسده، ولا يسيء الظن بأحد إلا بمن يستحق، يحسد بعلم، ويظن بعلم، ويتكلم بما في الإنسان من عيب بعلم، ويسكت عن حقيقة ما فيه بعلم.

قد جعل القرآن والسنة والفقه دليله إلى كل خلق حسن جميل، حافظا لجميع جوارحه عما نهي عنه، إن مشى مشى بعلم، وإن قعد قعد بعلم، يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده. ولا يجهل، وإن جهل عليه حلم، ولا يظلم، وإن ظلم عفا، ولا يبغي على أحد، وإن بغي عليه صبر، يكظم غيظه ليرضي ربه، ويغيظ عدوه، متواضع في نفسه، إذا قيل له الحق قبله، من صغير أو كبير.

يطلب الرفعة من الله عز وجل لا من المخلوقين، ماقت للكبر، خائفا على نفسه منه، لا يتأكل بالقرآن، ولا يحب أن تقضى له به الحوائج، ولا يسعى به إلى أبناء الملوك، ولا يجالس به الأغنياء ليكرموه.

إن كسب الناس من الدنيا الكثير بلا فقه ولا بصيرة، كسب هو القليل بفقه وعلم، إن لبس الناس اللين الفاخر، لبس هو من الحلال ما يستر عورته، إن وسع عليه وسع، وإن أمسك عليه أمسك، يقنع بالقليل فيكفيه، ويحذر على نفسه من الدنيا ما يطغيه.

يتبع واجبات القرآن والسنة، يأكل الطعام بعلم، ويشرب بعلم، ويلبس بعلم, وينام بعلم، ويجامع أهله بعلم, ويصحب الإخوان بعلم، يزورهم بعلم، ويستأذن عليهم بعلم، يجاور جاره بعلم.

ويلزم نفسه بر والديه، فيخفض لهما جناحه، ويخفض لصوتهما صوته، ويبذل لهما ماله، وينظر إليهما بعين الوقار والرحمة، يدعو لهما بالبقاء، ويشكر لهما عند الكبر، لا يضجر بهما، ولا يحقرهما، إن استعانا به على طاعة أعانهما، وإن استعانا به على معصية لم يعنهما، ورفق بهما في معصيته إياهما، يحسن الأدب ليرجعا عن قبيح ما أرادا مما لا يحسن بهما فعله.

يصل الرحم، ويكره القطيعة، من قطعه لم يقطعه، من عصى الله فيه أطاع الله فيه.

يصحب المؤمنين بعلم، ويجالسهم بعلم، من صحبه نفعه، حسن المجالسة لمن جالس، إن علم غيره رفق به، لا يعنف من أخطأ ولا يخجله، رفيق فى أموره، صبور على تعليم الخير، يأنس به المتعلم، ويفرح به المجالس، مجالسته تفيد خيرا، مؤدب لمن جالسه بأدب القرآن والسنة.

إن أصيب بمصيبة، فالقرآن والسنة له مؤدبان، يحزن بعلم، ويبكي بعلم، ويصبر بعلم، ويتطهر بعلم، ويصلي بعلم، ويزكي بعلم، ويتصدق بعلم، ويصوم بعلم, ويحج بعلم، ويجاهد بعلم، ويكتسب بعلم، وينفق بعلم، وينبسط في الأمور بعلم، وينقبض عنها بعلم.

قد أدبه القرآن والسنة, يتصفح القرآن ليؤدب به نفسه، ولا يرضى من نفسه أن يؤدي ما فرض الله عز وجل عليه بجهل، قد جعل العلم والفقه دليله إلى كل خير.
إذا درس القرآن فبحضور فهم وعقل، همته إيقاع الفهم لما ألزمه الله عز وجل من اتباع ما أمر، والانتهاء عما نهى، ليس همته متى أختم السورة؟ همته: متى أستغني بالله عن غيره؟ متى أكون من المتقين؟ متى أكون من المحسنين؟ متى أكون من المتوكلين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أكون من الصابرين؟ متى أكون من الصادقين؟ متى أكون من الخائفين؟ متى أكون من الراجين؟ متى أزهد في الدنيا؟ متى أرغب في الآخرة؟ متى أتوب من الذنوب؟ متى أعرف قدر النعم المتواترة؟ متى أشكر عليها؟ متى أعقل عن الله جلت عظمته الخطاب؟ متى أفقه ما أتلو؟ متى أغلب نفسي على هواها؟ متى أجاهد في الله عز وجل حق الجهاد؟ متى أحفظ لساني؟ متى أغض طرفي؟ متى أحفظ فرجي؟ متى استحيى من الله عز وجل حق الحياء؟ متى أشتغل بعيبي؟ متى أصلح ما فسد من أمري؟ متى أحاسب نفسي؟ متى أتزود ليوم معادي؟ متى أكون عن الله راضيا؟ متى أكون بالله واثقا؟ متى أكون بزجر القرآن متعظا؟ متى أكون بذكره عن ذكر غيره مشتغلا؟ متى أحب ما أحب؟ متى أبغض ما أبغض؟ متى أنصح لله؟ متى أخلص له عملي؟ متى أقصر أملي؟ متى أتأهب ليوم موتي وقد غيب عني أجلي؟ متى أعمر قبري؟ متى أفكر في الموقف وشدته؟ متى أفكر في خلوتي مع ربي؟ متى أفكر في المنقلب؟ متى أحذر ما حذرني منه ربي؟ من نار حرها شديد, وقعرها بعيد, وغمها طويل، لا يموت أهلها فيستريحوا، ولا تقال عثرتهم، ولا ترحم عبرتهم، طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم، كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، ندموا حيث لا ينفعهم الندم، وعضوا على الأيدي أسفا على تقصيرهم في طاعة الله عز وجل، وركوبهم لمعاصي الله تعالى، فقال منهم قائل: {ياليتني قدمت لحياتي} [الفجر]، وقال قائل: {رب ارجعون (٩٩) لعلي أعمل صالحا فيما تركت} [المؤمنون] , وقال قائل: {ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} [الكهف: ٤٩]، وقال قائل: {ياويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} [الفرقان]، وقالت فرقة منهم، ووجوههم تتقلب في أنواع من العذاب: {ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} [الأحزاب: ٦٦].

فهذه النار - يا معشر المسلمين؛ يا حملة القرآن - حذرها الله المؤمنين في غير موضع من كتابه، رحمة منه للمؤمنين:
فقال عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٦)} [التحريم]
وقال عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (١٨)} [الحشر].
ثم حذر المؤمنين أن يغفلوا عما فرض عليهم وما عهده إليهم ألا يضيعوه، وأن يحفظوا ما استرعاهم من حدوده، ولا يكونوا كغيرهم ممن فسق عن أمره، فعذبهم بأنواع العذاب.
فقال عز وجل: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (١٩)} [الحشر].
ثم أعلم المؤمنين أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة.
فقال عز وجل: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (٢٠)} [الحشر].

فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة يرى بها ما حسن من فعله، وما قبح منه، فما حذره مولاه حذره، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه. فمن كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدا، وشفيعا، وأنيسا، وحرزا، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه، ونفع أهله، وعاد على والديه، وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة ...

مختصر أخلاق حملة القرآن (٢٥-٣٢).
قال بعض السلف:
"من عرف ربَّهُ وجد طعم العبودية ولذة الذكر والطاعة، فهو مع الخلق ببدنه، وقد باينهم بالهموم والخطرات..."

شعب الإيمان للبيهقي ٣٨٩/١
القول المليح في الكلم الفصيح.pdf
670.1 KB
اللهمَّ لك الحمد أولا وآخرا، ولليد الصَّناعِ التي أسَدتْ إليَّ هذا المعروف جزيل الشكر، وجميل الذكر، وخالص الدُّعاء..
.
.
🗒 | برنامج إيماني مقترح لإدراك فضيلة عشر
ذي الحجة


تنبيه: كل الأعمال الفاضلة مندوب إليها في هذه العشر، وليس فيما سيذكر تخصيص لعمل منها بهذه العشر، أو فضل خاص بها في هذه الأيام؛ وإنما قاعدة هذا البرنامج عموم لفظ: (العمل الصالح) الوارد في قوله ﷺ: ”ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله…“ الحديث.

تنبيه آخر: الفرائض والواجبات أفضل ما يتقرب به العبد لربه؛ ففي الحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه"، فمن الحرمان للعبد، ومن قلة الفقه والعقل: أن يطلب المرء الرّبح مع فساد رأس المال، فاحرص على ما أوجبه الله، واجتنب ما نهى عنه.

‏١ | الصيام.

‏إن استطعت أن تصوم العشر كاملة فحسن، أو أياما منها، ولا أقل من صوم عرفة. للصيام فضيلة تتضاعف هذه الأيام، وتعظم مع شدة الحرّ، ففي الحديث أن النبيﷺ قال: ”من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا“، وفي الحديث القدسي: ”إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به“.

‏٢ | القرآن.

‏لو لم يرد في فضل قراءة القرآن إلا قوله ﷺ "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها"؛ لكان كافيًا للتحضيض على لزوم هذه العبادة، وخصوصًا في مواسم المضاعفة. اقرأ: ثلاثة أجزاء يوميًّا، تستغرق منك ساعة فقط، وستختم في هذه العشر بحول الله وعونه.

‏٣ | الذِّكر.

‏أيسر العبادات عملا، ومن أجلّها قدرا، وأكثرها أجرا. معيةُ الله الخاصة تلازم الذاكرين بقدر ذكرهم. أقترح عليك -مع أذكار الصباح والمساء- أن تجعل لك وِردا تلتزمه في طرفي النهار من: الاستغفار والتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والصلاة على النبيﷺ، وأكثر من التكبير خصوصا.

‏٤ | قيام الليل.

‏صلاة الليل أفضل نوافل الصلوات، وما كان النبيﷺ يترك الوِتر في سفر ولا حضر، وهو من أمارات إيمان العبد وصدقه وإخلاصه، فاجعل ليالي هذه الأيام ليالي حيّة بصلاتك، وقراءتك للقرآن فيها، إن استطعت أن تصلي إحدى عشرة ركعة، فهو أكملها، وإن لم فما استطعت ولو ركعات قليلة.

‏٥ | الدعاء.

‏لبُّ العبادة ومخها، احرص على اغتنام الأوقات والأحوال الفاضلة التي تُرجى فيها الإجابة؛ كحال السجود، وأوقات السحر، وعند النداء، وبين الأذانين، وساعة الجمعة، واجمع قواك وقلبك لعصر عرفة؛ فإنه وقت شريف فاضل تُرجى فيه إجابة دعوات الداعين.

‏٦ | جلسة الإشراق.

‏قال النبي الله ﷺ: "من صلى الغداة -يعني: الفجر- في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة، قال: تامة تامة تامة"، والمرأة في مصلاها تفعل مثل ذلك.
‏تقرأ فيها أورادك من الذِّكر، وتتم وِردك من القرآن، وتنال هذا الفضل الكبير.

‏٧ | الصدقة.

‏المال من أحب الأشياء إلى الإنسان، وإنفاقه في سبيل الله من أصدق علامات الإيمان؛ ولذلك قال النبي ﷺ: "والصدقة برهان" أي: برهان على صدق إيمان العبد؛ إذ أخرج ما يحب طلبا لرضا الله. ومن الصدقات الجليلة في أيام الحرِّ الشديد: سقيا الماء، للمحتاجين، ولكل كبد رطبة.

٨ | إصلاح القلب
.
‏القلب محل نظر الرب، وللقلب أعمال كما أن للجوارح أعمالا، ومن أعظم ما ينفع به العبد نفسه: تفقده لقلبه وصلاحه. وهذه الأيام فرصة لمحاسبة النفس في إخلاصها، ومحبتها لله، وخوفها منه، ورجائها فيما عندهﷻ، وخشوعها، وإخباتها، ونحوها من الأعمال القلبية الواجبة أو المندوبة.

‏ ٩ | مجالس الإيمان.

‏حضور المجالس التي ترقق القلب، وتذكّر بالله والدار الآخرة، أو سماع المسجَّل منها، أو قراءة المكتوب في موضوعاتها= من الأعمال الصالحة الجليلة، وأثرها يمتد إلى نشاط العبد في الطاعات، وتقوية عزمه على البعد عن المعاصي، فهي زاد ووقود يتقوى به العبد على بقية الأعمال.

‏١٠ | التوبة.

‏التوبة من الأعمال الواجبة على العبد في كل حين، وحاجته لها حاجة مستمرة؛ لكنني قصدت بها هنا أن يستثمر العبد هذه الأزمنة الفاضلة، وإقبال النفس على الطاعات فيها= ليتخلص من ذنوبه التي اعتادها، وأن يعقد العزم على عدم معاودتها، ويطلب العون من ربه على ذلك.

تلك عشرة كاملة.
‏أسأل الله أن يعيننا في هذه الأيام على مراضيه، وأوصيك بالتعامل بحزم مع هذه الأيام المعدودات زمنًا، المعلومات شرفًا وقدرا، وأن تبتعد عن كل قاطعٍ يقطعك عن استثمارها في عبادة ربك تعالى، فالعمر قصير والأيام معدودة، ويوشك أن نترحل عنها ولن يبقى لنا إلا ما قدمنا.

وخذ هذه موعظة قصيرة بليغة تكفيك:
‏العام المنصرم، ومع دخول عشر ذي الحجة؛ ‏كان معنا هنا ⁧ #هناء_الماضي⁩، استأذنت متابعيها وأغلقت حسابها؛ للتفرغ واغتنام هذه الأيام، ووعدت أن تعود في خاتمتها؛ لكن قدر الله سابق، فخُتم لها قبل عودتها، فالله يعلم كم أحدثت في أيامها تلك من الطاعات والقربات!
.
.