سامي المُعلا
1.9K subscribers
703 photos
677 videos
8 files
38 links
- غير مرحب بالمتعاطفين مع اسرائيل.
- كاتب قصص قصيرة.
- مدون أجتماعي.
- متابع جيد للسينما والدراما.
الفيسبوك
https://www.facebook.com/sami.almula
Download Telegram
هل سأنجو؟ - سامي المُعلا (1).pdf
5.7 MB
ليست كل الحروب تُحسم بالسلاح، فبعضها يُحسم بقدرة الإنسان على التمسك بإنسانيته وهو يقف على حافة الموت.

في قلب الأنبار، يجد الجندي قاسم نفسه مع رفاقه محاصرين داخل أرض يسيطر عليها تنظيم داعش، حيث يتحول كل شارع إلى كمين، وكل بيت إلى سؤال، وكل خطوة إلى احتمال أخير. وبين أصوات الرصاص، وخطط النجاة التي تتبدد واحدة تلو الأخرى، يكتشف أن أقسى ما في الحرب ليس الموت... بل انتظار أن يأتي.

"هل سأنجو؟" رواية عسكرية نفسية مستوحاة من أحداث حقيقية، لا تروي بطولات خارقة، بل تحكي عن جنود عاديين وجدوا أنفسهم في ظروف استثنائية، وعن الخوف، والوفاء، والإيمان، والقرارات التي لا يملك أصحابها رفاهية التراجع عنها.

إنها حكاية عن الإنسان عندما يُسلب منه كل شيء... ولا يبقى له سوى الأمل.
15
صار السهرُ مدرسةً للعيون، وكثُرت غياباتُكِ في الأحلام.
10
🤣104
اخذت قرار مؤخرًا إني أبطل سياسة العِتاب نهائياً.

تغيب؟ ماراح اعاتبك.
تبعد؟ ماراح اعاتبك.
تتجاهلني؟ ماراح اعاتبك.
تزعلني؟ انسحب بهدوء، وهم ماراح اعاتبك.

من الآخير، كل واحد ينام على الجهة اللي تريحه.
16👎1
من زمان ببداية حياتي العملية الكادحة، اشتغلت بمعمل كلينكس جان هستوه متشيد ببغداد الجديدة، وبعد 6 شهور تقريبا صاحب المعمل أعلن افلاسه، وكل راس شهر يصبرنا بسالفتين.

بقينا ساكتين 4 شهور، على أمل ناخذ فلوسنا، واتداينا من الحجار بالگاع، لحدما مابقى احد ايداينا.

مقر المعمل چان عبارة عن بيت فخم قديم، وچان إيجارهم ٤٠٠ الف دينار، يعني مليون ونص هسة.
مالك البيت كان رجل اصولي، من باشاوات بغداد، اللي يلبسون روب ستن على البنطلون والقميص والربطه، ويدخن چروت، وساكن بالبيت اللي مقابيلنا، وچان مدير المعمل ملتزم يدفع الإيجار كل شهر، حتى المعمل يبقى مفتوح.

چنا بتموز والدنيا موت حر، بحيث من اتذكر الموقف ريجي ييبّس.
صاحب المعمل طلب مني ومن واحد زميلي ناخذ الإيجار ونروح نسلمه للمالك ونجيب منه الوصل.
الكلام هذا حوالي الساعة 2 الظهر، وأنا وزميلي على لحم بطننا، لأننا ببساطة ماعدنا فلوس نتريگ.

ضغطنا الجرس، فتحتلنا الخادمة، والرجل لمن عرف إحنا عمال المعمل، رفض نحجي واحنا واگفين بالباب، وأصر ندخل نشرب گهوة!
ماچان اكو موضوع نحچي بيه، فبقينا نحچي عن الطقس، وارتفاع درجات الحرارة.. أي شي نحلل بيه فنجان الگهوة اللي دنشربه.

الرجل رسم على وجهة ابتسامة عريضة، وهز راسه كأنه توصل للحل اللي راح يريحنا من الحر والدبگه، وبدأ فكرته بسؤال كان مفاجئ ومااله معنى بالنسبة النا: وين ناويين تصيفون هالسنة؟!

طبعا إحنا صفننا.. لأنه ببساطة سؤال برجوازي لا يتناسب أبداً مع حال اثنين دينهم گامز، ماكو لگمة دخلت بطونهم من 48 ساعة.

الرجل عمت عيني، عباله احنا محتارين بين المدن الساحلية العالمية.. فحب يوفر علينا عناء المفاضلة وگاللنا: ماانصحكم بباريس!
زميلي بدل ما يگله ارحم سلالتنا.. عدل گعدته، وحط رجل على رجل كأنه هو هم برجوازي وگاله: ليش؟

- لبنان.. بيها كل اللي موجود بأوروبا وأكثر .. بلد مريحة وجوها ساحر وأسعارها معقوله.. صدگوني - وعن تجربة - راح تتونسون.

زميلي نزل رجله، ووجه جسمه للرجل باهتمام شديد، ومد أصبعه اتجاه صدر الرجل وهو يگله: على مسؤوليتك؟!
الرجل رد عليه بسرعة وگاله: لا تقلق.. ماراح تندم .. راح تدعيلي!

زميلي باوعلي وگالي: ها اقتنعت.. ميصير كل سنة باريس باريس.. وطننا العربي أولى بالعملة الصعبة اللي نصرفها.
وبعدين باوع للرجل وكمل كلامه: وياريت ناخذ خدمة زينه بالمقابل.
والرجل أمّن على كلامه وگاله: حقك والله أستاذ!

وگفنا وسلّمنا على البرجوازي بحرارة، واحنا دنشكره على النصيحة.. والصدفة السعيدة اللي خلتنا نلتقي بيه باللحظة الحاسمة، قبل ما نتورط بباريس.
🤣162
- ماراح تلگى واحد مثلي بحياتك

= أتمنى والله.. إدعيلي
14😢1
أنتهت القصة .... أنتَ رحت وانا ضِعت.
😢151👎1
انت وين؟.. بالشغل
انت وين؟.. بعدني بالشغل
انت وين؟.. رايح انام وراي شغل
انت وين؟.. رايح للشغل
16
سامي المُعلا
خلينا داوود داخل الغرفة، وخلينا يمه شوية من المؤونة الباقية عدنا. كلتله:"إحنا هسه راح نطلع ندور طريق يطلعنا من هالحصار. إذا لكينا مخرج، راح نرجعلك، وما راح نخليك وحدك. وإذا ما رجعنا... فاعرف إحنا استشهدنا قبلك. وبرّينا الذمة... راح نخليك هنا بأمانة علي بن أبي طالب."
في هذه القصة، سنعود إلى داوود، من حيث تركته حكاية قاسم، لنرى معًا: هل سيتمكن داوود من اللحاق بقاسم والنجاة؟ أم سيلحق بفاضل، ويكون مصيره الشهادة؟


بعد أن سقاني فاضل الماء، بقي واقفًا أمامي للحظات، يتأملني بصمت، وكأنه يحاول أن يقدّر ما إذا كنت قادرًا على الاستمرار، أم أن جسدي قد وصل إلى نهايته.

ثم قال: لازم هسه أگوم وأشوف شنو وضع البيت اللي موجودين بيه، لأن ميصير نبقى جامدين بنفس المكان.

خرج من الغرفة، وبدأ يتفقد المنزل غرفةً بعد أخرى. كان يتحرك بحذر، يقترب من النوافذ، ينظر من الفتحات، يصغي إلى الأصوات القادمة من الخارج، ثم ينتقل إلى مكان آخر.

بعد أن استطلع المنزل، عاد إليّ وأخذني إلى آخر غرفة فيه.
كانت الغرفة ضيقة، شبه خالية، وتبدو كأن أهلها تركوها على عجل. وضع لي في أحد أركانها مندرًا، أو ما كنا نسميه "دوشگ".

قال لي: هسه أريدك تتمدد هنانه وتگعد وترتاح.

ساعدني على الاستلقاء، ثم تركني.
لكنه لم يجلس إلى جواري.

عاد هو وقاسم إلى التجول في أرجاء المنزل، يتقصيان أوضاع المنطقة ويراقبان تحركات أفراد العصابة.

كان فاضل أكثرنا حركة. لم يكن يعرف كيف يبقى ساكنًا في مكان واحد، وكأن الوقوف بلا حركة في تلك الظروف يعني أن تمنح الموت فرصة أسهل للوصول إليك.

كنت أراه يدخل ويخرج، يراقب، يصغي، ثم يعود ليتحدث مع قاسم لدقائق قبل أن يذهب من جديد.
ظل فاضل وقاسم موجودين معي حتى بدأت الشمس تميل إلى الغروب.
كان الضوء البرتقالي يتسلل من فتحات المنزل، ثم ينسحب ببطء، تاركًا وراءه ظلالًا طويلة على الجدران.

عندها جاءني فاضل وقال: لازم نطلع من هذا المكان.

نظرت إليه وسألته: شلون راح نطلع من هذا المكان؟

قال: خل أروح وأستكشف المكان لآخر مرة، وبعدها أرد لكم خبر.

خرج مرة أخرى.
وبقيت أنتظر.
لم أكن أعرف كم مضى من الوقت. كنت أراقب الظلام وهو يزداد من حولي، وأحاول أن أقاوم ذلك التعب الذي كان يزداد في جسدي كل دقيقة.

ثم عاد فاضل. نظر إليّ وقال: نحتاج كرسي.

استغربت كلامه: شنو اللي راح نسويه بهذا الكرسي؟

قال: حتى نطلع من هذا البيت ونروح على مكان آمن لازم نعبر على سياج عالي. بعد ما تقصيت المنطقة، شفت أكو سياج عالي، وإذا نعبره راح نلگى شارع يعبرنا على منطقة بيها هياكل. وإذا عبرنا هاي المنطقة، هناك المكان أهدأ وأكثر أمان.

نظرت إليه وسألته: فاضل، زين أنت تشوف هذاك المكان آمن من هذا المكان؟

قال بثقة: إي، هذاك المكان آمن من هذا المكان.

قلت: هاي هيه، ماكو مشكلة. نروح هناك مثل ما تگول.

خرج فاضل يبحث عن الكرسي.
وبعد فترة عاد وهو يحمله.

وقف عند الباب وقال: يلا أمشي، خلي نطلع.

حاولت أن أنهض.
وضعت يدي على الأرض، ودفعت بجسدي إلى الأعلى.
لكنني ما إن وقفت حتى شعرت بأن الأرض تتحرك من تحتي.
دار كل شيء حولي.
الجدران، السقف، الوجوه... ثم فقدت توازني وسقطت من طولي.
بعدها لم أعد أميز شيئًا.

كنت أسمع أصواتًا تأتي من مكان بعيد، ثم تختفي. أحيانًا أسمع كلامًا واضحًا، وأحيانًا يتحول كل شيء إلى ضجيج مبهم.

كان فقدان الدم قد أنهك جسدي إلى الحد الذي لم يعد معه قادرًا على حمل نفسه.

سمعت فاضل يقول لقاسم: خلي نشيل داوود وناخذه ويانا.

ثم جاء صوت قاسم: إذا شلناه، شلون راح نعبر السياج؟

كنت أسمعهما وكأنهما يقفان في آخر الدنيا.
فتحت عيني بصعوبة وقلت: عوفوني هنانه وروحوا أنتم.

لم أكن أريد أن أكون عائقًا أمامهما.
كنت أعرف أن الطريق الذي ينتظرهما صعب، وأن عبور ذلك السياج يحتاج إلى كل قوتهما، ولم أكن أريد أن يتحول وجودي إلى سبب في موتهما.

آخر شيء أتذكره بوضوح في تلك اللحظات هو فاضل.
اقترب مني، وانحنى نحوي، ثم قبّلني على جبهتي.
بعدها ترك إلى جانبي قليلًا من الماء وبعض الطعام.
ثم خرج.
خرج هو وقاسم، وتركوني وحدي داخل الغرفة.

كنت أشعر بأن وعيي ينسحب مني ببطء.
لكن قبل أن أفقده تمامًا، فكرت في شيء واحد.
كان هناك ميز مكتبي في الغرفة.
سحبته بصعوبة، ثم دخلت إلى المساحة الموجودة تحته.
لم يكن المكان مريحًا، بل كان ضيقًا وخانقًا، لكنني لم أكن أبحث عن الراحة.
كنت أبحث عن مكان لا يراني فيه أحد.

أخذت الدوشگ الذي جلبه لي فاضل، وسحبته فوق الفتحة التي دخلت منها، ثم غطيتها به جيدًا.

كنت أفكر في احتمال واحد فقط: إذا دخل أفراد العصابة إلى الغرفة، فلن يروني مباشرة.
قد يدخلون ولا يجدون شيئًا.
وقد يفتشون المكان.
وقد يمرون من جانبي دون أن يعرفوا أنني موجود هنا.
لم أكن أعرف ماذا سيحدث.
لكنني كنت أعرف أنني فعلت كل ما أستطيع.

تمددت داخل الميز، وساد الظلام من حولي.
حاولت أن أبقى مستيقظًا.
حاولت أن أقاوم.
لكن جسدي لم يعد يستجيب لي.
بدأت الأصوات تبتعد.
ثم اختفت.
وأغلقت عيني.

بعدها... لم أعد أذكر شيئًا.
لقد فقدت الوعي تمامًا.
8
سامي المُعلا
خلينا داوود داخل الغرفة، وخلينا يمه شوية من المؤونة الباقية عدنا. كلتله:"إحنا هسه راح نطلع ندور طريق يطلعنا من هالحصار. إذا لكينا مخرج، راح نرجعلك، وما راح نخليك وحدك. وإذا ما رجعنا... فاعرف إحنا استشهدنا قبلك. وبرّينا الذمة... راح نخليك هنا بأمانة علي بن أبي طالب."
استيقظت بعد مرور وقت قصير.
لا أعرف كم كان قصيرًا، لكنني شعرت بأن جسدي كان أثقل من أن أحمله.
خرجت إلى الشارع.
حاولت أن أمشي، لكنني لم أقطع مسافة طويلة حتى سقطت.
حاولت أن أنهض.
لم أستطع.

وفي تلك اللحظة سمعت صوتًا يأتي من بعيد.
أصوات سيارات.
ثم أصوات رجال.
عرفت فورًا أنهم من أفراد العصابة.

حاولت أن أنهض وأختبئ، لكن ساقي لم تطاوعني.
لم يكن أمامي سوى الزحف.
زحفت بكل ما بقي لدي من قوة، حتى وصلت إلى تقاطع طرق ضيق، واختبأت بين حاوية نفايات وأكياس قمامة مرمية إلى جانبها.

كان الفرق بين أن يروني وبين أن أصل إلى مخبئي لا يتجاوز ثواني قليلة.

وصلت السيارات.
توقفت.
نزل الرجال منها، ثم دخلوا أحد البيوت.
كنت أسمع أصواتهم وأنا جالس خلف حاوية القمامة، محشورًا بين الأكياس، أحاول ألا أصدر صوتًا.

ثم سمعت شيئًا آخر.
أصوات أطفال.
كانوا يبكون.
لم يكن بكاءً عاديًا.
كان بكاء أطفال خائفين، مذعورين، كأنهم كانوا يرون الموت أمامهم.

حاولت أن أمنع نفسي من التدخل.
قلت لنفسي إنني مصاب، وإنني بالكاد أستطيع الوقوف، وإن خروجي من مخبئي يعني أنني قد أموت.

لكنني لم أستطع.
أنا لم آتِ إلى هنا لأحمي نفسي فقط.
لو كانت هذه هي مهمتي الأساسية، لبقيت في الحلة وحافظت على حياتي.
لكن مهمتنا التي جئنا من أجلها كانت تحرير النساء والأطفال وحمايتهم.
حتى لو كان السبيل إلى ذلك هو موتي.

الغريب أنني عندما حاولت الاختباء، كنت بالكاد أستطيع الزحف.
لكن عندما سمعت بكاء الأطفال وقررت أن أعرف سبب بكائهم، شعرت وكأن الله سبحانه وتعالى بعث في جسدي قوة لم تكن موجودة قبل لحظات.

بدأت أتحرك. ببطء.
تسللت من مكاني، وكلما اقتربت من البيت كان صوت الأطفال يزداد وضوحًا.
حتى وصلت إلى السياج.
مددت رأسي من خلف الحائط.
لم أجد أحدًا في الخارج.

فتحت باب البيت بحذر ودخلت.
أمسكت سلاحي وأعددته، ثم تقدمت إلى الداخل.

ورأيت الصدمة.
كانت امرأة في أواخر الثلاثينيات من عمرها، برفقتها فتاتان صغيرتان، لم تتجاوز أيٌّ منهما الخامسة عشرة، وطفل لم يتجاوز الرابعة.
وأعتقد أن ذلك الطفل هو نفسه الذي جذبني صوته.
كان عناصر داعش يجرون الفتاتين بعيدًا، بينما كانت أمهما تتشبث بهما بكل ما أوتيت من قوة، وتصرخ: أخذوني آني... عوفوا البنات، بعدهن أطفال!

كانت تبكي، وتمسك بأرجلهم، وتقاومهم كما لو أن جسدها النحيل قادر على إيقافهم وحده.
لم تكن تحاول إنقاذ نفسها.
كانت تحاول إنقاذ ابنتيها.

ثم التفتت إليّ. رأتني.
وفي اللحظة نفسها، لاحظ عناصر داعش التفاتها.
استداروا نحوي.
وكان ذلك خطأهم الأخير.
رفعت سلاحي وأطلقت النار.
سقط أربعة رجال قتلى خلال ثوانٍ.

لم أكن أفكر.
لم يكن هناك وقت للتفكير أصلًا.
تقدمت نحو المرأة والفتيات، وكنت أتنفس بصعوبة.

قلت لها: لا تخافين... لا تخافين. لا تخاف عمو... لا تخافن بناتي.

ظللن ينظرن إليّ بصمت، وكأنهن لم يستوعبن بعد ما حدث.

ثم التفتُّ إلى المرأة وسألتها: إنتِ منو؟ وشنو تسوين هنا؟ هاي منطقة ما بيها غير دواعش.

ترددت قليلًا، ثم قالت: آني جنت وي زوجي... زوجي جان منتمي لداعش. وكان هو حامينا، وأصلًا محد جان يدري إن إحنا موجودين هنا.

سكتت لحظة، ثم أضافت: بعد استشهاد زوجي... كتلوه الروافض.

نظرت إليها طويلًا.
لم أعرف لماذا أثارت تلك الجملة غضبي أكثر من كل ما رأيته قبلها.

قلت: أوكفي... يعني اللي رادوا يعتصبونج إنتِ وبناتج قبل شوية، هذوله مجاهدين وملائكة؟ وإحنا روافض وشياطين؟

ارتبكت، وقالت: لا... مو قصدي، بس يعني...

رفعت يدي وقطعت كلامها: خلص... خلص.

لم أكن أملك الطاقة لأجادلها.
كنت قد استنفدت كل ما في جسدي من قوة.
شعرت بأن قدمي لم تعودا تحملانني.
حاولت أن أتماسك.
خطوت خطوة. ثم أخرى.
لكن العالم بدأ يدور من حولي.
وسقطت.
للمرة الثانية.
لكن هذه المرة لم أستيقظ سريعًا.
بقيت فاقدًا للوعي يومين كاملين.

حين فتحت عيني، لم أشعر بأنني كنت غائبًا عن الوعي طوال تلك المدة.
كان الأمر أشبه بأنني أغلقت عيني للحظة، ثم فتحتهما في مكان آخر.

الغريب أن أول إحساس شعرت به لم يكن الخوف.
كان الأمان.
أمان غريب، عميق، يشبه ذلك الأمان الذي يشعر به الإنسان وهو بين أفراد عائلته، حين يكون متأكدًا أن لا شيء يمكن أن يصل إليه.

كان عقلي يصر على إقناعي بأنني لست في أرض قتالية.
كنت أشعر بأن المكان من حولي مليء بالبنايات.
أسمع أصوات أشخاص يتحدثون.
أشعر بحركة الناس من حولي.
حتى مراكز الشرطة كنت أشعر بأنها موجودة في مكان قريب.

كل شيء كان طبيعيًا.
هادئًا. آمنًا.
وكأن الحرب لم تكن موجودة أصلًا.

لم أفهم ما الذي يحدث لعقلي.
هل كان يحاول حمايتي؟
هل كان يصنع لي عالمًا بديلًا لأن الواقع أصبح أكبر من قدرتي على احتماله؟
لم أجد جوابًا.

لكنني كنت أشعر بالأمان.
وهذا وحده كان كافيًا في تلك اللحظة.

ثم تذكرت المرأة.
تذكرت الفتاتين.
وتذكرت الطفل.
التفتُّ حولي.
لم يكن هناك أحد.
8
سامي المُعلا
خلينا داوود داخل الغرفة، وخلينا يمه شوية من المؤونة الباقية عدنا. كلتله:"إحنا هسه راح نطلع ندور طريق يطلعنا من هالحصار. إذا لكينا مخرج، راح نرجعلك، وما راح نخليك وحدك. وإذا ما رجعنا... فاعرف إحنا استشهدنا قبلك. وبرّينا الذمة... راح نخليك هنا بأمانة علي بن أبي طالب."
وقفت بصعوبة، ونظرت في كل الاتجاهات.
لا أثر لهم. اختفوا.
جميعهم اختفوا.

وقفت وسط المكان وأنا أحاول أن أستعيد ما حدث قبل أن أفقد وعيي.
كنت متأكدًا أنني رأيتهم.
متأكدًا أنني تحدثت معها.
متأكدًا أنني قتلت أربعة من عناصر داعش أمامها.
لكن شيئًا واحدًا لم أستطع فهمه:
أين ذهبوا خلال اليومين اللذين كنت فيهما فاقدًا للوعي؟
تجولت في البيت، عثرت على جثث الإرهابيين.
اين ذهبت العائلة؟ الأم والأطفال؟

ولماذا كان عقلي، منذ اللحظة التي فتحت فيها عيني، يصر على إقناعي بأنني في مكان آمن؟
لأول مرة، لم أخف من وجود داعش.
خفت من ذاكرتي نفسها.

خرجت من البيت من بابه الرئيسي الذي دخلنا منه.
نظرت يمينًا ويسارًا.
لم أشعر بشيء غريب.

فواصلت السير.
دخلت الشارع وبدأت أمشي، لكنني لم أمش في الجهة التي قُتل فيها أصدقائي.
سرت في الجهة الأخرى من الشارع.
كانت المعركة، ومكان إصابتي، وكل ما حدث لي هناك، خلف ظهري الآن.
كنت أمشي إلى الأمام.
وكأنني، للمرة الأولى، أقرر ألا أنظر إلى الخلف.
ظللت أسير حتى وصلت إلى فرع صغير يتفرع من الشارع.
دخلت فيه وأنا أظن أن مركز الشرطة موجود هناك.
لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد احتمال.
كنت أشعر أنني أعرف ذلك.
لكن ما إن دخلت الفرع حتى بدأت الصورة تتغير.
لم أجد مركز شرطة.
لم أجد رجالًا.
لم أجد سيارات.
لم أجد شيئًا.

بدأت أستوعب تدريجيًا أنني موجود في مكان لا توجد فيه شرطة، ولا أمان، ولا أحد.
كنت وحدي. فقط أنا.

رجعت أسير بالطريق نفسه.
كنت أبحث عن أي مكان يمكن أن يمنحني شعورًا بالأمان.
وبعد فترة وجدت باب بيت مفتوحًا.
دخلت فورًا.
تفقدت المكان بحذر، وحين تأكدت أنه خال، دخلت إحدى الغرف.
كانت هناك قنفة.
لم أفكر كثيرًا.
تمدّدت عليها.
كان جسدي بحاجة إلى الراحة أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر.

بقيت متمددًا هناك حتى حل الليل.
وحين أظلم المكان تمامًا، استيقظت على شعور قاس بالعطش.
بحثت عن الماء.
وبعد فترة وجدت حنفية فيها شيء قليل من الماء.
غسلت سطل نفايات كان موجودًا في المكان، ثم ملأته بالماء.
جلست إلى جانبه وشربت.
كنت أشرب ببطء، وأشعر بالماء ينزل إلى جسدي وكأنه يعيد إليّ شيئًا فقدته منذ زمن.
لكنني لم أكن أعرف أن ما فقدته فعلًا لم يكن الماء.
كان شيئًا آخر.
شيئًا في ذاكرتي.
شيئًا لم أكن مستعدًا بعد لمواجهته.

بعد أن شربت الماء، قضيت تلك الليلة مستيقظًا.
وفي الصباح قررت الصعود إلى الطابق الثاني، لأنني شعرت أنه أكثر أمانًا.
ظللت أراقب الشارع من النافذة.
كانت الساعات تمر ببطء.
ثم، بعد وقت، سمعت أصوات أفراد العصابة وهم يدخلون إلى حديقة المنزل.
تجمدت في مكاني.
لم يكن أمامي سوى السطح.
صعدت إليه.
كان سلاحي معي، وقد أعددته.
كان السطح مفتوحًا، على شكل مربع، وبابه يؤدي مباشرة إلى الطابق الثاني.
جلست مقابل الباب.
كنت أعرف أن فتحه يعني أنني سأكون أول ما تقع عليه أعينهم.
كنت ضعيف الجسد بسبب الإصابة، وبالكاد أستطيع حمل السلاح.
ثبتّه باتجاه الباب.
بدأت يدي بالخدر.
ظللت أقاوم.
لكن الخدر ازداد حتى لم تعد أصابعي قادرة على الإمساك به.

سقط السلاح من يدي.
صدر صوت ارتطامه بالأرض.
في تلك اللحظة، ظننت أنهم اكتشفوا مكاني.
شعرت أن نهايتي اقتربت.
بدأت أتشهد وأستعد.

ثم رأيت يد الباب تتحرك، ببطء.
كانت لحظات قليلة، لكنها بدت لي أطول من كل ما مررت به في الحرب.
وقبل أن يُفتح الباب، سمعت صوتًا: جُنادة... جُنادة... أم عمر!

جاء صوت أنثوي من الخارج: شتريد؟

قال الصوت: البيت هاد ما بينفع... خلينا نروح على البيت اللي بعدو. يمكن يلاقينا حدا هون... يلا حركي.

وبقيت أنتظر.
لحظات. ثم دقائق.
وأخيرًا غادروا دون أن يفتحوا الباب.
بقيت جالسًا في مكاني، أتنفس بصعوبة.

لا أعرف من أين جاءتني تلك القوة التي منعتني من الانهيار.
كنت أقرأ حرزًا كان معي، ووضعته على جرحي.
وكنت أشعر بوجود شخص يحميني.
لا أعرف إن كان ذلك حقيقة، أم مجرد هواجس صنعها عقلي المرهق.
لكنني، طوال تلك الفترة، كنت أدعو الإمام العباس.

عندما نفد الماء، لم يعد بإمكاني البقاء.
العطش كان أقسى من الخوف.
اضطررت إلى الانتقال من بيت إلى آخر بحثًا عن مصدر للشرب.
كنت أدخل، أبحث، أخرج.
أتحرك بحذر، وأحاول ألا أترك أثرًا.
وبعد تنقل طويل، عثرت على الماء.
ثم حدث شيء لم أتوقعه.
قررت تشغيل هاتفي، من باب المحاولة الأخيرة.
ضغطت زر التشغيل.
انتظرت.
ظهرت الشاشة.
ثم ظهرت إشارة الشبكة.
لم أصدق ما رأيت.
كانت هناك شبكة.
اتصلت فورًا بالقيادة.
أخبرتهم بحالي، وبالمكان الذي أنا فيه، وبما مررت به.
كان صوت القائد بالنسبة لي أشبه بصوت شخص جاء من عالم آخر.

طمأنني.
قال لي إنهم لن يتخلوا عني، وطلب مني أن أحافظ على شحن الهاتف، وأن أبقى بانتظار اتصال آخر.

لأول مرة منذ وقت طويل شعرت أنني لست وحدي.
8
سامي المُعلا
خلينا داوود داخل الغرفة، وخلينا يمه شوية من المؤونة الباقية عدنا. كلتله:"إحنا هسه راح نطلع ندور طريق يطلعنا من هالحصار. إذا لكينا مخرج، راح نرجعلك، وما راح نخليك وحدك. وإذا ما رجعنا... فاعرف إحنا استشهدنا قبلك. وبرّينا الذمة... راح نخليك هنا بأمانة علي بن أبي طالب."
وصلت في النهاية إلى بيت آخر.
وجدت في إحدى غرفه قنفة.
تمددت عليها.
كان التعب أكبر من قدرتي على مقاومته.
أغمضت عيني.
وغفوت.
لا أعرف كم مرّ من الوقت.
ربما دقائق.
ربما أكثر.

لكنني استيقظت فجأة على شيء بارد أمام وجهي.
بندقية.
كانت موجهة مباشرة إلى رأسي.
فتحت عيني مذعورًا.
جاءني صوت رجل: انهض.


يتبع ...
7😢3
أعرف فتاة ليست من السماوة، لكنها تشبه السماوة.
هادئة على الفرات، لا ضوضاء فيها ولا زحام.
حضورها ثابت، ولا يستطيع أحد أن يتجاهله.
فيها عمق، وناس طيبون، وجو يجعلك تشعر بالراحة، حتى لو كان العراق على أبواب حرب أهلية.
10
🤣141
سامي المُعلا
وصلت في النهاية إلى بيت آخر. وجدت في إحدى غرفه قنفة. تمددت عليها. كان التعب أكبر من قدرتي على مقاومته. أغمضت عيني. وغفوت. لا أعرف كم مرّ من الوقت. ربما دقائق. ربما أكثر. لكنني استيقظت فجأة على شيء بارد أمام وجهي. بندقية. كانت موجهة مباشرة إلى رأسي. فتحت عيني…
استيقظت على فوهة بندقية.

لا أعرف كم كنت نائمًا. في الحرب لا توجد ساعات حقيقية للنوم، هناك فقط فترات قصيرة يتوقف فيها جسدك عن الاستجابة لك، ثم يعيدك الألم إلى الواقع، كما يعيد الغريق إلى سطح الماء شيء أقوى منه.

فتحت عيني.
كان أول ما رأيته سقف إسمنتي متشقق، تتدلى منه أسلاك كهربائية عارية، وفي إحدى الزوايا امتدت خيوط عنكبوت كثيفة كأنها ستارة صغيرة تفصل الغرفة عن شيء آخر.

كان هناك خيط ضوء شاحب يتسلل من نافذة صغيرة في الجدار المقابل.

ثم رأيت البندقية.
كانت موجهة إلى رأسي.

الغريب أنني لم أشعر بالخوف في اللحظة الأولى.
ربما لأنني كنت متعبًا أكثر من اللازم حتى أخاف.

أو ربما لأن الإنسان، حين يقترب من الموت مرات كثيرة، يتوقف عن معاملته كحادث مفاجئ. يصبح الموت شيئًا يشبه قريبًا ثقيل الظل، تعرف أنه سيأتي، ولا تعرف فقط متى سيقرر أن يجلس إلى جوارك.

حاولت أن أتحرك.
صرخ صدري قبل أن أصرخ أنا.

عندها عادت الذاكرة دفعة واحدة.
الرصاصة.
الشارع.
الدم.
ثم البيت.

ثم تلك اللحظة التي دخلت فيها وحدي، دون أن أعرف أنني دخلت إلى المكان الذي يمكن أن يكون آخر مكان أراه في حياتي.

قال الرجل: انهض.

حاولت مرة أخرى.
فشل جسدي.

قلت: ما أگدر.

- انهض.

"والله ما أگدر."

اقترب.
رأيت الشماغ الأحمر يغطي معظم وجهه، ولم يظهر منه سوى عينين.
كانتا ثابتتين، لكن شيئًا فيهما لم يعجبني.

لم تكن عينا قاتل واثق.
كان فيهما خوف.
خوف صغير، مختبئ بعناية، لكنه موجود.

قلت لنفسي: ربما أنا أتخيل.

الجريح يرى أشياء كثيرة.
وأحيانًا يرى ما يريد أن يراه.

مددت يدي إلى الأرض، وحاولت النهوض.
نجحت بصعوبة.

قال: دير وجهك للحايط.

"ليش؟"

- حتى أربطك.

نظرت إليه: إذا تريد تكتلني، اكتلني وأنا أشوفك.

لم يجب.

"شنو؟ خايف أشوف وجهك؟"

- دير وجهك.

استدرت.

سمعت صوت الحبل قبل أن أشعر به.
التف حول معصمي، ثم شُدّ بقوة.
كان خشنًا، ودخلت أليافه في جلدي.

قال: لا تتحرك.

قلت: إيدك ترجف.

توقف: شنو؟

"گلت إيدك ترتجف."

شد الحبل بقوة أكبر.

قلت: هسه أحسن.

جلست على الأرض.
كانت الغرفة صغيرة وخانقة. رائحة الغبار مختلطة بالعرق والبارود، كأن المكان احتفظ بكل ما حدث فيه ورفض أن ينساه.

في الزاوية بطانية سوداء، وبجانبها قنينة ماء فارغة تقريبًا.

كانت هناك بقعة داكنة على الأرض.
لم أسأل ما هي.
في الحرب، هناك أسئلة تكون إجاباتها أسوأ من الأسئلة نفسها.
من الخارج سمعت أصوات رجال.
ضحكات.
كلمات متقطعة.

أحدهم كان يتحدث بحماس عن المعركة، وكأنه يتحدث عن مباراة ينتظر نتيجتها.

ثم سمعت اسم الله.
كانوا يذكرون الله بسهولة شديدة.
وهذا الشيء كان يخيفني دائمًا.
أن تسمع اسم الله في المكان الذي يكثر فيه الموت.

قلت: داعش؟

لم يجب.

"أنت من هنا؟"

- إي.

"من الرمادي؟"

ـ إي.

قلت: انا من الجنوب.

ـ أعرف.

التفت إليه: من لهجتي؟

ـ من كلامك.

ابتسمت: لهجتي فضحتني.

لم يرد.

قلت: بس ما فضحت مذهبي.

سكت.
عرفت أنني أصبت شيئًا.
شيئًا صغيرًا، لكنه كان موجودًا.

قلت: لو كنت تدري، جان سألتني أول سؤال: شنو مذهبك؟

قال: ما يهمني.

"يهمكم."

ـ لا.

"يهمكم أكثر من الاسم."

ـ أنت جندي.

"وإنت؟"

ـ شنو؟

"عراقي."

قالها بعد لحظة.

ضحكت: هاي أول مرة أسمعها من واحد يقيدني.

لم يفهم.

قلت: العراقي صار يحتاج يثبت أنه عراقي قبل لا يثبت أنه إنسان.

جلس قرب الباب.
كانت المسافة بيننا قصيرة بما يكفي لأن أرى تفاصيل بندقيته، وطويلة بما يكفي لأن أعرف أنني لا أستطيع الوصول إليها.

نظرت إلى السلاح.
ثم إلى عينيه.

قلت: شنو الفرق بيني وبينك؟

ـ أنت تقاتلنا.

"وإنت تقاتلنا."

ـ أنا أقاتل في سبيل الله.

هنا شعرت بشيء غريب.
لم يكن غضبًا.
كان حزنًا.
الحزن الذي يأتيك عندما ترى إنسانًا يستخدم اسمًا مقدسًا ليبرر شيئًا لا يحتاج إلى مبرر سوى القسوة.

قلت: متأكد؟

رفع رأسه: نعم.

"متأكد أن الله يريدك تقتلني؟"

ـ أنت تقاتل المسلمين.

"وأنا مسلم."

ـ من مذهب آخر.

نظرت إلى السقف.
كان هناك شق طويل يمتد من منتصفه إلى الجدار، مثل ندبة قديمة.

ثم قلت: يعني الله عنده نسخة للجنوب ونسخة للرمادي؟

لم يجب.

"نسخة تحبني ونسخة تكرهني؟"

قال: لا تتفلسف.

قلت: ما عندي غير الفلسفة.

نظرت إلى جرحي: هذا ما يساعدني أهرب.

ثم قلت: خليني أهرب بالكلام.

ظل صامتًا.
وفي تلك اللحظة بدأت ألاحظ أشياء لم أنتبه لها في البداية.
طريقة جلوسه.
طريقة يده وهي تمسك البندقية.
حركة كتفه حين يسمع صوتًا في الخارج.
حتى صوته.
لم يكن خشنًا كما يجب.
كان يحاول أن يجعله خشنًا.
وهذه ملاحظة غريبة.
لكن الحرب علمتني أن الأشياء الصغيرة هي التي تقتل.
الرصاصة كبيرة، نعم.
لكن الذي يخبرك بوجودها هو الصوت الصغير الذي يسبقها.

قلت: شكد صارلك وياهم؟

ـ فترة.

"منين إنت؟"

ـ گلتلك، من الرمادي.

"لا."

نظر إليّ.

"أقصد... من أي مكان؟"

ـ شدخلك؟

"فضول."

ـ الفضول يقتلك.

ابتسمت: مو أول مرة.
5
سامي المُعلا
وصلت في النهاية إلى بيت آخر. وجدت في إحدى غرفه قنفة. تمددت عليها. كان التعب أكبر من قدرتي على مقاومته. أغمضت عيني. وغفوت. لا أعرف كم مرّ من الوقت. ربما دقائق. ربما أكثر. لكنني استيقظت فجأة على شيء بارد أمام وجهي. بندقية. كانت موجهة مباشرة إلى رأسي. فتحت عيني…
ثم سمعت صوتًا خارج الغرفة.
تجمد هو.
ليس أنا. هو.

اقترب أحدهم من الباب.
توقف.
قال شيئًا.
رد الرجل بكلمة قصيرة.
ابتعدت الخطوات.
عاد إلى مكانه.

نظرت إليه.
قلت: خايف.

ـ لا.

"خايف منهم."

ـ اسكت.

"مو مني."

لم يجب.
وهنا بدأت أشعر أنني أمام شيء لا أفهمه.
شيء أكبر من مجرد مقاتل من داعش.

قلت: صوتك.

نظر إليّ: شبي صوتي؟

"ما أدري."

ـ إذن لا تحچي.

"بس مو صوت رجل."

لم يتحرك.
لكن عينيه تغيرتا.
كان التغير صغيرًا جدًا، لدرجة أنني لو رمشت ربما فاتني.

وفي تلك اللحظة عرفت.
لا أعرف كيف عرفت.
ربما لأنني رأيت الخوف الذي يسبق الاعتراف.

قلت بهدوء: لا تخافين.

كان الصمت الذي جاء بعدها مخيفًا أكثر من البندقية.

قالت: لا تحچي.

كان الصوت هذه المرة مختلفًا.
لم تعد تحاول إخفاءه.

قالت: إذا عرفوا...

"أعرف."

ـ ما تعرف.

"أعرف."

نظرت إليّ.
وللمرة الأولى رأيت وجهها كاملًا.

كانت شابة.
لم أعرف عمرها.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا، كانت مرعوبة.

ليس مني.
منهم.

قالت: شلون عرفت؟

"من صوتچ."

ـ بس؟

"لا."

ـ شنو بعد؟

" من الخوف."

لم تفهم.
قلت: الرجل هنا يخاف من الموت.

توقفت.

"إنتِ تخافين من انكشافچ."

جلست أمامي.
أنزلت البندقية.

قلت: ما راح أفضحچ.

ضحكت.
لكنها لم تكن ضحكة.
كانت شيئًا يشبه البكاء وقد نسي كيف يخرج.

قالت: ما يعرفون.

" كلهم؟"

ـ اثنين يعرفون.

"منو؟"

ترددت: واحد سوري.

ثم سكتت: والثاني عراقي.

فهمت من صمتها أكثر مما فهمت من كلامها.
لم أسأل ماذا يفعلون بها.
بعض الأشياء لا تحتاج إلى شرح.

قالت: مو لأنهم يريدون يحموني.

نظرت إلى الأرض: يحتفظون بالسر لأن السر يخليهم يملكونني.

شعرت بالغضب.
لكنني لم أظهره.
كنت أعرف أن الغضب في تلك اللحظة قد يقتلني، وربما يقتلها معي.

قلت: ليش بقيتي وياهم؟

ـ وين أروح؟

"أي مكان."

ضحكت: الدنيا كلها صارت مثل هاي الغرفة.

قلت: لا.

ـ شنو لا؟

"أكو أماكن بعد ما وصلها الجنون."

قالت: وأنت وين مكانك؟

لم أعرف ماذا أجيب.
كنت جنديًا جريحًا، مربوط اليدين، محاصرًا في مدينة يسيطر عليها تنظيم يعتقد أن قتلي طريق إلى الجنة.

ربما كانت محقة.

قلت: ما عندي مكان.

نظرت إليّ: لعد ليش تحچيني عن الأماكن؟

"لأن الإنسان يحتاج يكذب على نفسه حتى يعيش."

ـ وإنت تكذب؟

"كلنا نكذب."

قلت: حتى أنتِ.

ـ شنو كذبي؟

"كل يوم تلبسين ملابسهم."

سكتت.

"وتحملين سلاحهم."

لم تجب.

"وتسمعينهم يتحدثون عن الجهاد."

ثم نظرت إليها: وتقنعين نفسچ إنچ وحدة منهم.

قالت: وأنا شنو؟

كان سؤالًا بسيطًا.
لكنني لم أملك جوابًا بسيطًا.

قلت: ما أعرف.

ـ لعد؟

"إنسانة."

ضحكت: كلمة سهلة.

قلت: لا، أصعب كلمة.

بقيت تنظر إليّ.

قلت: تعرفين شنو اصعب شيء بالحرب؟

ـ الموت؟

"لا."

هززت رأسي: أن تعيش طويلًا لدرجة تنسى من كنت قبل الحرب.

لم تتكلم.

قلت: تخافين تصيرين مثلهم.

رفعت عينيها إليّ.

"وأنا أخاف أصير مثلهم."

سألتني: أنت؟

"إي."

ـ شلون؟

نظرت إلى يدي المقيدتين: الإنسان ما يتحول إلى وحش بيوم واحد.

ثم قلت: خطوة.

وسكت: بعدها خطوة ثانية.

ـ وبعدين؟

"يومًا ما تشوف نفسك بالمراية وما تعرف من هذا."

قالت: أنا أعرف هذا الشخص.

"منو؟"

ـ أنا.

خارج الغرفة ارتفع صوت أحد الرجال.
اقتربت من الباب.
توقفت.
انتظرت.
ثم عاد الهدوء.
التفتت إليّ.

قالت: عندك فرصة.

"شنو؟"

ـ تطلع.

ظننت أنني لم أسمع جيدًا: شلون؟

ـ بعد ساعة يبدلون الحراسة.

"وإنتِ؟"

ـ أفتح لك الباب الخلفي.

" ليش؟"

لم تجب.

"ليش تساعديني؟"

قالت: لأنك أول واحد...

توقفت.

"أول واحد شنو؟"

ـ أول واحد عرف حقيقتي وما نظر إليّ كشيء.

لم أعرف ماذا أقول.

قالت: عندي شرط.

"شنو؟"

- إذا طلعت، لا ترجع.

"وإنتِ؟"

نظرت إلى الباب: ما أدري.

قلت: تعالي وياي.

ضحكت: وين؟

"أي مكان."

ـ ما عندي مكان.

"نصنع مكان."

لأول مرة رأيت شيئًا يشبه الابتسامة في عينيها.

قالت: أنت جريح ومحاصر وتريد تنقذني؟

قلت: لا.

ـ لعد؟

"أريد أنجو."

ثم أضفت: ويمكن النجاة مو دائمًا تعني أن الواحد يهرب وحده.

لم تقل شيئًا.
أخرجت سكينًا صغيرة.
بدأت تقطع الحبل.
كان صوت الألياف وهي تنفصل بطيئًا.
كل خيط كان يبدو لي كأنه سنة كاملة من الحرب.
خيط، ثم آخر، حتى بقي خيط واحد.

قالت: إذا طلعنا، لا تلتفت.

"ليش؟"

ـ لأنك إذا التفت، يمكن ما تكدر تكمل.

انقطع الحبل.
سقطت يداي إلى الأمام.
شعرت بالدم يعود إلى أصابعي، فاندفع ألم حاد كأن آلاف الإبر غُرست في يدي دفعة واحدة.

لكنني لم أشعر به طويلًا.
كنت حرًا.
أو هكذا ظننت.
حاولت الوقوف.
سقطت.
أمسكتني قبل أن أصطدم بالأرض.
كانت يدها ترتجف.

قلت: إنتِ خايفة.

ـ كلش.

"وأنا هم."

ـ بس أنت راح تطلع.

نظرت إليها: وإنتِ؟

لم تجب.
ساعدتني على الوقوف.
وضعت ذراعي على كتفها.
كانت خفيفة.
أخف مما توقعت.
توجهنا نحو الباب.

وقبل أن تفتحه، قلت: شنو اسمچ؟
5
سامي المُعلا
وصلت في النهاية إلى بيت آخر. وجدت في إحدى غرفه قنفة. تمددت عليها. كان التعب أكبر من قدرتي على مقاومته. أغمضت عيني. وغفوت. لا أعرف كم مرّ من الوقت. ربما دقائق. ربما أكثر. لكنني استيقظت فجأة على شيء بارد أمام وجهي. بندقية. كانت موجهة مباشرة إلى رأسي. فتحت عيني…
توقفت.
بقيت صامتة عدة ثوانٍ، كأنها كانت تفكر إن كان الاسم نفسه يمكن أن يكون خطرًا.

ثم قالت: مريم.

كررت الاسم في داخلي.
مريم.
اسم بسيط جدًا.
غريب أن يكون وراء اسم بسيط كل هذا الخوف.

فتحت الباب قليلًا.
دخل هواء الليل.
كان باردًا.
شممت رائحة التراب.
رائحة الرمادي.
رائحة مدينة لم تعد تعرف نفسها.

قالت: من هنا.

تحركنا.
خطوة.
ثم خطوة.
وخلفنا بقيت الغرفة.
الحبل.
وكل الأكاذيب التي احتاجها كل واحد منا حتى يصل إلى هذه اللحظة.

كنت أعرف أنني قد أموت قبل أن أصل إلى الخارج.
وكانت تعرف أنها قد تموت إذا ساعدتني.
ومع ذلك فتحت الباب.
في تلك الليلة لم أفكر في الشيعة والسنة.
لم أفكر في الجنوب والغربية.
لم أفكر في داعش والجيش.

كنت أفكر في شيء واحد فقط: أنني كنت جنديًا عراقيًا جريحًا، وهي كانت امرأة محاصرة وسط رجال لا يعرفون حقيقتها.

وللمرة الأولى منذ بدأت الحرب، شعرت أنني لا أريد أن أنجو وحدي.
لأن النجاة وحدك، أحيانًا، ليست نجاة.
إنها مجرد طريقة أخرى للموت.

فتحت مريم الباب الخلفي ببطء، وأبقت يدها على المقبض، بينما أخرجت رأسها إلى الخارج.
بقيت للحظات لا تتحرك.
كانت تنظر إلى الشارع كما ينظر الإنسان إلى شيء يعرف أنه قد يقتله، لكنه مضطر إلى الاقتراب منه.
كان الليل قد ابتلع الرمادي تمامًا.
البيوت المتلاصقة بدت كأنها أجساد صامتة تحاول الاختباء من بعضها، والنوافذ المظلمة كانت تشبه عيونًا أُغلقت خوفًا مما يجري في الخارج.

التفتت إليّ: ماكو أحد.

حاولت النهوض.
وضعت كفي على الأرض، ودفعته بجسدي.
شعرت بألم حاد في موضع الإصابة، كأن يدًا خفية غاصت داخل جرحي وأخذت تعصره ببطء.

وقفت، أو حاولت أن أقف.
تمايل جسدي للحظة، فأمسكت مريم بذراعي.

قالت: على كيفك.

قلت: إذا بقينا هنا، راح نموت.

نظرت إليّ، ولم تجادلني.
ربما لأنها كانت تعرف أن بعض الجمل لا تحتاج إلى جواب.

خرجنا.
كانت خطواتي بطيئة وثقيلة، وكل خطوة تحتاج إلى قرار جديد.

لم أعد أشعر بقدمي كما ينبغي، وكانت يدي التي تحمل السلاح ترتجف من التعب.
الغريب أنني، رغم كل ذلك، كنت أشعر بشيء لم أشعر به منذ أيام.

لم أعد وحدي.
كانت مريم تمشي إلى جواري.
فتاة قضيت ساعات قليلة فقط وأنا أعرف حقيقتها، ومع ذلك أصبحت في تلك اللحظة أقرب إليّ من وجوه كثيرة عشت معها سنوات.

قلت: وين راح نروح؟

قالت: أكو بيت أعرفه.

"بيت منو؟"

- بيت واحد أعرفه.

"مضمون؟"

نظرت إليّ: ماكو شي مضمون بهالمدينة.

كان جوابها بسيطًا، لكنه لخص كل ما عاشته.
في مدينة صار فيها البيت فخًا، والطريق كمينًا، والباب المفتوح دعوة إلى الموت، لم يعد أحد يستطيع أن يعدك بالأمان.

واصلنا السير.
كنت أراقب الشوارع، بينما كانت هي تقودني بينها.
كانت تعرف الأزقة أكثر مني، تعرف أين يمكن أن نمر، وأين يجب أن نتوقف، وأي جدار يمكن أن يخفي خلفه رجالًا ينتظرون مرورنا.

قلت: إنتِ من أهل الرمادي؟

قالت: لا.

"منين؟"

ترددت قليلًا.
ثم قالت: ديالى.

نظرت إليها: شلون اجيتي للرمادي؟

قالت: جامعة.

كانت الكلمة قصيرة، لكنها فتحت في ذهني صورة مختلفة تمامًا عنها.
طالبة، كتب، قاعة محاضرات، دفاتر، أصدقاء.
حياة لا علاقة لها بالبنادق التي نحملها الآن.

قلت: تدرسين هنا؟

- إي.

"شنو تدرسين؟"

سكتت.

ثم قالت: ما أذكر آخر مرة فتحت بيها كتاب.

لم أعرف هل كانت تمزح أم تتألم.

قالت: جنت أدرس بالرمادي، وأهلي كانوا بديالى. من بلشت الحرب، انسدت الطرق، وما گدرت أرجع.

كانت تتحدث دون أن تنظر إليّ، كأنها تخشى أن ترى في وجهي شيئًا لا تستطيع احتماله.

- بالبداية گلت يومين وأرجع.

ابتسمت ابتسامة باهتة: بعدين گلت أسبوع.

سكتت: وبعدين بطلت أعد.

فهمت عندها أن الحرب لا تبدأ دائمًا بصوت انفجار.
أحيانًا تبدأ حين تكتشف أنك لم تعد تعرف متى ستعود إلى بيتك.

قلت: وأهلچ؟

- طلعوا لأربيل.

"ما چان عندچ تلفون؟"

سكتت.
وكان صمتها أطول من اللازم.

ثم قالت: كان عندي.

"وينه؟"

نظرت إلى الطريق أمامها: راح.

"شلون؟"

قالت: ويا شخص.

لم أسألها مباشرة.
لكنها، بعد لحظات، قالت: كان زميلي بالجامعة.

فهمت.

قلت: حبيبچ؟

نظرت إليّ، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة للمرة الأولى.

- إي.

كانت كلمة واحدة.
لكنها حملت في داخلها شيئًا من حياة لم تعد موجودة.

قالت: قبل الحرب، جنت أحبه.

ثم سكتت.

"وبعد الحرب؟"

نظرت إليّ: بعد الحرب صار هو السبب اللي خلاني أعيش.

مشينا بصمت.
ثم بدأت تحكي.
قالت إن الفوضى حين بدأت، لم تعرف أين تذهب، وإن المدينة تحولت خلال أيام إلى شيء لا يشبه المدينة التي كانت تعرفها.

وجدها هو.
كان يعرفها قبل الحرب، ولهذا لم تكن بالنسبة إليه مجرد فتاة ضائعة في مدينة محاصرة.
أخذها إلى بيت بعيد عن الأنظار.
بقيا هناك وحدهما.
كان أبوه منتميًا إلى داعش، لكنها لم تكن قد التقت به قط.

قالت: هو مو أبوه.

قلت: بس هو صار وياهم.

- أعرف.

"ومع هذا بقيتي وياه؟"

رفعت عينيها إليّ: آني حبيته قبل لا يصير وياهم.
3
سامي المُعلا
وصلت في النهاية إلى بيت آخر. وجدت في إحدى غرفه قنفة. تمددت عليها. كان التعب أكبر من قدرتي على مقاومته. أغمضت عيني. وغفوت. لا أعرف كم مرّ من الوقت. ربما دقائق. ربما أكثر. لكنني استيقظت فجأة على شيء بارد أمام وجهي. بندقية. كانت موجهة مباشرة إلى رأسي. فتحت عيني…
ثم أضافت: الحرب ما تمسح كلشي صار قبلها.

سكتُّ.
كانت تلك الجملة أثقل مما تبدو.

قلت: بس الحرب غيرته.

- غيرته.

"وإنتِ؟"

- غيرتني هم.

"شلون؟"

نظرت إلى يدي التي تحمل السلاح: أنت شايفني هسه.

ثم قالت: قبل الحرب، ما كنت أعرف حتى شلون أتعامل ويا سلاح.

لم أعرف ماذا أقول.

تابعت: هو ساعدني. أكلني، ضمني، وحماني. إذا ما كان موجود، يمكن جان متت بأول الأيام.

"وبعدين؟"

- بقى وياهم.

"وإنتِ بقيتي وياه؟"

- إي.

"رغم كلشي؟"

قالت: مرات الإنسان يعرف أن الشخص اللي يحبه يمشي بطريق غلط، بس ما يعرف شلون يتركه.

ثم أضافت: خصوصًا إذا هذا الشخص هو الشي الوحيد اللي باقي لك من حياتك القديمة.

لم يكن في صوتها دفاع عنه.
ولم يكن فيه تبرير.
كان مجرد اعتراف.

ثم قلت: شلون مات؟

تغير وجهها.
كانت تلك أول مرة أرى شيئًا ينكسر في ملامحها.

- بإحدى المواجهات.

انتظرت.

- الحشد الشعبي قتلوه.

لم أقل شيئًا.
كنت أعرف أن أي كلمة سأقولها يمكن أن تكون في غير مكانها.

قالت: بعد موته، أخذوا كلشي كان وياه.

ثم نظرت إليّ: ومن ضمنه تلفوني.

فهمت أخيرًا: ولهذا ما گدرتي تتصلين بأهلچ.

هزت رأسها: إي.

ثم قالت: أهلي طلعوا لأربيل وهم ما يعرفون إذا آني حية أو ميتة.

سكتت قليلًا: ويمكن هسه يعتقدون أني متت.

كان من الغريب أن تكون فتاة في هذا العمر قد وصلت إلى مرحلة تتحدث فيها عن موتها كأنه خبر قديم.

قلت: وبعدين دخلتي وياهم؟

هزت رأسها: ما دخلت.

نظرت إليها: شنو يعني؟

قالت: انحشرت بينهم.

ثم تابعت: حتى أبقى حية، كان لازم أصير وحدة منهم.

"شلون؟"

قالت: قصيت شعري. لبست ملابس رجال. وصرت أعيش بينهم.

نظرت إليها.
فجأة فهمت أشياء كثيرة لم أفهمها من قبل.
ذلك الهدوء.
طريقة كلامها.
حرصها على إخفاء خوفها.
كل شيء كان جزءًا من شخصية بنتها الحرب فوق شخصية قديمة لم تعد تعرف كيف تستعيدها.

قلت: وما عرفوا؟

ضحكت بخفة: بعضهم عرف.

"وسكتوا؟"

- اثنين.

"ليش؟"

نظرت إليّ: لأنهم كانوا يعرفون أني أخاف.

ثم قالت: والخوف إذا صار بيد شخص ثاني، يتحول إلى قيد.

واصلنا السير.
لم أسألها عن التفاصيل التي لم تقلها.
هناك أشياء يفهمها الرجل من صمت امرأة أكثر مما يفهمه من كلامها.

وبعد مسافة قصيرة، قالت: هذا البيت.

دخلنا من باب خلفي.
كان البيت مهجورًا، والهواء داخله يحمل رائحة الغبار والرطوبة.
ساعدتني على الجلوس.
كان جسدي قد بدأ ينهار من جديد.

نظرت إلى جرحي وقالت: لازم أجيب شغلات.

قلت: لا تروحين.

- لازم.

"وإذا لزموچ؟"

نظرت إليّ: وإذا بقيت هنا، أنت تموت.

ثم أضافت: وأنا ما طلعتك من ذاك البيت حتى أخليك تموت بهذا.

خرجت.
وبقيت وحدي.
كان الصمت داخل البيت كثيفًا، حتى إنني صرت أسمع نبض قلبي.
مر وقت لا أعرف مقداره.
ثم سمعت الباب.
رفعت سلاحي.
دخلت مريم.
لكنها لم تكن وحدها.
كان معها رجل مدني مسن، يحمل كيسًا صغيرًا وقنينة ماء.
تجمدت.
رفعت السلاح نحوه.

صرخت مريم: نزل السلاح! هذا مدني!

توقف الرجل عند الباب.
نظر إليّ.
ثم نظر إلى جرحي.

قال: هذا هو؟

أجابته مريم: إي.

اقترب خطوة.

ثم قال: مصاب؟

- إي.

هز رأسه.
نظر إلى مريم، ثم إليّ.

وقال: إذا تبقون هنا، راح يلگونكم.

سألت: منو؟

نظر إلى الباب خلفه.
وقال بهدوء: الجماعة... يدورون على واحد مصاب.

ظللت أنظر إلى الرجل.
لم أعرف كيف عرف.
في الحرب، لم يعد السؤال هو: من أين عرفت؟
بل: كم شخصًا آخر يعرف؟

قلت: شلون عرفت؟

لم يجبني مباشرة.
وضع قنينة الماء على الأرض، ثم قال: لأنهم مرّوا من يم بيتي قبل شوية.

التفتُّ إلى مريم.
كانت تفتح الكيس الذي جلبته، وتخرج منه قطعة قماش وبعض الأشياء البسيطة.

قالت: شافوك؟

هز الرجل رأسه: لا.

ثم نظر إليّ: بس دا يسألون عن جندي مصاب.

شعرت بشيء بارد يمر في ظهري.
لم يكن البرد هو الذي أخافني.
كان معنى الجملة.
لقد بدأوا يضيقون الدائرة.

قالت مريم: نحتاج مكان ثاني.

نظر الرجل إليها: أكو بيت قريب من هنا.

قلت: بيتك؟

- لا.

ثم سكت لحظة: بيت واحد من أهل المنطقة، بس هسه فارغ.

قالت مريم: نكدر نروحله؟

- إذا تگدرون توصلون قبل لا يرجعون.

نظرت إلى جرحي.
لم أكن متأكدًا أنني أستطيع حتى الوقوف.

قلت: أگدر.

كان الرجل يعرف أنني أكذب.
لكنه لم يفضح كذبتي.
اقتربت مريم مني، وجلست أمامي.

قالت: خل أشوف الجرح.

نزعت قطعة القماش القديمة بحذر.
عندما انكشفت الإصابة، شعرت كأن الهواء نفسه صار أكثر برودة.

نظرت مريم إلى الجرح، ثم رفعت عينيها إليّ: هذا يحتاج علاج.

قلت: أعرف.

- مو علاج عادي.

"شنو يعني؟"

- يعني إذا بقى بهالحالة، ممكن يلتهب.

قلت: المهم أمشي هسه.

نظرت إليّ طويلًا: أنت ما تعرف غير كلمة "هسة"؟

ابتسمت رغم الألم: بالحرب، باچر مو مضمون.

قالت: ولهذا لازم نفكر بالباچر.

ثم بدأت تنظف الجرح.
كنت أعض على أسناني حتى لا أصرخ.

قال الرجل المسن: اسمك شنو؟

ترددت.
ثم قلت: داوود.

هز رأسه: وأنا أبو سليم.
2👍1