نَـقـاء
87 subscribers
360 photos
2 videos
1 file
8 links
Download Telegram
الفُحشُ مَذمومٌ كلُّه، وليس مِن أخلاقِ المؤمنينَ؛ فيَنْبغى لِمَن ألْهَمَه اللهُ رُشدَه أنْ يَجتنِبَ الفُحشَ، وأنْ يُعوِّدَ لِسانَه طيِّبَ القولِ، وله في رَسولِ اللهِ ﷺ أُسوةٌ حَسَنةٌ؛ فإنَّه كان لا يقولُ فُحشًا ولا يُحِبُّ أنْ يَسمَعَه .

وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ أمُّ المؤمنين عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها أنَّ رجُلًا استأذن على رسولِ الله ﷺ، فلمَّا رآه ﷺ قال عنه : «بئسَ أخو العشيرةِ، وبئسَ ابنُ العشيرةِ»، و«بئس» كَلِمةٌ تُقالُ للذَّمِّ، وأخو العشيرةِ وابنُ العشيرةِ المرادُ بهما أحدُ أفرادِ القَبيلةِ، وهي مِنَ الكلماتِ الشَّائعةِ عندَ العربِ .

فلمَّا جَلَسَ الرَّجلُ انشرحَ له النَّبيُّ ﷺ وابْتسمَ في وجهِه، فذَكَرَه النَّبيُّ ﷺ بالعيبِ الذي عرَفَه به قبْلَ أنْ يَدخُلَ، ولم يَستقبِلْه بعُيوبِه؛ لأنَّ هذا مِن الفُحشِ الذي نهى عنه رسولُ الله ﷺ، وهو ﷺ أبعدُ الناسِ عنه، فلمَّا غادرَ الرَّجلُ سألَتْ أمُّ المؤمِنين عائشةُ رضِي اللهُ عنها النَّبيَّ ﷺ عَن هذا الفِعلِ، وأنَّه قال على الرَّجلِ : بِئسَ أخو العَشيرةِ وابنُ العشيرةِ، ثُمَّ عاملَه بهذه الطَّريقةِ ؟! فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «يا عائشةُ، مَتَّى عهِدْتِني فحَّاشًا ؟»، يعني : متَى علمْتِ أنَّني أتلفَّظُ بِالفُحشِ مِنَ القولِ ؟! والمرادُ : أنَّه ﷺ لم يكُنْ لِيَسُبَّ الرَّجلَ أو يقولَ له كلامًا فاحشًا في مَجلسِه، ثُمَّ أخبرَها ﷺ بأنَّ شرَّ النَّاسِ عندَ الله منزلةً الَّذي يَجتنبُه النَّاسُ ويتركونَه اتقاءَ شرِّه وفُحشِه، وكان هذا الرَّجلُ منهم، ففَعَلَ معه النَّبيُّ ﷺ ذلكَ؛ مُداراةً واتقاءً لِشرِّه وفُحشِه .

وهذا ليسَ مِن الغِيبةِ المنهيِّ عنها، ولكنَّه لتَعريفِ النَّاسِ أمْرَ هذا الرَّجُلِ وزَجرِهم عن مِثلِ مذهبِه، ولبيانِ مَشروعيَّةِ مُدارةِ أهلِ السُّوء والشَّرِّ اتِّقاءً لشَرِّهم، ما لم يُؤدِّ ذلك إلى المُداهنةِ في دِينِ اللهِ تعالَى .

وقيل : لعلَّ هذا الرَّجُلَ قدْ تجاهَرَ بالسُّوءِ، ولا غِيبةَ لمُجاهِرٍ .
عن أمُّ المؤمنين عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها، قالت : ما ضَرَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ شيئًا قَطُّ بيَدِه، ولا امرَأةً، ولا خادِمًا، إلَّا أن يُجاهِدَ في سَبيلِ اللهِ، وما نيلَ منه شَيءٌ قَطُّ، فيَنتَقِمَ مِن صاحِبِه، إلَّا أن يُنتَهَكَ شَيءٌ مِن مَحارِمِ اللهِ، فيَنتَقِمَ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ .

• صحيح مسلم (٢٣٢٨)
كانَ النَّبيُّ ﷺ رَؤوفًا رَحيمًا، وكان يُحِبُّ التَّيسيرَ على المسلِمين في كلِّ الأُمورِ المُحتَملةِ لذلك، ومع ذلكَ فإنَّه كانَ وَقَّافًا عندَ حُدودِ اللهِ ومَحارمِه، ويَغضَبُ للهِ أشدَّ الغَضبِ حتَّى يُزالَ الحرامُ، فكان ﷺ يُوازِنُ بيْن ما فيه مَصلحةٌ للعبادِ وبيْن ما يكونُ حَقًّا للهِ تعالَى .

وفي هذا الحديثِ تُخبِرُ عائشةُ زوجُ النَّبيِّ ﷺ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ما ضرَب شيئًا قطُّ بيدِه، ولا امرأةً، ولا خادمًا، أي : لم يضرب آدميًّا؛ لأنَّه ربَّما ضَرَب الدَّابَّةَ الَّتي يَركَبُها، وهذا من حُسْن خُلُقِه ﷺ أنَّه ما ضَرَب أحدًا بيديه، وخصَّتِ المَرْأة والخادِم بالذِّكرِ؛ اهتمامًا بشَأنِهما، ولكَثرةِ وُقوعِ ضَرْبِ هذَينِ والاحتياجِ إليه .

«إلَّا أنْ يُجَاهِدَ في سبيلِ الله» فإنَّ ضَرْبه وبَطْشَه بيده لم يكُن إلَّا في الجهادِ في سبيلِ الله .

ثمَّ أخبَرَت رَضيَ اللهُ عنها أنَّه ﷺ كان يتَسامَحُ في حقِّ نَفْسه؛ فيَعفو ويَصفَحُ إذا أُوذِيَ مِن أحدٍ، وهذا مِن كَرمِه ﷺ؛ أنَّه لا يَضرِبُ أحدًا على شَيءٍ مِن حُقوقِه الخاصَّةِ به؛ لأنَّ له أنْ يَعفُوَ عن حقِّه، وله أنْ يَأخُذَ حَقَّه، أمَّا عندَ الوقوعِ في حُرُماتِ الله؛ فإنَّ تَسامُحَه وصَفْحَه يَتحوَّلُ غضبًا وانْتقامًا لله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه ﷺ لا يُقِرُّ أحدًا على ما يُغضِبُ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى .

وفي هذا إرشادُ المسْلِمينَ إلى أنْ يكونَ سبيلُ حَياتِهم على التَّيسيرِ والمُسامَحةِ والبُعدِ عن التَّشدُّدِ المبالَغِ فيه، مع الوقوفِ عندَ حُرماتِ اللهِ وحُدودِه؛ فلا تُرتكَبُ المعاصي والذُّنوبُ، ولا يُنتَهَكُ حقُّ اللهِ في المجتمعِ المسلمِ، فإذا حدَثَ ذلكَ وجَبَ على المسلمِ الغضَبُ للهِ مُقتدِيًا بالنَّبيِّ ﷺ، مع مُراعاةِ وَضعِ الأُمورِ في نِصابِها، وأنْ يكونَ الغضبُ في مَحلِّهِ ولا يَتجاوَزَه إلى أكثَرَ منه؛ حتَّى لا يُفسِدَ مِن حيثُ أرادَ الإصلاحَ .
وفي الحديث : بيانُ سَماحةِ النَّبيِّ ﷺ، وتَسامُحِه في حقِّ نَفْسِه .
وفيه : بيانُ أنَّ حُدودَ الله وحُرُماتِه واجبةُ الحِفظِ والصِّيانةِ على كلِّ مُسلمٍ .
وفيه : بَيانُ شدَّةِ النَّبيِّ ﷺ في حقِّ اللهِ وشدَّةِ انْتقامِه للهِ .
ما قصة إسلام ضِماد بن ثعلبة رضيَ الله عنه ؟
عن عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما : أنَّ ضِمادًا قدِمَ مَكَّةَ، وكان مِن أزدِ شَنوءةَ، وكان يَرقي مِن هذه الرِّيحِ فسَمِعَ سُفَهاءَ مِن أهلِ مَكَّةَ يقولونَ : إنَّ مُحَمَّدًا مَجنونٌ، فقال : لو أنِّي رَأيتُ هذا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشفيه على يَدَيَّ، قال : فلَقيَه، فقال : يا مُحَمَّدُ، إنِّي أرقي مِن هذه الرِّيحِ، وإنَّ اللَّهَ يَشفي على يَدَيَّ مَن شاءَ، فهل لَكَ ؟

فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ الحَمدَ للَّهِ، نَحمَدُه ونَستَعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، أمَّا بَعدُ، قال : فقال : أعِدْ عليَّ كَلِماتِكَ هؤلاء، فأعادَهُنَّ عليه رَسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، قال : فقال : لقد سَمِعتُ قَولَ الكَهَنةِ، وقَولَ السَّحَرةِ، وقَولَ الشُّعَراءِ، فما سَمِعتُ مِثلَ كَلِماتِكَ هؤلاء، ولقد بَلَغنَ ناعوسَ البَحرِ، قال : فقال : هاتِ يَدَكَ أُبايِعْكَ على الإسلامِ، قال : فبايَعَه، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : وعلى قَومِكَ ؟ قال : وعلى قَومي، قال : فبَعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ سَريَّةً، فمَرُّوا بقَومِه، فقال صاحِبُ السَّريَّةِ للجَيشِ : هل أصَبتُم مِن هؤلاء شيئًا ؟ فقال رَجُلٌ مِنَ القَومِ : أصَبتُ منهم مِطهَرةً، فقال : رُدُّوها؛ فإنَّ هؤلاء قَومُ ضِمادٍ .

• صحيح مسلم (٨٦٨)
كانت سِيرةُ النَّبيِّ ﷺ وسِيرةُ المسلمينَ الأوائلِ مَلِيئةً بالصُّعوباتِ والعَقَباتِ في سَبيلِ نشْرِ الدَّعوةِ إلى اللهِ سُبحانه، وكان كفَّارُ مكَّةَ يَترصَّدون للنَّبيِّ ﷺ ولكلِّ مَن آمَنَ معه، وكان نصْرُ اللهِ مُحقَّقًا؛ فنَصَر عبْدَه، وأعَزَّ جُندَه، وهزَمَ الأحزابَ وحْدَه .

وفي هذا الحديثِ يَرْوي عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما أنَّ ضِمادَ بنَ ثَعْلبةَ - وكان مِن أَزْدِ شَنُوءةَ، وهي قَبيلةٌ كَبيرةٌ مِن اليَمنِ، والأزْدُ قَبيلةٌ منها - قدِم مكَّةَ، ونزَل بها مِن سَفَرٍ، وكان ذلك في أوَّلِ مَبعَثِ النَّبيِّ ﷺ، وكان ضمادًا يَرْقي، مِن الرُّقيةِ، وهي التَّعاويذُ الَّتي يُرقَى بها مَن به آفةٌ، كالحُمَّى والصَّرَعِ وغيرِ ذلك مِن الآفاتِ، «وَكانَ يَرْقِي مِن هذه الرِّيحِ»، المرادُ بالرِّيحِ هنا الجُنونُ ومسُّ الجِنِّ، وكأنَّهم كانوا يَرَون أنَّ الخَبْلَ الَّذي يُصيبُ الإنسانَ، والأدواءَ الَّتي كانوا يرَوْنها مِن مسَّةِ الجِنِّ نفْحةٌ مِن نفَحاتِ الجِنِّ، فيُسمُّونها الرِّيحَ، فسَمِع ضِمادٌ سُفهاءَ أهلِ مكَّةِ وجُهَّالَهم مِن الكفَّارِ، يقولونَ : «إنَّ محمَّدًا مَجنونٌ، فقال : لو أنِّي رأيتُ هذا الرَّجلَ» الَّذي تَذكُرون أنَّه مَجنونٌ، لعلَّ اللهَ يَجعَلُ شِفاءَه بسَببي إنْ رَقِيتُه، فأخبَرَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَقِيَ ضِمادًا، فأخبَرَه ضِمادٌ أنَّه يَرْقي مِن المَسِّ والجنونِ، وأنَّ اللهَ قدْ جَعَله سَببًا للشِّفاءِ مِن بعضِ الأمراضِ، فهلْ لك رَغْبةٌ في أنْ أَرْقِيَك وأُخلِّصَك مِن الجنونِ الَّذي يقولُ النَّاسُ : إنَّك مُصابٌ به ؟

فرَدَّ عليه النَّبيُّ ﷺ بقولِه : «إنَّ الحمدَ للهِ»، أي : ثابتٌ له مُختَصٌّ به، سَواءٌ حُمِد أو لم يُحمَدْ، «نَحمَدُه» لوجوبِه علينا، ولعَوْدِ نَفعِه إلينا، «ونَستعينُه» في جَميعِ أمورِنا، «مَن يَهْدِه اللهُ» إلى طَريقِ تَوحيدِه وشُهودِ تَفرُّدِه بمُقتضَى فَضلِه، «فلا مُضِلَّ له» مِن الخلْقِ، ومَن يُضلِلْه عن سَواءِ السَّبيلِ بمُوجِبِ عَدلِه، «فلا هاديَ له، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحْدَه»، أي : مُنفرِدًا «لا شَريكَ له»، أي : لا مَعبودَ بحقٍّ سِواه، «وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أمَّا بعدُ»، فلمَّا سَمِع ضِمادٌ هذا الكلامَ مِن النَّبيِّ ﷺ طلَب من النَّبيِّ ﷺ أنْ يُعيدَ عليه تلك الكلماتِ مرَّةً أُخرى، فأعادها النَّبيُّ ﷺ عليه ثَلاثَ مرَّاتٍ، فقال ضِمادٌ : «لقدْ سَمِعْتُ قولَ الكهَنةِ» جمعُ كاهنٍ، وهو المُخبِرُ عن الغيبِ بعِباراتٍ مُسجَّعةٍ، وإشاراتٍ مُبدِعةٍ، «وقولَ السَّحرةِ» جمعُ ساحرٍ، وهو المُخيِّلُ في العينِ والذِّهنِ مِن جِهةِ قولِه، أو مِن أَجْلِ فِعلِه، «وقولَ الشُّعراءِ» جمْعُ شاعرٍ، وهو المُحلِّي باللِّسانِ في كلِّ شأنٍ، حتَّى شانَ ما زانَ، وزانَ ما شانَ، وقد سَمِعْتُ مَقالةَ أصحابِها، «فما سَمِعْتُ مِثلَ كَلماتِك هؤلاء»، يعني : فلو كُنتَ مِن هؤلاء الثَّلاثةِ لَأشبَهَ كَلامُك كَلامَهم، وإنَّما ذكَرَ الثَّلاثةَ لأنَّ سُفهاءَ مكَّةَ يقولونَ له ﷺ مرَّةً : كاهنٌ، ومرَّةً : ساحرٌ، ومرَّةً : شاعرٌ، فنَفى عنه الثَّلاثةَ الَّتي يَقولون فيه .

ثمَّ قال ضِمادٌ : «ولقدْ بلَغْنَ»، أي : هؤلاء الكلماتُ الجامعاتُ المُحيطاتُ الَّتي نَطقْتَ بهنَّ، ووصَلْنَ في تَأثيرِهنَّ في قلْبِ كلِّ حَيوانٍ وتَصديقِهم لهنَّ «ناعوسَ البحرِ»، ورُوِيَت «قاموسَ البحرِ»، وهو وسَطُه ولُجَّتُه، أي : بلَغَتْ غايةَ الفَصاحةِ ونِهايةَ البلاغةِ .

ثمَّ قال ضِمادٌ : «هاتِ يدَك» وابْسُطْها «أُبايِعْك على الإسلامِ، فبايَعَه» النَّبيُّ ﷺ، ثمَّ قال له رسولُ اللهِ ﷺ : وبايِعْ على قَومِك، أي : تُبايِعُ بالإسلامِ نِيابةً عن قَومِك الَّذين خلَّفْتَهم في بِلادِك أيضًا، فقال ضِمادٌ : «وعلى قَومي» فبايَعَ على الإسلامِ لنفْسِه ولقومِه .

فأخبَرَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعْدَ الهجرةِ إلى المدينةِ، بَعَث سَرِيَّةً - وهي القِطعةُ مِنَ الجَيشِ يَبلُغُ أقصاها أربَعَ مِائةِ رَجُلٍ - فمَرُّوا على قَومِ ضِمادِ بنِ ثَعلَبةَ رَضِي اللهُ عنه، فقال صاحبُ السَّرِيَّةِ - أي : قائدُها - للجيشِ : «هل أصَبْتُم»، أي : أخَذْتُم «مِن هؤلاء شيئًا ؟ فقال رجُلٌ مِن القوم : أصَبْتُ منهم مِطْهَرةً»، وهي الإناءُ الَّذي يكونُ فيه ماءُ الطَّهارةِ، فقال : «رُدُّوها»، أي : ارجِعُوها لأصحابِها؛ «فإنَّ هؤلاء قومُ ضِمادِ» بنِ ثَعلبةَ الأزديِّ الَّذين بايَعوا على الإسلامِ بواسطةِ ضِمادٍ، فلا يجوزُ أخْذُ أموالِهم؛ لأنَّهم مسلِمون .
وفي الحديثِ : حُسنُ أخلاقِ النَّبيِّ ﷺ، وحُسنُ فَصاحتِه وبَيانِه .
وفيه : إسلامُ ضِمادِ بنِ ثَعْلبةَ رَضِي اللهُ عنه، وفضلُه على قومِه .
عن جابرُ بنُ عبدِ الله رَضيَ اللهُ عنهما : أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ على أُمِّ السَّائِبِ - أو أُمِّ المُسَيِّبِ - فقال : ما لَكِ يا أُمَّ السَّائِبِ - أو يا أُمَّ المُسَيِّبِ - تُزَفزِفينَ ؟ قالتِ : الحُمَّى، لا بارَكَ اللهُ فيها، فقال : لا تَسُبِّي الحُمَّى؛ فإنَّها تُذهِبُ خَطايا بَني آدَمَ كما يُذهِبُ الكيرُ خَبَثَ الحَديدِ .

• صحيح مسلم (٢٥٧٥)
اللهُ عزَّ وجلَّ رَحيمٌ بعِبادِه المؤمِنينَ لَطيفٌ بهم، يَرحَمُهم في الدُّنيا والآخرَةِ، ومِن رَحمتِه ولُطفِه بالمؤمِنينَ المذْنِبين أنَّه سُبحانه يُخفِّفُ عنهم عذابَ الآخرَةِ ببَعضِ ما يُصيبُهم مِن البلاءِ في الدُّنيا .

وفي هذا الحديثِ يَروي جابرُ بنُ عبدِ الله رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخلَ على أُمِّ السَّائِبِ - أو أُمِّ الْمُسِّيبِ - فَسَألَها : ما لكِ تُزَفْزِفِينَ ؟ أي : تَرتَعدِينَ مِنَ البَرْدِ وتَتحرَّكينَ حَركةً شَديدةً ؟ فَأجابَتْه : الحُمَّى، وهي الحرارةُ والسُّخونةُ، وهي نوعٌ مِنَ الأمراضِ، وهي أنواعٌ مُتعدِّدةٌ، وتكونُ بِقدَرِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فهو الَّذي يُقدِّرُها وقوعًا ويَرفعُها سُبحانه وتَعالَى، ثمَّ دَعَت على الحُمَّى، فقالت : «لا بارَكَ اللهُ فيها» فنَهاها النَّبيُّ ﷺ عن قَولِها ذلك؛ فهو نوعٌ مِن أنواعِ السُّبابِ الَّذي يُعبِّرُ به صاحبُه عن عدَمِ الرِّضا، ويَدخُلُ في هذا النَّهيِ : كلُّ أنواعِ الأمراضِ الَّتي تُصيبُ الإنسانَ، وعلَّلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك بأنها تَمحو وتُكفِّرُ وتُزيلُ ذُنوبَ بني آدمَ؛ وذلك إذا صَبَر على وَجعِها وألَمِها واحتَسَبَ الأجرَ عندَ اللهِ، كما يُذهِبُ الكِيرُ خَبثَ الحديدِ، أي: وَسخَهُ .

وكِيرُ الحدَّادِ : جِهازٌ يَستخدمُه الحدَّادُ لِلنفخِ في النَّارِ لِإذكائِها؛ فإنَّ الحديدَ إذا صُهِرَ على النَّارِ ذَهبَ خبَثُه وبَقِي صافيًا، فكذلك تَفعَلُ الحُمَّى في الإنسانِ تُذهِبُ خَطاياهُ وتُكفِّرُ عنه ذُنوبَه إذا صَبَر عليها ابتغاءَ الأجرِ عندَ اللهِ سُبحانه، ويَشمَلُ ذلك كلَّ مَشقَّةٍ أو شِدَّةٍ يُرْتجى عليها ثَوابٌ؛ فلا يَنْبغي أنْ يُذَمَّ شَيءٌ مِن ذلك ولا يُسَبُّ، وحِكمةُ ذلك أنَّ السَّبَّ إنَّما يَصدُرُ في الغالبِ عن الضَّجرِ، وضَعفِ الصَّبرِ أو عَدمِه، وربَّما يُفْضي بصاحبِه إلى السَّخطِ المحرَّمِ، مع أنَّه لا يُفيدُ ذلك فائدةً ولا يُخفِّفً ألَمًا .
وفي الحديثِ : الرِّضا بِقضاءِ اللهِ وقدَرِه .
عن أَنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه : ما رَأيتُ أحَدًا كان أرحَمَ بالعيالِ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ، قال : كان إبراهيمُ مُستَرضِعًا له في عَوالي المَدينةِ، فكان يَنطَلِقُ ونَحنُ معهُ، فيَدخُلُ البَيتَ وإنَّه لَيُدَّخَنُ، وكان ظِئرُه قَينًا، فيَأخُذُه فيُقَبِّلُه، ثُمَّ يَرجِعُ .

قال عَمرٌو : فلَمَّا توفِّيَ إبراهيمُ قال رَسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ إبراهيمَ ابني، وإنَّه ماتَ في الثَّديِ، وإنَّ له لَظِئرَينِ تُكَمِّلانِ رَضاعَه في الجَنَّةِ .

• صحيح مسلم (٢٣١٦)
كان النَّبيُّ ﷺ رَحيمًا بالنَّاسِ، وكان يُحبُّ الأطفالَ ويُلاطِفُهم؛ ليُعلِّمَهم ما يَنفَعُهم مِن أُمورِ الدِّينِ بقَولِه وفِعلِه .

وفي هذا الحديثِ يَرْوي أَنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه ما رَأى أَحدًا كانَ أَرحمَ بالأطفال مِن رَسولِ اللهِ ﷺ، وَكان إِبراهيمُ ابنُه مِن ماريَةَ القِبطيَّةِ مُستَرضِعًا، أي : كانْتَ له مُرْضِعةٌ تُرضِعُه في عَوالي المدينَةِ، وهي القُرى الواقعةُ في الجهةِ الشَّرقيَّةِ والجنوبيَّةِ الشَّرقيَّةِ مِن المدينةِ .

فَكانَ ﷺ يَنطلِقُ وبعضُ أصحابِه مَعه للذَّهابِ إلى المكانِ الَّذي يَسْترضِعُ فيه لابنِه، فكان إذا وَصَلَ إليهم، يَدخُلُ البيتَ الَّذي فيهِ إِبراهيمُ فيَجِدُه مُمْتلأً دُخَانًا؛ وذلك أنَّ ظِئرُه كان قَينًا، أي : حَدادًا، وهوَ أَبو سَمينٍ البَراءُ بنُ أَوسٍ القَيِّنُ الأَنصاريُّ، وَ«الظِّئرُ» يَقعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، وهو المُرضِعَةُ وَلَدَ غَيرِها، والمرادُ به هنا زَوجُ المرأةِ المرضِعةِ، فيَدخُلُ ﷺ البيتَ فَيأخذُ ابنَه فيُقبِّلُه ثُمَّ يَرجعُ .

ويُخبِرُ أنسٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لَمَّا تُوفِّيَ ابنُه إِبراهيمُ، قال ﷺ : إنَّ إبراهيمَ ابْنِي، وإِنَّه ماتَ في «الثَّدي» أي : في سِنِّ رَضاعِ الثَّدي، أو في حالَةِ تَغذِّيه بلَبنِ الثَّديِ، وإِنَّ لَه عندَ اللهِ لمُرضِعَتَيْنِ بدلَ واحدةٍ في الدُّنيا «تُكملانَ»، أي : تُوَفِّيانِ وتُتَمِّمان مُدَّةَ رَضاعِه - وهيَ الحَولانِ - في الجنَّةِ، فإنَّه تُوفِّيَ ولَه ستَّةَ عشرَ شهرًا أو سَبعةَ عشرَ، وقيلَ : ولَه سبعونَ يومًا فتُرضِعانَه بقيَّةَ السَّنتينِ .
وفي الحديثِ : بَيانُ كَريمِ خُلُقِه ﷺ ورَحمَتِه لِلعيالِ والضُّعفاءِ .
عن أَنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه، قال : قال رسول الله ﷺ : إنَّ المَيِّتَ إذا وُضِعَ في قَبرِه إنَّه لَيَسمَعُ خَفقَ نِعالِهم إذا انصَرَفوا .

وفي روايةٍ :
إنَّ العَبدَ إذا وُضِعَ في قَبرِه وتَولَّى عنه أصحابُه .

• صحيح مسلم (٢٨٧٠)
عن أَنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه، قال : قال رسول الله ﷺ : العَبدُ إذا وُضِعَ في قَبرِه، وتُولِّيَ وذَهَبَ أصحابُه حتَّى إنَّه لَيَسمَعُ قَرعَ نِعالِهم، أتاه مَلَكانِ فأقعَداه، فيَقولانِ له : ما كُنتَ تَقولُ في هذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فيَقولُ : أشهَدُ أنَّه عبدُ اللهِ ورَسولُه، فيُقالُ : انظُرْ إلى مَقعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أبدَلَكَ اللهُ به مَقعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قال النَّبيُّ ﷺ : فيَراهما جَميعًا، وأمَّا الكافِرُ -أوِ المُنافِقُ - فيَقولُ : لا أدري، كُنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيُقالُ : لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ثُمَّ يُضرَبُ بمِطرَقةٍ مِن حَديدٍ ضَربةً بينَ أُذُنَيه، فيَصيحُ صَيحةً يَسمَعُها مَن يَليه إلَّا الثَّقَلَينِ .

• صحيح البخاري (١٣٣٨)
القبْرُ هو أوَّلُ منازِلِ الآخِرةِ، والعذابُ والنَّعيمُ فيه حقٌّ، وهو إمَّا رَوضةٌ مِن رِياضِ الجنَّةِ، أو حُفرةٌ مِن حُفَرِ النَّارِ، أعاذَنا اللهُ منها .

وفي هذا الحديثِ يُخبُر ﷺ بما يَتعرَّضُ له الإنسانُ عندَ موتِه ووضْعِه في قَبرِه؛ مِن أنَّه يَسمعُ قَرْعَ نِعالِ مَن أتى لِدفنِه، فيَسمَعُ صَوتَ أرجُلِهم وهم مُنصرِفون، فإذا انصَرفوا جاءَه مَلَكانِ فيُقْعِدانِه فيَسألانِه : ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ محمَّدٍ ﷺ ؟ فإذا كان مؤمنًا يقولُ : أَشهدُ أنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه، فيُقالُ له : انظُرْ إلى مَقعدِكَ مِنَ النَّارِ، الَّذي كان مُعَدًّا لك في جهنَّمَ لو لم تكُنْ مؤمنًا، أبدَلَك اللهُ به مَقعدًا في الجنَّةِ، فَيَرى كِلا المَقعدَينِ .

فإنْ كان المَيتُ كافرًا أو مُنافقًا فإنَّه لا يتمكَّنُ مِن الإجابةِ عن سُؤالِ الملَكَينِ، فيَقولُ : لا أدري ! كنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ ! فيُقالُ له : لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، وهو دُعاءٌ عليه، ومعناه : لا كنتَ دَاريًا ولا تاليًا؛ فلا تُوفَّقُ في هذا الموقِفِ، ولا تَنتفعُ بما كنتَ تسمعُ أو تقرأُ، ثُمَّ يُضرَبُ بِمِطْرَقةٍ مِن حَديدٍ ضرْبةً بيْنَ أُذُنَيْه، فَيصيحُ صَيْحةً يَسمعُه مَن يكونُ قريبًا منه مِن الخلائقِ إلَّا الثَّقَلَينِ، وهُما الإنسُ والجنُّ؛ فإنَّ السَّمعَ مَحجوبٌ عنهما؛ وذلك رحمةً بهم، وإبقاءً على حياتِهم؛ لأنَّهم لو سَمِعوها لصَعِقوا، وسُمُّوا الثَّقلَينِ لثقلِهم على الأرضِ، فاللَّهمَّ قِنَا فِتنةَ القبرِ وعذابَه بِمَنِّك وفضْلِك يا أرحمَ الرَّاحِمِينَ.
وفي الحديثِ : إثباتُ سؤالِ الملَكينِ للمَيتِ في القبرِ .
وفيه : إثباتُ عذابِ القبرِ .