ليس غرض العلاج النفسي العُصاب بذاته بل الإنسان الذي يُعاني من العُصاب. لقد عرفنا منذ زمن بعيد، على سبيل المثال، أن العُصاب القلبي لا يأتي من القلب، على ما قد كان من الممكن للميثولوجيا القديمة أن ترى ذلك، بل من عقل المريض. ولا هو يأتي من زاوية مظلمة من الخافية، كما لم يزل كثير من أطباء النفس يعتقدون؛ إنه يأتي من كلية حياة الإنسان ومن جميع اختباراته التي تراكمت على مدى سنوات وعقود، وأخيرًا ليس من مجرد حياته بما هو إنسان فرد، بل من خبرته النفسية في العائلة أو حتى في المجتمع الأوسع.
لا يُواجَه الطبيب، وهو يعالج العُصاب، بحقل محصور من المرض، بل بشخص مريض لا ينحصر مرضه في آلية مخصوصة أو بؤرة من علة، بل في مجمل شخصيته. في هذه الحالة، لا تستطيع «التقانية» أن تتغلب على المرض؛ لأن شخصية المريض تقتضي من الطبيب أن يحشد جميع موارد شخصيته لا حِيَلًا فنية.
لذلك طالبت منذ وقت مبكر جدًّا أن يخضع الطبيب نفسه للتحليل النفسي. وقد ثنَّى فرويد على ذلك، واضح لأنه لم يستطع أن يهرب من الاقتناع بأن المريض يجب أن يُواجَه بطبيب لا بتقانية. ومما لا يحمد في الطبيب كثيرًا أن يحاول أن يكون موضوعيًّا وغير شخصي على قدر ما يستطيع، وأن يحجم عن التطفل على سيكولوجية المريض متخذًا لنفسه صفة المنقذ المفرط في الحماسة. فإذا أطال هذا الموقف مدةً أكثر مما يلزم ربما أدى ذلك إلى نتائج لا تُحمَد عقباها. عندئذٍ يتبين للطبيب أنه لا يستطيع أن يتخطى حدود الطبيعة دون أن يفلت من العقاب، وإلا صار قدوة سيئة لمريضه الذي ما مرض قط من جرَّاء إفراطه في الانسجام مع الطبيعة. هذا إلى أن من أخطر الأمور الانتقاص من أهمية المرضى لو تخيلنا أنهم جميعًا أغبى من أن يلاحظوا الحِيَل التي قد يلجأ إليها الطبيب، وتدابيره الأمنية، ولعبة الهيبة الصغيرة التي قد يلعبها. كذلك لا يمكن أن تكون نية الطبيب أن يشد أزر المريض ويعينه على القيام بوظائفه الطبيعية، وأن يبقيه مع ذلك أطول مدة ممكنة في الظلام عندما يصل به الأمر إلى تلك البقعة الحاسمة — التي لا تعني إلا الطبيب وحده — فيضعه في حالة الاتكال التي لا رجاء فيها أو «التحويل». هذه الغلطة لا يرتكبها إلا طبيب أفرط في عدم تحليله نفسه، ويهمه نفوذه الشخصي أكثر من صحة المريض.
وبما أن شخصية الطبيب وموقفه لهما أهمية عظمى في العلاج النفسي سواء أدرَك ذلك أم لا — فإن آراءه تظهر تحت ضوء ساطع في تاريخ العلاج النفسي، وتكون ظاهريًّا سببًا لانشقاقات لا تقبل الملاحظة. لقد بنى فرويد موقفه في تعصب على الجنس، على الشهوة — بكلمة واحدة، على «مبدأ اللذة». كل شيء يدور حول ما إذا كان أحدنا يستطيع أن يفعل ما يريد. الكبت والتصعيد والانكفاء والنرجسية وقضاء الرغبة وما إلى ذلك — هذه كلها مفاهيم تتصل بالدرامة العظمى التي ينطوي عليها مبدأ اللذة. إن الأمر يبدو كما لو أن رغبة الإنسان وجشعه قد أصبحا هما المبدأ الأصلي الذي ينهض عليه علم النفس.
أدلر أيضًا نزل ميدان الشهوة البشرية الواسع فاكتشف الحاجة إلى «توكيد الذات». هذا الاتجاه للطبيعة البشرية جعل منه أدلر أيضًا مبدأً أصليًّا في علم النفس، وبنفس الأحادية المؤسفة جدًّا التي نجدها عند فرويد.
لا شك أن مبدأ الشهوة يستطيع أن يفسر عددًا كبيرًا جدًّا من حالات العُصاب. وفي الحقيقة يمكننا أن نُفسِّر نفس الحالة على مذهب فرويد وعلى مذهب أدلر كليهما، لأن أيًّا من التفسيرَين لا يعوزه الإقناع. والحق أن كلا التفسيرين يكمل أحدهما الآخر، وإن كلًّا منهما يشكل حالة مُرضِية جدًّا لو أن كلا منهما لم يدَّعِ أنه صالح بإطلاق. كلاهما وجهة نظر نسبية تحثُّ على البحث والتنقيب، وبما هي كذلك لا تصلح لأن تكون مفهومًا عالميًّا؛ على الأقل أن لهما علاقة بجوانب جزئية جوهرية. إن نظرية الكبت مبنية على حقائق نفسية معينة نصادفها في كل مكان، ويصح نفس الشيء على الحاجة إلى توكيد الذات أو إرادة القوة. من الواضح أنَّ ما من أحد إلا ويحب أن يتمتع بكل ما يستطيع أن يتمتعَ به، وفي نفس الوقت أن يكون «على القمة». كذلك من الواضح أنه ما دام يتخذ هذا الموقف البدائي الساذج الطفولي فلن يكون في وسعه أن يتفادى العُصاب كلما حاول أن يتكيف مع محيطه. هذه الحالة الأخيرة صحيحة جدًّا؛ لأنه بدونها لن يكون ثمة عُصاب، بل مجرد اعتلال أخلاقي أو حماقة بالغة.
لئن كان حدوث العُصاب مقيَّدًا بشرطين على الأقل، يجب أن يكون كلاهما ذا أهمية إثيولوجية (سببية). على أنَّ من المستحيل أن يكون الموقف الطفولي وحده، من دون إرادة التكيف، هو العامل السببي. فإرادة التكيف ليس «يمكن» أن تكون عاملًا سببيًّا وحسب، وإنما قد كانت كذلك دائمًا. لقد كان تفسير فرويد وأدلر للعصاب من زاوية طفولية حصرًا. وكل تفسير أشمل لا بد له من أن يأخذ في الحسبان إرادة التكيُّف أيضًا. لا حاجة دائمًا لمجرد فرط تكيُّف.
2
لا يُواجَه الطبيب، وهو يعالج العُصاب، بحقل محصور من المرض، بل بشخص مريض لا ينحصر مرضه في آلية مخصوصة أو بؤرة من علة، بل في مجمل شخصيته. في هذه الحالة، لا تستطيع «التقانية» أن تتغلب على المرض؛ لأن شخصية المريض تقتضي من الطبيب أن يحشد جميع موارد شخصيته لا حِيَلًا فنية.
لذلك طالبت منذ وقت مبكر جدًّا أن يخضع الطبيب نفسه للتحليل النفسي. وقد ثنَّى فرويد على ذلك، واضح لأنه لم يستطع أن يهرب من الاقتناع بأن المريض يجب أن يُواجَه بطبيب لا بتقانية. ومما لا يحمد في الطبيب كثيرًا أن يحاول أن يكون موضوعيًّا وغير شخصي على قدر ما يستطيع، وأن يحجم عن التطفل على سيكولوجية المريض متخذًا لنفسه صفة المنقذ المفرط في الحماسة. فإذا أطال هذا الموقف مدةً أكثر مما يلزم ربما أدى ذلك إلى نتائج لا تُحمَد عقباها. عندئذٍ يتبين للطبيب أنه لا يستطيع أن يتخطى حدود الطبيعة دون أن يفلت من العقاب، وإلا صار قدوة سيئة لمريضه الذي ما مرض قط من جرَّاء إفراطه في الانسجام مع الطبيعة. هذا إلى أن من أخطر الأمور الانتقاص من أهمية المرضى لو تخيلنا أنهم جميعًا أغبى من أن يلاحظوا الحِيَل التي قد يلجأ إليها الطبيب، وتدابيره الأمنية، ولعبة الهيبة الصغيرة التي قد يلعبها. كذلك لا يمكن أن تكون نية الطبيب أن يشد أزر المريض ويعينه على القيام بوظائفه الطبيعية، وأن يبقيه مع ذلك أطول مدة ممكنة في الظلام عندما يصل به الأمر إلى تلك البقعة الحاسمة — التي لا تعني إلا الطبيب وحده — فيضعه في حالة الاتكال التي لا رجاء فيها أو «التحويل». هذه الغلطة لا يرتكبها إلا طبيب أفرط في عدم تحليله نفسه، ويهمه نفوذه الشخصي أكثر من صحة المريض.
وبما أن شخصية الطبيب وموقفه لهما أهمية عظمى في العلاج النفسي سواء أدرَك ذلك أم لا — فإن آراءه تظهر تحت ضوء ساطع في تاريخ العلاج النفسي، وتكون ظاهريًّا سببًا لانشقاقات لا تقبل الملاحظة. لقد بنى فرويد موقفه في تعصب على الجنس، على الشهوة — بكلمة واحدة، على «مبدأ اللذة». كل شيء يدور حول ما إذا كان أحدنا يستطيع أن يفعل ما يريد. الكبت والتصعيد والانكفاء والنرجسية وقضاء الرغبة وما إلى ذلك — هذه كلها مفاهيم تتصل بالدرامة العظمى التي ينطوي عليها مبدأ اللذة. إن الأمر يبدو كما لو أن رغبة الإنسان وجشعه قد أصبحا هما المبدأ الأصلي الذي ينهض عليه علم النفس.
أدلر أيضًا نزل ميدان الشهوة البشرية الواسع فاكتشف الحاجة إلى «توكيد الذات». هذا الاتجاه للطبيعة البشرية جعل منه أدلر أيضًا مبدأً أصليًّا في علم النفس، وبنفس الأحادية المؤسفة جدًّا التي نجدها عند فرويد.
لا شك أن مبدأ الشهوة يستطيع أن يفسر عددًا كبيرًا جدًّا من حالات العُصاب. وفي الحقيقة يمكننا أن نُفسِّر نفس الحالة على مذهب فرويد وعلى مذهب أدلر كليهما، لأن أيًّا من التفسيرَين لا يعوزه الإقناع. والحق أن كلا التفسيرين يكمل أحدهما الآخر، وإن كلًّا منهما يشكل حالة مُرضِية جدًّا لو أن كلا منهما لم يدَّعِ أنه صالح بإطلاق. كلاهما وجهة نظر نسبية تحثُّ على البحث والتنقيب، وبما هي كذلك لا تصلح لأن تكون مفهومًا عالميًّا؛ على الأقل أن لهما علاقة بجوانب جزئية جوهرية. إن نظرية الكبت مبنية على حقائق نفسية معينة نصادفها في كل مكان، ويصح نفس الشيء على الحاجة إلى توكيد الذات أو إرادة القوة. من الواضح أنَّ ما من أحد إلا ويحب أن يتمتع بكل ما يستطيع أن يتمتعَ به، وفي نفس الوقت أن يكون «على القمة». كذلك من الواضح أنه ما دام يتخذ هذا الموقف البدائي الساذج الطفولي فلن يكون في وسعه أن يتفادى العُصاب كلما حاول أن يتكيف مع محيطه. هذه الحالة الأخيرة صحيحة جدًّا؛ لأنه بدونها لن يكون ثمة عُصاب، بل مجرد اعتلال أخلاقي أو حماقة بالغة.
لئن كان حدوث العُصاب مقيَّدًا بشرطين على الأقل، يجب أن يكون كلاهما ذا أهمية إثيولوجية (سببية). على أنَّ من المستحيل أن يكون الموقف الطفولي وحده، من دون إرادة التكيف، هو العامل السببي. فإرادة التكيف ليس «يمكن» أن تكون عاملًا سببيًّا وحسب، وإنما قد كانت كذلك دائمًا. لقد كان تفسير فرويد وأدلر للعصاب من زاوية طفولية حصرًا. وكل تفسير أشمل لا بد له من أن يأخذ في الحسبان إرادة التكيُّف أيضًا. لا حاجة دائمًا لمجرد فرط تكيُّف.
2
❤9👏1
كذلك يجب ألا نفهم هذه الإمكانية الأخيرة اضطرارًا على أنها مجرَّد كبت للطفولية أو «تشكيل بديل»؛ فقد نستطيع أيضًا أن نُفسِّر الطفولية على أنها كبت لإرادة التكيُّف ونسميها «تشكيلًا بديلًا». طبعًا، لا فرويد ولا أدلر يرحب بهذا القلب للعلاقة، لكنه أمر لا يمكن أن نتجنبه منطقيًّا كلما أخذنا في اعتبارنا الأهمية السببية لإرادة التكيف. وهذا أمر يجب أن نفعله — حتى فرويد يحتاج إلى عامل يكبت ولا يلبي الرغبات، ويبعث على القلق … إلخ. ويحتاج أدلر إلى شيء يجعل الإنسان في الأسفل. فإن لم يوجد ضد إثيولوجي (سببي) ذو قوة مساوية، كانت الشهوة الطفولية عندئذٍ غير ذات موضوع.
بعد أن عرفنا أن كل معصوب يُعاني من شهوة طفولية، يظل يتعين علينا أن نتساءل كيف يحصل هذا مع إرادته للتكيف، ذلك أنه ربما يكون قد طوَّر شهوة طفولية لكي تكون مجرد «تشكيل بديل». في هذه الحالة، ربما يكون الأمر عرَضيًّا Symptomatic وليس أصيلًا أبدًا. ولو ذهبنا نفسره من زاوية الطفولة، لكان التفسير خارجًا عن الصدد، ولربما ارتكبنا خطأً لا يُغتفَر لسوء الحظ، إن هذه الأخطاء كثيرة الوقوع جدًّا؛ لأن انتباه الطبيب يكون منصبًّا حصرًا على السمات الطفولية أكثر مما يجب. عندئذٍ يكون المريض متهمًا آليًّا بالدونية.
غير أن الطفولية شيء غامض إلى أقصى حدود الغموض. أولًا، قد تكون أصلية أو عَرَضية؛ ثانيًا، قد تكون رسوبية أو جنينية. هناك فرق كبير بين شيء بقي طفوليًّا وشيء هو في سياق النمو. كلاهما قد يتخذ شكلًا طفوليًّا أو جنينيًّا، وغالبًا ما يتعذر علينا أن نعرف إن كنا نتعامل مع شظية طفولية مستمرة بصورة تبعث على الأسف، أو مع بداية خلاقة هامة حياتيًّا. أن نهزأ بهذه الإمكانيات هو أن نتصرف كالمغفل الذي لا يعرف أن المستقبل أهم من الماضي، لذلك قد ننصح بفحص هذه التخيُّلات الطفولية الطليقة التي قد تبدو لنا «انحرافات» سعيًا وراء الكشف عن مضموناتها الإبداعية فلا نتعقبها رجوعًا إلى المهد، وأن نفهم العُصاب تبعًا لذلك على أنه محاولة للتكيف أكثر من كونه تلبية غير موفقة أو مَوْروبة لرغبة.
طبعًا، للنظرية الطفولية ميزة لا تقدر بثمن، فهي ترفع الطبيب «إلى القمة»، باعتباره الممثل للتبصرة السليمة الصحيحة العليا، بينما يتمدد المريض المسكين، فاقد العون، ضحية تلبيات رغبة طفولية منحرفة غير شعورية. إن هذا أيضًا يمنح الطبيب فرصة لكي يعرف أفضل، ويتجنَّب لقاء شخصية المريض وجهًا لوجه، وأن يختبئ وراء تقانية.
ليس من الصعب أن نرى مقدار ما يَلقَى هذا الموقف من دعم وتأييد من ميول في الواعية والخافية، ولماذا يرحب الطبيب بنظرية الطفولية منذ البداية، حتى ولو كان مستعدًّا تمامًا، بما هو كائن بشري، للاعتراف بشخصية مريضه؛ فالتأثير الواسع الذي أحدثته أفكار فرويد ليس مصدره موافقتها للوقائع الصحيحة أو المفترضة وحسب، وإنما إلى حد كبير إتاحتها فرصة سهلة تمس نقطة ضعف الفتى الآخر، وتُرضِي غروره وترفعه إلى موقع أعلى. ألا ما أشد ما يبعث على ارتياح الطبيب عندما يستطيع أن يقول في زاوية ضيقة: «لا شيء إلا مقاومة!» أو عندما لا يعود بحاجة إلى حمل حجة خصمه على محمل الجد؛ لأنها يُسرَان ما تُصرَف على «الرمزية» — بدون أن نسأله أبدًا وهذا يجب ملاحظته — إن كان هنا التفسير مقبولًا في سيكولوجيته.
ثم، هناك عدد لا يُحصى من المرضى الذين هم في أعماق نفوسهم، مع تظاهر شديد بالخجل، على استعداد أكثر من اللازم للانضمام إلى نظرية الطفولية، لأنها تمنحهم إشارة عريضة إلى كيفية صرف «الطفولية» المزعجة على اعتبارها «ما هي إلا». وفي حالات كثيرة تتيح هذه النظرية مخرجًا كأنه مرسل من السماء من المشكلات الحادة غير السارَّة في الحياة الواقعية، إذ تنقل الناس إلى مروج الطفولة السعيدة حيث يدَّعي المريض، بعد امتطائه عربة السببية، أنه قد اكتشف أسباب إخفاقه في الحاضر، وكيف ترجع كلها إلى خطأ أبَوَيه وتربيتهما له.
صحيح أنه لا شيء يتعذر استعماله من أجل نزع المشروعية على الصفات الطبية. لكن علينا أن نلاحظ من أين يزحف التعسُّف، وكيف يجري استغلاله. تتوقف هذه الأشياء إلى حد كبير جدًّا على الطبيب، الذي يجب أن يأخذ مرضاه بجدية عظيمة لكي يكتشف تعسُّفًا من هذا النوع. التقانية لا تلاحظ شيئًا، لكن الكائن البشري يلاحظ — وهو وحده يستطيع تنمية الحساسية اللازمة لتقرير ما إن كان العُصاب يجب أن يعالج انطلاقًا من زاوية طفولية أو من زاوية إرادة التكيف.
ربما لا حاجة بي إلى القول إن التقانية ضرورية حتى نقطة معينة — نحن جميعًا مقتنعون بذلك. لكن خلف كل منهج يقف الإنسان، وهو أهم منه بكثير لأن عليه أن يصل إلى قرارات، بصرف النظر عن تقانيته، هي على الأقل حيوية للمريض مثلما حيوية كل تقانية تُطبَّق تطبيقًا حاذقًا. لذلك كان على طبيب النفس أن يمارس معرفة ذاته وينقد مُسَلماته الشخصية، أدينية كانت أم فلسفية، تمامًا مثلما هو التعقيم ضروري للجراح. على طبيب النفس أن يعرف «معادلته الشخصية» لكيلا يعتدي على مريضه.
3
بعد أن عرفنا أن كل معصوب يُعاني من شهوة طفولية، يظل يتعين علينا أن نتساءل كيف يحصل هذا مع إرادته للتكيف، ذلك أنه ربما يكون قد طوَّر شهوة طفولية لكي تكون مجرد «تشكيل بديل». في هذه الحالة، ربما يكون الأمر عرَضيًّا Symptomatic وليس أصيلًا أبدًا. ولو ذهبنا نفسره من زاوية الطفولة، لكان التفسير خارجًا عن الصدد، ولربما ارتكبنا خطأً لا يُغتفَر لسوء الحظ، إن هذه الأخطاء كثيرة الوقوع جدًّا؛ لأن انتباه الطبيب يكون منصبًّا حصرًا على السمات الطفولية أكثر مما يجب. عندئذٍ يكون المريض متهمًا آليًّا بالدونية.
غير أن الطفولية شيء غامض إلى أقصى حدود الغموض. أولًا، قد تكون أصلية أو عَرَضية؛ ثانيًا، قد تكون رسوبية أو جنينية. هناك فرق كبير بين شيء بقي طفوليًّا وشيء هو في سياق النمو. كلاهما قد يتخذ شكلًا طفوليًّا أو جنينيًّا، وغالبًا ما يتعذر علينا أن نعرف إن كنا نتعامل مع شظية طفولية مستمرة بصورة تبعث على الأسف، أو مع بداية خلاقة هامة حياتيًّا. أن نهزأ بهذه الإمكانيات هو أن نتصرف كالمغفل الذي لا يعرف أن المستقبل أهم من الماضي، لذلك قد ننصح بفحص هذه التخيُّلات الطفولية الطليقة التي قد تبدو لنا «انحرافات» سعيًا وراء الكشف عن مضموناتها الإبداعية فلا نتعقبها رجوعًا إلى المهد، وأن نفهم العُصاب تبعًا لذلك على أنه محاولة للتكيف أكثر من كونه تلبية غير موفقة أو مَوْروبة لرغبة.
طبعًا، للنظرية الطفولية ميزة لا تقدر بثمن، فهي ترفع الطبيب «إلى القمة»، باعتباره الممثل للتبصرة السليمة الصحيحة العليا، بينما يتمدد المريض المسكين، فاقد العون، ضحية تلبيات رغبة طفولية منحرفة غير شعورية. إن هذا أيضًا يمنح الطبيب فرصة لكي يعرف أفضل، ويتجنَّب لقاء شخصية المريض وجهًا لوجه، وأن يختبئ وراء تقانية.
ليس من الصعب أن نرى مقدار ما يَلقَى هذا الموقف من دعم وتأييد من ميول في الواعية والخافية، ولماذا يرحب الطبيب بنظرية الطفولية منذ البداية، حتى ولو كان مستعدًّا تمامًا، بما هو كائن بشري، للاعتراف بشخصية مريضه؛ فالتأثير الواسع الذي أحدثته أفكار فرويد ليس مصدره موافقتها للوقائع الصحيحة أو المفترضة وحسب، وإنما إلى حد كبير إتاحتها فرصة سهلة تمس نقطة ضعف الفتى الآخر، وتُرضِي غروره وترفعه إلى موقع أعلى. ألا ما أشد ما يبعث على ارتياح الطبيب عندما يستطيع أن يقول في زاوية ضيقة: «لا شيء إلا مقاومة!» أو عندما لا يعود بحاجة إلى حمل حجة خصمه على محمل الجد؛ لأنها يُسرَان ما تُصرَف على «الرمزية» — بدون أن نسأله أبدًا وهذا يجب ملاحظته — إن كان هنا التفسير مقبولًا في سيكولوجيته.
ثم، هناك عدد لا يُحصى من المرضى الذين هم في أعماق نفوسهم، مع تظاهر شديد بالخجل، على استعداد أكثر من اللازم للانضمام إلى نظرية الطفولية، لأنها تمنحهم إشارة عريضة إلى كيفية صرف «الطفولية» المزعجة على اعتبارها «ما هي إلا». وفي حالات كثيرة تتيح هذه النظرية مخرجًا كأنه مرسل من السماء من المشكلات الحادة غير السارَّة في الحياة الواقعية، إذ تنقل الناس إلى مروج الطفولة السعيدة حيث يدَّعي المريض، بعد امتطائه عربة السببية، أنه قد اكتشف أسباب إخفاقه في الحاضر، وكيف ترجع كلها إلى خطأ أبَوَيه وتربيتهما له.
صحيح أنه لا شيء يتعذر استعماله من أجل نزع المشروعية على الصفات الطبية. لكن علينا أن نلاحظ من أين يزحف التعسُّف، وكيف يجري استغلاله. تتوقف هذه الأشياء إلى حد كبير جدًّا على الطبيب، الذي يجب أن يأخذ مرضاه بجدية عظيمة لكي يكتشف تعسُّفًا من هذا النوع. التقانية لا تلاحظ شيئًا، لكن الكائن البشري يلاحظ — وهو وحده يستطيع تنمية الحساسية اللازمة لتقرير ما إن كان العُصاب يجب أن يعالج انطلاقًا من زاوية طفولية أو من زاوية إرادة التكيف.
ربما لا حاجة بي إلى القول إن التقانية ضرورية حتى نقطة معينة — نحن جميعًا مقتنعون بذلك. لكن خلف كل منهج يقف الإنسان، وهو أهم منه بكثير لأن عليه أن يصل إلى قرارات، بصرف النظر عن تقانيته، هي على الأقل حيوية للمريض مثلما حيوية كل تقانية تُطبَّق تطبيقًا حاذقًا. لذلك كان على طبيب النفس أن يمارس معرفة ذاته وينقد مُسَلماته الشخصية، أدينية كانت أم فلسفية، تمامًا مثلما هو التعقيم ضروري للجراح. على طبيب النفس أن يعرف «معادلته الشخصية» لكيلا يعتدي على مريضه.
3
❤10👏4
لهذا الغرض طورت سيكولوجية نقدية تتيح لطبيب النفس أن يعترف بمختلف المواقف النموذجية، رغم أن المدرسة الفرويدية تؤكد أن هذا لا علاقة له بالتحليل النفسي. من الواضح أن التحليل النفسي تقانية يتوارى خلفها الكائن البشري وتبقى دائمًا هي نفسها كائنًا من كان الذي يقوم بتطبيقها. تبعًا لذلك، لا يحتاج المحلل النفسي إلى معرفة نفسه ولا إلى نقد مُسَلماته. الظاهر أن الغرض من تدرُّبه على التحليل النفسي لا أن يصير كائنًا بشريًّا بل ممارسًا حاذقًا لتقانية.
لكن التحليل النفسي، حتى ولو نظرنا إليه باعتباره تقانية، لا يعني أنه يتصف بالبساطة. وفي الواقع: إنه قضية معقدة جدًّا، وخدَّاعة بطريقة شيطانية، بالمقارنة مع أكثر الإجراءات الكيمياوية إتقانًا، خاضع لما لا نهاية له من التنوع، وتكاد أن تكون نتائجه لا يمكن التنبؤ بها. كل من يجد هذا صعب التصديق، ما عليه إلا أن يقرأ بإمعان «تقانية» فرويد في تحليل الأحلام التي يجدها، مثلًا، في «حقنة إيرما» في كتابه «تفسير الأحلام». أن ندعو مثل هذا الإجراء «تقانية» يتطلب جرعة قوية من التفاؤل. ومع ذلك يفترض أن الأحلام «طريق يؤدي رأسًا إلى الخافية»، تلعب دورًا ليس غير أكيد في التحليل النفسي! حقًّا، لا بد أن يكون المرء مضروبًا بالعمى إن لم يرَ في هذا النوع من «التقانية»، أولًا وقبل كل شيء، تعبيرًا عن الإنسان الذي يطبقها وعن جميع مُسَلماته الشخصية.
تعيدنا هذه المفاكرات Reflections إلى مشكلة موقف الطبيب والحاجة إلى نقد مُسَلماته الشخصية؛ فالنظرة الذاتية إلى العالم يجب ألا تدخل من غير نقد إلى مفهومه للعُصاب، مثلما كانت الحال مع فرويد ونظرته إلى الخافية وانحيازه المادي فيمَا يتعلق بالوظيفة الدينية في النفس. يجب على طبيب النفس ألا يعمل بعد الآن تحت وَهمِ الاعتقاد بأنَّ معالجة العُصاب لا تتطلب أكثر من معرفة التقانية؛ يجب أن يتضح في ذهنه أن المعالجة السيكولوجية للمريض هي صلة ينخرط فيها الطبيب بمقدار انخراط المريض. المعالجة السيكولوجية الصحيحة لا يمكن أن تكون فرديةً، وهذا ما يعلل لنا القيمة النسبية للتقانية لذلك تزداد الأهمية التي تقع على الموقف العام الذي يتخذه الطبيب الذي يجب تبلغ معرفته لنفسه مبلغًا لا يسمح له بأن يدمر للمريض قيمه الخاصة التي عهد إليه أمر العناية بها، مهما كانت هذه القِيَم، فلو اتفق لأدلر أن يطلب معالجة تحليلية من معلمه القديم فرويد، لكان على هذا الأخير أن يتكيف مع رؤية أدلر الخاصة للسيكولوجيا، حتى نقطة التسليم بحقها العام بالوجود؛ ذلك أنه يوجد عدد لا يُحصَى من الناس، سيكولوجيتهم هي سيكولوجية الابن الذي يفتقر إلى الجاه أو النفوذ ولو كان عليَّ أن أحلل فرويد لكنت ارتكبت بحقه خطأ لا يُقوَّم لو لم آخذ بالحسبان التامِّ الأهميةَ التاريخية الحقيقية لحضانته، وأهمية المنازعات العائلية، والمرارة والفداحة التي اتسمت بها الحوادث التي كانت الباعث على نقمته في وقت مبكر، وما صاحَبَها من تخيُّلات رغبية تعويضية لا يمكن تلبيتها لسوء الحظ، وأن أقبل بكل هذا كحقيقة واقعة. ولا شك أن فرويد كان خليقًا بأن يحمل قولي على محمل الخطأ لو قلت له إن نقمته ما هي إلا «عِوَض» من إخفاقه في حبه لجاره، أو شيئًا من هذا القبيل. إن توكيدًا من هذا النوع قد يصح في حالات أخرى، لكنه لا يصح في حالة فرويد حتى ولو نجحت في إقناعه بصواب فكرتي. ولا شك أن فرويد كان يعني ما يقول، وتبعًا لذلك يتعيَّن علينا أن نعتبره نموذجًا لشخص يقول مثل هذه الأشياء. وعندئذٍ فقط تكون حالته الخاصة مقبولة، ومعها جميع الأشخاص الذين تكوَّنت سيكولوجيتهم على نحو مماثل. لكن، بما أننا لا نكاد نستطيع أن نذهب إلى أن أيًّا من فرويد أو أدلر هو ممثل صالح صُلوحًا شموليًّا للإنسان الأوروبي، يحق لي أن آمل بأني أنا أيضًا أمتلك سيكولوجية خاصة بي، أنا ومعي جميع الذين لا يمكنهم الانضمام إلى أوَّلية التخيُّلات الرغبية الطفولية المنحرفة، أو إلى أوَّلية الحضِّ على السيطرة.
غنيٌّ عن القول أن هذا يجب ألا يكون مسألة خداع ذاتي ساذج. على العكس، ليس طبيبًا نفسيًّا مَن يَدَع الفرصة تفوته لدرس نفسه دراسة نقدية في ضوء هذه السيكولوجيات السلبية. لقد رأى فرويد وإدلر بوضوح شديد ذلك الظل الذي يصاحبنا. اليهود عندهم هذه الخاصية التي يشاركهم فيها النساء؛ بما أنهم ضعفاء فيزيائيًّا تعيَّن عليهم أن يجعلوا هدفهم الشقوق في دروع أعدائهم، وبفضل هذه التقانية التي فُرِضت عليهم على مدى العصور، أضحى اليهود في حماية أفضل من غيرهم الذين ظلوا أكثر تعرُّضًا للخطر. ثم، لأنَّ حضارتهم أقدم من حضارتنا بأكثر من ضعفين، باتوا أكثر شعورًا مِنا، إلى حد كبير، بمواطن الضعف عند الإنسان، بالجانب الظِّلي المعتم من الأشياء، وهذا سبب جعلهم، من هذه الناحية، أقل تعرضًا منا للإصابة بكثير.
4
لكن التحليل النفسي، حتى ولو نظرنا إليه باعتباره تقانية، لا يعني أنه يتصف بالبساطة. وفي الواقع: إنه قضية معقدة جدًّا، وخدَّاعة بطريقة شيطانية، بالمقارنة مع أكثر الإجراءات الكيمياوية إتقانًا، خاضع لما لا نهاية له من التنوع، وتكاد أن تكون نتائجه لا يمكن التنبؤ بها. كل من يجد هذا صعب التصديق، ما عليه إلا أن يقرأ بإمعان «تقانية» فرويد في تحليل الأحلام التي يجدها، مثلًا، في «حقنة إيرما» في كتابه «تفسير الأحلام». أن ندعو مثل هذا الإجراء «تقانية» يتطلب جرعة قوية من التفاؤل. ومع ذلك يفترض أن الأحلام «طريق يؤدي رأسًا إلى الخافية»، تلعب دورًا ليس غير أكيد في التحليل النفسي! حقًّا، لا بد أن يكون المرء مضروبًا بالعمى إن لم يرَ في هذا النوع من «التقانية»، أولًا وقبل كل شيء، تعبيرًا عن الإنسان الذي يطبقها وعن جميع مُسَلماته الشخصية.
تعيدنا هذه المفاكرات Reflections إلى مشكلة موقف الطبيب والحاجة إلى نقد مُسَلماته الشخصية؛ فالنظرة الذاتية إلى العالم يجب ألا تدخل من غير نقد إلى مفهومه للعُصاب، مثلما كانت الحال مع فرويد ونظرته إلى الخافية وانحيازه المادي فيمَا يتعلق بالوظيفة الدينية في النفس. يجب على طبيب النفس ألا يعمل بعد الآن تحت وَهمِ الاعتقاد بأنَّ معالجة العُصاب لا تتطلب أكثر من معرفة التقانية؛ يجب أن يتضح في ذهنه أن المعالجة السيكولوجية للمريض هي صلة ينخرط فيها الطبيب بمقدار انخراط المريض. المعالجة السيكولوجية الصحيحة لا يمكن أن تكون فرديةً، وهذا ما يعلل لنا القيمة النسبية للتقانية لذلك تزداد الأهمية التي تقع على الموقف العام الذي يتخذه الطبيب الذي يجب تبلغ معرفته لنفسه مبلغًا لا يسمح له بأن يدمر للمريض قيمه الخاصة التي عهد إليه أمر العناية بها، مهما كانت هذه القِيَم، فلو اتفق لأدلر أن يطلب معالجة تحليلية من معلمه القديم فرويد، لكان على هذا الأخير أن يتكيف مع رؤية أدلر الخاصة للسيكولوجيا، حتى نقطة التسليم بحقها العام بالوجود؛ ذلك أنه يوجد عدد لا يُحصَى من الناس، سيكولوجيتهم هي سيكولوجية الابن الذي يفتقر إلى الجاه أو النفوذ ولو كان عليَّ أن أحلل فرويد لكنت ارتكبت بحقه خطأ لا يُقوَّم لو لم آخذ بالحسبان التامِّ الأهميةَ التاريخية الحقيقية لحضانته، وأهمية المنازعات العائلية، والمرارة والفداحة التي اتسمت بها الحوادث التي كانت الباعث على نقمته في وقت مبكر، وما صاحَبَها من تخيُّلات رغبية تعويضية لا يمكن تلبيتها لسوء الحظ، وأن أقبل بكل هذا كحقيقة واقعة. ولا شك أن فرويد كان خليقًا بأن يحمل قولي على محمل الخطأ لو قلت له إن نقمته ما هي إلا «عِوَض» من إخفاقه في حبه لجاره، أو شيئًا من هذا القبيل. إن توكيدًا من هذا النوع قد يصح في حالات أخرى، لكنه لا يصح في حالة فرويد حتى ولو نجحت في إقناعه بصواب فكرتي. ولا شك أن فرويد كان يعني ما يقول، وتبعًا لذلك يتعيَّن علينا أن نعتبره نموذجًا لشخص يقول مثل هذه الأشياء. وعندئذٍ فقط تكون حالته الخاصة مقبولة، ومعها جميع الأشخاص الذين تكوَّنت سيكولوجيتهم على نحو مماثل. لكن، بما أننا لا نكاد نستطيع أن نذهب إلى أن أيًّا من فرويد أو أدلر هو ممثل صالح صُلوحًا شموليًّا للإنسان الأوروبي، يحق لي أن آمل بأني أنا أيضًا أمتلك سيكولوجية خاصة بي، أنا ومعي جميع الذين لا يمكنهم الانضمام إلى أوَّلية التخيُّلات الرغبية الطفولية المنحرفة، أو إلى أوَّلية الحضِّ على السيطرة.
غنيٌّ عن القول أن هذا يجب ألا يكون مسألة خداع ذاتي ساذج. على العكس، ليس طبيبًا نفسيًّا مَن يَدَع الفرصة تفوته لدرس نفسه دراسة نقدية في ضوء هذه السيكولوجيات السلبية. لقد رأى فرويد وإدلر بوضوح شديد ذلك الظل الذي يصاحبنا. اليهود عندهم هذه الخاصية التي يشاركهم فيها النساء؛ بما أنهم ضعفاء فيزيائيًّا تعيَّن عليهم أن يجعلوا هدفهم الشقوق في دروع أعدائهم، وبفضل هذه التقانية التي فُرِضت عليهم على مدى العصور، أضحى اليهود في حماية أفضل من غيرهم الذين ظلوا أكثر تعرُّضًا للخطر. ثم، لأنَّ حضارتهم أقدم من حضارتنا بأكثر من ضعفين، باتوا أكثر شعورًا مِنا، إلى حد كبير، بمواطن الضعف عند الإنسان، بالجانب الظِّلي المعتم من الأشياء، وهذا سبب جعلهم، من هذه الناحية، أقل تعرضًا منا للإصابة بكثير.
4
❤7
بفضل خبرتهم كثقافة قديمة أصبحوا قادرين، بينما هم عارفون تمامًا بمواطن ضعفهم، على أن يقيموا مع هذه المواطن علاقات مودة بل حتى أن يتسامحوا معها، على أننا ما زلنا أصغر من أن نُكوِّن «أوهامًا» حول أنفسنا. زد على ذلك أن القَدَر قد عَهِد إلينا بمهمة خلق حضارة — وفي الحق أننا بحاجة إليها — ولذلك كانت «الأوهام» في هيئة مُثل عُليَا وعقائدَ وخطط … إلخ، أحاديةً كلها، أمورًا لا غِنى عنها. اليهودي، من حيث هو عضو في جماعة ذات حضارة عمرها حين ثلاثة آلاف سنة، كالصيني المثقف، يملك رقعة من الواعية السيكولوجية أوسع مما عندنا. تبعًا لذلك، لا يُشكل خطرًا كبير على اليهودي عمومًا أن يضع قيمة سلبية على الخافية. أما الخافية «الآرية» فتحتوي على قوة تفجيرية وبذور ما زال عليها أن تنبت في المستقبل، وهذه ربما لا يُنقَص من قيمتها، بما هي في رومانسية حضانة، بدون أن ينجم عن ذلك خطر نفسي. الشعوب الجرمانية، وهي ما زالت فَتِية، قادرة على خلق أشكال ثقافية جديدة ما زالت هاجعة في خافية كل فرد — بذور تتفجر بالطاقة وقادرة على الامتداد الشديد. أما اليهودي، وفيه شيء من بداوة، فلم يخلق بعد شكلًا ثقافيًّا خاصًّا به، وبمقدار ما نستطيع أن نرى لن يفعل ذلك أبدًا، ما دامت جميع غرائزه ومواهبه تتطلب أمَّة على شيء من التحضُّر لكي تقوم بدور المضيف الذي يرعى نموها.
العرق اليهودي ككل — على الأقل هذه خبرتي — يمتلك خافية لا يمكن مقارنتها مع الخافية «الآرية» إلا بتحفُّظ. باستثناء الأفراد المبدعين، اليهودي المتوسط أشد وعيًا وتمايُزًا من أن يَسعى وهو ممتلئ بتوترات مستقبَل غير مولود. الخافية «الآريَّة» تتمتع بقدرة كامنة أعلى مما تتمتع به الخافية اليهودية؛ إن هذا ميزة وعيب تتصف بهما حداثة سن لم تنفطم بعدُ عن البربرية. وفي رأيي: إنه لَمِن فادح الخطأ في الطب النفسي أن تطبق المقولات اليهودية — التي لا تنطبق حتى على جميع اليهود — بدون تمييز على المسيحية الجرمانية والسلافية. وبسببٍ من هذا الخطأ كان تفسير أثمن سر لدى الشعوب الجرمانية — وهو ما يتصف به عمقهم الروحي من حدس وقدرة على الخلق — على أنه مستنقع من الطفولية المبتذلة، بينما ظل صوتي التحذيري عقودًا متهمًا بمعاداة السامية. لقد صدر هذا الاتهام عن فرويد، وهو الذي لم يفهم النفس الجرمانية بأكثر مما فهمها أتباعه من الجرمان. تُرى، هل تعلموا شيئًا من الظاهرة المروعة التي تمثلت في النازية، التي يحدق فيها العالم بعيون ملؤها الدهشة؟ أين كان التوتر والطاقة اللذان لا نظير لهما عندما كانت الاشتراكية القومية لم توجد بعد؟ عميقًا في النفس الجرمانية، في حفرة قد تكون كل شيء إلا مزبلة من الرغبات الطفولية غير المحققة واشمئزازات عائلية لم تجد لها حلًّا. إن حركةً تستولي على أمة بكاملها لا بد وأن كانت ناضجة في كل فرد أيضًا. إن هذا هو سبب قولي إن الخافية الجرمانية تحتوي على توترات وقدرات كامنة يتعيَّن على السيكولوجيا الطبية أن تأخذها في اعتبارها في تقويمها للخافية. يجب أن يكون شغلها الشاغل لا العُصاب بل الكائن البشري — إن هذا لهو الامتياز العظيم للسيكولوجيا الطبية: معالجة كامل الإنسان لا الوظيفة المنفصلة انفصالًا مصطنعًا. وهذا يفسر سبب توسيع نطاقها حتى تنكشف أمام الطبيب لا مجرد أخطاء باثولوجية عن نمو نفسي مضطرب، بل قوًى خلاقة لنفس تعمل من أجل المستقبل؛ لا مجرد فُتاتة كئيبة، بل الكل الحافل بالمعنى.
ليس العصاب مجرد شيء سلبي، بل شيء إيجابي أيضًا. ولعله لا يتغاضى عن رؤية هذه الحقيقة إلا عقلانية فاقدة الروح، مؤيدة بنظرة مادية ضيقة. في الحقيقة، يحتوي العُصاب على نفس المريض، وعلى جزء أساسي منها على الأقل؛ فلو استطعنا، كما يَدَّعي العقلاني، أن نقتلع منه العُصاب مثلما نقتلع سنًّا فاسدة، لم يكسب شيئًا بل فقد شيئًا أساسيًّا. أي أنه يفقد بمقدار ما يحرم المفكر من شكه، أو بمقدار ما يحرم الأخلاقي من إغرائه، أو بمقدار ما يحرم الشجاع من الخوف. أن تفقد العُصاب هو أن تجد نفسك بلا هدف، وعندئذٍ تفقد الحياة هدفها؛ وحياة بلا هدف لا معنى لها. إنَّ فقد العُصاب ليس شفاءً، بل عمليات بتر نظامية. ولعل المحلل النفسي يُقدِّم للمريض عزاءً باردًا لو أنه أكد للمريض أنه لم يفقد سوى فردوسه الطفولي وأوهامه الرغبية، وأكثرُها مُنحرِف. لكنه يكون قد أضاع شيئًا كثيرًا في الحقيقة، لأنه في العصب تختبئ نُتفة من شخصية ما زالت بعد غير نظامية، شظية ثمينة من النفس، بدونها يُقضَى على الإنسان بالعزلة والمرارة وكل شيء آخر مُعادٍ للحياة. إن علم النفس يتصدى لعلاج العُصاب ولا يرى فيه غير العناصر السلبية إنما «يشطف» المولود مع ماء الحمام لأنه يهمل المعنى الإيجابي لهذه التخيُّلات الخلاقة «الطفولية»، كما يهمل قيمتها. هكذا يبدو على الغالب أن محاولته الرئيسية تكمن في السعي إلى تفسير كل شيء رجوعًا إلى الخلف ونزولًا إلى الأسفل؛ وطبعًا ليس في الخلف ولا في الأسفل شيء غير جدير بكاريكاتور داعر.
5
العرق اليهودي ككل — على الأقل هذه خبرتي — يمتلك خافية لا يمكن مقارنتها مع الخافية «الآرية» إلا بتحفُّظ. باستثناء الأفراد المبدعين، اليهودي المتوسط أشد وعيًا وتمايُزًا من أن يَسعى وهو ممتلئ بتوترات مستقبَل غير مولود. الخافية «الآريَّة» تتمتع بقدرة كامنة أعلى مما تتمتع به الخافية اليهودية؛ إن هذا ميزة وعيب تتصف بهما حداثة سن لم تنفطم بعدُ عن البربرية. وفي رأيي: إنه لَمِن فادح الخطأ في الطب النفسي أن تطبق المقولات اليهودية — التي لا تنطبق حتى على جميع اليهود — بدون تمييز على المسيحية الجرمانية والسلافية. وبسببٍ من هذا الخطأ كان تفسير أثمن سر لدى الشعوب الجرمانية — وهو ما يتصف به عمقهم الروحي من حدس وقدرة على الخلق — على أنه مستنقع من الطفولية المبتذلة، بينما ظل صوتي التحذيري عقودًا متهمًا بمعاداة السامية. لقد صدر هذا الاتهام عن فرويد، وهو الذي لم يفهم النفس الجرمانية بأكثر مما فهمها أتباعه من الجرمان. تُرى، هل تعلموا شيئًا من الظاهرة المروعة التي تمثلت في النازية، التي يحدق فيها العالم بعيون ملؤها الدهشة؟ أين كان التوتر والطاقة اللذان لا نظير لهما عندما كانت الاشتراكية القومية لم توجد بعد؟ عميقًا في النفس الجرمانية، في حفرة قد تكون كل شيء إلا مزبلة من الرغبات الطفولية غير المحققة واشمئزازات عائلية لم تجد لها حلًّا. إن حركةً تستولي على أمة بكاملها لا بد وأن كانت ناضجة في كل فرد أيضًا. إن هذا هو سبب قولي إن الخافية الجرمانية تحتوي على توترات وقدرات كامنة يتعيَّن على السيكولوجيا الطبية أن تأخذها في اعتبارها في تقويمها للخافية. يجب أن يكون شغلها الشاغل لا العُصاب بل الكائن البشري — إن هذا لهو الامتياز العظيم للسيكولوجيا الطبية: معالجة كامل الإنسان لا الوظيفة المنفصلة انفصالًا مصطنعًا. وهذا يفسر سبب توسيع نطاقها حتى تنكشف أمام الطبيب لا مجرد أخطاء باثولوجية عن نمو نفسي مضطرب، بل قوًى خلاقة لنفس تعمل من أجل المستقبل؛ لا مجرد فُتاتة كئيبة، بل الكل الحافل بالمعنى.
ليس العصاب مجرد شيء سلبي، بل شيء إيجابي أيضًا. ولعله لا يتغاضى عن رؤية هذه الحقيقة إلا عقلانية فاقدة الروح، مؤيدة بنظرة مادية ضيقة. في الحقيقة، يحتوي العُصاب على نفس المريض، وعلى جزء أساسي منها على الأقل؛ فلو استطعنا، كما يَدَّعي العقلاني، أن نقتلع منه العُصاب مثلما نقتلع سنًّا فاسدة، لم يكسب شيئًا بل فقد شيئًا أساسيًّا. أي أنه يفقد بمقدار ما يحرم المفكر من شكه، أو بمقدار ما يحرم الأخلاقي من إغرائه، أو بمقدار ما يحرم الشجاع من الخوف. أن تفقد العُصاب هو أن تجد نفسك بلا هدف، وعندئذٍ تفقد الحياة هدفها؛ وحياة بلا هدف لا معنى لها. إنَّ فقد العُصاب ليس شفاءً، بل عمليات بتر نظامية. ولعل المحلل النفسي يُقدِّم للمريض عزاءً باردًا لو أنه أكد للمريض أنه لم يفقد سوى فردوسه الطفولي وأوهامه الرغبية، وأكثرُها مُنحرِف. لكنه يكون قد أضاع شيئًا كثيرًا في الحقيقة، لأنه في العصب تختبئ نُتفة من شخصية ما زالت بعد غير نظامية، شظية ثمينة من النفس، بدونها يُقضَى على الإنسان بالعزلة والمرارة وكل شيء آخر مُعادٍ للحياة. إن علم النفس يتصدى لعلاج العُصاب ولا يرى فيه غير العناصر السلبية إنما «يشطف» المولود مع ماء الحمام لأنه يهمل المعنى الإيجابي لهذه التخيُّلات الخلاقة «الطفولية»، كما يهمل قيمتها. هكذا يبدو على الغالب أن محاولته الرئيسية تكمن في السعي إلى تفسير كل شيء رجوعًا إلى الخلف ونزولًا إلى الأسفل؛ وطبعًا ليس في الخلف ولا في الأسفل شيء غير جدير بكاريكاتور داعر.
5
❤10
لكن هذا لا يدل على أن الرمز أو العَرَض الذي يُفسَّد على هذا النحو له هذا المعنى فعلًا؛ كل ما في الأمر أنه يدل على المراهقة العقلية القذرة التي يتصف بها المفسر.
وهنا لا يسعني الإمساك عن إبداء هذه الملاحظة: كثيرًا ما يحدث أن يعمد أطباء من ذوي العقول الجادة، في إغفال تام لجميع القواعد الأساسية التي يقتضيها الحذر العلمي، إلى تفسير المادة السيكولوجية في ضوء تخمينات ذاتية، لا يستطيع المرء أن يفهم منه شيئًا على الإطلاق اللهم إلا أنها جميعها محاولات لمعرفة النكتة القذرة التي يمكن بواسطتها إقامة صلة بين المادة السيكولوجية ونوع من الشذوذ الجنسي الشفهي أو الأستي أو الإحليلي أو غير ذلك. لقد ضرب سمُّ التفسير «بالنزول إلى الأسفل» جذورَه في العمق حتى بلغ نخاع عظام هؤلاء الناس الذين لم يعودوا يفكرون أبدًا إلا في لغة الانحراف الطفولي الذي يتمثل في معصوبين معيَّنين، ممن يبدون عن جميع خصائص السيكولوجيا الفرويدية. وإنه لأمر غريب إيجابيًّا أن يقع الطبيب نفسه في طريقة تفكير يذمها هو في غيره محقًّا، واصفًا إياها بالطفولية، وإنها لهذا السبب تحتاج إلى الشفاء. يقينًا، إنه لأيسر بكثير أن نصنع تخمينات فوق رأس المريض من أن نرى ماذا تعنيه المادة التجريبية فعلًا. ومع ذلك، يقتضي منا أن نذهب إلى أن المريض إنما قصد المحلل لكي يتخلص من طريقته المرضية في التفكير وطريقته في النظر إلى الأشياء. ولذلك قد نستنتج — كما هو الحال في كل مكان من الطب الحديث — أن العَرَض ما هو إلا سعي الجملة المريضة إلى شفاء نفسها. لكن إذا كانت أفكار المحلل، المنطوقة أو غير المنطوقة، سلبية وذميمة بمقدار ما في أفكار المريض من سلبٍ ومَذمَّة، عندئذٍ يجب ألا نستغرب أن يصبح المريض تالفًا روحيًّا، وأن يعوِّض هذا التلف بالإفراط في الاعتماد على العقل اعتمادًا لا سبيل إلى الشفاء منه.
من المؤسف أن يوجد أناس كثيرون جدًّا يبررون عدم ثقتنا. كثيرون منهم يتخذون مُثلًا عُليَا وقيمًا مُزوَّقة صوفًا يسدلونه على عيونهم. وغالبًا ما يُضطَر المحلل إلى أن يصف لهم وصفة لا تبعث على سرور لكي يعيد إليهم الحقيقة عن أنفسهم. لكن ليس جميع الناس هم هكذا. على الأقل، عددهم هو عدد المرضى الذين يحتاجون إلى كل شيء إلا الارتياب في القيم والانتقاص منها. هؤلاء أناس محترمون في الأساس، يراعون بشرف قواعد اللعبة ولا يُعهِّرون المثل العليا من أجل تزيين عاهاتهم. أن تعالج مثل هؤلاء الناس على أساس دونية القيم والمُثُل العُليا، وأن تنسب إليهم دوافع خفية، وأن يخامرك ريب في أنَّ وراء استقامتهم الأخلاقية الطبيعية قذارات غير طبيعية، ليس بالأمر الغبي إلى حد الإثم وحسب، وإنما هو عمل إجرامي إيجابيًّا. التقانية هي دائمًا آلية لا روح فيها، وكل مَن يعتبر العلاج النفسي مجرد تقانية ويبجح بأنه كذلك فإنما يخاطر، في الحدود الدنيا، بارتكاب خطأ لا يُغتَفر. الطبيب الوجداني يجب أن يكون قادرًا على الشك في مهاراته ونظرياته جميعًا، وإلا استغفلته جملة نظرياته ومناهجه. ذلك أن جميع الأنظمة والجمل إنما تعني التشبُّث وانعدام الإنسانية. ولنبدد كل شك حول العصاب بالقول إنه قد يكون كل عدد على التعيين من الأشياء إلا أن يكون «ما هو إلا». هو كرب الروح البشري في كل تعقيداته الواسعة — وقد بلغت من السعة مبلغًا تغدو معها كل نظرية عن العصاب أفضل قليلًا من رسم أولي لا قيمة له، إلا أن يغدو صورة ضخمة عن النفس لا يستطيع أن يفهمها ولا مائة من طراز فاوست.
القاعدة الأساسية التي يتعين على طبيب النفس أن يأخذها في اعتباره هي أن كل حالة هي حالة جديدة وفريدة. ولعل هذا أقرب ما يمكن الوصول إليه من الحقيقة. بدون ذلك، يصعب عليه التمييز بين ما هو ذو قيمة وما لا قيمة له. وكما قلت، يتكون العصاب من عاملين: عناد طفولي وإرادة للتكيُّف. لذلك كان على طبيب النفس أولًا أن يتلمس طريقه حتى يتبين له الجانب الذي يقع عليه التوكيد والتشديد؛ لأن الحريقَ يبدأ من هنا. فإن كان التوكيد يقع على إرادة التكيف، فلا معنى أن يندد الطبيب بمحاولة التكيُّف وأنها تخيل رغبي طفولي. المُحَلل مُعرَّض كثيرًا لأن يرتكب هذا الخطأ مع مريضه والمريض — من شدة الألم — يشعر بالارتياح لأنه بات في حِمى سلطة طبية من المتطلبات المخوفة والمكروهة من شخصيته؛ أي، من متطلبات ذلك الجزء من شخصيته الذي يختبئ فيه. لكن هذه الشخصية «الأخرى» هي نفس الشيء الذي يجب ألا يغيب عن نظره أبدًا؛ لأنه هو نقيضه الداخلي، الحافز على الصراع الذي ينبغي أن يخوضه إن كان للحياة أن تستمر. بدون هذا التضاد الأوَّلي، لا دفق للطاقة ولا حياة. حيثما بلغ الافتقار إلى التضاد، أصاب الحياة بالسكونية. لكن وراء ذلك تتدفق الحياة بصفة غير شعورية في أشكال من العُصاب متجددة ومتغيرة أبدًا. وليس يُجنبنا الركود والخضوع إلى التصلب والتذرع العصابي شيء كفهمنا للعصاب وتسليمنا بأنه أثمن ممتلكاتنا وأكثرها حقيقية. في العصاب يختبئ ألد أعدائنا وأخلص أصدقائنا.
6
وهنا لا يسعني الإمساك عن إبداء هذه الملاحظة: كثيرًا ما يحدث أن يعمد أطباء من ذوي العقول الجادة، في إغفال تام لجميع القواعد الأساسية التي يقتضيها الحذر العلمي، إلى تفسير المادة السيكولوجية في ضوء تخمينات ذاتية، لا يستطيع المرء أن يفهم منه شيئًا على الإطلاق اللهم إلا أنها جميعها محاولات لمعرفة النكتة القذرة التي يمكن بواسطتها إقامة صلة بين المادة السيكولوجية ونوع من الشذوذ الجنسي الشفهي أو الأستي أو الإحليلي أو غير ذلك. لقد ضرب سمُّ التفسير «بالنزول إلى الأسفل» جذورَه في العمق حتى بلغ نخاع عظام هؤلاء الناس الذين لم يعودوا يفكرون أبدًا إلا في لغة الانحراف الطفولي الذي يتمثل في معصوبين معيَّنين، ممن يبدون عن جميع خصائص السيكولوجيا الفرويدية. وإنه لأمر غريب إيجابيًّا أن يقع الطبيب نفسه في طريقة تفكير يذمها هو في غيره محقًّا، واصفًا إياها بالطفولية، وإنها لهذا السبب تحتاج إلى الشفاء. يقينًا، إنه لأيسر بكثير أن نصنع تخمينات فوق رأس المريض من أن نرى ماذا تعنيه المادة التجريبية فعلًا. ومع ذلك، يقتضي منا أن نذهب إلى أن المريض إنما قصد المحلل لكي يتخلص من طريقته المرضية في التفكير وطريقته في النظر إلى الأشياء. ولذلك قد نستنتج — كما هو الحال في كل مكان من الطب الحديث — أن العَرَض ما هو إلا سعي الجملة المريضة إلى شفاء نفسها. لكن إذا كانت أفكار المحلل، المنطوقة أو غير المنطوقة، سلبية وذميمة بمقدار ما في أفكار المريض من سلبٍ ومَذمَّة، عندئذٍ يجب ألا نستغرب أن يصبح المريض تالفًا روحيًّا، وأن يعوِّض هذا التلف بالإفراط في الاعتماد على العقل اعتمادًا لا سبيل إلى الشفاء منه.
من المؤسف أن يوجد أناس كثيرون جدًّا يبررون عدم ثقتنا. كثيرون منهم يتخذون مُثلًا عُليَا وقيمًا مُزوَّقة صوفًا يسدلونه على عيونهم. وغالبًا ما يُضطَر المحلل إلى أن يصف لهم وصفة لا تبعث على سرور لكي يعيد إليهم الحقيقة عن أنفسهم. لكن ليس جميع الناس هم هكذا. على الأقل، عددهم هو عدد المرضى الذين يحتاجون إلى كل شيء إلا الارتياب في القيم والانتقاص منها. هؤلاء أناس محترمون في الأساس، يراعون بشرف قواعد اللعبة ولا يُعهِّرون المثل العليا من أجل تزيين عاهاتهم. أن تعالج مثل هؤلاء الناس على أساس دونية القيم والمُثُل العُليا، وأن تنسب إليهم دوافع خفية، وأن يخامرك ريب في أنَّ وراء استقامتهم الأخلاقية الطبيعية قذارات غير طبيعية، ليس بالأمر الغبي إلى حد الإثم وحسب، وإنما هو عمل إجرامي إيجابيًّا. التقانية هي دائمًا آلية لا روح فيها، وكل مَن يعتبر العلاج النفسي مجرد تقانية ويبجح بأنه كذلك فإنما يخاطر، في الحدود الدنيا، بارتكاب خطأ لا يُغتَفر. الطبيب الوجداني يجب أن يكون قادرًا على الشك في مهاراته ونظرياته جميعًا، وإلا استغفلته جملة نظرياته ومناهجه. ذلك أن جميع الأنظمة والجمل إنما تعني التشبُّث وانعدام الإنسانية. ولنبدد كل شك حول العصاب بالقول إنه قد يكون كل عدد على التعيين من الأشياء إلا أن يكون «ما هو إلا». هو كرب الروح البشري في كل تعقيداته الواسعة — وقد بلغت من السعة مبلغًا تغدو معها كل نظرية عن العصاب أفضل قليلًا من رسم أولي لا قيمة له، إلا أن يغدو صورة ضخمة عن النفس لا يستطيع أن يفهمها ولا مائة من طراز فاوست.
القاعدة الأساسية التي يتعين على طبيب النفس أن يأخذها في اعتباره هي أن كل حالة هي حالة جديدة وفريدة. ولعل هذا أقرب ما يمكن الوصول إليه من الحقيقة. بدون ذلك، يصعب عليه التمييز بين ما هو ذو قيمة وما لا قيمة له. وكما قلت، يتكون العصاب من عاملين: عناد طفولي وإرادة للتكيُّف. لذلك كان على طبيب النفس أولًا أن يتلمس طريقه حتى يتبين له الجانب الذي يقع عليه التوكيد والتشديد؛ لأن الحريقَ يبدأ من هنا. فإن كان التوكيد يقع على إرادة التكيف، فلا معنى أن يندد الطبيب بمحاولة التكيُّف وأنها تخيل رغبي طفولي. المُحَلل مُعرَّض كثيرًا لأن يرتكب هذا الخطأ مع مريضه والمريض — من شدة الألم — يشعر بالارتياح لأنه بات في حِمى سلطة طبية من المتطلبات المخوفة والمكروهة من شخصيته؛ أي، من متطلبات ذلك الجزء من شخصيته الذي يختبئ فيه. لكن هذه الشخصية «الأخرى» هي نفس الشيء الذي يجب ألا يغيب عن نظره أبدًا؛ لأنه هو نقيضه الداخلي، الحافز على الصراع الذي ينبغي أن يخوضه إن كان للحياة أن تستمر. بدون هذا التضاد الأوَّلي، لا دفق للطاقة ولا حياة. حيثما بلغ الافتقار إلى التضاد، أصاب الحياة بالسكونية. لكن وراء ذلك تتدفق الحياة بصفة غير شعورية في أشكال من العُصاب متجددة ومتغيرة أبدًا. وليس يُجنبنا الركود والخضوع إلى التصلب والتذرع العصابي شيء كفهمنا للعصاب وتسليمنا بأنه أثمن ممتلكاتنا وأكثرها حقيقية. في العصاب يختبئ ألد أعدائنا وأخلص أصدقائنا.
6
❤10
على أن المرء لا يسعه أن يبالغ في تقدير قيمة العصاب، اللهم إلا إذا جعل منه القدَر عدوًّا للحياة. لكن هناك دائمًا مُنشقُّون، ليس عندهم ما يقولونه لنا، كما ليس عندنا ما نقوله لهم.
الرمزية العصابية باعثة على اللبس، تشير رأسًا إلى الأمام والخلف، إلى الأسفل والأعلى. عمومًا، الحركة الأمامية هي الأهم؛ لأن المستقبل آتٍ، والماضي يتقهقر إلى الخلف. والذين يُعدُّون للتقهقر، هؤلاء وحدهم، يحسنون صنعًا لو ينظرون إلى الخلف. لا حاجة للمعصوب أن يشعر أنه مقهور؛ كل ما في الأمر أنه أخطأ في الحكم على خصمه الضروري، ظانًّا أنه يستطيع أن يتفلت من قبضته. والمهمة الكلية التي نُدبت إليها شخصيتُه تكمن في نفس الشيء الذي سعى إلى تجنبه. وكل طبيب يُضل مريضه عن هذا السبب فإنما يُلحِق به أذًى عظيمًا؛ إذ ليس على المريض أن يتعلم كيف يتخلص من عصابه، بل كيف يتحمله؛ فمرضه ليس عبئًا مجانيًّا أو لا معنى له بالتالي؛ إن مرضه هو نفسه بالذات، هو «الآخر» الذي سعى دائمًا إلى استبعاده من حياته، عن كسل أو خوف صبياني، أو لأي سببٍ آخر. بهذه الطريقة نجعل من «الأنية» EGO «مركزًا للقلق» Seat of anxiety كما يقول فرويد بحق، ما كان ليوجد أصلًا لولا دفاعنا عن أنفسنا من أنفسنا على هذه الدرجة العالية من العُصابية. عندما نجعل من الأنية «مركزَ قلقٍ»، يهرب أحدنا من نفسه ولا يقبل بها. تلك «النفس الأخرى» المخيفة هي الهدف الرئيسي للتحليل النفسي وتقانيته الانتقاصية المدمرة الساعية أبدًا إلى إنهاك العدو والقضاء عليه قضاءً مبرمًا …
يجب ألا نحاول «التخلص» من العُصاب، بل حرِيٌّ بنا أن نتعلم ماذا يريد منا، ما غرضه. يجب علينا أن نتعلم الشكرَ عليه حتى، وإلا تجاوزناه وضاعت منا فرصة الوصول إلى معرفة أنفسنا مثلما نحن في الحقيقة. لا يزول العُصاب إلا عندما يزول الموقف الخاطئ الذي اتخذته الأنية. نحن لا نَشفِي العُصاب، بل هو يشفينا. قد يَمرض الإنسان، لكنَّ المرض محاولة من الطبيعة لشفاء الإنسان أيضًا. من المرض نفسه قد نتعلم الشيء الكثير لكي نستعيد عافيتنا. وما قد ينبذه المعصوب جانبًا على أنه لا قيمة له على الإطلاق قد يحتوي على التبر الحقيقي الذي ما كان لنا أن نجده في مكان آخر. وكلمة «لا شيء إلا» التي ما ينفك يرددها المحلل النفسي في كل لحظة هي تمامًا ما كان يقوله تاجر يريد أن يشتري بضاعةً بالثمن الأرخص. لكننا، في هذه الحالة، أمام روح الإنسان، أمله، هروبه الجريء، أجمل مغامراته.
لا، لن تنجح هذه المحاولة لتخليص الإنسان المريض من عُصابه، ومع العصاب تخليصه من روحه. زد على ذلك أنها، في العمق، مهمة مستحيلة، خداع: في السياق الطويل، ما من أحدٍ يستطيعُ أن يتفلت من ظله إلا إن كان يعيش في ظلمة أبدية. إنَّ ما يراه المريض في الانفصال العصابي جزءًا غريبًا لهو جزءٌ غريب لم يعرفه من شخصيته، ويسعى لكي يفرض التعريف بنفسه كما يسعى كل جزء آخر من الجسم، حتى إذا أصر على نكرانه أصر على فرض حضوره. لو أنكر أحد وجود يده اليسرى، لتورَّط في شبكة من التفسيرات تقوم على مبدأ «لا شيء إلا»، تمامًا كما يحدث للمعصوب، باستثناء أنَّ المحلل يخلع عليها شرف اسم «نظرية». القول بأن التخيُّلات الطفولية المنحرفة «لا شيء إلا» هو جهود المريض لكي يُنكر يدَه اليسرى. وهذه الجهود هي بحد ذاتها انحرافه المرضي، ولا تكون باعثةً على الاهتمام إلا بمقدار ما تحتوي على إشارة خفية إلى اليد اليسرى. كل شيء آخر حولها غير حقيقي لأنه لا يسعى إلا لإخفائها. طبعًا، يظن فرويد أنَّ الشيء الذي تُخفِيه هو الشيء الذي تشير إليه هذه التخيُّلات في شيء من الصراحة، أي الجنس وكل ما يتبقَّى منه. لكنَّ هذا المريض هو بالضبط ذلك النوع الذي يضعه فرويد نصب عينَيه في كل وقت. يمتطي حصان هوايته كما يفعل محلله، الذي ربما سلمه فكرة مسعفة أو فكرتين؛ الرضَّ الجنسي الطفولي الشهير، مثلًا، الذي نستطيع أن نقضي زمنًا طويلًا في تتبُّعه، لكن لا شيء إلا ليتضح لنا أننا ما زلنا جد بعيدين عن الحقيقة مثلما كنَّا من قبل.
7
الرمزية العصابية باعثة على اللبس، تشير رأسًا إلى الأمام والخلف، إلى الأسفل والأعلى. عمومًا، الحركة الأمامية هي الأهم؛ لأن المستقبل آتٍ، والماضي يتقهقر إلى الخلف. والذين يُعدُّون للتقهقر، هؤلاء وحدهم، يحسنون صنعًا لو ينظرون إلى الخلف. لا حاجة للمعصوب أن يشعر أنه مقهور؛ كل ما في الأمر أنه أخطأ في الحكم على خصمه الضروري، ظانًّا أنه يستطيع أن يتفلت من قبضته. والمهمة الكلية التي نُدبت إليها شخصيتُه تكمن في نفس الشيء الذي سعى إلى تجنبه. وكل طبيب يُضل مريضه عن هذا السبب فإنما يُلحِق به أذًى عظيمًا؛ إذ ليس على المريض أن يتعلم كيف يتخلص من عصابه، بل كيف يتحمله؛ فمرضه ليس عبئًا مجانيًّا أو لا معنى له بالتالي؛ إن مرضه هو نفسه بالذات، هو «الآخر» الذي سعى دائمًا إلى استبعاده من حياته، عن كسل أو خوف صبياني، أو لأي سببٍ آخر. بهذه الطريقة نجعل من «الأنية» EGO «مركزًا للقلق» Seat of anxiety كما يقول فرويد بحق، ما كان ليوجد أصلًا لولا دفاعنا عن أنفسنا من أنفسنا على هذه الدرجة العالية من العُصابية. عندما نجعل من الأنية «مركزَ قلقٍ»، يهرب أحدنا من نفسه ولا يقبل بها. تلك «النفس الأخرى» المخيفة هي الهدف الرئيسي للتحليل النفسي وتقانيته الانتقاصية المدمرة الساعية أبدًا إلى إنهاك العدو والقضاء عليه قضاءً مبرمًا …
يجب ألا نحاول «التخلص» من العُصاب، بل حرِيٌّ بنا أن نتعلم ماذا يريد منا، ما غرضه. يجب علينا أن نتعلم الشكرَ عليه حتى، وإلا تجاوزناه وضاعت منا فرصة الوصول إلى معرفة أنفسنا مثلما نحن في الحقيقة. لا يزول العُصاب إلا عندما يزول الموقف الخاطئ الذي اتخذته الأنية. نحن لا نَشفِي العُصاب، بل هو يشفينا. قد يَمرض الإنسان، لكنَّ المرض محاولة من الطبيعة لشفاء الإنسان أيضًا. من المرض نفسه قد نتعلم الشيء الكثير لكي نستعيد عافيتنا. وما قد ينبذه المعصوب جانبًا على أنه لا قيمة له على الإطلاق قد يحتوي على التبر الحقيقي الذي ما كان لنا أن نجده في مكان آخر. وكلمة «لا شيء إلا» التي ما ينفك يرددها المحلل النفسي في كل لحظة هي تمامًا ما كان يقوله تاجر يريد أن يشتري بضاعةً بالثمن الأرخص. لكننا، في هذه الحالة، أمام روح الإنسان، أمله، هروبه الجريء، أجمل مغامراته.
لا، لن تنجح هذه المحاولة لتخليص الإنسان المريض من عُصابه، ومع العصاب تخليصه من روحه. زد على ذلك أنها، في العمق، مهمة مستحيلة، خداع: في السياق الطويل، ما من أحدٍ يستطيعُ أن يتفلت من ظله إلا إن كان يعيش في ظلمة أبدية. إنَّ ما يراه المريض في الانفصال العصابي جزءًا غريبًا لهو جزءٌ غريب لم يعرفه من شخصيته، ويسعى لكي يفرض التعريف بنفسه كما يسعى كل جزء آخر من الجسم، حتى إذا أصر على نكرانه أصر على فرض حضوره. لو أنكر أحد وجود يده اليسرى، لتورَّط في شبكة من التفسيرات تقوم على مبدأ «لا شيء إلا»، تمامًا كما يحدث للمعصوب، باستثناء أنَّ المحلل يخلع عليها شرف اسم «نظرية». القول بأن التخيُّلات الطفولية المنحرفة «لا شيء إلا» هو جهود المريض لكي يُنكر يدَه اليسرى. وهذه الجهود هي بحد ذاتها انحرافه المرضي، ولا تكون باعثةً على الاهتمام إلا بمقدار ما تحتوي على إشارة خفية إلى اليد اليسرى. كل شيء آخر حولها غير حقيقي لأنه لا يسعى إلا لإخفائها. طبعًا، يظن فرويد أنَّ الشيء الذي تُخفِيه هو الشيء الذي تشير إليه هذه التخيُّلات في شيء من الصراحة، أي الجنس وكل ما يتبقَّى منه. لكنَّ هذا المريض هو بالضبط ذلك النوع الذي يضعه فرويد نصب عينَيه في كل وقت. يمتطي حصان هوايته كما يفعل محلله، الذي ربما سلمه فكرة مسعفة أو فكرتين؛ الرضَّ الجنسي الطفولي الشهير، مثلًا، الذي نستطيع أن نقضي زمنًا طويلًا في تتبُّعه، لكن لا شيء إلا ليتضح لنا أننا ما زلنا جد بعيدين عن الحقيقة مثلما كنَّا من قبل.
7
❤6
السبب الحقيقي للعُصاب يكمُن دائمًا في الحاضر؛ لأنَّ العُصاب موجود في الحاضر. ليس أثرًا من الماضي؛ يتغذَّى ويتجدد خلفه في كل يوم. و«الشفاء» منه لا يمكن أن يتم إلا في هذا اليوم، لا في الماضي من أيامنا. وبما أن النزاع العصابي يجب أن يُكافَح اليوم، فإن كل رجعة إلى الماضي هي ابتعاد عن الهدف. وبما أنَّ العُصاب يحتوي على جزء من شخصية المعصوب، كان كل استطراد في ألف إمكانية وإمكانية من التخيُّلات القذرة والرغبات غير المقضية ليس إلا ذريعة لتجنب المسألة الجوهرية.
المسألة الجوهرية هي: ما الذي يخترق هذا الضباب من حَشوِ الكلام وصولًا إلى شخصية المريض الواعية، وماذا يجب أن تكون طبيعة موقفه إن كان لا بد له من إعادة هذه الفُتاتة المنشطرة من نفسه إلى نفسه، افتراضًا بأنها كانت دائمًا جزءًا لا يتجزأ منه؟ لكن، هل كان بوسعها أن تُقلِقه في مثل هذه الشدة، لو لم تكن في منزلة يدِه اليسرى من جسمه، في منزلة النصف
الآخر نفسه؟ لذلك، فإن شيئًا ينتسب إليه بالمعنى العميق إنما يُكمِّله ويخلق فيه توازنًا عضويًّا، ومع ذلك لسببٍ ما يخاف منه، ربما لأنه يجعل الحياة معقدة، ويطرح عليه مهامَّ مستحيلة نظريًّا.
من الواضح أن خير طريقة للتهرُّب من هذه المهام الاستعاضة عنها بشيء لنا بحق أن ندعوه مستحيلًا — مثلًا، عالم القذارات الذي ينصح فرويد نفسُه أن نسمو به في أسرع ما يمكن. ويبدو أنَّ فرويد أخذ هذه التخمينات العُصابية على محمل الجد تمامًا فوقع في نفس الفخ الذي وقع فيه المعصوب: من ناحية يُفتِّش عن منعطف خاطئ بأي ثمن، ومن ناحية ثانية لا يستطيع أن يجد الطريق الصحيح للخروج من المتاهة. لقد كان من الواضح أنه انطلت عليه الخدعة العصابية فاعتبرها «مذمَّة ملطَّفة». لقد قلل من قيمة العصاب ففاز بتصفيق المرضى والأطباء على السواء، الذين لا يريدون شيئًا خيرًا من أن يسمعوا أن العُصاب «ما هو إلا».
8
المسألة الجوهرية هي: ما الذي يخترق هذا الضباب من حَشوِ الكلام وصولًا إلى شخصية المريض الواعية، وماذا يجب أن تكون طبيعة موقفه إن كان لا بد له من إعادة هذه الفُتاتة المنشطرة من نفسه إلى نفسه، افتراضًا بأنها كانت دائمًا جزءًا لا يتجزأ منه؟ لكن، هل كان بوسعها أن تُقلِقه في مثل هذه الشدة، لو لم تكن في منزلة يدِه اليسرى من جسمه، في منزلة النصف
الآخر نفسه؟ لذلك، فإن شيئًا ينتسب إليه بالمعنى العميق إنما يُكمِّله ويخلق فيه توازنًا عضويًّا، ومع ذلك لسببٍ ما يخاف منه، ربما لأنه يجعل الحياة معقدة، ويطرح عليه مهامَّ مستحيلة نظريًّا.
من الواضح أن خير طريقة للتهرُّب من هذه المهام الاستعاضة عنها بشيء لنا بحق أن ندعوه مستحيلًا — مثلًا، عالم القذارات الذي ينصح فرويد نفسُه أن نسمو به في أسرع ما يمكن. ويبدو أنَّ فرويد أخذ هذه التخمينات العُصابية على محمل الجد تمامًا فوقع في نفس الفخ الذي وقع فيه المعصوب: من ناحية يُفتِّش عن منعطف خاطئ بأي ثمن، ومن ناحية ثانية لا يستطيع أن يجد الطريق الصحيح للخروج من المتاهة. لقد كان من الواضح أنه انطلت عليه الخدعة العصابية فاعتبرها «مذمَّة ملطَّفة». لقد قلل من قيمة العصاب ففاز بتصفيق المرضى والأطباء على السواء، الذين لا يريدون شيئًا خيرًا من أن يسمعوا أن العُصاب «ما هو إلا».
8
❤16🎉2
غير أن نفس كلمة «من أصلٍ نفسي» Psychogenic تُنبِئنا بأنَّ اضطراباتٍ مُعيَّنة آتية من قبل النفس. لسوء الحظ، ليست النفس هرمونًا بل عالم ذو نِسب تكاد أن تكون نِسبًا كونية. وقد تغاضَت العقلانية العلمية تمامًا عن هذه الحقيقة. هل فكر أطباء النفس مرَّة أن لهم أسلافًا آخرين غير مَسْمِر وفاريا وليبولت وشركوت وبرنهايم وجانيه وفورل وغيرهم؟
ظلت الروح المعتلة الشغل الشاغل للعقل البشري طوال آلاف السنين، وربما كانت كذلك حتى قبل أن يكون جسده المعتل شغله الشاغل؛ فالتضرُّع إلى الآلهة، وأخطار الروح وخلاصها، لم تكن من مشكلات الأمس القريب؛ فالأديان أنظمة علاج نفسي بأصح معنًى الكلمة وعلى أوسع نطاق؛ تُعبِّر عن نظام تام من المشكلة النفسية في صور قوية؛ هي إقرار بالروح واعتراف بها، وفي نفس الوقت كشف عن طبيعتها. عن هذا الأساس العالمي لا يسع روحًا أن تنفصل؛ الواعية الفردية وحدها التي فقدت اتصالها بالكلية النفسية تبقى أسيرةَ الوهم بأن الروح رقعة محدودة، موضوع مناسب للتنظير العلمي. إن فقدان هذا الاتصال العظيم لهو أول شرور العُصاب، وهذا يُفسِّر أسباب تضييع المريض طريقه في أزقة خلفية ملتوية ذات سمعة سيئة؛ لأنَّ مَن ينكر العظيم عليه أن يلوم الحقير. في كتابه «مستقبل الوهم» كشف فرويد عن يده بدون ذكاء. لقد أراد أن يقضي نهائيًّا على جانب واسع من الظاهرة النفسية، وهو في محاولته هذه تابع العمل المادي الذي يظل يعمل في كل معصوب: قطع الصلة بين الناس والآلهة، الانفصال عن القواعد التي تنهض عليها النفس التي يعرفها جميع الناس ويشعر بها جميعهم؛ ولذلك كان «نكران اليد اليسرى» للنظير الإنساني أمرًا لازمًا لوجوده النفسي.
لنمسك عن سؤال من لم يَعِظ آذانًا صماء! لكن هل كتب غوتيه كتبه عن «فاوست» عبثًا حقًّا؟ أليس فاوست معصوبًا بحجم قبضة يدك؟ ذلك أن الشيطان قد ثبت يقينًا أنه غير موجود. تبعًا لذلك فإنَّ نظيره النفسي أيضًا غير موجود — سر لم يزل بدون حل، وُلِد من إفرازات فاوست الداخلية المريبة! هذا هو على الأقل رأي مفيستول الذي لم يكن هو نفسه فوق اللوم جنسيًّا بشكل تام — عنده ميل إلى أن يكون ثنائي الجنس، إن كان يميل إلى شيء هذا الشيطان الذي لا وجود له، وفقًا ﻟ «مستقبل وهم»، ما زال هو الموضوع العلمي للتحليل النفسي، الذي يشغل نفسه جذلان بطرائق تفكيره التي لا وجود لها. قد يكون قدَرُ فاوست في السماء وعلى الأرض «متروكًا للشعراء»، لكن في هذه الأثناء تنقلب الآراء المقلوب بعضها فوق بعض عن الروح البشري إلى نظرية في المرض النفسي.
العلاج النفسي اليوم، على ما يبدو لي، ما زال أمامه شيء كثير لكيلا يتعلمه ويتعلمه من جديد إن كان له أن ينصف موضوعه قليلًا، وأعني به ملء مدى النفس البشرية. لكن عليه أولًا أن يمسك عن التفكير عُصابيًّا ويرى السباقات النفسية في منظورها الصحيح. إن الذي يقف في حاجة إلى مراجعة جذرية، ليس مفهومنا كله عن العُصاب وحسب، وإنما أيضًا أفكارنا عن الوظائف النفسية، كوظيفة الأحلام مثلًا. فقد ارتُكبت أخطاء فادحة هنا، عندما نُظِر إلى وظيفة الأحلام، وهي وظيفة طبيعية تمامًا، من نفس الزاوية التي ينظر بها إلى مرض، عندئذٍ يصبح جليًّا أنَّ العلاج النفسي قد وقع تقريبًا في نفس الخطأ الذي وقعت فيه مدرسة الطب القديمة عندما هاجمت الحُمَّى اعتقادًا منها بأنها هي كانت الأداة الضارة.
وإنه لمن قدر العلاج النفسي وسوء حظه أن تكون نشأته في عصر التنوير حين جعل الارتياب الذاتي من القيم الثقافية القديمة أمرًا غير ممكن البلوغ، ومن علم النفس علمًا لا وجود له خارج النطاق الذي يتعدى كثيرًا مستوى هربارت وكوندياك — اللذين لم يفهم أيٌّ منهما التعقيدات والمُربِكات التي يُواجَه بها فجأة الطبيب الساذج الذي لم يعد نفسه الإعداد اللازم. بهذا الخصوص، يجب أن نكون شاكرين لفرويد، لأنه — على الأقل — خلق حسًّا معيَّنًا بالاتجاه في هذا العماء، ومنح الطبيب شجاعة كافية لكي يأخذ حالة الهستيريا أخذًا جادًّا، كافتراض علمي.
النقد بعد الحدث سهل جدًّا، لكن رغم ذلك لا معنى لأن ينام كامل الأطباء على أمجاد فرويد؛ فما زال هناك الكثير لكي نتعلمه عن علم النفس، وحاجتنا الخاصة اليوم أن نتحرر من الأفكار المهترئة التي ضيَّقت نظرتنا إلى علم النفس ككل إلى درجة خطيرة.
9
ظلت الروح المعتلة الشغل الشاغل للعقل البشري طوال آلاف السنين، وربما كانت كذلك حتى قبل أن يكون جسده المعتل شغله الشاغل؛ فالتضرُّع إلى الآلهة، وأخطار الروح وخلاصها، لم تكن من مشكلات الأمس القريب؛ فالأديان أنظمة علاج نفسي بأصح معنًى الكلمة وعلى أوسع نطاق؛ تُعبِّر عن نظام تام من المشكلة النفسية في صور قوية؛ هي إقرار بالروح واعتراف بها، وفي نفس الوقت كشف عن طبيعتها. عن هذا الأساس العالمي لا يسع روحًا أن تنفصل؛ الواعية الفردية وحدها التي فقدت اتصالها بالكلية النفسية تبقى أسيرةَ الوهم بأن الروح رقعة محدودة، موضوع مناسب للتنظير العلمي. إن فقدان هذا الاتصال العظيم لهو أول شرور العُصاب، وهذا يُفسِّر أسباب تضييع المريض طريقه في أزقة خلفية ملتوية ذات سمعة سيئة؛ لأنَّ مَن ينكر العظيم عليه أن يلوم الحقير. في كتابه «مستقبل الوهم» كشف فرويد عن يده بدون ذكاء. لقد أراد أن يقضي نهائيًّا على جانب واسع من الظاهرة النفسية، وهو في محاولته هذه تابع العمل المادي الذي يظل يعمل في كل معصوب: قطع الصلة بين الناس والآلهة، الانفصال عن القواعد التي تنهض عليها النفس التي يعرفها جميع الناس ويشعر بها جميعهم؛ ولذلك كان «نكران اليد اليسرى» للنظير الإنساني أمرًا لازمًا لوجوده النفسي.
لنمسك عن سؤال من لم يَعِظ آذانًا صماء! لكن هل كتب غوتيه كتبه عن «فاوست» عبثًا حقًّا؟ أليس فاوست معصوبًا بحجم قبضة يدك؟ ذلك أن الشيطان قد ثبت يقينًا أنه غير موجود. تبعًا لذلك فإنَّ نظيره النفسي أيضًا غير موجود — سر لم يزل بدون حل، وُلِد من إفرازات فاوست الداخلية المريبة! هذا هو على الأقل رأي مفيستول الذي لم يكن هو نفسه فوق اللوم جنسيًّا بشكل تام — عنده ميل إلى أن يكون ثنائي الجنس، إن كان يميل إلى شيء هذا الشيطان الذي لا وجود له، وفقًا ﻟ «مستقبل وهم»، ما زال هو الموضوع العلمي للتحليل النفسي، الذي يشغل نفسه جذلان بطرائق تفكيره التي لا وجود لها. قد يكون قدَرُ فاوست في السماء وعلى الأرض «متروكًا للشعراء»، لكن في هذه الأثناء تنقلب الآراء المقلوب بعضها فوق بعض عن الروح البشري إلى نظرية في المرض النفسي.
العلاج النفسي اليوم، على ما يبدو لي، ما زال أمامه شيء كثير لكيلا يتعلمه ويتعلمه من جديد إن كان له أن ينصف موضوعه قليلًا، وأعني به ملء مدى النفس البشرية. لكن عليه أولًا أن يمسك عن التفكير عُصابيًّا ويرى السباقات النفسية في منظورها الصحيح. إن الذي يقف في حاجة إلى مراجعة جذرية، ليس مفهومنا كله عن العُصاب وحسب، وإنما أيضًا أفكارنا عن الوظائف النفسية، كوظيفة الأحلام مثلًا. فقد ارتُكبت أخطاء فادحة هنا، عندما نُظِر إلى وظيفة الأحلام، وهي وظيفة طبيعية تمامًا، من نفس الزاوية التي ينظر بها إلى مرض، عندئذٍ يصبح جليًّا أنَّ العلاج النفسي قد وقع تقريبًا في نفس الخطأ الذي وقعت فيه مدرسة الطب القديمة عندما هاجمت الحُمَّى اعتقادًا منها بأنها هي كانت الأداة الضارة.
وإنه لمن قدر العلاج النفسي وسوء حظه أن تكون نشأته في عصر التنوير حين جعل الارتياب الذاتي من القيم الثقافية القديمة أمرًا غير ممكن البلوغ، ومن علم النفس علمًا لا وجود له خارج النطاق الذي يتعدى كثيرًا مستوى هربارت وكوندياك — اللذين لم يفهم أيٌّ منهما التعقيدات والمُربِكات التي يُواجَه بها فجأة الطبيب الساذج الذي لم يعد نفسه الإعداد اللازم. بهذا الخصوص، يجب أن نكون شاكرين لفرويد، لأنه — على الأقل — خلق حسًّا معيَّنًا بالاتجاه في هذا العماء، ومنح الطبيب شجاعة كافية لكي يأخذ حالة الهستيريا أخذًا جادًّا، كافتراض علمي.
النقد بعد الحدث سهل جدًّا، لكن رغم ذلك لا معنى لأن ينام كامل الأطباء على أمجاد فرويد؛ فما زال هناك الكثير لكي نتعلمه عن علم النفس، وحاجتنا الخاصة اليوم أن نتحرر من الأفكار المهترئة التي ضيَّقت نظرتنا إلى علم النفس ككل إلى درجة خطيرة.
9
❤40👍7👏5🥰3
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
مدخل إلى نظرية المؤامرة. البعد التاريخي والنفسي الاجتماعي
الجزء 1 من الحوار مع يفغيني كوزميشين
الجزء 1 من الحوار مع يفغيني كوزميشين
❤17👍8👏1
الأنا
تقوم على منظمة الأنا ضمن منظمات الجهاز النفسي سيكولوجية خاصة ومذهب وراء نفساني لفرويد والتحليل النفسي عموماً. والأنا في المنظور الفرويدي نشأ تحت تأثير العالم الخارجي الواقعي من «الهو» من ذلك الجزء الافتراضي الذي كان في الأصل طبقة قشرية مزودة بأعضاء لاستقبال المنبهات وبجهاز للوقاية من التنبيه المفرط.
ويعمل الأنا كجهاز وسيط بين «الهو» والعالم الخارجي، وله سلطة الإشراف على الحركة الإرادية نتيجة للعلاقة التي تتكون بين الإدراك الحسي والحركة العضلية. ويقوم بمهمة حفظ الذات، وينهض بهذه المهمة بما يتعلق بالأحداث الخارجية بتخزين الخبرات المتعلقة في الذاكرة، وبتجنب المنبهات المفرطة عن طريق الهرب، وبالتصرف في المنبهات المعتدلة عن طريق التكيف، ويعمل التعديلات المناسبة في العالم الخارجي وفقاً لمصلحته الخاصة.
وينهض بها فيما يتعلق بالأحداث الداخلية -أي فيما يتعلق بالهو- بالتحكم في المطالب الغريزية بقمعها، أو بتنظيم إشباعها، أو بتأجيل هذا الإشباع لظروف أفضل. والأنا يطلب اللذة ويتجنب الألم، فإذا توقع توترات مؤلمة تستحدثها المنبهات الواصلة له أعطى إشارة القلق وأنذر بحالة الخطر القادمة سواء من الخارج أو من الداخل.
والأنا يتخلى عن اتصاله بالعالم الخارجي من وقت لآخر بالارتداد إلى حالة النوم التي يتغير بها نظامه تغيراً كبيراً بالأثر، وتدل حالة النوم على أن نظام الأنا عبارة عن توزيع معين للطاقة النفسية المسماة بالليبيدو، وتجتمع فيه منها أكبر قدر ممكن من أول الأمر، وتسمى هذه الحالة بنرجسية الأنا. ففي البداية كان جميع الليبيدو متجمعاً في الهو عندما كان الأنا ضعيفاً في مرحلة التكوين، ثم أخذ الهو يرسل جزءاً من الليبيدو في شكل شحنات نفسية متجهة نحو موضوعات الحب، بينما أخذ الأنا -وقد نما وصار قوياً- يحاول أن يحصل على هذا الليبيدو المتجه للموضوعات، وأن يعرض نفسه على الهو كموضوع للحب، وبذلك تتدعم نرجسية الأنا.
وليبيدو الأنا طاقة قابلة للنقل تكون في ذاتها محايدة وتستطيع أن تنضم إلى دوافع الحب أو دوافع الهدم، وبذلك تتغير كيفيتها تبعاً لاختلاف كيفية هذه الدوافع، وتعمل على زيادة مقدار شحنتها النفسية الكلية، ويصفها فرويد بأنها عبارة عن إيروس مجرد من الطاقة الجنسية، والقوانين التي تحكمها في مجملها تنتظم فيما يسميه فرويد العملية الثانوية.
ويحصن الأنا نفسه ضد الهو بشحنات نفسية مضادة. وفي هذا التقسيم الطبوغرافي الذي يقول به فرويد -تقسيم الجهاز النفسي إلى الأنا والهو- ما يقابله من التمييز في الكيفية بين ما هو قبل الشعور والشعور واللاشعور. وعمليات الأنا شعورية وقبل شعورية ولا شعورية معاً، وهي شعورية من وجهة النظر الطبوغرافية باعتبار الشعور ظاهرة تقع في القشرة الخارجية للأنا، وباعتبار شعورية المشاعر الوجدانية من داخل البدن، ولهذا السبب يصف فرويد الأنا الشعوري بأنه أولاً وبالذات أنا بدني (body-ego)، لأنه يُستمد أصلاً من الإحساسات والمشاعر البدنية.
ويتصف الجزء الداخلي من الأنا الذي يشتمل خاصة على العمليات التي يسهل انتقالها إلى الشعور، وأن تعبر عن نفسها بواسطة وظيفة الكلام التي تصل المادة الموجودة في الأنا بآثار الذاكرة المتخلفة عن الإدراكات الحسية. وأما ما عدا ذلك في الأنا فهو لا شعوري، يُقصى عنه ما لا يرضى عنه الهو ليحتفظ به في حالة لا شعورية. وعن الأنا يصدر الكبت الذي يمنع النزاعات النفسية غير المرغوبة من الظهور في الشعور وفي سائر صور النشاط الأخرى.
وله سلطة الرقابة على جميع العمليات العقلية في اليقظة وفي النوم، وهو المنوط به الرقابة على الأحلام. ويمثل عمل الحلم الطريقة التي تندفع بها المادة اللاشعورية من الهو نحو الأنا فتصبح قبل شعورية، ثم تحدث فيها بفعل الأنا التعديلات المعروفة باسم تحريفات الحلم، ويحقق الأنا فيها ما يبدو أنه يستجيب لمطالب الهو فيتخلص من إزعاجها ويستبقي حالة النوم اللازمة له.
وتتعرض كل العمليات النفسية التي تدخل فيما يسمى الموقف الأوديبي والذي يعاني فيه الطفل من عقدة الخصاء ومختلف الصراعات الوجدانية بين والديه -تتعرض للكبت الشديد من قبل الأنا، وتصبح مستعدة لإثارة الاضطراب في نموه بعد البلوغ. ويتعين الأنا بالوالدين في هذه المرحلة، ومن هذا التعين يتخرج الأنا الأعلى الذي يُناط به الوظيفة نفسها التي كانت للأشخاص المناظرين له في العالم الخارجي، ويقوم بملاحظة الأنا وإعطائه الأوامر، ويكون شعورنا به في شكل ما نسميه الضمير.
ويقوم الضمير بتأنيب الأنا على ما يقوم به وعلى أفكاره ونواياه. ويرجع الإحساس الشعوري السوي للأنا بالذنب إلى التوتر بين الأنا والأنا المثالي. ويظهر الإحساس اللاشعوري بالذنب في صورة العصاب القهري وتمرد الأنا ضد اتهامه بالذنب.
تقوم على منظمة الأنا ضمن منظمات الجهاز النفسي سيكولوجية خاصة ومذهب وراء نفساني لفرويد والتحليل النفسي عموماً. والأنا في المنظور الفرويدي نشأ تحت تأثير العالم الخارجي الواقعي من «الهو» من ذلك الجزء الافتراضي الذي كان في الأصل طبقة قشرية مزودة بأعضاء لاستقبال المنبهات وبجهاز للوقاية من التنبيه المفرط.
ويعمل الأنا كجهاز وسيط بين «الهو» والعالم الخارجي، وله سلطة الإشراف على الحركة الإرادية نتيجة للعلاقة التي تتكون بين الإدراك الحسي والحركة العضلية. ويقوم بمهمة حفظ الذات، وينهض بهذه المهمة بما يتعلق بالأحداث الخارجية بتخزين الخبرات المتعلقة في الذاكرة، وبتجنب المنبهات المفرطة عن طريق الهرب، وبالتصرف في المنبهات المعتدلة عن طريق التكيف، ويعمل التعديلات المناسبة في العالم الخارجي وفقاً لمصلحته الخاصة.
وينهض بها فيما يتعلق بالأحداث الداخلية -أي فيما يتعلق بالهو- بالتحكم في المطالب الغريزية بقمعها، أو بتنظيم إشباعها، أو بتأجيل هذا الإشباع لظروف أفضل. والأنا يطلب اللذة ويتجنب الألم، فإذا توقع توترات مؤلمة تستحدثها المنبهات الواصلة له أعطى إشارة القلق وأنذر بحالة الخطر القادمة سواء من الخارج أو من الداخل.
والأنا يتخلى عن اتصاله بالعالم الخارجي من وقت لآخر بالارتداد إلى حالة النوم التي يتغير بها نظامه تغيراً كبيراً بالأثر، وتدل حالة النوم على أن نظام الأنا عبارة عن توزيع معين للطاقة النفسية المسماة بالليبيدو، وتجتمع فيه منها أكبر قدر ممكن من أول الأمر، وتسمى هذه الحالة بنرجسية الأنا. ففي البداية كان جميع الليبيدو متجمعاً في الهو عندما كان الأنا ضعيفاً في مرحلة التكوين، ثم أخذ الهو يرسل جزءاً من الليبيدو في شكل شحنات نفسية متجهة نحو موضوعات الحب، بينما أخذ الأنا -وقد نما وصار قوياً- يحاول أن يحصل على هذا الليبيدو المتجه للموضوعات، وأن يعرض نفسه على الهو كموضوع للحب، وبذلك تتدعم نرجسية الأنا.
وليبيدو الأنا طاقة قابلة للنقل تكون في ذاتها محايدة وتستطيع أن تنضم إلى دوافع الحب أو دوافع الهدم، وبذلك تتغير كيفيتها تبعاً لاختلاف كيفية هذه الدوافع، وتعمل على زيادة مقدار شحنتها النفسية الكلية، ويصفها فرويد بأنها عبارة عن إيروس مجرد من الطاقة الجنسية، والقوانين التي تحكمها في مجملها تنتظم فيما يسميه فرويد العملية الثانوية.
ويحصن الأنا نفسه ضد الهو بشحنات نفسية مضادة. وفي هذا التقسيم الطبوغرافي الذي يقول به فرويد -تقسيم الجهاز النفسي إلى الأنا والهو- ما يقابله من التمييز في الكيفية بين ما هو قبل الشعور والشعور واللاشعور. وعمليات الأنا شعورية وقبل شعورية ولا شعورية معاً، وهي شعورية من وجهة النظر الطبوغرافية باعتبار الشعور ظاهرة تقع في القشرة الخارجية للأنا، وباعتبار شعورية المشاعر الوجدانية من داخل البدن، ولهذا السبب يصف فرويد الأنا الشعوري بأنه أولاً وبالذات أنا بدني (body-ego)، لأنه يُستمد أصلاً من الإحساسات والمشاعر البدنية.
ويتصف الجزء الداخلي من الأنا الذي يشتمل خاصة على العمليات التي يسهل انتقالها إلى الشعور، وأن تعبر عن نفسها بواسطة وظيفة الكلام التي تصل المادة الموجودة في الأنا بآثار الذاكرة المتخلفة عن الإدراكات الحسية. وأما ما عدا ذلك في الأنا فهو لا شعوري، يُقصى عنه ما لا يرضى عنه الهو ليحتفظ به في حالة لا شعورية. وعن الأنا يصدر الكبت الذي يمنع النزاعات النفسية غير المرغوبة من الظهور في الشعور وفي سائر صور النشاط الأخرى.
وله سلطة الرقابة على جميع العمليات العقلية في اليقظة وفي النوم، وهو المنوط به الرقابة على الأحلام. ويمثل عمل الحلم الطريقة التي تندفع بها المادة اللاشعورية من الهو نحو الأنا فتصبح قبل شعورية، ثم تحدث فيها بفعل الأنا التعديلات المعروفة باسم تحريفات الحلم، ويحقق الأنا فيها ما يبدو أنه يستجيب لمطالب الهو فيتخلص من إزعاجها ويستبقي حالة النوم اللازمة له.
وتتعرض كل العمليات النفسية التي تدخل فيما يسمى الموقف الأوديبي والذي يعاني فيه الطفل من عقدة الخصاء ومختلف الصراعات الوجدانية بين والديه -تتعرض للكبت الشديد من قبل الأنا، وتصبح مستعدة لإثارة الاضطراب في نموه بعد البلوغ. ويتعين الأنا بالوالدين في هذه المرحلة، ومن هذا التعين يتخرج الأنا الأعلى الذي يُناط به الوظيفة نفسها التي كانت للأشخاص المناظرين له في العالم الخارجي، ويقوم بملاحظة الأنا وإعطائه الأوامر، ويكون شعورنا به في شكل ما نسميه الضمير.
ويقوم الضمير بتأنيب الأنا على ما يقوم به وعلى أفكاره ونواياه. ويرجع الإحساس الشعوري السوي للأنا بالذنب إلى التوتر بين الأنا والأنا المثالي. ويظهر الإحساس اللاشعوري بالذنب في صورة العصاب القهري وتمرد الأنا ضد اتهامه بالذنب.
❤16👍4
وفي الميلانخوليا يستسلم الأنا للاتهام بالذنب وللعقاب، والفرق بين الحالتين المرضيتين أن الأنا الأعلى لم يصبح أبداً جزءاً من الأنا في حالة العصاب القهري، وأما في الميلانخوليا فقد أصبح جزءاً من الأنا عن طريق التعين.
ومهمة الأنا فيما يبدو هي العمل على إرضاء القوى الثلاث التي يعتمد عليها، وهي الواقع والهو والأنا الأعلى، كما أنه يقوم في الوقت نفسه بالمحافظة على نظامه الخاص واستقلاله الذاتي. والشرط الضروري للمرض النفسي هو ضعف الأنا ضعفاً نسبياً أو مطلقاً بحيث يعوقه ذلك عن أداء مهامه.
وتعتمد طريقة التحليل النفسي في العلاج على استعادة سيطرة الأنا على نفسه، ويتفق المحلل مع المريض على أن يكون له كالأنا المفتقد، ويعقد المحلل اتفاقاً على المصارحة والمكاشفة مع أنا المريض. ويتيسر ذلك في الحالات العصابية، ولا يتوقع مثله من أنا المريض بالذهان، ومع ذلك لا يقبل أنا المريض بالعصاب على تقديم المعلومات المطلوبة في طاعة وخضوع وإنما يبدي صروف المقاومة، ومن ذلك تعين أنا المريض بأنا المحلل في فترة التحويل والطرح.
ويعاني أنا المريض بالذهان من الانقسام فيكون له اتجاهان بدلاً من اتجاه نفسي واحد، ويهتم أحد القسمين بمراعاة الواقع، بينما يعمل الآخر تحت تأثير الغرائز على فصل الأنا عن الواقع. وينطبق انقسام الأنا على بعض الحالات التي تشبه الأمراض العصابية وعلى الأمراض العصابية نفسها. ومن مهام الأنا تجريد ليبيدو الهو من طاقته الجنسية بالتسامي بها، ويُعزى إلى هذا التسامي ميراثنا الثقافي وأعظم وأجمل ما لدينا من قيم ومعايير وأخلاقيات. ويخدم الأنا مبدأ الواقع لهذا السبب، وينتصر لغرائز الحياة على غرائز الموت، وينهض كممثل للإيروس في الأنشطة النفسية، ويسلك عن رغبة حقيقية في أن يحيا وأن يكون محبوباً.
مراجع:
* Freud: The Ego and the Id. (1923)
* The Ego and the Mechanisms of Defence. (1936)
ومهمة الأنا فيما يبدو هي العمل على إرضاء القوى الثلاث التي يعتمد عليها، وهي الواقع والهو والأنا الأعلى، كما أنه يقوم في الوقت نفسه بالمحافظة على نظامه الخاص واستقلاله الذاتي. والشرط الضروري للمرض النفسي هو ضعف الأنا ضعفاً نسبياً أو مطلقاً بحيث يعوقه ذلك عن أداء مهامه.
وتعتمد طريقة التحليل النفسي في العلاج على استعادة سيطرة الأنا على نفسه، ويتفق المحلل مع المريض على أن يكون له كالأنا المفتقد، ويعقد المحلل اتفاقاً على المصارحة والمكاشفة مع أنا المريض. ويتيسر ذلك في الحالات العصابية، ولا يتوقع مثله من أنا المريض بالذهان، ومع ذلك لا يقبل أنا المريض بالعصاب على تقديم المعلومات المطلوبة في طاعة وخضوع وإنما يبدي صروف المقاومة، ومن ذلك تعين أنا المريض بأنا المحلل في فترة التحويل والطرح.
ويعاني أنا المريض بالذهان من الانقسام فيكون له اتجاهان بدلاً من اتجاه نفسي واحد، ويهتم أحد القسمين بمراعاة الواقع، بينما يعمل الآخر تحت تأثير الغرائز على فصل الأنا عن الواقع. وينطبق انقسام الأنا على بعض الحالات التي تشبه الأمراض العصابية وعلى الأمراض العصابية نفسها. ومن مهام الأنا تجريد ليبيدو الهو من طاقته الجنسية بالتسامي بها، ويُعزى إلى هذا التسامي ميراثنا الثقافي وأعظم وأجمل ما لدينا من قيم ومعايير وأخلاقيات. ويخدم الأنا مبدأ الواقع لهذا السبب، وينتصر لغرائز الحياة على غرائز الموت، وينهض كممثل للإيروس في الأنشطة النفسية، ويسلك عن رغبة حقيقية في أن يحيا وأن يكون محبوباً.
مراجع:
* Freud: The Ego and the Id. (1923)
* The Ego and the Mechanisms of Defence. (1936)
❤21
إنّ المرءَ لَمستعدّ لفعل أيّ شيء ، حتى أكثر الأمور غرابة و عبثيّة ، فقط لكي يتجنّب مواجهة نَفْسِه . يمارسُ تمارينَ اليوغا الهنديةِ بمُختلف مذاهبها ، يتّبع أنظمةً غذائية صارمة ، يحفظُ "الثيوصوفيا" (الحكمة الإلهية) عن ظهرِ قلب ، يردّد النصوصَ العِرفانيّة من الأدبِ العالمي ؛ يفعلُ كلّ ذلك لأنه لا يعرفُ كيفَ يواجهُ ذاتَه ، و لأنَّ أمثالَ هؤلاءِ يفتقرونَ إلى أدنى ثقةٍ في أنّ شيئاً نافعاً يمكنُ أن ينبثقَ من أرواحهِم . و هكذا ، أصبحتِ النفسُ البشريّة تدريجياً مثلَ تلك الناصِرة - Nazareth التي لا يمكنُ أن يخرجَ منها أيّ شيء طيّب : و لهذا السبب تحديدًا ، يذهبُ المرءُ بحثاً عنها في مهبّ الرياحِ الأربعة ، و كلّما كانتْ بعيدةً و غريبةً ، كان ذلكَ بالنسبة إليه أفضل .
_____
كارل يونغ | "علمُ النفس و الخيمياء" (1944)
_____
كارل يونغ | "علمُ النفس و الخيمياء" (1944)
❤45👍9💯3❤🔥1💔1
تساءل "كارل يونغ" في كتابه "البنية النفسية عند الإنسان"، قائلا:
"لماذا للإنسان مشاكل من دون الحيوان؟
وفي محاولة من الإجابات طرح في فقرة ما يلي:
"لا مشكلة بلا وعي. ولذلك ينبغي لنا أن نصوغ السؤال بطريقة أخرى: كيف ينشأ الوعي؟ ما من أحد يستطيع أن يجيب الجواب اليقين عن هذا السؤال؛ وإنما بوسعنا ملاحظة الأطفال الصغار وهم في سياق اكتسابهم للوعي. بوسع كل من الوالدين أن يرى ذلك لو أعاره انتباها.. وهذا ما نستطيع ملاحظته: عندما "يعرف" الولد شخصا أو شيئا، نشعر أن قد صار عنده وعي. ولا شك أن هذا يفسر لنا لماذا حملت شجرة المعرفة في الفردوس مثل هذه الثمرة المشؤومة."
"لماذا للإنسان مشاكل من دون الحيوان؟
وفي محاولة من الإجابات طرح في فقرة ما يلي:
"لا مشكلة بلا وعي. ولذلك ينبغي لنا أن نصوغ السؤال بطريقة أخرى: كيف ينشأ الوعي؟ ما من أحد يستطيع أن يجيب الجواب اليقين عن هذا السؤال؛ وإنما بوسعنا ملاحظة الأطفال الصغار وهم في سياق اكتسابهم للوعي. بوسع كل من الوالدين أن يرى ذلك لو أعاره انتباها.. وهذا ما نستطيع ملاحظته: عندما "يعرف" الولد شخصا أو شيئا، نشعر أن قد صار عنده وعي. ولا شك أن هذا يفسر لنا لماذا حملت شجرة المعرفة في الفردوس مثل هذه الثمرة المشؤومة."
❤33👍8🔥7❤🔥4🤔4😢1
لماذا لم تعد العلاقات الزوجية المعاصرة تُحقّق القدر ذاته من الإشباع النفسي الذي كانت تحقّقه في السابق؟
للإجابة عن هذا التساؤل يمكن الاستناد إلى ما يُعرف بـ«نظرية الاختناق الزواجي» (The Suffocation Model of Marriage)، وهي مقاربة نظرية تستند إلى هرم الحاجات لدى Abraham Maslow. تفترض هذه النظرية أن مستوى الرضا الزواجي يتحدد وفق طبيعة الحاجات التي يتوقع الأفراد من العلاقة الزوجية إشباعها.
حتى ما يقارب القرن الماضي، كانت التوقعات المرتبطة بالزواج تتركّز أساسًا حول الحاجات الأولية أو الأساسية؛ أي الحاجات الفيزيولوجية المرتبطة بالغذاء، والمأوى، والتكاثر، والاستقرار المعيشي. وضمن هذا السياق، كان الزواج يُنظر إليه بوصفه بنية اجتماعية-وظيفية تؤمّن الحد الأدنى من البقاء والتنظيم الاقتصادي والاجتماعي للفرد.
غير أن التحولات البنيوية التي شهدتها المجتمعات الحديثة، ولا سيما تزايد الاستقلال الاقتصادي للمرأة، أدّت إلى انتقال الوظيفة النفسية والاجتماعية للزواج نحو مستويات أعلى ضمن هرم ماسلو للحاجات. ووفقًا للصياغة النظرية للنموذج، فقد حدث تحوّل فيما يُسمّى «مناطق الاعتماد الزواجي» (Marital Dependence Zones)، أي المجالات التي يعتمد فيها الفرد على العلاقة الزوجية لإشباع احتياجاته النفسية والوجودية.
وبناءً على ذلك، لم يعد الزواج قائمًا بصورة رئيسية على إشباع الحاجات المادية أو الوظيفية، بل أصبح أكثر تمركزًا حول الشريك ذاته بوصفه مصدرًا للإشباع الانفعالي، والدعم النفسي، والتقدير المتبادل، وتحقيق الذات. ومن ثمّ، باتت عناصر مثل الصداقة الحميمة، والتوافق العاطفي، والاستثمار الوجداني المتبادل، تحتل موقعًا محوريًا في تقييم جودة العلاقة الزوجية واستمراريتها.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على ارتفاع معدلات العزوبية أو الطلاق فحسب، بل يعكس أيضًا إعادة تموضع الزواج داخل البنية النفسية للفرد الحديث؛ إذ لم يعد الزواج مجرد مؤسسة لإشباع الحاجات الفيزيولوجية، بل تحوّل إلى أحد أكثر الأطر مركزية في تحقيق الذات، والتنظيم الانفعالي، والحصول على الدعم الاجتماعي والنفسي الضروري للاستقرار الوجودي للفرد.
للإجابة عن هذا التساؤل يمكن الاستناد إلى ما يُعرف بـ«نظرية الاختناق الزواجي» (The Suffocation Model of Marriage)، وهي مقاربة نظرية تستند إلى هرم الحاجات لدى Abraham Maslow. تفترض هذه النظرية أن مستوى الرضا الزواجي يتحدد وفق طبيعة الحاجات التي يتوقع الأفراد من العلاقة الزوجية إشباعها.
حتى ما يقارب القرن الماضي، كانت التوقعات المرتبطة بالزواج تتركّز أساسًا حول الحاجات الأولية أو الأساسية؛ أي الحاجات الفيزيولوجية المرتبطة بالغذاء، والمأوى، والتكاثر، والاستقرار المعيشي. وضمن هذا السياق، كان الزواج يُنظر إليه بوصفه بنية اجتماعية-وظيفية تؤمّن الحد الأدنى من البقاء والتنظيم الاقتصادي والاجتماعي للفرد.
غير أن التحولات البنيوية التي شهدتها المجتمعات الحديثة، ولا سيما تزايد الاستقلال الاقتصادي للمرأة، أدّت إلى انتقال الوظيفة النفسية والاجتماعية للزواج نحو مستويات أعلى ضمن هرم ماسلو للحاجات. ووفقًا للصياغة النظرية للنموذج، فقد حدث تحوّل فيما يُسمّى «مناطق الاعتماد الزواجي» (Marital Dependence Zones)، أي المجالات التي يعتمد فيها الفرد على العلاقة الزوجية لإشباع احتياجاته النفسية والوجودية.
وبناءً على ذلك، لم يعد الزواج قائمًا بصورة رئيسية على إشباع الحاجات المادية أو الوظيفية، بل أصبح أكثر تمركزًا حول الشريك ذاته بوصفه مصدرًا للإشباع الانفعالي، والدعم النفسي، والتقدير المتبادل، وتحقيق الذات. ومن ثمّ، باتت عناصر مثل الصداقة الحميمة، والتوافق العاطفي، والاستثمار الوجداني المتبادل، تحتل موقعًا محوريًا في تقييم جودة العلاقة الزوجية واستمراريتها.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على ارتفاع معدلات العزوبية أو الطلاق فحسب، بل يعكس أيضًا إعادة تموضع الزواج داخل البنية النفسية للفرد الحديث؛ إذ لم يعد الزواج مجرد مؤسسة لإشباع الحاجات الفيزيولوجية، بل تحوّل إلى أحد أكثر الأطر مركزية في تحقيق الذات، والتنظيم الانفعالي، والحصول على الدعم الاجتماعي والنفسي الضروري للاستقرار الوجودي للفرد.
❤73👍10👏10🍓6💯5
الحبّ يتطلّب الالتزام ، والتركيز ، والصبر ، والإيمان ، ومقاومة النرجسية ؛ لذلك هو ليس شعورًا بل ممارسة.
ــ إريك فروم ، فيلسوف وعالم نفس ألماني
ــ إريك فروم ، فيلسوف وعالم نفس ألماني
❤43👏7💯4
Forwarded from علم النفس وتحليل الشخصية
الصدمات لا تحدث فقط عندما يقع شيءٌ فظيع ، بل أيضًا عندما لا يحدث ما كان يجب أن يحدث ، كأن لا يُحتضن حين يخاف ، أو لا يُسمح له بالتعبير عن حزنه... فينشأ داخله فراغٌ عاطفيّ ، ويبدأ في تصديق أن ما ينقصه هو نفسه ، وليس مافاته من الرعاية.
ــ جابور ماتيه ، كاتب وطبيب نفسي مجري-كندي
ــ جابور ماتيه ، كاتب وطبيب نفسي مجري-كندي
❤56👍5😭3🔥2🤔1
علم النفس الإنساني
معاذ الروبي
على عكس الأساليب النفسية الأخرى، يضع علم النفس الإنساني (Humanistic psychology) أهمية مركزية على وجهة نظر الفرد عن نفسه، وتشجع السؤال "كيف أرى نفسي؟" بدلاً من "كيف يراني الآخرون؟". في حين أن علم النفس السلوكي يهتم بملاحظة التصرفات الخارجية ويتعمق التحليل النفسي في العقل الباطن، فإن علم النفس الإنساني أكثر شمولاً، مع التركيز على كيفية إدراك الشخص لسلوكه وتفسير الأحداث من حوله. إنه يركز على وجهة نظر الشخص الذاتية عن نفسه ومن يود أن يكون، بدلاً من وجهة النظر الموضوعية للمراقب الخارجي له. كانت النزعة الإنسانية، التي ابتكرها كارل روجرز وأبراهام ماسلو في الخمسينيات من القرن الماضي، طريقة بديلة لمحاولة فهم الطبيعة البشرية. بناء على فرضية أن التطوير الذاتي الشخصي والإنجاز هي أهداف أساسية في الحياة، وأن الراحة العاطفية والعقلية تأتي من تحقيق ذلك. مبدأ الإرادة الحرة، الذي يتمثل في الخيارات التي يتخذها الشخص، هو أيضًا مفتاح للوصول إلى ذلك.
اقترح روجرز وغيره من علماء النفس الإنسانيين عددًا من الأساليب الجديدة للتقييم النفسي، مثل الاستبيانات المفتوحة التي لا توجد فيها إجابات "صحيحة" بشكل كامل، والمقابلات غير الرسمية، واستخدام اليوميات لتسجيل المشاعر والأفكار. لقد اعتقدوا أن الطريقة الوحيدة للتعرف حقًا على شخص ما هي التحدث معه. الإنسانية هي النظرية التي يقوم عليها العلاج المتمحور حول الشخص (العلاج الفردي وليس الجماعي) وهو أحد أكثر علاجات الاكتئاب شيوعًا. يستخدم النهج الإنساني أيضًا في التعليم لتشجيع الأطفال على ممارسة الإرادة الحرة واتخاذ الخيارات لأنفسهم بدلا من أن يختارها أحد نيابة عنهم، وأيضا في البحث عن الدوافع الإنسانية وفهمها بشكل أكثر عمقاً. ومع ذلك، يتجاهل هذا النهج النفسي الإنساني الجوانب الأخرى للفرد مثل الجانب البيولوجي، والعقل الباطن، والتأثير القوي للهرمونات. يقول النقاد أيضًا أن المنهج المتبع فيها غالباً يكون غير علمي، لأن هدفه المتمثل في تحقيق الذات وتقييمها لا يمكن قياسه بدقة.
يتأثر علم نفس الغشتالي (Gestalt psychology) بالنهج النفسي الانساني، ويفحص بالتفصيل كيف يأخذ العقل أجزاء صغيرة من المعلومات ويبنيها ليكون صورة جديدة كاملة ذات مغزى. إنه يؤكد على أهمية إدراك القوانين التي تحكم كيفية فهم كل شخص للعالم. يتضمن جزء من تقييم علم النفس الغشتالي إظهار سلسلة من الصور للعملاء والزبائن لاكتشاف كيف ترى أعينهم كل صورة. إن اختبار وهم مزهرية روبين (The RUBIN VASE ILLUSION) هو أشهرها، حيث يوضح تأثير قانون "الشكل" و "الخلفية أو الأرضية" وكيف أن عقل الشخص يعمل دائمًا على تمييز الشكل (كلمات، على سبيل المثال) من خلفيتها (صفحة بيضاء)، وبذلك يتخذ قرارًا بشأن الأولوية وما الذي يجب التركيز عليه. يوفر هذا النوع من الوهم للمشاهد خيارًا إدراكيًا بين رؤية وجهين في المظهر الجانبي أو رؤية مزهرية بيضاء في المنتصف.
يعتقد كارل روجرز أن ثلاثة أجزاء من الشخصية تحدد الحالة النفسية للشخص: قيمة الذات (ما تستحقه)، والصورة الذاتية (كيف ترى نفسك)، والذات المثالية (ما تطمح أن تكون عليه). متى تتطابق مشاعر الشخص وسلوكه وخبرته مع صورته الذاتية وتعكس ما يرغب في أن يكون (الذات المثالية)، يكون سعيداً. ولكن إذا كان هناك عدم تطابق (تناقض) بين هذه الجوانب، يكون الشخص غير راضي عن نفسه وحزين.
-إذا كان هناك القليل من التداخل بين كيف يرى الشخص نفسه (الصورة الذاتية) وما يود أن يكون (الذات المثالية)، فإنه يشعر بالتعاسة، مع تدني قيمة الذات، وتكون شخصيته غير متماسكة وغير منسجمة.
-مع وجود أرضية مشتركة أكبر وتداخل أعظم بين الصورة الذاتية والذات المثالية، يتمتع الشخص بقدر أكبر من الإحساس بالقيمة الذاتية ويبني نظرة إيجابية في طريقة التفكير، وتكون شخصيته أكثر تماسكاً وانسجاماً.
-عندما يتماشى تصور الشخص عن ذاته مع ما يطمح ويريد أن يكون ويحدث تطابق بينهما، فإنه هنا يحقق ذاته، وهذا يلبي حاجته للوصول إلى كامل طاقاته الابداعية والتعبير عن إمكاناته بصورة شاملة، وتكون شخصيته هنا قد وصلت إلى ذروة التماسك والانسجام وتحقيق الذات.
تعتبر النهج النفسي الإنساني (علم النفس الإنساني) متجذراً في الأفكار الغربية خاصة بما يتعلق بالهوية الشخصية للفرد ومفهوم الإنجاز، والتي تسمى أحيانًا الفردية أو الفردانية. في المقابل، تُخضع الجماعية الشخص لشروط وقوانين ونظم المجموعة.
-الفردية: الهوية تكون محددة من خلال السمات الشخصية (مثل اللطيفة، أو السخية)، والأهداف الخاصة تكون لها الأولوية على أهداف المجموعة. -الجماعية: الهوية تحددها المجموعة التي ينتمي إليها شخص ما (مثل الأسرة، أو مكان العمل)، وأهداف المجموعة تكون لها الأولوية على الأهداف الفردية والشخصية.
معاذ الروبي
على عكس الأساليب النفسية الأخرى، يضع علم النفس الإنساني (Humanistic psychology) أهمية مركزية على وجهة نظر الفرد عن نفسه، وتشجع السؤال "كيف أرى نفسي؟" بدلاً من "كيف يراني الآخرون؟". في حين أن علم النفس السلوكي يهتم بملاحظة التصرفات الخارجية ويتعمق التحليل النفسي في العقل الباطن، فإن علم النفس الإنساني أكثر شمولاً، مع التركيز على كيفية إدراك الشخص لسلوكه وتفسير الأحداث من حوله. إنه يركز على وجهة نظر الشخص الذاتية عن نفسه ومن يود أن يكون، بدلاً من وجهة النظر الموضوعية للمراقب الخارجي له. كانت النزعة الإنسانية، التي ابتكرها كارل روجرز وأبراهام ماسلو في الخمسينيات من القرن الماضي، طريقة بديلة لمحاولة فهم الطبيعة البشرية. بناء على فرضية أن التطوير الذاتي الشخصي والإنجاز هي أهداف أساسية في الحياة، وأن الراحة العاطفية والعقلية تأتي من تحقيق ذلك. مبدأ الإرادة الحرة، الذي يتمثل في الخيارات التي يتخذها الشخص، هو أيضًا مفتاح للوصول إلى ذلك.
اقترح روجرز وغيره من علماء النفس الإنسانيين عددًا من الأساليب الجديدة للتقييم النفسي، مثل الاستبيانات المفتوحة التي لا توجد فيها إجابات "صحيحة" بشكل كامل، والمقابلات غير الرسمية، واستخدام اليوميات لتسجيل المشاعر والأفكار. لقد اعتقدوا أن الطريقة الوحيدة للتعرف حقًا على شخص ما هي التحدث معه. الإنسانية هي النظرية التي يقوم عليها العلاج المتمحور حول الشخص (العلاج الفردي وليس الجماعي) وهو أحد أكثر علاجات الاكتئاب شيوعًا. يستخدم النهج الإنساني أيضًا في التعليم لتشجيع الأطفال على ممارسة الإرادة الحرة واتخاذ الخيارات لأنفسهم بدلا من أن يختارها أحد نيابة عنهم، وأيضا في البحث عن الدوافع الإنسانية وفهمها بشكل أكثر عمقاً. ومع ذلك، يتجاهل هذا النهج النفسي الإنساني الجوانب الأخرى للفرد مثل الجانب البيولوجي، والعقل الباطن، والتأثير القوي للهرمونات. يقول النقاد أيضًا أن المنهج المتبع فيها غالباً يكون غير علمي، لأن هدفه المتمثل في تحقيق الذات وتقييمها لا يمكن قياسه بدقة.
يتأثر علم نفس الغشتالي (Gestalt psychology) بالنهج النفسي الانساني، ويفحص بالتفصيل كيف يأخذ العقل أجزاء صغيرة من المعلومات ويبنيها ليكون صورة جديدة كاملة ذات مغزى. إنه يؤكد على أهمية إدراك القوانين التي تحكم كيفية فهم كل شخص للعالم. يتضمن جزء من تقييم علم النفس الغشتالي إظهار سلسلة من الصور للعملاء والزبائن لاكتشاف كيف ترى أعينهم كل صورة. إن اختبار وهم مزهرية روبين (The RUBIN VASE ILLUSION) هو أشهرها، حيث يوضح تأثير قانون "الشكل" و "الخلفية أو الأرضية" وكيف أن عقل الشخص يعمل دائمًا على تمييز الشكل (كلمات، على سبيل المثال) من خلفيتها (صفحة بيضاء)، وبذلك يتخذ قرارًا بشأن الأولوية وما الذي يجب التركيز عليه. يوفر هذا النوع من الوهم للمشاهد خيارًا إدراكيًا بين رؤية وجهين في المظهر الجانبي أو رؤية مزهرية بيضاء في المنتصف.
يعتقد كارل روجرز أن ثلاثة أجزاء من الشخصية تحدد الحالة النفسية للشخص: قيمة الذات (ما تستحقه)، والصورة الذاتية (كيف ترى نفسك)، والذات المثالية (ما تطمح أن تكون عليه). متى تتطابق مشاعر الشخص وسلوكه وخبرته مع صورته الذاتية وتعكس ما يرغب في أن يكون (الذات المثالية)، يكون سعيداً. ولكن إذا كان هناك عدم تطابق (تناقض) بين هذه الجوانب، يكون الشخص غير راضي عن نفسه وحزين.
-إذا كان هناك القليل من التداخل بين كيف يرى الشخص نفسه (الصورة الذاتية) وما يود أن يكون (الذات المثالية)، فإنه يشعر بالتعاسة، مع تدني قيمة الذات، وتكون شخصيته غير متماسكة وغير منسجمة.
-مع وجود أرضية مشتركة أكبر وتداخل أعظم بين الصورة الذاتية والذات المثالية، يتمتع الشخص بقدر أكبر من الإحساس بالقيمة الذاتية ويبني نظرة إيجابية في طريقة التفكير، وتكون شخصيته أكثر تماسكاً وانسجاماً.
-عندما يتماشى تصور الشخص عن ذاته مع ما يطمح ويريد أن يكون ويحدث تطابق بينهما، فإنه هنا يحقق ذاته، وهذا يلبي حاجته للوصول إلى كامل طاقاته الابداعية والتعبير عن إمكاناته بصورة شاملة، وتكون شخصيته هنا قد وصلت إلى ذروة التماسك والانسجام وتحقيق الذات.
تعتبر النهج النفسي الإنساني (علم النفس الإنساني) متجذراً في الأفكار الغربية خاصة بما يتعلق بالهوية الشخصية للفرد ومفهوم الإنجاز، والتي تسمى أحيانًا الفردية أو الفردانية. في المقابل، تُخضع الجماعية الشخص لشروط وقوانين ونظم المجموعة.
-الفردية: الهوية تكون محددة من خلال السمات الشخصية (مثل اللطيفة، أو السخية)، والأهداف الخاصة تكون لها الأولوية على أهداف المجموعة. -الجماعية: الهوية تحددها المجموعة التي ينتمي إليها شخص ما (مثل الأسرة، أو مكان العمل)، وأهداف المجموعة تكون لها الأولوية على الأهداف الفردية والشخصية.
❤25👍2👏2
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
حوارات علمية مهمة.
الجزء 1 من الحوار مع يفغيني كوزميشين
الجزء 2 من الحوار مع يفغيني كوزميشين
الجزء 3 من الحوار مع يفغيني كوزميشين
مدخل إلى نظرية المؤامرة. البعد التاريخي والنفسي الاجتماعي
الجزء 1 من الحوار مع يفغيني كوزميشين
المتنورون. من هم؟ وكيف ظهروا؟ ولماذا أصبحوا من أهم "أبطال" مختلف نظريات المؤامرة؟
الجزء 2 من الحوار مع يفغيني كوزميشين
هل أكدت ملفات إبستين صحة نظريات المؤامرة؟
الجزء 3 من الحوار مع يفغيني كوزميشين
❤13👍4
▪️ حين تصبح حياة الآخرين مرآة تحطّمنا: لماذا نقارن أنفسنا بغيرنا حتى لو كنا سعداء ثم نفقد الامتنان والرضا؟
- أوزجان يشار
في أحد أكثر التجارب النفسية شهرةً وإيلامًا، لم يكن البطل إنسانًا يحمل شهادات أو نظريات فلسفية عن الرضا والسعادة، بل كان شمبانزيًا بسيطًا داخل قفص. كان يؤدي مهمة سهلة: يُسلّم الباحث شيئًا بسيطًا، فيحصل على مكافأة. في البداية، كانت المكافأة خيارة. يأخذها بيده، ينظر إليها، ثم يلتهمها بلا تردد. كان يبدو راضيًا، بل سعيدًا. لم يكن هناك توتر، ولا غضب، ولا شعور بالنقص. الخيارة كانت «كافية»، وكانت تعني بالنسبة له عدالة الحياة: فعلٌ يقابله مقابل.
ثم حدث الشيء الذي لا يحتاج إلى كلمات كي يفجّر كل شيء.
شمبانزي آخر في القفص المجاور أدى المهمة نفسها تمامًا، لكن المكافأة كانت موزة.
وفي لحظة واحدة، انقلب المشهد من سعادة إلى غضب، ومن امتنان إلى احتقار. نظر الشمبانزي الأول إلى الخيارة التي كان يأكلها قبل ثوانٍ وكأنها طعام جيد، ثم نظر إليها وكأنها إهانة. لم تتغير الخيارة، ولم تفسد، ولم يقلّ حجمها، ولم تنقص قيمتها الغذائية، لكن الذي تغير هو «المعيار» في ذهنه. وفي لحظة عصبية حادة، رماها بعيدًا.
اختار الجوع بدلًا من مكافأة شعر أنها غير عادلة.
في تلك اللحظة لم يثُر لأنه لم يحصل على طعام، بل لأنه حصل على طعام أقل من غيره. وهنا تكمن الصدمة التي تفسّر كثيرًا من انكسارات الإنسان الحديث: نحن لا نفقد رضا الحياة لأننا لا نملك شيئًا، بل نفقده لأننا نرى غيرنا يملك أكثر.
يقول الكاتب الأمريكي ثيودور روزفلت: «المقارنة هي لص السعادة.»
هذه ليست جملة شاعرية، بل حقيقة نفسية قاسية. لأن المقارنة لا تغيّر ما نملك، لكنها تغيّر إحساسنا بما نملك، فتجعل النعمة تبدو كأنها نقص، وتجعل الكفاية تبدو كأنها هزيمة، وتجعل الحياة العادية تبدو كأنها حياة فاشلة.
هذا ما يسميه علماء النفس «النفور من عدم الإنصاف» (Inequity Aversion): ذلك الميل الفطري الذي يجعل الإنسان (بل حتى الحيوانات العليا) يرفض المكافأة إن شعر أنها أقل من مكافأة الآخر، حتى لو كانت هذه المكافأة كافية له قبل لحظة واحدة. إنها ليست مشكلة في «الشيء»، بل مشكلة في «الشعور بالعدالة».
وهنا ندخل إلى جوهر آفة العصر: عصر المقارنة الرقمية، حيث يكفي أن تفتح هاتفك لدقيقة واحدة حتى تبدأ حياتك بالتصدع من الداخل.
⸻
المقارنة ليست مجرد فكرة… إنها عدسة تفسد كل شيء
قد تكون راضيًا تمامًا عن حياتك: عن بيتك، وعن عملك، وعن صحتك، وعن أصدقائك، وعن علاقتك، وعن روتينك البسيط. قد تكون تشعر بالسلام وأنت تشرب قهوتك، أو وأنت تقود سيارتك القديمة، أو وأنت تعود مساءً إلى بيت متواضع، لكنه آمن.
ثم تفتح هاتفك.
ترى شخصًا يسافر إلى جزر الكناري. ترى آخر يشتري سيارة بورش جديدة. ترى ثالثًا يعلن أنه حقق «حريته المالية». ترى صورًا لأشخاص يبدو أنهم يعيشون في احتفال دائم. ترى نجاحات مصوّرة بإتقان، وأجسادًا مصقولة، ومنازل مضيئة، وعلاقات تبدو مثالية.
وفجأة، يحدث شيء داخلي يشبه تمامًا ما حدث لذلك الشمبانزي: تنظر إلى حياتك التي كنت تحبها، فتراها أقل.
الغريب أنك لم تخسر شيئًا فعليًا. راتبك لم ينقص. بيتك لم ينهدم. صحتك لم تتدهور. لكن «عدسة المقارنة» هي التي غيّرت المعنى. وكأن الحياة لم تتغير، لكن تفسيرك لها تغير، فصارت النعمة في عينك بلا طعم.
يقول الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس: «ليس الأشياء هي التي تزعج الناس، بل أحكامهم على الأشياء.»
وهذه الجملة تختصر جوهر المقارنة: المشكلة ليست في الواقع، بل في الحكم الذي نصدره على الواقع بعد أن نقارنه بواقع الآخرين.
⸻
كيف تفقد المقارنة زمام تقدير الذات؟
تقدير الذات ليس غرورًا، ولا تصنعًا، ولا شعارات تحفيزية تُكتب على الجدران. تقدير الذات هو ذلك الشعور العميق بأنك ذو قيمة حتى لو لم يصفق لك أحد. هو إحساس داخلي بأن وجودك في حد ذاته ليس خطأ.
لكن المقارنة تحطم هذا الأساس تدريجيًا.
حين تقارن نفسك بمن هو أغنى منك، ترى نفسك فقيرًا حتى لو كنت مستورًا. حين تقارن نفسك بمن هو أجمل منك، ترى نفسك ناقصًا حتى لو كنت طبيعيًا. حين تقارن نفسك بمن حقق شهرة، ترى نفسك بلا أثر حتى لو كنت نافعًا لمن حولك. وحين تقارن حياتك بمن يبدو سعيدًا، ترى حياتك رمادية حتى لو كانت مستقرة.
تقدير الذات يصبح مرتبطًا بمكانك في ترتيب اجتماعي متخيَّل، لا بحقيقتك.
وهنا تبدأ أخطر التحولات النفسية: يصبح الإنسان لا يرى نفسه كما هي، بل كما «يظن» أنه يجب أن يكون مقارنةً بالآخرين. وكأن قيمته ليست في جوهره، بل في موقعه على لوحة المنافسة.
يقول عالم النفس أبراهام ماسلو: «أنت تختار بين النمو والأمان، بين التقدم والتراجع.»
المقارنة غالبًا ليست دافعًا للنمو، بل تعبير عن خوف داخلي من أن تكون أقل. ولذلك فإنها لا تدفعك إلى الأمام بهدوء، بل تدفعك بجلدٍ وقلق، حتى تتحول حياتك إلى مطاردة لا تنتهي.
⸻
- أوزجان يشار
في أحد أكثر التجارب النفسية شهرةً وإيلامًا، لم يكن البطل إنسانًا يحمل شهادات أو نظريات فلسفية عن الرضا والسعادة، بل كان شمبانزيًا بسيطًا داخل قفص. كان يؤدي مهمة سهلة: يُسلّم الباحث شيئًا بسيطًا، فيحصل على مكافأة. في البداية، كانت المكافأة خيارة. يأخذها بيده، ينظر إليها، ثم يلتهمها بلا تردد. كان يبدو راضيًا، بل سعيدًا. لم يكن هناك توتر، ولا غضب، ولا شعور بالنقص. الخيارة كانت «كافية»، وكانت تعني بالنسبة له عدالة الحياة: فعلٌ يقابله مقابل.
ثم حدث الشيء الذي لا يحتاج إلى كلمات كي يفجّر كل شيء.
شمبانزي آخر في القفص المجاور أدى المهمة نفسها تمامًا، لكن المكافأة كانت موزة.
وفي لحظة واحدة، انقلب المشهد من سعادة إلى غضب، ومن امتنان إلى احتقار. نظر الشمبانزي الأول إلى الخيارة التي كان يأكلها قبل ثوانٍ وكأنها طعام جيد، ثم نظر إليها وكأنها إهانة. لم تتغير الخيارة، ولم تفسد، ولم يقلّ حجمها، ولم تنقص قيمتها الغذائية، لكن الذي تغير هو «المعيار» في ذهنه. وفي لحظة عصبية حادة، رماها بعيدًا.
اختار الجوع بدلًا من مكافأة شعر أنها غير عادلة.
في تلك اللحظة لم يثُر لأنه لم يحصل على طعام، بل لأنه حصل على طعام أقل من غيره. وهنا تكمن الصدمة التي تفسّر كثيرًا من انكسارات الإنسان الحديث: نحن لا نفقد رضا الحياة لأننا لا نملك شيئًا، بل نفقده لأننا نرى غيرنا يملك أكثر.
يقول الكاتب الأمريكي ثيودور روزفلت: «المقارنة هي لص السعادة.»
هذه ليست جملة شاعرية، بل حقيقة نفسية قاسية. لأن المقارنة لا تغيّر ما نملك، لكنها تغيّر إحساسنا بما نملك، فتجعل النعمة تبدو كأنها نقص، وتجعل الكفاية تبدو كأنها هزيمة، وتجعل الحياة العادية تبدو كأنها حياة فاشلة.
هذا ما يسميه علماء النفس «النفور من عدم الإنصاف» (Inequity Aversion): ذلك الميل الفطري الذي يجعل الإنسان (بل حتى الحيوانات العليا) يرفض المكافأة إن شعر أنها أقل من مكافأة الآخر، حتى لو كانت هذه المكافأة كافية له قبل لحظة واحدة. إنها ليست مشكلة في «الشيء»، بل مشكلة في «الشعور بالعدالة».
وهنا ندخل إلى جوهر آفة العصر: عصر المقارنة الرقمية، حيث يكفي أن تفتح هاتفك لدقيقة واحدة حتى تبدأ حياتك بالتصدع من الداخل.
⸻
المقارنة ليست مجرد فكرة… إنها عدسة تفسد كل شيء
قد تكون راضيًا تمامًا عن حياتك: عن بيتك، وعن عملك، وعن صحتك، وعن أصدقائك، وعن علاقتك، وعن روتينك البسيط. قد تكون تشعر بالسلام وأنت تشرب قهوتك، أو وأنت تقود سيارتك القديمة، أو وأنت تعود مساءً إلى بيت متواضع، لكنه آمن.
ثم تفتح هاتفك.
ترى شخصًا يسافر إلى جزر الكناري. ترى آخر يشتري سيارة بورش جديدة. ترى ثالثًا يعلن أنه حقق «حريته المالية». ترى صورًا لأشخاص يبدو أنهم يعيشون في احتفال دائم. ترى نجاحات مصوّرة بإتقان، وأجسادًا مصقولة، ومنازل مضيئة، وعلاقات تبدو مثالية.
وفجأة، يحدث شيء داخلي يشبه تمامًا ما حدث لذلك الشمبانزي: تنظر إلى حياتك التي كنت تحبها، فتراها أقل.
الغريب أنك لم تخسر شيئًا فعليًا. راتبك لم ينقص. بيتك لم ينهدم. صحتك لم تتدهور. لكن «عدسة المقارنة» هي التي غيّرت المعنى. وكأن الحياة لم تتغير، لكن تفسيرك لها تغير، فصارت النعمة في عينك بلا طعم.
يقول الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس: «ليس الأشياء هي التي تزعج الناس، بل أحكامهم على الأشياء.»
وهذه الجملة تختصر جوهر المقارنة: المشكلة ليست في الواقع، بل في الحكم الذي نصدره على الواقع بعد أن نقارنه بواقع الآخرين.
⸻
كيف تفقد المقارنة زمام تقدير الذات؟
تقدير الذات ليس غرورًا، ولا تصنعًا، ولا شعارات تحفيزية تُكتب على الجدران. تقدير الذات هو ذلك الشعور العميق بأنك ذو قيمة حتى لو لم يصفق لك أحد. هو إحساس داخلي بأن وجودك في حد ذاته ليس خطأ.
لكن المقارنة تحطم هذا الأساس تدريجيًا.
حين تقارن نفسك بمن هو أغنى منك، ترى نفسك فقيرًا حتى لو كنت مستورًا. حين تقارن نفسك بمن هو أجمل منك، ترى نفسك ناقصًا حتى لو كنت طبيعيًا. حين تقارن نفسك بمن حقق شهرة، ترى نفسك بلا أثر حتى لو كنت نافعًا لمن حولك. وحين تقارن حياتك بمن يبدو سعيدًا، ترى حياتك رمادية حتى لو كانت مستقرة.
تقدير الذات يصبح مرتبطًا بمكانك في ترتيب اجتماعي متخيَّل، لا بحقيقتك.
وهنا تبدأ أخطر التحولات النفسية: يصبح الإنسان لا يرى نفسه كما هي، بل كما «يظن» أنه يجب أن يكون مقارنةً بالآخرين. وكأن قيمته ليست في جوهره، بل في موقعه على لوحة المنافسة.
يقول عالم النفس أبراهام ماسلو: «أنت تختار بين النمو والأمان، بين التقدم والتراجع.»
المقارنة غالبًا ليست دافعًا للنمو، بل تعبير عن خوف داخلي من أن تكون أقل. ولذلك فإنها لا تدفعك إلى الأمام بهدوء، بل تدفعك بجلدٍ وقلق، حتى تتحول حياتك إلى مطاردة لا تنتهي.
⸻
❤44👏11👍8
الامتنان… أول ما يموت في الروح عند المقارنة
في تجربة الشمبانزي، الخيارة لم تكن سيئة. كانت مكافأة جيدة، وكان يأكلها بسعادة. لكن ظهور الموزة جعلها تبدو كأنها عقوبة.
وهذا ما يحدث لنا تمامًا.
قبل المقارنة كنت ممتنًا لنعمة السكن، ثم رأيت من يسكن في فيلا. قبل المقارنة كنت ممتنًا لعملك، ثم رأيت من يعمل عن بُعد ويسافر. قبل المقارنة كنت ممتنًا لصحتك، ثم رأيت أجسادًا مثالية على الشاشات. قبل المقارنة كنت ممتنًا لعلاقتك، ثم رأيت قصة حب مصوّرة وكأنها فيلم.
فجأة يصبح ما لديك بلا قيمة.
وهنا تظهر أخطر حقيقة: المقارنة لا تسرق ما لديك، بل تسرق قدرتك على تقديره.
يقول الكاتب ج. ك. تشيسترتون: «الامتنان ليس مجرد فضيلة، بل هو أم جميع الفضائل.»
ويقول الشاعر الإنجليزي ويليام ووردزوورث: «البسيط الذي نملكه، إذا قُدِّر بامتنان، يصبح كنزًا.»
الامتنان ليس رفاهية أخلاقية، بل هو شرط نفسي للاستقرار. من يفقد الامتنان يتحول إلى إنسان جائع مهما امتلك، لأنه لم يعد يرى ما في يده إلا من خلال عيون الآخرين.
⸻
لماذا يشعر الإنسان بالقهر رغم أن حياته جيدة؟
لأن الإنسان لا يتألم من الواقع بقدر ما يتألم من تفسيره للواقع.
الشمبانزي لم يتألم من الخيارة عندما كانت هي المعيار. تألم منها عندما أصبحت أقل من موزة غيره.
وكذلك الإنسان: كثير من الناس لا ينهارون لأن حياتهم صعبة، بل لأنهم يعيشون حياة متوسطة في عالم يعرض عليهم حياة مثالية كل يوم. عالم يصرخ في وجهك بأنك متأخر، وبأن ما تملكه لا يكفي، وبأن ما تعيشه ليس حياة تستحق.
المقارنة تجعل الإنسان يعيش إحساس الظلم حتى لو لم يظلمه أحد. إنه يظلم نفسه بنفسه، ويحوّل حياته إلى محاكمة داخلية لا تتوقف.
يقول الروائي ليو تولستوي: «كل العائلات السعيدة متشابهة، لكن كل عائلة تعيسة هي تعيسة بطريقتها الخاصة.»
هذه العبارة تكشف معنى أعمق: السعادة ليست قالبًا يُنسخ، وليست نموذجًا واحدًا. لكن المقارنة تجعلنا نتصرف وكأن هناك «وصفة موحدة» للسعادة، ومن لا يملكها فهو فاشل.
⸻
الجانب الاجتماعي: كيف تحولت المقارنة إلى ثقافة؟
في الماضي، كان نطاق المقارنة محدودًا: الجيران، والأقارب، وزملاء العمل. أما اليوم، فأنت تقارن نفسك بالعالم كله. أنت لا تقارن حياتك بأشخاص قريبين منك فقط، بل تقارنها بأشخاص لا تعرفهم أصلًا، لكنهم يعرضون عليك أفضل لحظاتهم وكأنها حياتهم الدائمة.
ثم تأتي الثقافة الاجتماعية لتزيد الضغط:
«ماذا تعمل؟» «كم راتبك؟» «متى ستتزوج؟» «لماذا لم تشترِ بيتًا؟» «لماذا لا تسافر مثل فلان؟»
وكأن الإنسان لا يحق له أن يكون إنسانًا إلا إذا كان مشروعًا مستمرًا لإثبات نفسه.
يقول عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر (صاحب نظرية المقارنة الاجتماعية): «المقارنة الاجتماعية آلية طبيعية، لكن عندما تصبح معيارًا دائمًا للقيمة الذاتية، تتحول إلى سجن نفسي.»
وهذا هو واقعنا: المقارنة تحولت من ميل طبيعي إلى «ثقافة كاملة» تُدار عبر الإعلام والإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى صار الإنسان يشعر بالذنب إذا عاش حياة عادية.
⸻
المقارنة تقتل الرضا… والرضا يحتاج معنىً، لا جمهورًا
الرضا الحقيقي لا يعني التخلي عن الطموح، بل يعني ألّا تكره نفسك أثناء الطريق. أن تسعى إلى الأفضل دون أن تحتقر الحاضر.
لكن المقارنة تدمّر هذا التوازن.
تجعلك تسعى إلى النجاح ليس بدافع التطور، بل بدافع الهروب من الإحساس بالدونية. تريد المال ليس لأنك تحتاجه، بل لأنك تخشى نظرة الآخرين. تريد الشهرة ليس لأنك تريد التأثير، بل لأنك تريد أن تشعر بأنك مرئي. تريد الزواج ليس لأنك مستعد، بل لأنك لا تريد أن تبدو متأخرًا. تريد الإنجاز لأنك تريد أن تثبت شيئًا، لا لأنك تريد أن تعيش.
وهنا تتحول الحياة إلى مطاردة مرهقة.
يقول الشاعر الفارسي عمر الخيام (بترجمة شائعة لمعناه): «كن سعيدًا بهذه اللحظة، فهذه اللحظة هي حياتك.»
فالحياة ليست في المستقبل الذي تتخيله، بل في الحاضر الذي تدمّره المقارنة.
⸻
كيف نستعيد تقدير الذات بعد أن سرقته المقارنة؟
استعادة تقدير الذات تبدأ بالاعتراف أن كثيرًا من ألمنا ليس ألمًا حقيقيًا، بل ألمًا مقارنًا. نحن لا نحزن لأن حياتنا سيئة، بل لأننا رأينا حياة شخص آخر «تبدو» أفضل.
ثم تبدأ استعادة المعيار الداخلي. بدلًا من أن تسأل: هل أنا أفضل من فلان؟ اسأل: هل أنا أفضل من نفسي قبل سنة؟
بدلًا من أن تسأل: لماذا حياتي ليست مثلهم؟ اسأل: هل حياتي تشبهني أنا؟
بدلًا من أن تقول: هم يعيشون أفضل. قل: هم يعيشون حياتهم… وأنا يجب أن أعيش حياتي.
ثم تأتي الخطوة الأهم: إعادة تعريف النجاح. النجاح ليس قالبًا عالميًا. ليس سيارة، ولا منزلًا، ولا وظيفة مرموقة، ولا عدد متابعين. النجاح قد يكون بيتًا هادئًا، أو صحة جيدة، أو علاقة مستقرة، أو طفلًا سعيدًا، أو عقلًا لا ينام وهو مثقل بالديون، أو قلبًا لا يحمل حقدًا.
في تجربة الشمبانزي، الخيارة لم تكن سيئة. كانت مكافأة جيدة، وكان يأكلها بسعادة. لكن ظهور الموزة جعلها تبدو كأنها عقوبة.
وهذا ما يحدث لنا تمامًا.
قبل المقارنة كنت ممتنًا لنعمة السكن، ثم رأيت من يسكن في فيلا. قبل المقارنة كنت ممتنًا لعملك، ثم رأيت من يعمل عن بُعد ويسافر. قبل المقارنة كنت ممتنًا لصحتك، ثم رأيت أجسادًا مثالية على الشاشات. قبل المقارنة كنت ممتنًا لعلاقتك، ثم رأيت قصة حب مصوّرة وكأنها فيلم.
فجأة يصبح ما لديك بلا قيمة.
وهنا تظهر أخطر حقيقة: المقارنة لا تسرق ما لديك، بل تسرق قدرتك على تقديره.
يقول الكاتب ج. ك. تشيسترتون: «الامتنان ليس مجرد فضيلة، بل هو أم جميع الفضائل.»
ويقول الشاعر الإنجليزي ويليام ووردزوورث: «البسيط الذي نملكه، إذا قُدِّر بامتنان، يصبح كنزًا.»
الامتنان ليس رفاهية أخلاقية، بل هو شرط نفسي للاستقرار. من يفقد الامتنان يتحول إلى إنسان جائع مهما امتلك، لأنه لم يعد يرى ما في يده إلا من خلال عيون الآخرين.
⸻
لماذا يشعر الإنسان بالقهر رغم أن حياته جيدة؟
لأن الإنسان لا يتألم من الواقع بقدر ما يتألم من تفسيره للواقع.
الشمبانزي لم يتألم من الخيارة عندما كانت هي المعيار. تألم منها عندما أصبحت أقل من موزة غيره.
وكذلك الإنسان: كثير من الناس لا ينهارون لأن حياتهم صعبة، بل لأنهم يعيشون حياة متوسطة في عالم يعرض عليهم حياة مثالية كل يوم. عالم يصرخ في وجهك بأنك متأخر، وبأن ما تملكه لا يكفي، وبأن ما تعيشه ليس حياة تستحق.
المقارنة تجعل الإنسان يعيش إحساس الظلم حتى لو لم يظلمه أحد. إنه يظلم نفسه بنفسه، ويحوّل حياته إلى محاكمة داخلية لا تتوقف.
يقول الروائي ليو تولستوي: «كل العائلات السعيدة متشابهة، لكن كل عائلة تعيسة هي تعيسة بطريقتها الخاصة.»
هذه العبارة تكشف معنى أعمق: السعادة ليست قالبًا يُنسخ، وليست نموذجًا واحدًا. لكن المقارنة تجعلنا نتصرف وكأن هناك «وصفة موحدة» للسعادة، ومن لا يملكها فهو فاشل.
⸻
الجانب الاجتماعي: كيف تحولت المقارنة إلى ثقافة؟
في الماضي، كان نطاق المقارنة محدودًا: الجيران، والأقارب، وزملاء العمل. أما اليوم، فأنت تقارن نفسك بالعالم كله. أنت لا تقارن حياتك بأشخاص قريبين منك فقط، بل تقارنها بأشخاص لا تعرفهم أصلًا، لكنهم يعرضون عليك أفضل لحظاتهم وكأنها حياتهم الدائمة.
ثم تأتي الثقافة الاجتماعية لتزيد الضغط:
«ماذا تعمل؟» «كم راتبك؟» «متى ستتزوج؟» «لماذا لم تشترِ بيتًا؟» «لماذا لا تسافر مثل فلان؟»
وكأن الإنسان لا يحق له أن يكون إنسانًا إلا إذا كان مشروعًا مستمرًا لإثبات نفسه.
يقول عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر (صاحب نظرية المقارنة الاجتماعية): «المقارنة الاجتماعية آلية طبيعية، لكن عندما تصبح معيارًا دائمًا للقيمة الذاتية، تتحول إلى سجن نفسي.»
وهذا هو واقعنا: المقارنة تحولت من ميل طبيعي إلى «ثقافة كاملة» تُدار عبر الإعلام والإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى صار الإنسان يشعر بالذنب إذا عاش حياة عادية.
⸻
المقارنة تقتل الرضا… والرضا يحتاج معنىً، لا جمهورًا
الرضا الحقيقي لا يعني التخلي عن الطموح، بل يعني ألّا تكره نفسك أثناء الطريق. أن تسعى إلى الأفضل دون أن تحتقر الحاضر.
لكن المقارنة تدمّر هذا التوازن.
تجعلك تسعى إلى النجاح ليس بدافع التطور، بل بدافع الهروب من الإحساس بالدونية. تريد المال ليس لأنك تحتاجه، بل لأنك تخشى نظرة الآخرين. تريد الشهرة ليس لأنك تريد التأثير، بل لأنك تريد أن تشعر بأنك مرئي. تريد الزواج ليس لأنك مستعد، بل لأنك لا تريد أن تبدو متأخرًا. تريد الإنجاز لأنك تريد أن تثبت شيئًا، لا لأنك تريد أن تعيش.
وهنا تتحول الحياة إلى مطاردة مرهقة.
يقول الشاعر الفارسي عمر الخيام (بترجمة شائعة لمعناه): «كن سعيدًا بهذه اللحظة، فهذه اللحظة هي حياتك.»
فالحياة ليست في المستقبل الذي تتخيله، بل في الحاضر الذي تدمّره المقارنة.
⸻
كيف نستعيد تقدير الذات بعد أن سرقته المقارنة؟
استعادة تقدير الذات تبدأ بالاعتراف أن كثيرًا من ألمنا ليس ألمًا حقيقيًا، بل ألمًا مقارنًا. نحن لا نحزن لأن حياتنا سيئة، بل لأننا رأينا حياة شخص آخر «تبدو» أفضل.
ثم تبدأ استعادة المعيار الداخلي. بدلًا من أن تسأل: هل أنا أفضل من فلان؟ اسأل: هل أنا أفضل من نفسي قبل سنة؟
بدلًا من أن تسأل: لماذا حياتي ليست مثلهم؟ اسأل: هل حياتي تشبهني أنا؟
بدلًا من أن تقول: هم يعيشون أفضل. قل: هم يعيشون حياتهم… وأنا يجب أن أعيش حياتي.
ثم تأتي الخطوة الأهم: إعادة تعريف النجاح. النجاح ليس قالبًا عالميًا. ليس سيارة، ولا منزلًا، ولا وظيفة مرموقة، ولا عدد متابعين. النجاح قد يكون بيتًا هادئًا، أو صحة جيدة، أو علاقة مستقرة، أو طفلًا سعيدًا، أو عقلًا لا ينام وهو مثقل بالديون، أو قلبًا لا يحمل حقدًا.
❤26👍5
يقول الكاتب هنري ديفيد ثورو: «ذهبت إلى الغابة لأنني أردت أن أعيش متعمدًا، وألّا أكتشف عند موتي أنني لم أعش.»
وهذه العبارة تحمل رسالة صريحة: لا تعش حياة الآخرين، ولا تجعل نفسك مشروعًا لإرضاء العالم، ثم تكتشف في النهاية أنك نسيت أن تعيش.
⸻
خاتمة: لا تكن شمبانزيًا يرمي رزقه
في نهاية الأمر، السؤال ليس: لماذا لدى الآخرين موزة؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا رميت أنت الخيارة التي كانت تسعدك؟
لماذا فقدت الامتنان فجأة؟ لماذا انقلب الرضا إلى غضب؟ لماذا أصبحت نعمك بلا طعم؟ ولماذا تحولت حياتك إلى سباق بدلًا من أن تكون رحلة؟
الناس يعرضون أفضل لحظاتهم… وأنت تعيش كل لحظاتك. الناس ينشرون الصورة… وأنت تعيش الحقيقة.
ليس مطلوبًا منك أن تعيش حياة تشبه الآخرين. مطلوب منك فقط أن تعيش حياة تشبهك.
مثلٌ صيني قديم يقول: «من يتابع الآخرين طوال الوقت لا يصل أبدًا إلى وجهته الخاصة.»
فلا تدع موزة الآخرين تفسد خيارتك. ولا تسمح للمقارنة أن تجعلك تختار الجوع النفسي بدلًا من أن تتذوق ما لديك بسلام.
لأنك حين تخسر الامتنان… لن يملأك شيء. وحين تفقد الرضا… ستصبح كل نعمة في حياتك مجرد رقم ناقص في قائمة لا تنتهي.
والإنسان الذي يعيش وفق أعين الآخرين، سيبقى دائمًا يشعر أنه متأخر، حتى لو كان متقدمًا. أما الإنسان الذي يعود إلى ذاته، فسيكتشف أن السعادة ليست سباقًا… بل بصيرة.
علم النفس : مقالات - أبحاث
وهذه العبارة تحمل رسالة صريحة: لا تعش حياة الآخرين، ولا تجعل نفسك مشروعًا لإرضاء العالم، ثم تكتشف في النهاية أنك نسيت أن تعيش.
⸻
خاتمة: لا تكن شمبانزيًا يرمي رزقه
في نهاية الأمر، السؤال ليس: لماذا لدى الآخرين موزة؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا رميت أنت الخيارة التي كانت تسعدك؟
لماذا فقدت الامتنان فجأة؟ لماذا انقلب الرضا إلى غضب؟ لماذا أصبحت نعمك بلا طعم؟ ولماذا تحولت حياتك إلى سباق بدلًا من أن تكون رحلة؟
الناس يعرضون أفضل لحظاتهم… وأنت تعيش كل لحظاتك. الناس ينشرون الصورة… وأنت تعيش الحقيقة.
ليس مطلوبًا منك أن تعيش حياة تشبه الآخرين. مطلوب منك فقط أن تعيش حياة تشبهك.
مثلٌ صيني قديم يقول: «من يتابع الآخرين طوال الوقت لا يصل أبدًا إلى وجهته الخاصة.»
فلا تدع موزة الآخرين تفسد خيارتك. ولا تسمح للمقارنة أن تجعلك تختار الجوع النفسي بدلًا من أن تتذوق ما لديك بسلام.
لأنك حين تخسر الامتنان… لن يملأك شيء. وحين تفقد الرضا… ستصبح كل نعمة في حياتك مجرد رقم ناقص في قائمة لا تنتهي.
والإنسان الذي يعيش وفق أعين الآخرين، سيبقى دائمًا يشعر أنه متأخر، حتى لو كان متقدمًا. أما الإنسان الذي يعود إلى ذاته، فسيكتشف أن السعادة ليست سباقًا… بل بصيرة.
علم النفس : مقالات - أبحاث
❤47👏9👍8