فيما بين النجوم. كل الواعية تفرق؛ لكن في الأحلام نرتدي شَبَه ذلك الإنسان الأكثر عالمية، والأكثر حقيقية، والأكثر خلودًا، الإنسان القابع في ظلام الليل البدئي. هناك لا يزال هو الكل والكل فيه، لا يمكن تمييزه من الطبيعة، متجرد من أَنْيَوية Egohood.
من هذه الأعماق الموحدة للكل، يطلع الحلم، لا شيء أكثر منه طفولية وغرابة وحيادًا أخلاقيًّا. كالزهرة براءة وطُهرًا، حتى لتحمَر خجلًا من الغش الذي يسود حياتنا، لذلك لا عجبَ أن يعتبر الحلم، وهو الذي أثر في جميع الحضارات القديمة، رسالة من الآلهة. بقِيَ على عقلانية عصرنا أن نُفسِّر الحلم بأنه بقايا من مخلفات النهار، يتساقط كالفتات في عالم الشفق من موائد الواعية التي أثقلتها أوزارها. هذه الأعماق المظلمة، إن هي إلا كيس فارغ، ليس يحوي أكثر مما يتساقط عليه من فوق. لماذا ننسى دائمًا أن لا شيء، جليلًا أو جميلًا، في الميدان الواسع من الثقافة الإنسانية لم ينبت من فكرة سعيدة أصلًا؟ ماذا يحل بالبشرية لو لم يوجد شخص عنده أفكار سعيدة؟ الأصح أن نقول إن واعيتَنا هي ذلك الكيس الذي ليس فيه غير ما يتفق أن يقع عليه. إننا لا نُقدِّر أبدًا مِقدارَ اعتمادِنا على الأفكار السعيدة، إلا عندما نتأكد — ويا للأسف! — أنها لن تأتي. وما الحلم إلا فكرة سعيدة تأتينا من عالم النفس المظلمة الموحدة للكل. ماذا عساه أن يكون أكثر طبيعيَّةً من أن نقرع باب الأحلام ونطلب منها المعاني التي تُدنِينا قُربًا من حقائق الوجود البشري الأساسية، بعد إذ أضعنا أنفسنا وسط جزئيات لا نهاية لها وتفصيلات منعزلة من عالم السطح.
هنا نواجه الانحياز العنيد الذي يذهب إلى أن الأحلام زبد كثير، ليست حقيقية، تكذب، مجرد تلبيات لرغبة. وما هذه الأقوال إلا تهرُّب من أخذ الأحلام على مأخذ الجد؛ لأن هذا أمر لا يبعث على ارتياح. إن هوَسَنا الفكري بالواعية لهو هَوَس بالعزلة أيضًا على الرغم مما في هذه العزلة من عيوب. ولهذا السبب تجد الناس يفعلون كل شيء ولا يُسَلمون بأن الأحلام حقيقية وأنها تنطق بالحقيقة؛ ففي القِديسِين مَسن رأى أحلامًا غليظة. ترى ما هو مصير قداستهم، وهي الشيء الذي يرفعهم فوق عامةِ الناس، لو اتَّضح أن شناعة أحلامهم حقيقة واقعة؟ لكنَّ أقذر الأحلام هي التي توثق عرى القرابة بيننا وبين سائر أبناء البشر، وتخمد نار الغطرسة التي يورثها ضمور الغرائز. وحدة النفس لن تتحطم أبدأ، حتى ولو تساقط العالم كله شَذَر مَذَر. وكلما اتَّسعت الشقوق وتكاثرت على السطح، قويَت أواصر الوحدة في الأعماق.
طبعًا، كل مَن لم يختبر وحدة النفس بنفسه لن يقتنع بإمكان وجود فعالية نفسية مستقلة عن الواعية، وليست فعالية لا تحدث فيَّ وحسب، وإنما في جميع الناس في وقت واحد. لكن عندما نقارن سيكولوجية الفن الحديث بما كشف عنه البحث السيكولوجي، وهذا مع ما أثمرت معه الميثولوجيا والفلسفة من نتائج، نجد البراهين التي لا تُدحَض على وجود عامل هذه الخافية الجامعة.
غير أن مريضَنا، وقد اعتاد أن يُعامِل نفسَه باعتبارها شيئًا تحت سيطرته، لسوف يرد محتجًّا بأنه ما لاحظ قطُّ شيئًا موضوعيًّا في سياقاته النفسية، بل هي أكثر الأشياء شخصية على ما قد يتصوَّر المرء. على هذا أردُّ قائلًا: «إذن، أنت تستطيع أن تُبدِّد حالات القلق والأفكار المتسلطة عليك على الفور. والنوبات المزعجة لن تنتابك بعد الآن. ما عليك إلا تنطق بالكلمة السحرية.»
طبعًا، إن مريضَنا، في سذاجته الحديثة، لم يستطِع أن يدرك أنَّ أحواله الباثولوجية تستحوذ عليه مثلما كانت تستحوذ على كل ساحرة أو صائد ساحرات في أظلم العصور الوسطى. المسألة لا تعدو أن تكون اختلافًا في التسميات. في تلك الأيام كانوا يتكلمون عن الشيطان، وفي يومنا هذا ندعو المرضَ عُصابًا. لكننا نصل إلى نفس الشيء، إلى نفس الخبرة القديمة: شيء نفسي موضوعيًّا وغريب عنَّا، لا يقع تحت سيطرتنا، ويقاوم إرادتنا مقاومة عنيدة. لسنا في حال أفضل من اﻟ «بروكتوفنتامست» في «فاوست» الذي صاح في دهشة:
مُنافٍ للعقل! أما زلت تنوي البقاء؟
اختفِ حالًا، لقد انفضح أمرُك!
لا يُخَوَّف رهطُ هذا الشيطان بالأحكام
مع كل حكمتنا، لا يزال «تيغيل» مسكونًا.
لو كان باستطاعة مريضنا الخضوع إلى منطق هذه الحجة، لكسبنا الشيء الكثير. الطريق لاختبار النفس مفتوح، لكنَّ المرءَ ما يلبث أن يأتي إلى انحيازٍ آخرَ يسدُّ عليه التقدم إلى ما وراء ما وصل إليه. لسوف يقول: «لنُسلمْ جدلًا أنني أختبر الآن قوةً نفسيةً تخذل إرادتي، اختبر عاملًا نفسيًّا موضوعيًّا، إن كنت تحب أن تسميه كذلك. لكنه يظل مع ذلك شيئًا سيكولوجيًّا محضًا، غامضًا، لا يعتمد عليه، وليس له أهمية في الحياة العملية.»
6
من هذه الأعماق الموحدة للكل، يطلع الحلم، لا شيء أكثر منه طفولية وغرابة وحيادًا أخلاقيًّا. كالزهرة براءة وطُهرًا، حتى لتحمَر خجلًا من الغش الذي يسود حياتنا، لذلك لا عجبَ أن يعتبر الحلم، وهو الذي أثر في جميع الحضارات القديمة، رسالة من الآلهة. بقِيَ على عقلانية عصرنا أن نُفسِّر الحلم بأنه بقايا من مخلفات النهار، يتساقط كالفتات في عالم الشفق من موائد الواعية التي أثقلتها أوزارها. هذه الأعماق المظلمة، إن هي إلا كيس فارغ، ليس يحوي أكثر مما يتساقط عليه من فوق. لماذا ننسى دائمًا أن لا شيء، جليلًا أو جميلًا، في الميدان الواسع من الثقافة الإنسانية لم ينبت من فكرة سعيدة أصلًا؟ ماذا يحل بالبشرية لو لم يوجد شخص عنده أفكار سعيدة؟ الأصح أن نقول إن واعيتَنا هي ذلك الكيس الذي ليس فيه غير ما يتفق أن يقع عليه. إننا لا نُقدِّر أبدًا مِقدارَ اعتمادِنا على الأفكار السعيدة، إلا عندما نتأكد — ويا للأسف! — أنها لن تأتي. وما الحلم إلا فكرة سعيدة تأتينا من عالم النفس المظلمة الموحدة للكل. ماذا عساه أن يكون أكثر طبيعيَّةً من أن نقرع باب الأحلام ونطلب منها المعاني التي تُدنِينا قُربًا من حقائق الوجود البشري الأساسية، بعد إذ أضعنا أنفسنا وسط جزئيات لا نهاية لها وتفصيلات منعزلة من عالم السطح.
هنا نواجه الانحياز العنيد الذي يذهب إلى أن الأحلام زبد كثير، ليست حقيقية، تكذب، مجرد تلبيات لرغبة. وما هذه الأقوال إلا تهرُّب من أخذ الأحلام على مأخذ الجد؛ لأن هذا أمر لا يبعث على ارتياح. إن هوَسَنا الفكري بالواعية لهو هَوَس بالعزلة أيضًا على الرغم مما في هذه العزلة من عيوب. ولهذا السبب تجد الناس يفعلون كل شيء ولا يُسَلمون بأن الأحلام حقيقية وأنها تنطق بالحقيقة؛ ففي القِديسِين مَسن رأى أحلامًا غليظة. ترى ما هو مصير قداستهم، وهي الشيء الذي يرفعهم فوق عامةِ الناس، لو اتَّضح أن شناعة أحلامهم حقيقة واقعة؟ لكنَّ أقذر الأحلام هي التي توثق عرى القرابة بيننا وبين سائر أبناء البشر، وتخمد نار الغطرسة التي يورثها ضمور الغرائز. وحدة النفس لن تتحطم أبدأ، حتى ولو تساقط العالم كله شَذَر مَذَر. وكلما اتَّسعت الشقوق وتكاثرت على السطح، قويَت أواصر الوحدة في الأعماق.
طبعًا، كل مَن لم يختبر وحدة النفس بنفسه لن يقتنع بإمكان وجود فعالية نفسية مستقلة عن الواعية، وليست فعالية لا تحدث فيَّ وحسب، وإنما في جميع الناس في وقت واحد. لكن عندما نقارن سيكولوجية الفن الحديث بما كشف عنه البحث السيكولوجي، وهذا مع ما أثمرت معه الميثولوجيا والفلسفة من نتائج، نجد البراهين التي لا تُدحَض على وجود عامل هذه الخافية الجامعة.
غير أن مريضَنا، وقد اعتاد أن يُعامِل نفسَه باعتبارها شيئًا تحت سيطرته، لسوف يرد محتجًّا بأنه ما لاحظ قطُّ شيئًا موضوعيًّا في سياقاته النفسية، بل هي أكثر الأشياء شخصية على ما قد يتصوَّر المرء. على هذا أردُّ قائلًا: «إذن، أنت تستطيع أن تُبدِّد حالات القلق والأفكار المتسلطة عليك على الفور. والنوبات المزعجة لن تنتابك بعد الآن. ما عليك إلا تنطق بالكلمة السحرية.»
طبعًا، إن مريضَنا، في سذاجته الحديثة، لم يستطِع أن يدرك أنَّ أحواله الباثولوجية تستحوذ عليه مثلما كانت تستحوذ على كل ساحرة أو صائد ساحرات في أظلم العصور الوسطى. المسألة لا تعدو أن تكون اختلافًا في التسميات. في تلك الأيام كانوا يتكلمون عن الشيطان، وفي يومنا هذا ندعو المرضَ عُصابًا. لكننا نصل إلى نفس الشيء، إلى نفس الخبرة القديمة: شيء نفسي موضوعيًّا وغريب عنَّا، لا يقع تحت سيطرتنا، ويقاوم إرادتنا مقاومة عنيدة. لسنا في حال أفضل من اﻟ «بروكتوفنتامست» في «فاوست» الذي صاح في دهشة:
مُنافٍ للعقل! أما زلت تنوي البقاء؟
اختفِ حالًا، لقد انفضح أمرُك!
لا يُخَوَّف رهطُ هذا الشيطان بالأحكام
مع كل حكمتنا، لا يزال «تيغيل» مسكونًا.
لو كان باستطاعة مريضنا الخضوع إلى منطق هذه الحجة، لكسبنا الشيء الكثير. الطريق لاختبار النفس مفتوح، لكنَّ المرءَ ما يلبث أن يأتي إلى انحيازٍ آخرَ يسدُّ عليه التقدم إلى ما وراء ما وصل إليه. لسوف يقول: «لنُسلمْ جدلًا أنني أختبر الآن قوةً نفسيةً تخذل إرادتي، اختبر عاملًا نفسيًّا موضوعيًّا، إن كنت تحب أن تسميه كذلك. لكنه يظل مع ذلك شيئًا سيكولوجيًّا محضًا، غامضًا، لا يعتمد عليه، وليس له أهمية في الحياة العملية.»
6
❤6👍5
هذا، وإنه لأمرٌ يبعث على الذهول مقدارُ ما يؤخذ الناس بالكلمات. يتصوَّرون دائمًا أن الاسم يفترض صحة الشيء — تمامًا كما لو أننا نلحق أذًى شديدًا بالشيطان عندما نسميه عُصابًا! هذه السمة الطفولية بقية أخرى خلَّفها لنا العام الأول للميلاد، عندما كانت البشرية لا تزال تعمل بكلمات السحر. لكن الذي يكمُن وراء الشيطان أو العُصاب لا يهتم بالاسم الذي نسميه به. طبعًا، نحن لا نعلم ما هي النفس، ونحن نتكلم عن «الخافية» لمجرد أننا لا نعرف ما هي في الحقيقة. نحن لا نعرف ما هي الخافية إلا بمقدار ما يعرف عالم الفيزياء ما المادة. كل ما يملك عنها ما يعدو أن يكون نظريات وآراء تصورها طورًا على هذا النحو، وطورًا على ذاك. وتظل هذه الصورة مناسبة وقتًا ما، ثم ما يلبث أن يأتي اكتشاف جديد برأي مغايِر آخر. لكن هذا ليس له تأثير على المادة. أم هل نقصت حقيقة المادة على نحو من الأنحاء.
كل ما في الأمر أننا لا نعرف ماهية هذا الشيء الغريب والباعث على القلق عندما نسميه «الخافية» أو «النفس الموضوعية». في شيء من مظهر التبرير، عُرِّفت بالغريزة الجنسية أو إرادة السيطرة. لكن هذا لا ينصف معناها الحقيقي. ما وراء هاتين الغريزتَين، اللتين ليستا قطعًا بداية الوجود ونهايته، وما هما إلا تمثيل لحدود فهمنا؟ في هذا الميدان، من حق كل تفسير أن يلعب دوره بحُرية؛ فبوسعك مثلًا أن تعتبر الخافية مظهرًا من غريزة الحياة، وتسوِّي القوة، التي تخلق الحياة وتشد أزرها، ﺑ ÉLAN VITTAL الذي يقول به برغسون، أو حتى بالديمومة المبدعة DURÉE CRÉATRICE التي يقول هو بها أيضًا. ولعلنا نجد موازيًا آخر في «إرادة» شوبنهور. أعرف أناسًا يشعرون أن القوة الغريبة في نفوسهم شيء إلهي، لا شيء إلا لأنها منحتهم فهمًا لما هو المقصود بالخبرة الدينية.
أسَلمُ بأنني أفهم تمامًا خيبة أمل جمهوري عندما أشير إلى الأحلام كمصدر للمعلومات في هذه الفوضى الروحية التي يعيش فيها عالمنا الحديث لا شيء طبيعيًّا أكثر من أن تستوقفنا بادرة كهذه البادرة، البادية التناقض، البالغة السخافة. ماذا بوسع حلم أن يفعل، هذا الشيء الذاتي والتافه إلى أقصى حدود التفاهة، ماذا يستطيع أن يفعل في عالم طافح بالحقائق البالغة القوة؟ الحقائق يجب أن نقابلها بحقائق تساويها حسِّيةً، لا بأحلام لا تفعل أكثر من أن تزعجنا عن نومنا وتُعَكر مزاجنا في اليوم التالي. إنك لا تستطيع أن تبني بيتًا، أو تدفع ضرائب، أو تكسب معارك، أو بحل أزمة عالمية، بالأحلام. لذلك أتوقع أن يطلب مريضي مِنِّي، مثلما أتوقع من جميع الناس من ذوي الحساسية غيره، أن أقول له عما يمكن فعله في هذا الوضع الذي لا يطاق، وبأساليب الحس السليم المناسبة. والصعوبة الوحيدة التي تعترضنا أننا قد سبق لنا وجربنا جميع الأساليب التي تبدو مناسبة، لكن بدون أن نظفر بشيء على الإطلاق، أو أنها تتكون من تخيُّلات رغبيَّة متعذِّرة التطبيق. لقد جرَّبنا استعمال جميع هذه الأساليب لمعالجة الوضع القائم. مثلًا، عندما تضرب الفوضى في أعمال أحدنا، من الطبيعي أن ينظر في كيفية ترتيبها وتنظيمها وإيقافها ثانيةً على قدميها، فيلجأ إلى استعمال جميع العلاجات الموصوفة لكي يعود عمله صحيحًا معافًى. لكن ماذا يحدث، بعد أن يكون قد جرَّب جميع هذه العلاجات، لو تدَهوَر الوضع من سيئ إلى أسوأ، خِلافًا لجميع التوقعات المعقولة؟ لا بد له من أن يَيْئَس من جميع هذه الأساليب، المفترض أنها معقولة، بأسرع ما يمكن.
إن مريضي، وربما عصرنا بكامله، هو في مثل هذا الوضع؛ فهو يسألني في لهفة: «ماذا أستطيع أن أفعل؟» فأجيبه: «وأنا مثلك لا أعلم.» «إذن، لا شيء يمكن عمله؟» لكني أجيبه أيضًا بأن البشرية وجدت نفسها في هذه المسالك العمياء مرَّاتٍ لا حصرَ لها في أثناء مجرى التطور، وما من أحدٍ عرف ما عساه أن يفعل؛ لأن كل أحد كان منصرفًا إلى رسم خطط بارعة من أجل معالجة الوضع. ما من أحد كان لديه الشجاعة لأن يعترف بأنه قد سلك الطريق الغلط. ثم ما تلبث الأشياء أن تعود إلى الحركة ثانيةً حتى تظل نفس البشرية موجودة، وإن تكن اختلفت بعض الاختلاف عن ذي قبل.
عندما ننظر إلى التاريخ البشري، لا نرى إلا ما يحدث على السطح، وحتى هذا يتشوَّه في مرآةِ التقليد الباهتة. لكن الذي يحدث حقيقة يروغ من عين المؤرخ الباحثة. ذلك أن الحدث التاريخي الحقيقي مدفون في العمق، اختبره الكل، لكن لم يراقِبه أحد. هو أكثر الخبرات النفسية خصوصية وأكثرها ذاتية. ما الحروب والأسر المالكة والفتن الاجتماعية والفتوحات والأديان إلا أعراض سطحية من الموقف النفسي السري الذي يجهله حتى الفرد نفسه، ولا يرويه المؤرخ. ربما يعطينا مؤسسو الأديان أوفر المعلومات بهذا الخصوص. الأحداث الكبرى في تاريخ العالم هي، في القعر، ليست هامة إلى حد عميق في التحليل الأخير، الشيء الجوهري هو حياة الفرد. هذا وحده يصنع التاريخ. هنا فقط أول ما تحصل التحوُّلات العظمى.
7
كل ما في الأمر أننا لا نعرف ماهية هذا الشيء الغريب والباعث على القلق عندما نسميه «الخافية» أو «النفس الموضوعية». في شيء من مظهر التبرير، عُرِّفت بالغريزة الجنسية أو إرادة السيطرة. لكن هذا لا ينصف معناها الحقيقي. ما وراء هاتين الغريزتَين، اللتين ليستا قطعًا بداية الوجود ونهايته، وما هما إلا تمثيل لحدود فهمنا؟ في هذا الميدان، من حق كل تفسير أن يلعب دوره بحُرية؛ فبوسعك مثلًا أن تعتبر الخافية مظهرًا من غريزة الحياة، وتسوِّي القوة، التي تخلق الحياة وتشد أزرها، ﺑ ÉLAN VITTAL الذي يقول به برغسون، أو حتى بالديمومة المبدعة DURÉE CRÉATRICE التي يقول هو بها أيضًا. ولعلنا نجد موازيًا آخر في «إرادة» شوبنهور. أعرف أناسًا يشعرون أن القوة الغريبة في نفوسهم شيء إلهي، لا شيء إلا لأنها منحتهم فهمًا لما هو المقصود بالخبرة الدينية.
أسَلمُ بأنني أفهم تمامًا خيبة أمل جمهوري عندما أشير إلى الأحلام كمصدر للمعلومات في هذه الفوضى الروحية التي يعيش فيها عالمنا الحديث لا شيء طبيعيًّا أكثر من أن تستوقفنا بادرة كهذه البادرة، البادية التناقض، البالغة السخافة. ماذا بوسع حلم أن يفعل، هذا الشيء الذاتي والتافه إلى أقصى حدود التفاهة، ماذا يستطيع أن يفعل في عالم طافح بالحقائق البالغة القوة؟ الحقائق يجب أن نقابلها بحقائق تساويها حسِّيةً، لا بأحلام لا تفعل أكثر من أن تزعجنا عن نومنا وتُعَكر مزاجنا في اليوم التالي. إنك لا تستطيع أن تبني بيتًا، أو تدفع ضرائب، أو تكسب معارك، أو بحل أزمة عالمية، بالأحلام. لذلك أتوقع أن يطلب مريضي مِنِّي، مثلما أتوقع من جميع الناس من ذوي الحساسية غيره، أن أقول له عما يمكن فعله في هذا الوضع الذي لا يطاق، وبأساليب الحس السليم المناسبة. والصعوبة الوحيدة التي تعترضنا أننا قد سبق لنا وجربنا جميع الأساليب التي تبدو مناسبة، لكن بدون أن نظفر بشيء على الإطلاق، أو أنها تتكون من تخيُّلات رغبيَّة متعذِّرة التطبيق. لقد جرَّبنا استعمال جميع هذه الأساليب لمعالجة الوضع القائم. مثلًا، عندما تضرب الفوضى في أعمال أحدنا، من الطبيعي أن ينظر في كيفية ترتيبها وتنظيمها وإيقافها ثانيةً على قدميها، فيلجأ إلى استعمال جميع العلاجات الموصوفة لكي يعود عمله صحيحًا معافًى. لكن ماذا يحدث، بعد أن يكون قد جرَّب جميع هذه العلاجات، لو تدَهوَر الوضع من سيئ إلى أسوأ، خِلافًا لجميع التوقعات المعقولة؟ لا بد له من أن يَيْئَس من جميع هذه الأساليب، المفترض أنها معقولة، بأسرع ما يمكن.
إن مريضي، وربما عصرنا بكامله، هو في مثل هذا الوضع؛ فهو يسألني في لهفة: «ماذا أستطيع أن أفعل؟» فأجيبه: «وأنا مثلك لا أعلم.» «إذن، لا شيء يمكن عمله؟» لكني أجيبه أيضًا بأن البشرية وجدت نفسها في هذه المسالك العمياء مرَّاتٍ لا حصرَ لها في أثناء مجرى التطور، وما من أحدٍ عرف ما عساه أن يفعل؛ لأن كل أحد كان منصرفًا إلى رسم خطط بارعة من أجل معالجة الوضع. ما من أحد كان لديه الشجاعة لأن يعترف بأنه قد سلك الطريق الغلط. ثم ما تلبث الأشياء أن تعود إلى الحركة ثانيةً حتى تظل نفس البشرية موجودة، وإن تكن اختلفت بعض الاختلاف عن ذي قبل.
عندما ننظر إلى التاريخ البشري، لا نرى إلا ما يحدث على السطح، وحتى هذا يتشوَّه في مرآةِ التقليد الباهتة. لكن الذي يحدث حقيقة يروغ من عين المؤرخ الباحثة. ذلك أن الحدث التاريخي الحقيقي مدفون في العمق، اختبره الكل، لكن لم يراقِبه أحد. هو أكثر الخبرات النفسية خصوصية وأكثرها ذاتية. ما الحروب والأسر المالكة والفتن الاجتماعية والفتوحات والأديان إلا أعراض سطحية من الموقف النفسي السري الذي يجهله حتى الفرد نفسه، ولا يرويه المؤرخ. ربما يعطينا مؤسسو الأديان أوفر المعلومات بهذا الخصوص. الأحداث الكبرى في تاريخ العالم هي، في القعر، ليست هامة إلى حد عميق في التحليل الأخير، الشيء الجوهري هو حياة الفرد. هذا وحده يصنع التاريخ. هنا فقط أول ما تحصل التحوُّلات العظمى.
7
👍9❤4
والمستقبل كله، كل تاريخ العالم، ينبع في النهاية كمجموع هائل من هذه المنابع الخبيئة في الأفراد إننا، في أكثر حيواتنا خصوصية وذاتية، لسنا شهودًا سلبيين على عصرنا ومعذبين فيه وحسب، وإنما صانعوه أيضًا. إننا نحن الذين نصنع عصرنا.
لذلك عندما أنصح مريضي بأن يُعِير أحلامه انتباهًا، فإنما أريد أن أقول له: «عد إلى أكثر الأشياء ذاتية من نفسك، عد إلى منبع وجودك، إلى تلك النقطة التي تصنع فيها تاريخ العالم وأنت لا تعلم. إن مشكلتَك التي لا حل ظاهريًّا لها واضحٌ أنها يجب أن تبقى بلا حل، وإلا أرهقت نفسك بحثًا عن الأدوية التي أنت مقتنع منذ البدء بعدم جدواها. إن أحلامك تعبير عن حياتك الداخلية، ويمكنُها أن تُظهِرك على الموقف الخاطئ الذي من خلاله وطَّنت نفسك في هذا المسلك الأعمى.»
الأحلام نواتج حيادية، عفوية، من نواتج النفس الباطنة، خارجة عن سيطرة الإرادة؛ طبيعية محضة؛ تُطلِعنا على الحقيقة الطبيعية بلا تزويق. ولذلك هي مؤهَّلة، كما لم يُؤهَّل شيءٌ آخر، لأنْ تُعيدَ لنا موقفًا يتفق مع طبيعتنا البشرية الأساسية، عندما تضل واعيتنا بعيدًا جدًّا عن أساساتها وتسلك في طريق مسدود.
الاهتمام بالأحلام هو طريق للتفكير في أنفسنا؛ طريق للتفكير بالذات. إنها ليست أنيتنا الواعية تفكر في نفسها؛ بل هي تلفت انتباه الواعية إلى الواقع الموضوعي من الحلم كبلاغ أو رسالة من الروح البشري التوحيدي الباطن. الأحلام ليست تفكيرًا قائمًا في الأنية بل في كلية النفس أو الذات The self. تُذكرنا بتلك النفس الغربية، عن الأنية، التي كانت نَفَسَنا منذ البداية، الجذع الذي نبتت منه الأنية. لقد أضحت غريبة عنَّا، لأننا غرَّبنا أنفسنا عنها من خلال الواعية.
لكننا حتى لو قبلنا بالطرح الذي يقول إن الأحلام ليست اختراعات اعتباطية بل نواتج طبيعية نتجت عن الفاعلية النفسية الباطنة، لسوف نظل كلما واجهنا حلمًا حقيقيًّا نفتقر إلى الشجاعة اللازمة لكي نرى فيه رسالة ذات أهمية. لقد كان تفسير الأحلام أحد إنجازات فن السحر، ولذلك كان في جملة الفنون السوداء التي كانت تقف لها الكنيسة بالمرصاد. لكن، حتى ولو كنا، نحن أبناء القرن العشرين، أرحب عقلًا وصدرًا من هذه الناحية، إلا أننا لا يزال عندنا الكثير من الانحياز التاريخي المرتبط بالتحامل على فكرة تفسير الأحلام بحيث يجعلنا لا نتعامل معها باللطف الواجب لها. ولعلنا نتساءل عن وجود منهج لتفسير الأحلام يمكن الركون إليه. هل نستطيع أن نُولِي ثقتنا أيًّا من هذه المذاهب الظنية؟ أسلم بأن لي نصيبي الكامل من هذه الشكوك، وإني لمقتنع بأنه لا يوجد منهج لتفسير الأحلام يركن إليه بصورة مطلقة. حتى الثقة المطلقة في تفسير الحوادث الطبيعية لا نجدها إلا في أضيق الحدود؛ أي عندما لا يأتي من التفسير أكثر مما نضع فيه. كل محاولة لتفسير الطبيعة فهي مخاطرة. والمنهج الذي يمكننا الاعتماد عليه لا يظهر إلى حيِّز الوجود إلا بعد انقضاء زمن على إنجاز عمل رائد. نحن نعلم أن فرويد قد ألف كتابًا في تفسير الأحلام، لكن تفسيره ليس إلا مثالًا على ما قلناه للتو: لا يأتي منه أكثر مما تسمح نظريته بأن تضعه في الحلم. طبعًا، إن هذه النظرية لا تُنصِف حرية حياة الحلم التي لا تُحَد، الأمر الذي يترتب عليه اختفاء الحلم دون جلائه. أيضًا، عندما ننظر في تنوُّعية الأحلام غير المحدودة، يغدو من الصعب علينا الاعتقاد بأن من الممكن أن يوجد أصلًا منهج أو إجراء من شأنه أن يؤدي إلى نتيجة لا تخطئ. والحق أنه لمن الأمور الحسنة ألا يوجد منهج صالح من كل وجه؛ لأنه بخلاف ذلك قد يكون معنى الحلم محدودًا سلفًا، ولعله عندئذٍ يفقد بالتحديد تلك الفضيلة التي تجعل الأحلام بالغة القيمة للأغراض الشفائية؛ أي قدرتها على تقديم وجهات نظر جديدة.
لذلك نحن نُحسِن صُنعًا لو عاملنا كل حلم كما لو أنه موضوع نجهله كليًّا. ننظر إليه من جميع جوانبه، نأخذه بيدنا، ننقله معنا إلى حيث نذهب، ندع خيالنا يدور حوله، نتكلم عنه مع غيرنا من الناس. البدائيون يقصون أحلامهم المؤثرة بعضهم على بعض في جلسة مسامرة عامة، وقد كانت هذه العادة متبعة في العصور القديمة المتأخرة؛ لأن جميع الأقوام كانت تنسب للأحلام أهمية عظمى. لو عاملنا الحلم بهذه الطريقة، لأوحى لنا بكل الأفكار والتداعيات التي تُدنِينا قُربًا من معناه. لا حاجة بنا إلى تبيان أن هذا التحقق من معنى الحلم، شأن اعتباطي كليًّا، وهنا تبدأ المخاطرة. لسوف تُوضَع حدودٌ ضيقة أو واسعة لمعنى الحلم على حسب خِبرتنا ومزاجنا وذوقنا. بعض الناس يكتفي بالقليل، وبعضهم الآخر يرون الكثير غير كافٍ. كذلك إن معنى الحلم، أو تفسيرنا له، يتوقف إلى حد كبير على مرامي المفسِّر، على ما يتوقع أن يكون معناه أو يقتضي منه أن يفعل. لسوف يعمل المفسر، في سياق تَجلِيَته للمعنى، عن غير إرادة منه، على هدي من افتراضات سابقة معينة، ويتوقف المعنى كثيرًا على تدقيق الباحث وإخلاصه، إن كان يكسب شيئًا من تفسيره أو لعله يظل مغلولًا إلى أخطائه.
8
لذلك عندما أنصح مريضي بأن يُعِير أحلامه انتباهًا، فإنما أريد أن أقول له: «عد إلى أكثر الأشياء ذاتية من نفسك، عد إلى منبع وجودك، إلى تلك النقطة التي تصنع فيها تاريخ العالم وأنت لا تعلم. إن مشكلتَك التي لا حل ظاهريًّا لها واضحٌ أنها يجب أن تبقى بلا حل، وإلا أرهقت نفسك بحثًا عن الأدوية التي أنت مقتنع منذ البدء بعدم جدواها. إن أحلامك تعبير عن حياتك الداخلية، ويمكنُها أن تُظهِرك على الموقف الخاطئ الذي من خلاله وطَّنت نفسك في هذا المسلك الأعمى.»
الأحلام نواتج حيادية، عفوية، من نواتج النفس الباطنة، خارجة عن سيطرة الإرادة؛ طبيعية محضة؛ تُطلِعنا على الحقيقة الطبيعية بلا تزويق. ولذلك هي مؤهَّلة، كما لم يُؤهَّل شيءٌ آخر، لأنْ تُعيدَ لنا موقفًا يتفق مع طبيعتنا البشرية الأساسية، عندما تضل واعيتنا بعيدًا جدًّا عن أساساتها وتسلك في طريق مسدود.
الاهتمام بالأحلام هو طريق للتفكير في أنفسنا؛ طريق للتفكير بالذات. إنها ليست أنيتنا الواعية تفكر في نفسها؛ بل هي تلفت انتباه الواعية إلى الواقع الموضوعي من الحلم كبلاغ أو رسالة من الروح البشري التوحيدي الباطن. الأحلام ليست تفكيرًا قائمًا في الأنية بل في كلية النفس أو الذات The self. تُذكرنا بتلك النفس الغربية، عن الأنية، التي كانت نَفَسَنا منذ البداية، الجذع الذي نبتت منه الأنية. لقد أضحت غريبة عنَّا، لأننا غرَّبنا أنفسنا عنها من خلال الواعية.
لكننا حتى لو قبلنا بالطرح الذي يقول إن الأحلام ليست اختراعات اعتباطية بل نواتج طبيعية نتجت عن الفاعلية النفسية الباطنة، لسوف نظل كلما واجهنا حلمًا حقيقيًّا نفتقر إلى الشجاعة اللازمة لكي نرى فيه رسالة ذات أهمية. لقد كان تفسير الأحلام أحد إنجازات فن السحر، ولذلك كان في جملة الفنون السوداء التي كانت تقف لها الكنيسة بالمرصاد. لكن، حتى ولو كنا، نحن أبناء القرن العشرين، أرحب عقلًا وصدرًا من هذه الناحية، إلا أننا لا يزال عندنا الكثير من الانحياز التاريخي المرتبط بالتحامل على فكرة تفسير الأحلام بحيث يجعلنا لا نتعامل معها باللطف الواجب لها. ولعلنا نتساءل عن وجود منهج لتفسير الأحلام يمكن الركون إليه. هل نستطيع أن نُولِي ثقتنا أيًّا من هذه المذاهب الظنية؟ أسلم بأن لي نصيبي الكامل من هذه الشكوك، وإني لمقتنع بأنه لا يوجد منهج لتفسير الأحلام يركن إليه بصورة مطلقة. حتى الثقة المطلقة في تفسير الحوادث الطبيعية لا نجدها إلا في أضيق الحدود؛ أي عندما لا يأتي من التفسير أكثر مما نضع فيه. كل محاولة لتفسير الطبيعة فهي مخاطرة. والمنهج الذي يمكننا الاعتماد عليه لا يظهر إلى حيِّز الوجود إلا بعد انقضاء زمن على إنجاز عمل رائد. نحن نعلم أن فرويد قد ألف كتابًا في تفسير الأحلام، لكن تفسيره ليس إلا مثالًا على ما قلناه للتو: لا يأتي منه أكثر مما تسمح نظريته بأن تضعه في الحلم. طبعًا، إن هذه النظرية لا تُنصِف حرية حياة الحلم التي لا تُحَد، الأمر الذي يترتب عليه اختفاء الحلم دون جلائه. أيضًا، عندما ننظر في تنوُّعية الأحلام غير المحدودة، يغدو من الصعب علينا الاعتقاد بأن من الممكن أن يوجد أصلًا منهج أو إجراء من شأنه أن يؤدي إلى نتيجة لا تخطئ. والحق أنه لمن الأمور الحسنة ألا يوجد منهج صالح من كل وجه؛ لأنه بخلاف ذلك قد يكون معنى الحلم محدودًا سلفًا، ولعله عندئذٍ يفقد بالتحديد تلك الفضيلة التي تجعل الأحلام بالغة القيمة للأغراض الشفائية؛ أي قدرتها على تقديم وجهات نظر جديدة.
لذلك نحن نُحسِن صُنعًا لو عاملنا كل حلم كما لو أنه موضوع نجهله كليًّا. ننظر إليه من جميع جوانبه، نأخذه بيدنا، ننقله معنا إلى حيث نذهب، ندع خيالنا يدور حوله، نتكلم عنه مع غيرنا من الناس. البدائيون يقصون أحلامهم المؤثرة بعضهم على بعض في جلسة مسامرة عامة، وقد كانت هذه العادة متبعة في العصور القديمة المتأخرة؛ لأن جميع الأقوام كانت تنسب للأحلام أهمية عظمى. لو عاملنا الحلم بهذه الطريقة، لأوحى لنا بكل الأفكار والتداعيات التي تُدنِينا قُربًا من معناه. لا حاجة بنا إلى تبيان أن هذا التحقق من معنى الحلم، شأن اعتباطي كليًّا، وهنا تبدأ المخاطرة. لسوف تُوضَع حدودٌ ضيقة أو واسعة لمعنى الحلم على حسب خِبرتنا ومزاجنا وذوقنا. بعض الناس يكتفي بالقليل، وبعضهم الآخر يرون الكثير غير كافٍ. كذلك إن معنى الحلم، أو تفسيرنا له، يتوقف إلى حد كبير على مرامي المفسِّر، على ما يتوقع أن يكون معناه أو يقتضي منه أن يفعل. لسوف يعمل المفسر، في سياق تَجلِيَته للمعنى، عن غير إرادة منه، على هدي من افتراضات سابقة معينة، ويتوقف المعنى كثيرًا على تدقيق الباحث وإخلاصه، إن كان يكسب شيئًا من تفسيره أو لعله يظل مغلولًا إلى أخطائه.
8
👍6❤3
فيما يتعلق بالفرضيات السابقة، لعلنا موقنون من القول إن الحلم ليس اختراعًا باطلًا من جانب العقل الواعي، بل ظاهرة طبيعية غير إرادية، حتى ولو ثبت أن الأحلام قد شوَّهَتها على نحو ما صيرورتها شعورية. على كل حال، يحدث هذا التشويه في سرعة وتلقائية حتى لا نكادُ ندركه. لذلك نكون في مأمن إذا ذهبنا إلى أن الأحلام تطلع من الجانب الباطن من وجودنا، وأنها — تبعًا لذلك — أعراضٌ من هذا الوجود، الأمر الذي يتيح لنا أن نتوصل إلى استنتاجات حول طبيعة هذا الوجود. فإن كنا نريد أن نبحث في طبيعتنا، فإن الأحلام هي أنسب الوسائل لذلك.
يجب أن نُمسِك، ونحن في سياق التفسير، عن جميع الافتراضات المسبقة التي يقطر منها طعم الخرافة، من مثل، أولًا وقبل كل شيء، مفهوم الخصوم في الأحلام أنهم ليسوا سوى نفس الأشخاص الذين نعرفهم في اليقظة. يجب ألا ننسى أبدًا أنَّ أحدَنا إنما يحلم بنفسه في المقام الأول، ويكاد أن يكون هذا باستبعاد كل شيء آخر (كل الاستثناءات محكومة بقواعدَ محدَّدة، لكنني لا أستطيع أن أخوض في هذا الموضوع هنا). لو اعترفنا بهذه الحقيقة، لوجدنا أنفسنا وجهًا لوجه أمام مشكلات تبعث على الاهتمام أحيانًا. أتذكر حالتين لهما دلالتهما: أحد مرضاي حلم بمتشرد سِكير مُلقًى في خندق، والآخر بمومس سِكيرة تتقلب عند بالوعة. كان الأول رجل لاهوت، والثاني سيدة بارزة في مجتمع راقي. كان كلاهما ضحية عنف وترويع وانتهاك، وقد رَفضَا رفضًا باتًّا أنهما قد حلما بنفسَيهما. نصحتهما أن ينفقا ساعة في تفكير ذاتي، وأن يبذلا جهدَيهما وينظرا بإخلاص بم يَفضُلان كثيرًا أخاهما السِّكير في الخندق وأختهما السِّكيرة في البالوعة. إن سياق معرفة النفس الخَفِية غالبًا ما يبدأ بقنبلة كهذه. الشخص «الآخر» الذي نحلم به ليس صديقنا ولا جارنا، لكنه الآخر الذي فينا، الذي نفضل أن نقول عنه: «أحمدك، يا رب، أنني لست مثل هذا العامِّي والآثم». يقينًا إن الحلم، وهو ابن الطبيعة، ليس في نيته أن يقوِّم شيئًا أخلاقيًّا؛ كل ما في الأمر أنه يمثل ذلك القانون الشهير الذي يفيد أن ما من شجرةٍ تستطيع أن ترقى إلى السماء.
فإذا وضعنا في ذهننا، إلى جانب هذا، أن الخافية تحتوي على كل شيء تفتقر إليه الواعية، وأن الخافية — تبعًا لذلك — ذات ميل تعويضي، استطعنا عندئذٍ أن نستخلص نتائج هامة — طبعًا، شريطة ألا يأتي الحلم من مستوًى نفسي بالغ العمق. فإن كان حلمًا من هذا النوع، كان الأصل أن يحتوي على موضوعات ميثولوجية، وهي جملة من الأفكار أو الصور التي قد نجدها في أساطير الجماعة التي نحن منها أو في أساطير شعوب أخرى. عندئذٍ يكون للحلم معنًى جماعي، تشترك فيه البشرية جمعاء.
إن هذا لا يتناقض مع ملاحظتي المتقدمة، وهي أننا دائمًا نحلم بأنفسنا. كأفراد نحن لسنا وحيدين، بل مثل سائر الناس. لذلك يصلح الحلم ذو المعنى الجماعي للحالم في المكان الأول، لكنه، في الوقت نفسه، يُبيِّن أن مشكلته المؤقتة هي أيضًا مشكلة أناس آخرين. إن هذا لذو أهمية عملية عظيمة في الغالب، لوجود عدد لا يُحصَى من البشر منطوين على أنفسهم ومنقطعين عن سائر البشرية، لوقوعهم تحت سيطرة الاعتقاد بأن ما من أحدٍ غيرهم يشاركهم مشكلاتهم. أو هم أناس مفرطون في التواضع يشعرون بأنهم نكرات، احتفظوا بطلب الاعتراف بهم اجتماعيًّا على مستوًى مفرط من الانحطاط. زد على ذلك أن كل مشكلة فردية ترتبط بمشكلة العصر على نحو من الأنحاء، بحيث يتعيَّن علينا أن ننظر في كل صعوبة ذاتية من منطق الوضع البشري في مجمله. لكن هذا لا يسمح به إلا إذا كان الحلم فعلًا حلمًا ميثولوجيًّا ويستخدم رموزًا ذات صفة جماعية.
مثل هذه الأحلام يدعوها البدائيون أحلامًا «كبيرة». والبدائيون الذين راقبتهم في شرقي أفريقيا يرون من الأمور المسلمة أن الأحلام «الكبيرة» لا يحلم بها إلا «الكبار» من مثل العرافين والسحرة وشيوخ القبيلة … إلخ. قد يصح هذا على المستوى البدائي. أما عندنا فيحلم بهذه الأحلام الناس العاديون أيضًا، خصوصًا إذا وجدوا أنفسهم متورطين عقليًا أو روحيًا في وضع صعب. المعرفة الواسعة أمر مطلوب، كالتي يجدر بصاحب اختصاص أن يحصلها. لكن ما من حلم يفسر بالمعرفة وحدها. زد على ذلك أن هذه المعرفة يجب ألا تكون مادة ميتة محفوظة عن ظهر قلب؛ يجب أن تتصف بالحياة وتُصَب في خبرة الشخص الذي يستخدمها. ماذا تفيد المعرفة الفلسفية في الرأس إن لم نكن فلاسفة في القلب أيضًا؟ كل من يريد أن يُفسِّر حلمًا عليه أن يكون هو نفسه في مستوى الحلم تقريبًا؛ لأنه لا يستطيع أن يرى في أي مكان شيئًا أكثر مما في نفسه.
لا يمكن تعلم فن تفسير الأحلام من الكتب. المناهج والقواعد غير صالحة إلا عندما نستطيع الاستغناء عنها. وإنَّ مَن يستطيع أن يفعل ذلك لهو الماهر حقًّا، ولا يفهم إلا امرؤٌ ذو فهم. ومَن لا يعرف نفسه لا يمكنه أن يعرف غيره. وفي كل من «غير» لا نعرفه.
9
يجب أن نُمسِك، ونحن في سياق التفسير، عن جميع الافتراضات المسبقة التي يقطر منها طعم الخرافة، من مثل، أولًا وقبل كل شيء، مفهوم الخصوم في الأحلام أنهم ليسوا سوى نفس الأشخاص الذين نعرفهم في اليقظة. يجب ألا ننسى أبدًا أنَّ أحدَنا إنما يحلم بنفسه في المقام الأول، ويكاد أن يكون هذا باستبعاد كل شيء آخر (كل الاستثناءات محكومة بقواعدَ محدَّدة، لكنني لا أستطيع أن أخوض في هذا الموضوع هنا). لو اعترفنا بهذه الحقيقة، لوجدنا أنفسنا وجهًا لوجه أمام مشكلات تبعث على الاهتمام أحيانًا. أتذكر حالتين لهما دلالتهما: أحد مرضاي حلم بمتشرد سِكير مُلقًى في خندق، والآخر بمومس سِكيرة تتقلب عند بالوعة. كان الأول رجل لاهوت، والثاني سيدة بارزة في مجتمع راقي. كان كلاهما ضحية عنف وترويع وانتهاك، وقد رَفضَا رفضًا باتًّا أنهما قد حلما بنفسَيهما. نصحتهما أن ينفقا ساعة في تفكير ذاتي، وأن يبذلا جهدَيهما وينظرا بإخلاص بم يَفضُلان كثيرًا أخاهما السِّكير في الخندق وأختهما السِّكيرة في البالوعة. إن سياق معرفة النفس الخَفِية غالبًا ما يبدأ بقنبلة كهذه. الشخص «الآخر» الذي نحلم به ليس صديقنا ولا جارنا، لكنه الآخر الذي فينا، الذي نفضل أن نقول عنه: «أحمدك، يا رب، أنني لست مثل هذا العامِّي والآثم». يقينًا إن الحلم، وهو ابن الطبيعة، ليس في نيته أن يقوِّم شيئًا أخلاقيًّا؛ كل ما في الأمر أنه يمثل ذلك القانون الشهير الذي يفيد أن ما من شجرةٍ تستطيع أن ترقى إلى السماء.
فإذا وضعنا في ذهننا، إلى جانب هذا، أن الخافية تحتوي على كل شيء تفتقر إليه الواعية، وأن الخافية — تبعًا لذلك — ذات ميل تعويضي، استطعنا عندئذٍ أن نستخلص نتائج هامة — طبعًا، شريطة ألا يأتي الحلم من مستوًى نفسي بالغ العمق. فإن كان حلمًا من هذا النوع، كان الأصل أن يحتوي على موضوعات ميثولوجية، وهي جملة من الأفكار أو الصور التي قد نجدها في أساطير الجماعة التي نحن منها أو في أساطير شعوب أخرى. عندئذٍ يكون للحلم معنًى جماعي، تشترك فيه البشرية جمعاء.
إن هذا لا يتناقض مع ملاحظتي المتقدمة، وهي أننا دائمًا نحلم بأنفسنا. كأفراد نحن لسنا وحيدين، بل مثل سائر الناس. لذلك يصلح الحلم ذو المعنى الجماعي للحالم في المكان الأول، لكنه، في الوقت نفسه، يُبيِّن أن مشكلته المؤقتة هي أيضًا مشكلة أناس آخرين. إن هذا لذو أهمية عملية عظيمة في الغالب، لوجود عدد لا يُحصَى من البشر منطوين على أنفسهم ومنقطعين عن سائر البشرية، لوقوعهم تحت سيطرة الاعتقاد بأن ما من أحدٍ غيرهم يشاركهم مشكلاتهم. أو هم أناس مفرطون في التواضع يشعرون بأنهم نكرات، احتفظوا بطلب الاعتراف بهم اجتماعيًّا على مستوًى مفرط من الانحطاط. زد على ذلك أن كل مشكلة فردية ترتبط بمشكلة العصر على نحو من الأنحاء، بحيث يتعيَّن علينا أن ننظر في كل صعوبة ذاتية من منطق الوضع البشري في مجمله. لكن هذا لا يسمح به إلا إذا كان الحلم فعلًا حلمًا ميثولوجيًّا ويستخدم رموزًا ذات صفة جماعية.
مثل هذه الأحلام يدعوها البدائيون أحلامًا «كبيرة». والبدائيون الذين راقبتهم في شرقي أفريقيا يرون من الأمور المسلمة أن الأحلام «الكبيرة» لا يحلم بها إلا «الكبار» من مثل العرافين والسحرة وشيوخ القبيلة … إلخ. قد يصح هذا على المستوى البدائي. أما عندنا فيحلم بهذه الأحلام الناس العاديون أيضًا، خصوصًا إذا وجدوا أنفسهم متورطين عقليًا أو روحيًا في وضع صعب. المعرفة الواسعة أمر مطلوب، كالتي يجدر بصاحب اختصاص أن يحصلها. لكن ما من حلم يفسر بالمعرفة وحدها. زد على ذلك أن هذه المعرفة يجب ألا تكون مادة ميتة محفوظة عن ظهر قلب؛ يجب أن تتصف بالحياة وتُصَب في خبرة الشخص الذي يستخدمها. ماذا تفيد المعرفة الفلسفية في الرأس إن لم نكن فلاسفة في القلب أيضًا؟ كل من يريد أن يُفسِّر حلمًا عليه أن يكون هو نفسه في مستوى الحلم تقريبًا؛ لأنه لا يستطيع أن يرى في أي مكان شيئًا أكثر مما في نفسه.
لا يمكن تعلم فن تفسير الأحلام من الكتب. المناهج والقواعد غير صالحة إلا عندما نستطيع الاستغناء عنها. وإنَّ مَن يستطيع أن يفعل ذلك لهو الماهر حقًّا، ولا يفهم إلا امرؤٌ ذو فهم. ومَن لا يعرف نفسه لا يمكنه أن يعرف غيره. وفي كل من «غير» لا نعرفه.
9
❤14👍7
يخاطبنا في الأحلام، ويبين لنا كيف تختلف رؤيته لنا عن طريقة رؤيتنا لأنفسنا، لذلك عندما نجد أنفسنا في وضع صعب ليس له حل، يستطيع أحيانًا أن يوقد لنا مصباحًا يغير من موقفنا تغييرًا جذريًّا — نفس الموقف الذي أوصلنا إلى الوضع الصعب.
وكلما توغلت في هذه المشكلات على مدى السنين، قوي انطباعي بأن تعليمنا الحديث تعليم أحادي إلى حدٍّ مروع. لا شك أننا على حق عندما نفتح عيون شبابنا وآذانهم على العالم الوسيع، لكن من أحمق الضلالات الاعتقاد بأن هذا يؤهلهم فعلًا لمهمة الحياة. إن ما نعلمه شبابَنا لهو نوع من التدريب الذي يمكنُهم من التكيف خارجيًّا مع العالم ومع الواقع، لكن ما من أحد يهتم بإعطائهم فكرة عن ضرورة التكيُّف مع النفس، مع قوى عالمه النفسي، التي هي أقوى بكثير من جميع القوى العظمى على الأرض. صحيح أن لدينا نظامًا للتعليم، لكنَّ بعضَ أصوله يرجع إلى العصور القديمة، وبعضها الآخر إلى العصور الوسطى. وهو في هذا يحتذي حذو الكنيسة المسيحية. لكننا لا يمكن أن ننكر أن المسيحية قد فقدت فعاليتها التعليمية إلى حد كبير، طوال القرنين الماضيين، وهي في هذا ليست أقل من الكنفوشيوسية في الصين والبوذية في الهند. وليس محل اللوم في هذا الجور البشري، بل التغير الروسي الذي حصل تدريجيًّا وعلى نطاق واسع، وكان أول أعراضه الإصلاح الديني. لقد حطم الإصلاح الديني سلطان الكنيسة في صفتها التعليمية، ثم أخذ بعد ذلك المبدأ الاستبدادي نفسه يتقوَّض وينهار. وكانت النتيجة التي لا مفر منها زيادة في أهمية الفرد، التي وجدت تعبيرها في المثل الإنسانية العليا كالرفاه الاجتماعي والديمقراطية والمساواة. لكن الاتجاه الفرداني الحاسم في هذه التطورات الأخيرة أخذ يوازنه الاتجاه التعويضي المعاكس نحو الإنسان الجمعي، الذي يبلغ سلطانه في الوقت ما يبلغ وزن الكتل البشرية. لذلك لا عجب أن يوجد اليوم شعور بالكارثة في الهواء كما لو أن «هَيْلًا» Avalanche انفجر ولا شيء يستطيع إيقافه. الإنسان الجمعي يهدد الإنسان الفرد، الذي يتوقف على شعوره بالمسئولية كل شيء ذي قيمة في الحياة البشرية في نهاية المطاف الكتل البشرية، بهذه الصفة، دائمًا مُغْفَلة ودائمًا غير مسئولة. ما يُسمَّون بالزعماء هم الأعراض التي لا مفر منها على حركة هذه الكتل. أما الزعماء الحقيقيون للبشرية فهم دائمًا القادرون على التفكير الذاتي، الذين يُلقون عن كاهلهم هم على الأقل ذلك العبء الميت الذي تمثله الكتل، ويقفون واعين في معزل عن الزخم الأعمى في حركة الكتلة. لكن مَن يستطيع مقاومة قوة الجذب هذه التي تلتهم كل شيء، عندما يتأبَّط كل أحد الذي يليه، وكل أحد يجر الآخر معه؟ لا أحد غير الذي يتجذر ثابتًا لا في العالم الخارجي وحسب، وإنما في العالم الداخلي أيضًا.
صغير وخفي هو الطريق الذي يفضي إلى الداخل، وتعترض المدخل حواجز لا حصر لها: انحيازات، مُسَلمات خاطئة، مخاوف. دائمًا نرغب في الاستماع إلى خطط سياسية واقتصادية عظيمة، نفس الأشياء التي أرسَت كل أمة في مستنقع، لذلك يبدو أمرًا غريبًا أن يتكلم كل أحد عن أبواب سرية وأحلام وعالم داخلي. ما علاقة هذه المثالية التافهة بالبرامج الاقتصادية الضخمة، بما يُسمَّى مشكلات الواقع؟
إلا أنني لا أخاطب أممًا، لا أخاطب إلا قلة من الأفراد، لا تهبط عليهم القيم الثقافية كما يهبط المنُّ من السماء، بل تخلق بأيدي أفراد — غني عن البيان أن نقول هذا. إذا كانت الأشياء تمضي خاطئة في العالم، فهذا يعني أن شيئًا خاطئًا موجود في الفرد، شيئًا خاطئًا موجود فيَّ. لذلك إن كنت ذا بالمسئولية أضع نفسي في المقدمة. من أجل هذا أحتاج — ما دامت السلطة في الخارج لم تعد تعني لي شيئًا — إلى معرفة الأساسات الجوانية التي يقوم عليها وجودي، لعَلِّي أؤسس نفسي ثابتًا على الحقائق الأولية، حقائق النفس البشرية.
إن تكلمتُ آنفًا عن الأحلام بصفة رئيسية، فلأنني رغبتُ في لفت الانتباه إلى واحد من أكثر المقاربات مباشرةً من عالم الخبرة الداخلية. لكنَّ هناك أشياءَ كثيرة إلى جانب الأحلام لا نستطيع بحثها هنا، وإذا بحثنا في المستويات العميقة من النفس، فإنما نُخرج إلى النور الكثير من الذي نستطيع أن نحلم به على السطح في معظم الأحيان. لا عجب إذن أن نكتشف أحيانًا الفعالية الدينية في أحلامنا أيضًا، وهي أقوى جميع فعاليات الإنسان الروحية وأكثرها أصالة. وقد انحرفت هذه الفعالية في الإنسان الحديث أكثر حتى من انحراف الجنس أو التكيُّف الاجتماعي … أعرف أناسًا كانت المواجهة مع القوة الغريبة في داخل أنفسهم نوعًا من الخبرة الطاغية حتى لقد أسموها «الله». و«الله» عندما نختبره على هذا النحو، هو أيضًا «نظرية» بالمعنى الحرفي للكلمة، طريقة للنظر إلى العالم، صورة خلقها العقل البشري المحدود لكي يُعبِّر عن خبرة بعيدة القرار، خبرة لا توصف. الخبرة وحدها هي الشيء الحقيقي الذي لا جدال فيه؛ أما الصورة فقد يَعلق بها غبار، أو قد تتحطم فتاتًا.
10
وكلما توغلت في هذه المشكلات على مدى السنين، قوي انطباعي بأن تعليمنا الحديث تعليم أحادي إلى حدٍّ مروع. لا شك أننا على حق عندما نفتح عيون شبابنا وآذانهم على العالم الوسيع، لكن من أحمق الضلالات الاعتقاد بأن هذا يؤهلهم فعلًا لمهمة الحياة. إن ما نعلمه شبابَنا لهو نوع من التدريب الذي يمكنُهم من التكيف خارجيًّا مع العالم ومع الواقع، لكن ما من أحد يهتم بإعطائهم فكرة عن ضرورة التكيُّف مع النفس، مع قوى عالمه النفسي، التي هي أقوى بكثير من جميع القوى العظمى على الأرض. صحيح أن لدينا نظامًا للتعليم، لكنَّ بعضَ أصوله يرجع إلى العصور القديمة، وبعضها الآخر إلى العصور الوسطى. وهو في هذا يحتذي حذو الكنيسة المسيحية. لكننا لا يمكن أن ننكر أن المسيحية قد فقدت فعاليتها التعليمية إلى حد كبير، طوال القرنين الماضيين، وهي في هذا ليست أقل من الكنفوشيوسية في الصين والبوذية في الهند. وليس محل اللوم في هذا الجور البشري، بل التغير الروسي الذي حصل تدريجيًّا وعلى نطاق واسع، وكان أول أعراضه الإصلاح الديني. لقد حطم الإصلاح الديني سلطان الكنيسة في صفتها التعليمية، ثم أخذ بعد ذلك المبدأ الاستبدادي نفسه يتقوَّض وينهار. وكانت النتيجة التي لا مفر منها زيادة في أهمية الفرد، التي وجدت تعبيرها في المثل الإنسانية العليا كالرفاه الاجتماعي والديمقراطية والمساواة. لكن الاتجاه الفرداني الحاسم في هذه التطورات الأخيرة أخذ يوازنه الاتجاه التعويضي المعاكس نحو الإنسان الجمعي، الذي يبلغ سلطانه في الوقت ما يبلغ وزن الكتل البشرية. لذلك لا عجب أن يوجد اليوم شعور بالكارثة في الهواء كما لو أن «هَيْلًا» Avalanche انفجر ولا شيء يستطيع إيقافه. الإنسان الجمعي يهدد الإنسان الفرد، الذي يتوقف على شعوره بالمسئولية كل شيء ذي قيمة في الحياة البشرية في نهاية المطاف الكتل البشرية، بهذه الصفة، دائمًا مُغْفَلة ودائمًا غير مسئولة. ما يُسمَّون بالزعماء هم الأعراض التي لا مفر منها على حركة هذه الكتل. أما الزعماء الحقيقيون للبشرية فهم دائمًا القادرون على التفكير الذاتي، الذين يُلقون عن كاهلهم هم على الأقل ذلك العبء الميت الذي تمثله الكتل، ويقفون واعين في معزل عن الزخم الأعمى في حركة الكتلة. لكن مَن يستطيع مقاومة قوة الجذب هذه التي تلتهم كل شيء، عندما يتأبَّط كل أحد الذي يليه، وكل أحد يجر الآخر معه؟ لا أحد غير الذي يتجذر ثابتًا لا في العالم الخارجي وحسب، وإنما في العالم الداخلي أيضًا.
صغير وخفي هو الطريق الذي يفضي إلى الداخل، وتعترض المدخل حواجز لا حصر لها: انحيازات، مُسَلمات خاطئة، مخاوف. دائمًا نرغب في الاستماع إلى خطط سياسية واقتصادية عظيمة، نفس الأشياء التي أرسَت كل أمة في مستنقع، لذلك يبدو أمرًا غريبًا أن يتكلم كل أحد عن أبواب سرية وأحلام وعالم داخلي. ما علاقة هذه المثالية التافهة بالبرامج الاقتصادية الضخمة، بما يُسمَّى مشكلات الواقع؟
إلا أنني لا أخاطب أممًا، لا أخاطب إلا قلة من الأفراد، لا تهبط عليهم القيم الثقافية كما يهبط المنُّ من السماء، بل تخلق بأيدي أفراد — غني عن البيان أن نقول هذا. إذا كانت الأشياء تمضي خاطئة في العالم، فهذا يعني أن شيئًا خاطئًا موجود في الفرد، شيئًا خاطئًا موجود فيَّ. لذلك إن كنت ذا بالمسئولية أضع نفسي في المقدمة. من أجل هذا أحتاج — ما دامت السلطة في الخارج لم تعد تعني لي شيئًا — إلى معرفة الأساسات الجوانية التي يقوم عليها وجودي، لعَلِّي أؤسس نفسي ثابتًا على الحقائق الأولية، حقائق النفس البشرية.
إن تكلمتُ آنفًا عن الأحلام بصفة رئيسية، فلأنني رغبتُ في لفت الانتباه إلى واحد من أكثر المقاربات مباشرةً من عالم الخبرة الداخلية. لكنَّ هناك أشياءَ كثيرة إلى جانب الأحلام لا نستطيع بحثها هنا، وإذا بحثنا في المستويات العميقة من النفس، فإنما نُخرج إلى النور الكثير من الذي نستطيع أن نحلم به على السطح في معظم الأحيان. لا عجب إذن أن نكتشف أحيانًا الفعالية الدينية في أحلامنا أيضًا، وهي أقوى جميع فعاليات الإنسان الروحية وأكثرها أصالة. وقد انحرفت هذه الفعالية في الإنسان الحديث أكثر حتى من انحراف الجنس أو التكيُّف الاجتماعي … أعرف أناسًا كانت المواجهة مع القوة الغريبة في داخل أنفسهم نوعًا من الخبرة الطاغية حتى لقد أسموها «الله». و«الله» عندما نختبره على هذا النحو، هو أيضًا «نظرية» بالمعنى الحرفي للكلمة، طريقة للنظر إلى العالم، صورة خلقها العقل البشري المحدود لكي يُعبِّر عن خبرة بعيدة القرار، خبرة لا توصف. الخبرة وحدها هي الشيء الحقيقي الذي لا جدال فيه؛ أما الصورة فقد يَعلق بها غبار، أو قد تتحطم فتاتًا.
10
👍13❤6👏2🤔1👻1
الأسماء والكلمات قشور مؤسفة، لكنها مع ذلك تدلنا على صفة ما قد اختبرناه. عندما نُسمِّي الشيطان عُصابًا، فهذا يعني أننا نشعر بأن هذه الخبرة الشيطانية مرض هو من خصائص هذا العصر. وعندما ندعوه جنسًا أو إرادة سيطرة، فهذا يدل على أنه يزعجنا إلى درجة خطيرة تبلغ خطورة هاتين الغريزتين الأساسيَّتين. وعندما ندعوه إلهًا، فإنما نحاول أن نصف معناه العميق، معناه العالمي أو الكوني؛ لأن هذا هو ما استطعنا أن نتبيَّنه في الخبرة. لو نظرنا إلى هذه التسمية الأخيرة نظرةً هادئة، ووضعنا في ذهننا القاع الواسعة المجهولة، لتعيَّنَ علينا أن نُسَلم بأنها أكثر التسميات احترازًا وأكثرها تواضُعًا في نفس الوقت؛ لأنها لا تضع حدودًا للخبرة ولا تخنقها في صورة مفهومة طبعًا، اللهم إلا أن يضرب أحدٌ على وتر الفكرة الوحيدة مُدَّعيًا أنه يعرف ما هو الله بالضبط.
مهما يكن الاسم الذي قد نضعه لهذه القاع النفسية، تظل الحقيقة القائلة بأن واعيتنا متأثرة بها إلى أعلى درجات التأثُّر، وكلما زاد تأثرنا بها قَل وعينا لها. قَلما يستطيع الإنسان غير المختص أن يُدرك مقدارَ تأثُّر ميوله ونفسه وقراراته بالقوى المظلمة في داخله، أو يدرك مقدار الخطر أو العَون الذي قد يتَشَكل به قدره. إن واعيتنا الدماغية هي كالممثل الذي نسي أنه إنما يمثل دورًا. لكن عليه عندما تنتهي التمثيلية أن يتذكر حقيقته الذاتية؛ لأنه لم يَعُد يستطيع أن يعيش كما عاش يوليوس قيصر أو عُطَيل، بل عليه أن يعيش نفسه كما هي فقط، نفسه التي أضحت غريبة عنه بسبب حيلة وقتية احتالت عليها واعيته. وعليه أن يعلم ثانية أنه كان مجرد شخص على المسرح يلعب قطعة لشكسبير، وأنَّ هناك منتجًا ومخرجًا وراء الكواليس عندهما شيء هام جديد يقولانه بصدد تمثيله، كما هو الحال دائمًا.
١ ⋆ The perils of the soul.
٢ ⋆ Loss of soul.
٣ ⋆ Possession.
٤ مِن تدخُّلي. (المترجم)
٥ ⋆مالي سويدي (١٨٨٠–١٩٣٢م)، عُرِف بلقب «ملك المباراة»، قادته مضارباته إلى الانهيار المالي فالانتحار.
٦ ⋆مذهب يفسر التاريخ من زاوية علم النفس.
11
#علم_النفس
#مقالات
مهما يكن الاسم الذي قد نضعه لهذه القاع النفسية، تظل الحقيقة القائلة بأن واعيتنا متأثرة بها إلى أعلى درجات التأثُّر، وكلما زاد تأثرنا بها قَل وعينا لها. قَلما يستطيع الإنسان غير المختص أن يُدرك مقدارَ تأثُّر ميوله ونفسه وقراراته بالقوى المظلمة في داخله، أو يدرك مقدار الخطر أو العَون الذي قد يتَشَكل به قدره. إن واعيتنا الدماغية هي كالممثل الذي نسي أنه إنما يمثل دورًا. لكن عليه عندما تنتهي التمثيلية أن يتذكر حقيقته الذاتية؛ لأنه لم يَعُد يستطيع أن يعيش كما عاش يوليوس قيصر أو عُطَيل، بل عليه أن يعيش نفسه كما هي فقط، نفسه التي أضحت غريبة عنه بسبب حيلة وقتية احتالت عليها واعيته. وعليه أن يعلم ثانية أنه كان مجرد شخص على المسرح يلعب قطعة لشكسبير، وأنَّ هناك منتجًا ومخرجًا وراء الكواليس عندهما شيء هام جديد يقولانه بصدد تمثيله، كما هو الحال دائمًا.
١ ⋆ The perils of the soul.
٢ ⋆ Loss of soul.
٣ ⋆ Possession.
٤ مِن تدخُّلي. (المترجم)
٥ ⋆مالي سويدي (١٨٨٠–١٩٣٢م)، عُرِف بلقب «ملك المباراة»، قادته مضارباته إلى الانهيار المالي فالانتحار.
٦ ⋆مذهب يفسر التاريخ من زاوية علم النفس.
11
#علم_النفس
#مقالات
👍48❤14🥰9🤔2✍1🌚1
" إن القاعدة الثابتة في الأنانية البدائية هي : ليس "أنا" من يجب أن يتغيّر ، بل الآخرون دائماََ. "
➖ كارل يونغ
➖ كارل يونغ
❤59👍13🥴6🤯5🌚5
هو مصطلح يُستخدم في علم النفس للإشارة إلى شخص يُعاني من اضطراب في الشخصية، يتميز بنقص شديد في التعاطف، والضمير، والشعور بالذنب، ويظهر سلوكًا معاديًا للمجتمع. وغالبًا ما يكون الشخص السايكوباثي:
ساحرًا ظاهريًا: يبدو جذابًا أو لبقًا في حديثه.
كاذبًا محترفًا: يميل إلى الكذب المستمر والتلاعب بالآخرين.
يفتقر للتعاطف: لا يشعر بمعاناة أو مشاعر الآخرين.
عديم الندم: لا يشعر بالذنب على أفعاله السيئة.
يتصرف بتهور: يتخذ قرارات دون تفكير في العواقب.
يُظهر سلوكًا عدوانيًا أو عنيفًا أحيانًا.
السايكوباثي يُعد من سمات اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وقد يُظهر المصابون به سلوكًا إجراميًا أو تلاعبيًا، لكن ليس جميعهم بالضرورة مجرمين.
وهذه بعض الأمثلة من الأدب والسينما لشخصيات تُعتبر سايكوباثية..
1. روديون راسكولنيكوف – الجريمة والعقاب (فيودور دوستويفسكي):
رغم أنه ليس سايكوباثًا كاملًا، إلا أن تفكيره في ارتكاب جريمة "مبررة" وغياب الشعور بالذنب في البداية يُظهر جوانب سايكوباثية.
2. إياجو – عطيل (ويليام شكسبير):
شخصية تتجلى فيها السايكوباثية بوضوح: الكذب، التلاعب، الحقد، والتخطيط لإيذاء الآخرين دون أي شعور بالذنب.
3. توم ريبلي – The Talented Mr. Ripley (باتريشيا هايسميث):
شخصية بارعة في التلاعب والقتل والخداع، دون أي تعاطف أو ندم.
1. هانيبال ليكتر – The Silence of the Lambs:
قاتل متسلسل مثقف وذكي، يتلذذ بالعنف دون أي مشاعر إنسانية تجاه ضحاياه.
2. باتريك بيتمان – American Psycho:
رجل أعمال ناجح ظاهريًا، لكنه يحمل داخله شخصية سايكوباثية قاتلة.
3. الجوكر – The Dark Knight:
مثال على الفوضى والشر دون دافع عقلاني، يفتقر تمامًا للتعاطف ويُحب إيذاء الآخرين لمجرد المتعة.
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
❤66👍21🍓4🥱3
فرويد ضد يونغ: نزاع مرير حول معنى الجنس – سام دريسير / ترجمة: مرام الشيباني
في 27 فبراير 1907، في بيرغاسي 19 في فيينا، وقع سيغموند فرويد في الحب. موضوع عاطفته كان هو كارل غوستاف يونغ. كان الطبيب النفسي الشاب الذي يصغر فرويد ب 19 سنة، مديراً سريرياً لمستشفى Burghölzli المرموق وبروفسورا في جامعة زيورخ. وقد حصل يونغ على اعتراف عالمي لاختراعه اختبار تداعي الكلمات، وممارساته كانت مشهورة بحدتها اللطيفة. لكن عندما قرأ يونغ تفسير الأحلام (1990) لفرويد، اندهش من نظرية فرويد وقرر الذهاب للتحدث مع الرجل بنفسه. وتكلما: لمدة 13 ساعة، سارا في أعماق اللاوعي، وطرق التحليل النفسي، وتحليل الأحلام.
فرويد كان معجبا جدا بذكاء يونغ، لكن رغبته في إدخال يونغ إلى عالم التحليل النفسي كانت أيضا مدفوعة سياسيا. وكحركة فكرية، فإن التحليل النفسي المبكر يشبه حزبا سياسيا-وربما حتى دينا ناشئا – ، إذا يشكل فرويد مركزة اللامتحرك. ودعا فرويد توسع التحليل النفسي ’القضية’، لتُدعم بتحويل الأطباء النفسيين السائدين، والطرد بلا رحمة لرجال الصف الثاني المتمردين، مثل فيلهلم ستيكيل، الذي دعا فرويد مرة ’المسيح’.
داخل الدائرة الفرويدية، يمكن انتقاد الأفكار بصراحة، لكن كما أخبر فرويد لو اندرياس سالومي’يجب المحافظة على تجانس الجوهر، ولا فإنها شيء آخر’.
في رأي فرويد العقبة الأكبر التي واجهتها ’القضية’ كانت هي معاداة السامية. فرويد نفسه كان يهودياً ملحداً، وكل المحللين الذين تجمعوا معا في غرفة معيشة فرويد ليكونوا جمعية الأربعاء النفسية(أول جمعية تحليل نفسي في العالم) كانوا يهود. فرويد كان يخشى أن التحليل النفسي سيكون مرتبطا باليهودية لدرجة أنه لن يلاحظ في العلم السائد ’رفاقنا الآريين هم’، كتب إلى صديق’، لا غنى عنهم تماما بالنسبة لنا؛ وإلا، فالتحليل النفسي سيسقط ضحية لمعاداة السامية’. لذا يونغ كان كل شيء يأمل به فرويد: موهوب، ومهتم بالشأن العام، وسليل للمؤسسة العلمية، وفوق كل هذا مولود بدون قطرة دم يهودية في عروقه البروتستانتية السويسرية. ’فقط مظهره’ فرويد اسر،’قد أنقذ التحليل النفسي من خطر أن يصبح شأن قومي يهودي’.
إذا وجد فرويد في يونغ ولي عهد غير يهودي، فماذا رأى يونغ في فرويد؟ ابن قس كئيب، خيال يونغ الهائم لا يمكن احتواؤه بسهولة-بالتأكيد ليس ضمن قيود الطب النفسي السائد. كان مثل كثير من المحللين النفسيين الأوائل، غريباً للأطوار-أكثر سعادة على هوامش الاحترام. ربما اعتبر نفسه مرات تجسداً لغوته(نظراَ لقرابة زائفة مع الشاعر). لطالما تذكر حلم يقظة عندما كان في الثانية عشر من عمره حيث شط الله على كاتدرائية بازل، وكانت عادات قراءته الشرهة غير منتظمة كما حال البرق. عندما قرأ يونغ تفسير الأحلام، وجد في أفكار فرويد آفاق جديدة لعقله المضطرب، لفترة.
سبقت أول هدية من يونغ لفرويد لقائهما. في 1906، اخضع يونغ اختباره لتداعي الكلمات لنظرية التداعي الحر لفرويد، والتي تعد أداة حاسمة في نبش الذكريات المكبوتة. كان هذا من بين أول اختبارات الملاحظة للتحليل النفسي، وكان فرويد مبتهجاً للدعم العلمي التجريبي الذي قدمته لنظريته. فرويد يزعم دائماً أن التحليل النفسي علم(هناك بعض الأدلة على أنه ربما اعتبر نفسه وضعي منطقي، على غرابة ما يبدو لنا ذلك اليوم). على الرغم من أن التخمين هو ما أطلق التحليل النفسي، كان فرويد متأكداً أن التحليل النفسي سيصل لأدلة صلبة. يونغ قدم جزءا من ذلك. لذا ليس من الصعب معرفة سبب حب فرويد له، على الرغم من اصطباغ ذلك الحب مع النرجسية.
بعد أن غادر يونغ فيينا، كتب إلى فرويد أن اجتماعهم كان “حدثا بالمعنى الكامل للكلمة”. في السنوات القليلة اللاحقة مراسلاتهم أخدت طابع عاطفة العشاق المتيمين والغيورين. يونغ أعلن عن “إعجابه الديني” بفرويد، وفرويد بدوره كتب أن “شخصك ملأني بالثقة في المستقبل”. هذا الإخلاص اتخذ شكل ابني: فرويد هو الأب، ويونغ هو الابن. ربما في بعض الأحيان كان لهذه العلاقة تلميح مثلي. قريباً ثبت فرويد يونغ كأول رئيس للاتحاد الدولي لرابطة التحليل النفسي، التي في 1910 شملت المحللين النفسيين في فيينا وزيوريخ وبرلين ولندن وحتى قلة في الولايات المتحدة (الغالبية العظمى منهم من اليهود، مع استثناء ملحوظ من الويلزي إرنست جونز). يونغ كان الآن الوريث الرسمي لفرويد، الذي كان مبتهج أن مستقبل التحليل النفسي بدا أخيراً مؤكد.
الاتباع الفينيون لم يكونوا متأكدين. انتخاب يونغ رئيسا، مع دائرته السويسرية في السحب، هدد بكسر الرابطة. والأسوأ من ذلك، صديق مقرب من فرويد، الفريد أدلر جاء ببطء لتحدي ’جوهر’ التحليل النفسي. بمساعدة يونغ، هزم فرويد الأدليريين ووطد سيطرته على الحركة. لكن ولاء يونغ لفرويد لن يصمد طويلا.
1
في 27 فبراير 1907، في بيرغاسي 19 في فيينا، وقع سيغموند فرويد في الحب. موضوع عاطفته كان هو كارل غوستاف يونغ. كان الطبيب النفسي الشاب الذي يصغر فرويد ب 19 سنة، مديراً سريرياً لمستشفى Burghölzli المرموق وبروفسورا في جامعة زيورخ. وقد حصل يونغ على اعتراف عالمي لاختراعه اختبار تداعي الكلمات، وممارساته كانت مشهورة بحدتها اللطيفة. لكن عندما قرأ يونغ تفسير الأحلام (1990) لفرويد، اندهش من نظرية فرويد وقرر الذهاب للتحدث مع الرجل بنفسه. وتكلما: لمدة 13 ساعة، سارا في أعماق اللاوعي، وطرق التحليل النفسي، وتحليل الأحلام.
فرويد كان معجبا جدا بذكاء يونغ، لكن رغبته في إدخال يونغ إلى عالم التحليل النفسي كانت أيضا مدفوعة سياسيا. وكحركة فكرية، فإن التحليل النفسي المبكر يشبه حزبا سياسيا-وربما حتى دينا ناشئا – ، إذا يشكل فرويد مركزة اللامتحرك. ودعا فرويد توسع التحليل النفسي ’القضية’، لتُدعم بتحويل الأطباء النفسيين السائدين، والطرد بلا رحمة لرجال الصف الثاني المتمردين، مثل فيلهلم ستيكيل، الذي دعا فرويد مرة ’المسيح’.
داخل الدائرة الفرويدية، يمكن انتقاد الأفكار بصراحة، لكن كما أخبر فرويد لو اندرياس سالومي’يجب المحافظة على تجانس الجوهر، ولا فإنها شيء آخر’.
في رأي فرويد العقبة الأكبر التي واجهتها ’القضية’ كانت هي معاداة السامية. فرويد نفسه كان يهودياً ملحداً، وكل المحللين الذين تجمعوا معا في غرفة معيشة فرويد ليكونوا جمعية الأربعاء النفسية(أول جمعية تحليل نفسي في العالم) كانوا يهود. فرويد كان يخشى أن التحليل النفسي سيكون مرتبطا باليهودية لدرجة أنه لن يلاحظ في العلم السائد ’رفاقنا الآريين هم’، كتب إلى صديق’، لا غنى عنهم تماما بالنسبة لنا؛ وإلا، فالتحليل النفسي سيسقط ضحية لمعاداة السامية’. لذا يونغ كان كل شيء يأمل به فرويد: موهوب، ومهتم بالشأن العام، وسليل للمؤسسة العلمية، وفوق كل هذا مولود بدون قطرة دم يهودية في عروقه البروتستانتية السويسرية. ’فقط مظهره’ فرويد اسر،’قد أنقذ التحليل النفسي من خطر أن يصبح شأن قومي يهودي’.
إذا وجد فرويد في يونغ ولي عهد غير يهودي، فماذا رأى يونغ في فرويد؟ ابن قس كئيب، خيال يونغ الهائم لا يمكن احتواؤه بسهولة-بالتأكيد ليس ضمن قيود الطب النفسي السائد. كان مثل كثير من المحللين النفسيين الأوائل، غريباً للأطوار-أكثر سعادة على هوامش الاحترام. ربما اعتبر نفسه مرات تجسداً لغوته(نظراَ لقرابة زائفة مع الشاعر). لطالما تذكر حلم يقظة عندما كان في الثانية عشر من عمره حيث شط الله على كاتدرائية بازل، وكانت عادات قراءته الشرهة غير منتظمة كما حال البرق. عندما قرأ يونغ تفسير الأحلام، وجد في أفكار فرويد آفاق جديدة لعقله المضطرب، لفترة.
سبقت أول هدية من يونغ لفرويد لقائهما. في 1906، اخضع يونغ اختباره لتداعي الكلمات لنظرية التداعي الحر لفرويد، والتي تعد أداة حاسمة في نبش الذكريات المكبوتة. كان هذا من بين أول اختبارات الملاحظة للتحليل النفسي، وكان فرويد مبتهجاً للدعم العلمي التجريبي الذي قدمته لنظريته. فرويد يزعم دائماً أن التحليل النفسي علم(هناك بعض الأدلة على أنه ربما اعتبر نفسه وضعي منطقي، على غرابة ما يبدو لنا ذلك اليوم). على الرغم من أن التخمين هو ما أطلق التحليل النفسي، كان فرويد متأكداً أن التحليل النفسي سيصل لأدلة صلبة. يونغ قدم جزءا من ذلك. لذا ليس من الصعب معرفة سبب حب فرويد له، على الرغم من اصطباغ ذلك الحب مع النرجسية.
بعد أن غادر يونغ فيينا، كتب إلى فرويد أن اجتماعهم كان “حدثا بالمعنى الكامل للكلمة”. في السنوات القليلة اللاحقة مراسلاتهم أخدت طابع عاطفة العشاق المتيمين والغيورين. يونغ أعلن عن “إعجابه الديني” بفرويد، وفرويد بدوره كتب أن “شخصك ملأني بالثقة في المستقبل”. هذا الإخلاص اتخذ شكل ابني: فرويد هو الأب، ويونغ هو الابن. ربما في بعض الأحيان كان لهذه العلاقة تلميح مثلي. قريباً ثبت فرويد يونغ كأول رئيس للاتحاد الدولي لرابطة التحليل النفسي، التي في 1910 شملت المحللين النفسيين في فيينا وزيوريخ وبرلين ولندن وحتى قلة في الولايات المتحدة (الغالبية العظمى منهم من اليهود، مع استثناء ملحوظ من الويلزي إرنست جونز). يونغ كان الآن الوريث الرسمي لفرويد، الذي كان مبتهج أن مستقبل التحليل النفسي بدا أخيراً مؤكد.
الاتباع الفينيون لم يكونوا متأكدين. انتخاب يونغ رئيسا، مع دائرته السويسرية في السحب، هدد بكسر الرابطة. والأسوأ من ذلك، صديق مقرب من فرويد، الفريد أدلر جاء ببطء لتحدي ’جوهر’ التحليل النفسي. بمساعدة يونغ، هزم فرويد الأدليريين ووطد سيطرته على الحركة. لكن ولاء يونغ لفرويد لن يصمد طويلا.
1
❤25👍10🔥5💋1
في ذاكرة يونغ ظهر أول شرخ بينهما في رحلتهما إلى الولايات المتحدة في 1909، عندما قدم كل منهما محاضرة استقبلت جيداً في جامعة كلارك في ولاية ماساتشوستس. فرويد، الذي كانت لديه عادة استثنائية للغاية في تحليل كل شخص قابله في وجهه، أعلن أنه لم يعد يرغب في أن يحلله أحد. قال أن ذلك سيضعف سلطته. وفي هذه المرحلة، بدأ يونغ يحتك في نفوذ فرويد.
ثم كان هناك سبب فلسفي أعمق للانشقاق القادم. معظم المحللين النفسيين الذين خرجوا عن فرويد فعلوا ذلك من أجل موضوع الجنس. في نظريته عن الرغبة الجنسية، فرويد كان مقتنعاً أنه وجد المحرك العالمي للرغبة والإنجاز البشري- سواء كان شخصي أو ثقافي أو حضاري. كل هذا، فرويد يجادل، ينبع في نهاية المطاف من الغريزة الجنسية. التحليل النفسي يعتمد على هذه النظرية في الرغبة الجنسية، وعند التخلص منها فأنت تتخلص من الشيء كله. كان لدى يونغ، منذ البداية شكوك حول إذا ما كان الجنس هو المصدر الوحيد لمثل هذه المحركات والطاقات. كان فرويد يأمل أن تتم إزالة هذه المقاومة.
ولكن لم يتمكن من ذلك. فرويد كان يخشى كثيراً منذ بداية العلاقة بينهما، أن الابن المسيحي لقس ربما لن يتطهر تماماً من انجذابه للصوفية- على الأقل ليس بقدر اليهودي الملحد. كان في قلب انفصالهما، الوزن الذي يعطى للروح وللنفس وللغموض وللغير قابل للتحقق. بالنسبة لفرويد، هذه الانحرافات يمكن ردها في النهاية إلى الرغبة الجنسية، أي إلى الدافع الجنسي. بالنسبة ليونغ، يجب أن تؤخذ على محمل الجد و لا يتم تفسيرها.
بحلول عام 1912، كان الشق بين الرجلين يتسع. عندما أدارا أنظارهما إلى الدين في نفس الوقت كان ذلك كافيا لإنهاء الأمور. فرويد سينتهي إلى إصدار الطوطم والتابو (1913) ، الذي وضع ظهور الدين ( وبالطبع الثقافة نفسها) في العقدة الأوديبية. يونغ ناشراً قبل ذلك بقليل، حجة مكتسحة وفوضوية احتوت على بذور الأفكار التي جعلته بعد ذلك مشهوراً: اللاوعي الجماعي و الأنماط الأولية و-قاتلة لصداقتهما- إعادة صياغة مفاهيم الرغبة الجنسية كنوع من ’الطاقة العقلية’.
كان موت الصداقة شرسا بشكل غير عادي. فرويد ويونغ نادراً ما تحدثا لبعضهما بعد ذلك، مجرد مؤتمر شديد الحرج حضره كلاهما في ميونخ 1913. كان للانفصال بطبيعة الحال إرث متموج. كما سعى فرويد إلى التحكم في التحليل النفسي مثل زعيم لحزب، كذلك يونغ أبقى على قبضة من حديد على ما سيدعى بعلم النفس التحليلي – في الواقع ، يمكن القول أن علم النفس اليونغي أصبح أكثر شبه بطائفة من سلفه الفرويدي.
وعلى الرغم من أن فرويد و يونغ اتهما في كثير من الأحيان بأنهما نبيين، ليس على الأقل من قبل أتباعهم، إلا أنهما لم يؤسسا ديانات جديدة. هما لم يكونا قادة طوائف، بل رواد متعجرفين للاوعي. كان هناك أسباب سياسية وفكرية لحاجتهما لبعضهما في أيامهما الاكتشافية الأولى. لأن ما رغبا في إيضاحه كان غريب جداً، حتى لو كانت الفكرة اليوم مألوفة. مضمون نظرية اللاوعي، كما أشار ريتشارد رورتي ذات مرة، أنه يوجد شيء فينا كشخص أخر والذي يملك الحق ليكون منا كما لعقولنا الواعية الحق في ذلك. ربما الغرابة الشديدة للصداقة بين الرجلين تعكس كم كانت هذه الفكرة وما زالت مذهلة.
2
ثم كان هناك سبب فلسفي أعمق للانشقاق القادم. معظم المحللين النفسيين الذين خرجوا عن فرويد فعلوا ذلك من أجل موضوع الجنس. في نظريته عن الرغبة الجنسية، فرويد كان مقتنعاً أنه وجد المحرك العالمي للرغبة والإنجاز البشري- سواء كان شخصي أو ثقافي أو حضاري. كل هذا، فرويد يجادل، ينبع في نهاية المطاف من الغريزة الجنسية. التحليل النفسي يعتمد على هذه النظرية في الرغبة الجنسية، وعند التخلص منها فأنت تتخلص من الشيء كله. كان لدى يونغ، منذ البداية شكوك حول إذا ما كان الجنس هو المصدر الوحيد لمثل هذه المحركات والطاقات. كان فرويد يأمل أن تتم إزالة هذه المقاومة.
ولكن لم يتمكن من ذلك. فرويد كان يخشى كثيراً منذ بداية العلاقة بينهما، أن الابن المسيحي لقس ربما لن يتطهر تماماً من انجذابه للصوفية- على الأقل ليس بقدر اليهودي الملحد. كان في قلب انفصالهما، الوزن الذي يعطى للروح وللنفس وللغموض وللغير قابل للتحقق. بالنسبة لفرويد، هذه الانحرافات يمكن ردها في النهاية إلى الرغبة الجنسية، أي إلى الدافع الجنسي. بالنسبة ليونغ، يجب أن تؤخذ على محمل الجد و لا يتم تفسيرها.
بحلول عام 1912، كان الشق بين الرجلين يتسع. عندما أدارا أنظارهما إلى الدين في نفس الوقت كان ذلك كافيا لإنهاء الأمور. فرويد سينتهي إلى إصدار الطوطم والتابو (1913) ، الذي وضع ظهور الدين ( وبالطبع الثقافة نفسها) في العقدة الأوديبية. يونغ ناشراً قبل ذلك بقليل، حجة مكتسحة وفوضوية احتوت على بذور الأفكار التي جعلته بعد ذلك مشهوراً: اللاوعي الجماعي و الأنماط الأولية و-قاتلة لصداقتهما- إعادة صياغة مفاهيم الرغبة الجنسية كنوع من ’الطاقة العقلية’.
كان موت الصداقة شرسا بشكل غير عادي. فرويد ويونغ نادراً ما تحدثا لبعضهما بعد ذلك، مجرد مؤتمر شديد الحرج حضره كلاهما في ميونخ 1913. كان للانفصال بطبيعة الحال إرث متموج. كما سعى فرويد إلى التحكم في التحليل النفسي مثل زعيم لحزب، كذلك يونغ أبقى على قبضة من حديد على ما سيدعى بعلم النفس التحليلي – في الواقع ، يمكن القول أن علم النفس اليونغي أصبح أكثر شبه بطائفة من سلفه الفرويدي.
وعلى الرغم من أن فرويد و يونغ اتهما في كثير من الأحيان بأنهما نبيين، ليس على الأقل من قبل أتباعهم، إلا أنهما لم يؤسسا ديانات جديدة. هما لم يكونا قادة طوائف، بل رواد متعجرفين للاوعي. كان هناك أسباب سياسية وفكرية لحاجتهما لبعضهما في أيامهما الاكتشافية الأولى. لأن ما رغبا في إيضاحه كان غريب جداً، حتى لو كانت الفكرة اليوم مألوفة. مضمون نظرية اللاوعي، كما أشار ريتشارد رورتي ذات مرة، أنه يوجد شيء فينا كشخص أخر والذي يملك الحق ليكون منا كما لعقولنا الواعية الحق في ذلك. ربما الغرابة الشديدة للصداقة بين الرجلين تعكس كم كانت هذه الفكرة وما زالت مذهلة.
2
❤48👍11🔥6🤯2💋1
في كتابه "الحضارة وسخطها"، يشرح عالم النفس سيغموند فرويد أن الإنسان يواجه معاناة مستمرة تنبع من ثلاثة مصادر رئيسية تتمثل في جسده، الذي لا يستطيع الإفلات من الألم والقلق؛ العالم الخارجي، الذي يحمل تهديدات دائمة؛ وعلاقاته مع الآخرين، التي تُعد أكثر مصادر الألم النفسي حدةً بسبب الصراعات والتوقعات غير المحققة.
هذا الصراع الثلاثي يعكس التوتر العميق بين الطبيعة البيولوجية للإنسان وبيئته الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى شعور دائم بالتوتر والقلق في ظل الحياة الحديثة. ورغم أن الحضارة تهدف إلى تنظيم الحياة وتوفير الأمان، فإنها في المقابل تفرض قيودًا على الفرد وتكبح غرائزه الفطرية، مما يزيد من معاناته النفسية.
لذلك، يرى فرويد أن على الفرد أن يعي هذا الواقع بعمق، وأن يسعى إلى تحقيق توازن صحي بين حاجاته البيولوجية ومتطلبات المجتمع الذي يعيش فيه.
هذا الصراع الثلاثي يعكس التوتر العميق بين الطبيعة البيولوجية للإنسان وبيئته الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى شعور دائم بالتوتر والقلق في ظل الحياة الحديثة. ورغم أن الحضارة تهدف إلى تنظيم الحياة وتوفير الأمان، فإنها في المقابل تفرض قيودًا على الفرد وتكبح غرائزه الفطرية، مما يزيد من معاناته النفسية.
لذلك، يرى فرويد أن على الفرد أن يعي هذا الواقع بعمق، وأن يسعى إلى تحقيق توازن صحي بين حاجاته البيولوجية ومتطلبات المجتمع الذي يعيش فيه.
❤69👍12🔥4⚡2🥰2💋1
"إن اللاوعي ليس هو كلّ ما كُبِت ببساطة، بل هو خطاب الآخر، هو البنية التي تتكلم فينا دون أن نعلم.
نحن لا نتكلم اللغة، بل اللغة هي التي تتكلمنا.
الذات ليست كيانًا متماسكًا، بل هي منقسمة، مُوزّعة في مواضع رمزية، تبحث عبثًا عن اكتمالٍ مفقود.
فالرغبة لا تتعلّق بالموضوع، بل بالفجوة، بالنقص الذي لا يمكن تجاوزه."
✍️ جاك لاكان
📖 كتاب: كتابات
نحن لا نتكلم اللغة، بل اللغة هي التي تتكلمنا.
الذات ليست كيانًا متماسكًا، بل هي منقسمة، مُوزّعة في مواضع رمزية، تبحث عبثًا عن اكتمالٍ مفقود.
فالرغبة لا تتعلّق بالموضوع، بل بالفجوة، بالنقص الذي لا يمكن تجاوزه."
✍️ جاك لاكان
📖 كتاب: كتابات
❤80🥰3👍2👏2
«الواقع أن الناس ليسوا مجرد مخلوقات مهذبة ودودة تتمنى الحب ولا تملك إلا الدفاع عن نفسها لو هوجمت ، لكن قدراً كبيراً من الرغبة في الإعتداء يشكل جزءاً من طبيعتهم الغريزية . والنتيجة أن الناس لا تنظر إلى الجار على أنه إنسان يمكن أن يبذل لهم العون لو احتاجوه ، أو أنه يستحق أن يكون موضع حبهم ، لكنهم يجدون فيه ما يغريهم أن يصبوا عليه شحنة العدوان التي يمتلأون بها ، وأن يستغلوا طاقته على العمل استغلالاً مجانياً ، وأن يستخدموه لإشباع الجنس عندهم من غير رضاه ، وأن يستولوا على ممتلكاته ، وأن يذلوه ويؤلموه ويعذبوه ويفتكوا به. وما أصدق المثل القائل أن الإنسان ذئب بشري »
سيجموند فرويد
من كتاب"الحرب والحب والحضارة والموت"
سيجموند فرويد
من كتاب"الحرب والحب والحضارة والموت"
❤37👍9🥰2🤔2🤯2
المهمة التي ينبغي للمرءِ أن يضعها لنفسهِ، ليست أن يَشعرَ بالأمنِ، بل أن يكون قادراً على تحمُّل عدم الأمن من دون هلعٍ أو خوفٍ مفرِطٍ.. فالإنسان الحرُّ هو بالضَّرورةِ غير آمنٍ، والإنسان المفكِّر هو بالضَّرورةِ غير متيقِّنٍ.
- إريك فروم Erich Fromm
عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني-أمريكي
من كتاب: المجتمع السويّ
- إريك فروم Erich Fromm
عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني-أمريكي
من كتاب: المجتمع السويّ
❤42👍16👏6
- والخصلة الأخرى في السادي هي أنه لا يثيره إلا الضعفاء وليس الأقوياء.
- والشخص السادي يخشى كل شيء لا يكون يقينيا وقابلا للتنبؤ به، بل يقدم المفاجآت التي ترغمه على ردود الفعل العفوية والأصلية. ولا ترعبه الحياة تحديدا الا لأنها بطبيعتها غير قابلة للتنبؤ بها وغير يقينية.
- وهذا هو السبب في أن الشخص السادي لا يمكن أن " يحب " إلا عندما يسيطر، أي عندما تكون له سلطة على موضوع حبه.
- والشخص السادي يكون لديه في العادة "رهاب الأجانب" و "رهاب الجٍدة" = من الجد، فالشخص الذي هو غريب يشكل الجدة، وما هو جديد يثير الخوف والشبهة والنفور، ولأن من شأن ذلك أن يتطلب الاستجابة العفوية والحية وغير المتواترة.
- والعنصر الآخر هو رضوخية السادي وجبنه، وقد يكون تناقضا أن السادي شخص رضوخي...
-فهو سادي لأنه يشعر أنه عاجز، غير حي، وغير قادر. ويحاول أن يعوض عن هذا العوز بامتلاكه السيطرة على الآخرين...
▪️تشريح التدميرية البشرية ج2
▪️ إريك فروم
- والشخص السادي يخشى كل شيء لا يكون يقينيا وقابلا للتنبؤ به، بل يقدم المفاجآت التي ترغمه على ردود الفعل العفوية والأصلية. ولا ترعبه الحياة تحديدا الا لأنها بطبيعتها غير قابلة للتنبؤ بها وغير يقينية.
- وهذا هو السبب في أن الشخص السادي لا يمكن أن " يحب " إلا عندما يسيطر، أي عندما تكون له سلطة على موضوع حبه.
- والشخص السادي يكون لديه في العادة "رهاب الأجانب" و "رهاب الجٍدة" = من الجد، فالشخص الذي هو غريب يشكل الجدة، وما هو جديد يثير الخوف والشبهة والنفور، ولأن من شأن ذلك أن يتطلب الاستجابة العفوية والحية وغير المتواترة.
- والعنصر الآخر هو رضوخية السادي وجبنه، وقد يكون تناقضا أن السادي شخص رضوخي...
-فهو سادي لأنه يشعر أنه عاجز، غير حي، وغير قادر. ويحاول أن يعوض عن هذا العوز بامتلاكه السيطرة على الآخرين...
▪️تشريح التدميرية البشرية ج2
▪️ إريك فروم
👏9❤5👍4
- "ما الذي يحدث لي؟"
- ديفيد هيندز
إن السبب الرئيسي للاكتئاب هو التغير والاختلال في الكيمياء الحيوية للجسد. ببساطة هنالك اعتقاد بأن الاختلاف الحيوي بين مجرد الإحساس بـ "انقباض النفس" والشعور بالاكتئاب يرجع إلى عدم التوازن بين واحدة أو اثنتين من المواد الكيميائية التالية داخل الجسم: نورأدرينالين، والسيروتونين، والدوبامين. إن الوظائف الطبيعية للمخ والجهاز العصبي المركزي تعتمد على سلسلة من الموصلات العصبية، وهذه المواد الكيميائية تشكل جزءاً أساسياً في آلية توصيل الرسائل من خلية عصبية إلى أخرى، أو عبر الفرافات بين الخلايا العصبية، أو ملتقى الخلايا. وهذا الانتقال للمنبهات للإشارات الكهربائية بشكل التفاعلات المعقدة التي تمثل في أفكارنا، ومشاعرنا، وأنماط سلوكياتنا الفردية.
إن الاكتئاب مرض ذو مدى واسع من الأعراض البدنية والنفسية. إن الأشخاص المصابين بالاكتئاب، ومن ترتبط بهم علاقات ورد جمعية، وكذلك أقاربهم وأصدقاؤهم، جميعهم مشغولون بمعرفة سبب الاكتئاب. ولكن هنالك عادة أكثر من سبب، وتختلف العوامل المسببة للاكتئاب من شخص لآخر. يمكنك بعد جلسة أن تتحدث مع شريكك مع أحد أصدقائك أو المقربين إليك، بين يمكنك أن تثق بهم، وسيكون لذلك فائدة هائلة. حتى إن كانت درجة اكتئابك كبيرة إلى حد ما. أما إذا كنت مصاباً بالاكتئاب الحاد، فقد تنتقد الطاقات والدوافع التي يمكنها أن تجعلك الأمور تسير في الطريق الصحيح.
من الطبيعي أن تشعر بالاكتئاب في الفترات القصيرة التي تلي الأحداث المحزنة أو الأزمات، كفقدان صداقة أو عراك بينك وبين شريك حياتك، أو تعرضك لحادث سطو، أو وفاة أحد أفراد أسرتك، وبشكل طبيعي، يعد إمعان النظر في مثل هذه المواقف وتكيفك معها – يمكنك أن تحيا من خلال أفكارك تجاه ما حدث، بل وتتوافق معه كذلك.
- ديفيد هيندز
إن السبب الرئيسي للاكتئاب هو التغير والاختلال في الكيمياء الحيوية للجسد. ببساطة هنالك اعتقاد بأن الاختلاف الحيوي بين مجرد الإحساس بـ "انقباض النفس" والشعور بالاكتئاب يرجع إلى عدم التوازن بين واحدة أو اثنتين من المواد الكيميائية التالية داخل الجسم: نورأدرينالين، والسيروتونين، والدوبامين. إن الوظائف الطبيعية للمخ والجهاز العصبي المركزي تعتمد على سلسلة من الموصلات العصبية، وهذه المواد الكيميائية تشكل جزءاً أساسياً في آلية توصيل الرسائل من خلية عصبية إلى أخرى، أو عبر الفرافات بين الخلايا العصبية، أو ملتقى الخلايا. وهذا الانتقال للمنبهات للإشارات الكهربائية بشكل التفاعلات المعقدة التي تمثل في أفكارنا، ومشاعرنا، وأنماط سلوكياتنا الفردية.
إن الاكتئاب مرض ذو مدى واسع من الأعراض البدنية والنفسية. إن الأشخاص المصابين بالاكتئاب، ومن ترتبط بهم علاقات ورد جمعية، وكذلك أقاربهم وأصدقاؤهم، جميعهم مشغولون بمعرفة سبب الاكتئاب. ولكن هنالك عادة أكثر من سبب، وتختلف العوامل المسببة للاكتئاب من شخص لآخر. يمكنك بعد جلسة أن تتحدث مع شريكك مع أحد أصدقائك أو المقربين إليك، بين يمكنك أن تثق بهم، وسيكون لذلك فائدة هائلة. حتى إن كانت درجة اكتئابك كبيرة إلى حد ما. أما إذا كنت مصاباً بالاكتئاب الحاد، فقد تنتقد الطاقات والدوافع التي يمكنها أن تجعلك الأمور تسير في الطريق الصحيح.
من الطبيعي أن تشعر بالاكتئاب في الفترات القصيرة التي تلي الأحداث المحزنة أو الأزمات، كفقدان صداقة أو عراك بينك وبين شريك حياتك، أو تعرضك لحادث سطو، أو وفاة أحد أفراد أسرتك، وبشكل طبيعي، يعد إمعان النظر في مثل هذه المواقف وتكيفك معها – يمكنك أن تحيا من خلال أفكارك تجاه ما حدث، بل وتتوافق معه كذلك.
❤29👍14👏7🎄3
علم النفس : مقالات - أبحاث
- "ما الذي يحدث لي؟" - ديفيد هيندز إن السبب الرئيسي للاكتئاب هو التغير والاختلال في الكيمياء الحيوية للجسد. ببساطة هنالك اعتقاد بأن الاختلاف الحيوي بين مجرد الإحساس بـ "انقباض النفس" والشعور بالاكتئاب يرجع إلى عدم التوازن بين واحدة أو اثنتين من المواد الكيميائية…
كانت نظرية الاختلال الكيميائي شائعة في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة كسبب رئيسي للاكتئاب. ومع ذلك، تُعتبر هذه النظرية اليوم مجرد تبسيط مفرط للمشكلة وليست التفسير الوحيد والكامل لها.
❤18👍6👏5
هذا ليس إعلانًا بل هو دعوة للمعرفة.. أعظم تجميعيات القنوات المفيدة والهادفة على تيليغرام ✨
📚 كتب صوتية تستمع لها في أي وقت
https://t.me/addlist/8uNL6_7lUHUzMTkx
🧠 قنوات فكر وأدب ومعرفة متنوعة
https://t.me/addlist/MdWs2iAF3d00YzEx
✒️ شخصيات أدبية وفلسفية خالدة
https://t.me/addlist/LcBdrEeifm8xNmZh
❤6⚡2
- عالم النفس الشهير "كارل يونغ" يعثر على التوازن، قائلا في "الكتاب الأحمر":
"إن هناك جنونا عُلْوِيّا، وهو ليس إلا تغلب روح الأعماق على روح هذا الزمن. تَحَدثْ حينها عن الوَهْم المَرَضي، عندما لا يعود روح الأعماق قادرا على البقاء في الأسفل ويجبر الإنسان على التحدث بلغات غريبة بدلا من كلام البشر، وتجعله يصدق أنه هو بذاته روح الأعماق. لكن تَحَدثْ أيضا عن الوَهْم المَرَضي عندما لا يترك روح هذا الزمن الإنسان، ويجبره على رؤية الظاهر فقط، لِيَنكُر روح الأعماق ويسلم نفسه إلى روح هذا الزمن. ليس روح هذا الزمن إلهيا، ولا روح الأعماق أيضا، التوازن وحده هو الإلهي."
"إن هناك جنونا عُلْوِيّا، وهو ليس إلا تغلب روح الأعماق على روح هذا الزمن. تَحَدثْ حينها عن الوَهْم المَرَضي، عندما لا يعود روح الأعماق قادرا على البقاء في الأسفل ويجبر الإنسان على التحدث بلغات غريبة بدلا من كلام البشر، وتجعله يصدق أنه هو بذاته روح الأعماق. لكن تَحَدثْ أيضا عن الوَهْم المَرَضي عندما لا يترك روح هذا الزمن الإنسان، ويجبره على رؤية الظاهر فقط، لِيَنكُر روح الأعماق ويسلم نفسه إلى روح هذا الزمن. ليس روح هذا الزمن إلهيا، ولا روح الأعماق أيضا، التوازن وحده هو الإلهي."
❤57⚡4
- الشخص السوي يعاني من العزلة في المجتمع غير السوي، وقد يؤدي عجزه عن التواصل إلى إمراضه نفسيا، فالمجتمع المريض لا يتسامح مع الأصحاء."
عالم النفس إريك فروم
عالم النفس إريك فروم
❤113👍25🔥12👌7🗿5⚡3💔2💯1🍓1
«أن تعيش بوعي يعني أن تختار أفعالك، لا أن تنجرف وراء ردود أفعالك.»
— فيكتور فرانكل
— فيكتور فرانكل
❤40🔥5💯5✍1