الحكمة المنزلية: فلسفة الأسرة في الحكمة العملية من أرسطو إلى الحكماء المسلمين
عندما تُذكر الأسرة في الدراسات المعاصرة ينصرف الذهن غالباً إلى أحد علومها المتخصصة؛ فالفقيه يبحث في أحكام الزواج والطلاق والنفقة والإرث، والقانوني يدرس التشريعات المنظمة للعلاقات الأسرية، وعالم الاجتماع يحلل الأسرة بوصفها مؤسسة اجتماعية، وعالم النفس يفسر العلاقات والانفعالات داخلها، ويهتم التربوي بتنشئة الأبناء.ومع أهمية هذه العلوم جميعاً ، فإنها تشترك في أنها تدرس جوانب مختلفة من الأسرة، بينما يغيب عنها سؤال أعمق يسبقها جميعاً ، وهو: لماذا تقوم الأسرة أصلًا؟ وما المبادئ العقلية التي تجعلها ضرورة في حياة الإنسان والمجتمع؟
هذا السؤال هو الذي تكفلت بالإجابة عنه الحكمة المنزلية؛ أحد أقسام الحكمة العملية عند الحكماء، فهي لا تبحث في الأحكام الجزئية، ولا في الظواهر الاجتماعية، وإنما في فلسفة الأسرة، أي في المبادئ العقلية الكلية التي يقوم عليها النظام الأسري.ولهذا تمثل الحكمة المنزلية بالنسبة للأسرة ما تمثله الحكمة السياسية بالنسبة للدولة؛ فكما تبحث الحكمة السياسية في الأسس العقلية للدولة والسلطة والخير العام، تبحث الحكمة المنزلية في الأسس العقلية للأسرة والخير الأسري، وبذلك تشكل الحلقة الوسطى بين أخلاق الفرد وسياسة المجتمع.
ويعود هذا التصور إلى أرسطو، الذي جعل الحكمة العملية تدور حول الإنسان من حيث يعيش مع غيره، ولذلك افتتح كتاب السياسة بدراسة الأسرة قبل المدينة، لأن المدينة لا تنشأ دفعة واحدة، بل تبدأ من اجتماع الرجل والمرأة( وقبل كل شيء يتحتم تضام وتآلف من لايستطيعون البقاء منفردين كالمراة والرجل مثلا بغية التناسل ) كتاب السياسة ص ٦.
ثم الأسرة( فالبيت اذن هو اول ما ينشأ عن ذينك الائتلافين ) نفس المصدر ص٧
ثم القرية( واول ائتلاف بيوت عدة اقيم لصلات غير الصلات اليومية هو القرية ..) نفس المصدر ثم الدولة( واما الدولة الكاملة فقد نشأت عن ائتلاف قرى كثيرة ) نفس المصدر ص٨.
ولم يكن هذا الترتيب مجرد عرض تاريخي، بل كان ترتيباً عقلياً ؛ إذ إن فهم الكل يتوقف على فهم أجزائه، والدولة ليست إلا امتدادًا منظمًا للأسرة.
وانتقل هذا التصور إلى الفلسفة الإسلامية؛ فخصّص ابن سينا رسالة مستقلة في الحكمة المنزلية، وجعلها قسماً قائماً بذاته من أقسام الحكمة العملية، ثم أفرد لها الخواجة نصير الدين الطوسي القسم الثاني من كتاب الأخلاق الناصرية، فجاء بعد تهذيب الفرد وقبل السياسة المدنية، لأن إصلاح المجتمع يمر بالضرورة عبر إصلاح الأسرة.
ومن هنا لم يكن الحكماء ينظرون إلى الأسرة باعتبارها شأناً خاصاً وإنما باعتبارها المؤسسة التي يتكون فيها الإنسان قبل دخوله المجتمع، ومنها تتشكل القيم والعادات التي ستنعكس لاحقًا على الحياة السياسية والاجتماعية.
فإذا كان علم الأخلاق يبحث في الفضائل التي تكمل الإنسان الفرد، وكانت الحكمة السياسية تبحث في القواعد العقلية التي تحقق الخير العام للدولة، فإن الحكمة المنزلية تبحث في القواعد العقلية التي تحقق الخير المشترك للأسرة.
فمجال الحكمة العملية ليس عن الجوانب القانونية والتشريعية فهي لاتسأل عن كيفية إجراء عقد الزواج أو أحكام الطلاق أو تقسيم الإرث، لأن هذه من موضوعات التشريع والذي يتكفل به علم الفقه والقانون ، وإنما تسأل ما الذي يجعل الأسرة ضرورة عقلية؟ولماذا لا يستطيع الإنسان أن يستغني عنها؟وما الغاية التي وُجدت الأسرة لتحقيقها؟
إن هذه الأسئلة هي التي تمنح الحكمة المنزلية استقلالها عن الفقه والقانون، وتجعلها علماً فلسفياً يبحث في الكليات لا في الجزئيات( فصناعة تدبير المنزل المسمى بالحكمة المنزلية هي النظر في حال هولاء الجماعة على وجه يقتضي عموم المصلحة في اكثر اسباب المعاش ليصلوا إلى الكمال المطلوب بحسب الاشتراك ) الاخلاق الناصرية ص٣٣٦.
فالحكمة المنزلية تفرق بين الدافع الغريزي والحكم العقلي في ارتباط الذكر بالأنثى فالرغبة الجنسية تدعو إلى الاتصال بين الرجل والمرأة، وهي وظيفة من وظائف القوة الشهوانية المشتركة بين الإنسان وسائر الحيوانات.أما تأسيس الأسرة، والالتزام الدائم، وتحمل مسؤولية الأبناء، وتقسيم الأدوار، والتعاون في إدارة الحياة، فكل ذلك ليس حكماً للشهوة، وإنما حكم للعقل العملي.
فالعقل العملي يدرك أن استمرار النوع الإنساني، وحفظ النسب، وتربية الأجيال، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، لا يمكن أن تتحقق بعلاقات عابرة، وإنما تحتاج إلى رابطة مستقرة تقوم على المسؤولية والالتزام.ومن هنا فليست الأسرة مجرد تنظيم للشهوة، بل هي تحويل للطاقة الغريزية إلى مؤسسة عقلية تحقق كمال الإنسان والعمران.
ومن خلال نصوص أرسطو وابن سينا والطوسي يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ العقلية التي يقوم عليها النظام الأسري.
أولاً: الغائية
لكل نظام غاية، وغاية الأسرة ليست مجرد الإنجاب، بل انجاب شبيه بالانسان ( لان رغبة المرء في ان يُعقب نسلاً شبيها به رغبة طبيعية ) كتاب السياسة ص ٦.
عندما تُذكر الأسرة في الدراسات المعاصرة ينصرف الذهن غالباً إلى أحد علومها المتخصصة؛ فالفقيه يبحث في أحكام الزواج والطلاق والنفقة والإرث، والقانوني يدرس التشريعات المنظمة للعلاقات الأسرية، وعالم الاجتماع يحلل الأسرة بوصفها مؤسسة اجتماعية، وعالم النفس يفسر العلاقات والانفعالات داخلها، ويهتم التربوي بتنشئة الأبناء.ومع أهمية هذه العلوم جميعاً ، فإنها تشترك في أنها تدرس جوانب مختلفة من الأسرة، بينما يغيب عنها سؤال أعمق يسبقها جميعاً ، وهو: لماذا تقوم الأسرة أصلًا؟ وما المبادئ العقلية التي تجعلها ضرورة في حياة الإنسان والمجتمع؟
هذا السؤال هو الذي تكفلت بالإجابة عنه الحكمة المنزلية؛ أحد أقسام الحكمة العملية عند الحكماء، فهي لا تبحث في الأحكام الجزئية، ولا في الظواهر الاجتماعية، وإنما في فلسفة الأسرة، أي في المبادئ العقلية الكلية التي يقوم عليها النظام الأسري.ولهذا تمثل الحكمة المنزلية بالنسبة للأسرة ما تمثله الحكمة السياسية بالنسبة للدولة؛ فكما تبحث الحكمة السياسية في الأسس العقلية للدولة والسلطة والخير العام، تبحث الحكمة المنزلية في الأسس العقلية للأسرة والخير الأسري، وبذلك تشكل الحلقة الوسطى بين أخلاق الفرد وسياسة المجتمع.
ويعود هذا التصور إلى أرسطو، الذي جعل الحكمة العملية تدور حول الإنسان من حيث يعيش مع غيره، ولذلك افتتح كتاب السياسة بدراسة الأسرة قبل المدينة، لأن المدينة لا تنشأ دفعة واحدة، بل تبدأ من اجتماع الرجل والمرأة( وقبل كل شيء يتحتم تضام وتآلف من لايستطيعون البقاء منفردين كالمراة والرجل مثلا بغية التناسل ) كتاب السياسة ص ٦.
ثم الأسرة( فالبيت اذن هو اول ما ينشأ عن ذينك الائتلافين ) نفس المصدر ص٧
ثم القرية( واول ائتلاف بيوت عدة اقيم لصلات غير الصلات اليومية هو القرية ..) نفس المصدر ثم الدولة( واما الدولة الكاملة فقد نشأت عن ائتلاف قرى كثيرة ) نفس المصدر ص٨.
ولم يكن هذا الترتيب مجرد عرض تاريخي، بل كان ترتيباً عقلياً ؛ إذ إن فهم الكل يتوقف على فهم أجزائه، والدولة ليست إلا امتدادًا منظمًا للأسرة.
وانتقل هذا التصور إلى الفلسفة الإسلامية؛ فخصّص ابن سينا رسالة مستقلة في الحكمة المنزلية، وجعلها قسماً قائماً بذاته من أقسام الحكمة العملية، ثم أفرد لها الخواجة نصير الدين الطوسي القسم الثاني من كتاب الأخلاق الناصرية، فجاء بعد تهذيب الفرد وقبل السياسة المدنية، لأن إصلاح المجتمع يمر بالضرورة عبر إصلاح الأسرة.
ومن هنا لم يكن الحكماء ينظرون إلى الأسرة باعتبارها شأناً خاصاً وإنما باعتبارها المؤسسة التي يتكون فيها الإنسان قبل دخوله المجتمع، ومنها تتشكل القيم والعادات التي ستنعكس لاحقًا على الحياة السياسية والاجتماعية.
فإذا كان علم الأخلاق يبحث في الفضائل التي تكمل الإنسان الفرد، وكانت الحكمة السياسية تبحث في القواعد العقلية التي تحقق الخير العام للدولة، فإن الحكمة المنزلية تبحث في القواعد العقلية التي تحقق الخير المشترك للأسرة.
فمجال الحكمة العملية ليس عن الجوانب القانونية والتشريعية فهي لاتسأل عن كيفية إجراء عقد الزواج أو أحكام الطلاق أو تقسيم الإرث، لأن هذه من موضوعات التشريع والذي يتكفل به علم الفقه والقانون ، وإنما تسأل ما الذي يجعل الأسرة ضرورة عقلية؟ولماذا لا يستطيع الإنسان أن يستغني عنها؟وما الغاية التي وُجدت الأسرة لتحقيقها؟
إن هذه الأسئلة هي التي تمنح الحكمة المنزلية استقلالها عن الفقه والقانون، وتجعلها علماً فلسفياً يبحث في الكليات لا في الجزئيات( فصناعة تدبير المنزل المسمى بالحكمة المنزلية هي النظر في حال هولاء الجماعة على وجه يقتضي عموم المصلحة في اكثر اسباب المعاش ليصلوا إلى الكمال المطلوب بحسب الاشتراك ) الاخلاق الناصرية ص٣٣٦.
فالحكمة المنزلية تفرق بين الدافع الغريزي والحكم العقلي في ارتباط الذكر بالأنثى فالرغبة الجنسية تدعو إلى الاتصال بين الرجل والمرأة، وهي وظيفة من وظائف القوة الشهوانية المشتركة بين الإنسان وسائر الحيوانات.أما تأسيس الأسرة، والالتزام الدائم، وتحمل مسؤولية الأبناء، وتقسيم الأدوار، والتعاون في إدارة الحياة، فكل ذلك ليس حكماً للشهوة، وإنما حكم للعقل العملي.
فالعقل العملي يدرك أن استمرار النوع الإنساني، وحفظ النسب، وتربية الأجيال، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، لا يمكن أن تتحقق بعلاقات عابرة، وإنما تحتاج إلى رابطة مستقرة تقوم على المسؤولية والالتزام.ومن هنا فليست الأسرة مجرد تنظيم للشهوة، بل هي تحويل للطاقة الغريزية إلى مؤسسة عقلية تحقق كمال الإنسان والعمران.
ومن خلال نصوص أرسطو وابن سينا والطوسي يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ العقلية التي يقوم عليها النظام الأسري.
أولاً: الغائية
لكل نظام غاية، وغاية الأسرة ليست مجرد الإنجاب، بل انجاب شبيه بالانسان ( لان رغبة المرء في ان يُعقب نسلاً شبيها به رغبة طبيعية ) كتاب السياسة ص ٦.
❤3
وهذه الرغبة الطبعية تكون مقرونة مع محبة على تنمية الفضائل، وصناعة الشخصية، ونقل القيم إلى الأبناء ( والأب إذا احب ولده لانه يرى لنفسه عليه زيادة حق كانت محبته قريبة قريبة من هذه المحبة من وجه ومن وجه آخر له محبة ذاتية اختص بها وذلك انه يرى ولده في الحقيقة كنفسه ويتصور ان وجوده نسخة استنسختها الطبيعة من صورته وانتقل مثال من ذاته إلى ذات ولده . والحق ان هذا التصور في موضعه . فان الحكمة الالهية حملت الاب بطريق الإلهام على انشاء ولده وصيّرته سببا ثانيا في إيجاده ولهذا السبب كل كمال يريده الاب لنفسه يريده ايضا لولده وكل خير او سعادة فانه يجعل همته على حصوله لولده .) الاخلاق النصيرية ص ٤٢٣.
ثانياً: الخير المشترك :
كما جعل أرسطو الخير العام معياراً لتقويم الأنظمة السياسية، فإن الخير الأسري هو المعيار الذي تقاس به العلاقات والقرارات داخل الأسرة.
فكل قرار يهدد وحدة الأسرة أو استقرارها أو عدالتها يخالف الغاية التي وجدت الأسرة من أجلها.
ثالثًا: التكامل
يقوم البناء الأسري على التكامل بين الزوجين، لا على الصراع أو التنافس.
فالعقل العملي ينظر إلى العلاقة الزوجية بوصفها شراكة لتحقيق غاية مشتركة، ولذلك فإن توزيع
المسؤوليات ينبغي أن يكون تابعاً لتحقيق مصلحة الأسرة، لا لمجرد تحقيق رغبات الأفراد( فان كل واحد من اركان المنزل بمثابة كل واحد من الأعضاء بعضها رئيس وبعضها مرؤوس وبعضها شريف وبعضها خسيس . وكما ان كل واحد من الأعضاء وان كان له اعتدال خاص وفعل خاص لكن فعل جميعها بالمشاركة والمعاونة غاية جميع الافعال ، كذلك لكل شخص من اشخاص اهل المنزل طبع وخاصية بانفراده وحركاته متوجهة إلى مقصد خاص يحصل به وبمقاصد الباقين النظام المطلوب في المنزل ) الاخلاق الناصرية ص٣٣٩.
رابعاً: العدالة
العدالة تبدأ داخل الأسرة قبل أن تظهر في الدولة.فالعدل بين الزوجين، والعدل بين الأبناء، وإعطاء كل فرد ما يناسب موقعه
ومسؤوليته، هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الإنصاف والحقوق والواجبات( ومدبر المنزل الذي هو بمنزلة الطبيب من وجه وبمنزلة عضو شريف من الأعضاء من وجه آخر ينبغي ان يكون واقفا على طبيعة كل شخص من اهل المنزل وخاصيته وفعله وكذلك يكون واقفاً على اعتدال يحصل من تاليف افعالهم ليوصلهم إلى كمال يقتضي نظام المنزل ويزيل أمراضهم ان حدثت) المصدر السابق ص٣٣٩.
خامساً : التربية
ليست وظيفة الأسرة مجرد حفظ الحياة، بل صناعة الإنسان.
ولهذا جعل الحكماء التربية من أهم وظائفها؛ لأن المواطن الصالح لا يُصنع في مؤسسات الدولة، بل يبدأ تكوينه داخل البيت وتطرق الخواجة الطوسي إلى تربية الاولاد كتاب الاخلاق الناصرية في الفصل الرابع ( في معرفة سياسة الاولاد وتدبيرهم ) ص ٣٥٧.
سادساً: تدبير الموارد
فالإدارة الرشيدة للموارد المالية، وترتيب الأولويات، والاعتدال في الإنفاق، ليست مسائل اقتصادية محضة، بل جزء من الحكمة المنزلية؛ لأن الاستقرار الاقتصادي شرط لاستقرار الأسرة ، واشار الخواجة الطوسي إلى ذلك في الفصل الثاني من كتابه ( في معرفة السياسة وتدبير الاموال )
سابعًا: الاعتدال
كما أن الفضيلة عند أرسطو وسط بين الإفراط والتفريط، فإن الحياة الأسرية تقوم كذلك على الاعتدال في استعمال السلطة، وإظهار العاطفة، والإنفاق، والتأديب، ومنح الحرية.
ثامنًا: المسؤولية
كل حق داخل الأسرة يقابله واجب، ولا يمكن أن يستقر النظام الأسري إذا تحولت الحقوق إلى مطالب مجردة من المسؤوليات.
ولهذا كانت الأسرة أول مدرسة يتعلم فيها الإنسان معنى تحمل المسؤولية.
تاسعاً : الاستمرار
ان الأسرة ليست علاقة آنية، بل مشروع ممتد عبر الأجيال.ولهذا لا تقتصر وظيفتها على تلبية حاجات الحاضر، وإنما تشمل المحافظة على الهوية الثقافية، ونقل القيم، وإعداد الجيل القادم.
عاشراً : التعاون
الحياة الأسرية ليست اجتماع أفراد مستقلين، وإنما وحدة متعاونة.
فالتشاور، وتقاسم الأعباء، وتكامل الأدوار، ليست فضائل اختيارية فحسب، بل مقتضيات يحكم بها العقل العملي لتحقيق استقرار الأسرة.
ومع تطور المعرفة انفصلت موضوعات الحكمة المنزلية إلى علوم مستقلة؛ فانتقلت التربية والتنشأة إلى علوم التربية، والعلاقات الأسرية إلى علم النفس، والبناء الاجتماعي للأسرة إلى علم الاجتماع، وإدارة الموارد إلى الاقتصاد.وقد كان لهذا التخصص فوائد كبيرة، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى غياب الرؤية الكلية للأسرة؛ إذ أصبح كل علم ينظر إليها من زاوية خاصة، بينما اختفى السؤال الذي كان الحكماء يجعلونه أساسًا لجميع هذه العلوم: ما المبادئ العقلية التي ينبغي أن يقوم عليها النظام الأسري؟
ومن هنا فإن الحكمة المنزلية لا تنافس هذه العلوم، بل تؤسس لها؛ لأنها تبحث في الكليات التي تنتظم تحتها الدراسات الجزئية، تماماً كما لا تغني القوانين السياسية عن الحكمة السياسية.
ثانياً: الخير المشترك :
كما جعل أرسطو الخير العام معياراً لتقويم الأنظمة السياسية، فإن الخير الأسري هو المعيار الذي تقاس به العلاقات والقرارات داخل الأسرة.
فكل قرار يهدد وحدة الأسرة أو استقرارها أو عدالتها يخالف الغاية التي وجدت الأسرة من أجلها.
ثالثًا: التكامل
يقوم البناء الأسري على التكامل بين الزوجين، لا على الصراع أو التنافس.
فالعقل العملي ينظر إلى العلاقة الزوجية بوصفها شراكة لتحقيق غاية مشتركة، ولذلك فإن توزيع
المسؤوليات ينبغي أن يكون تابعاً لتحقيق مصلحة الأسرة، لا لمجرد تحقيق رغبات الأفراد( فان كل واحد من اركان المنزل بمثابة كل واحد من الأعضاء بعضها رئيس وبعضها مرؤوس وبعضها شريف وبعضها خسيس . وكما ان كل واحد من الأعضاء وان كان له اعتدال خاص وفعل خاص لكن فعل جميعها بالمشاركة والمعاونة غاية جميع الافعال ، كذلك لكل شخص من اشخاص اهل المنزل طبع وخاصية بانفراده وحركاته متوجهة إلى مقصد خاص يحصل به وبمقاصد الباقين النظام المطلوب في المنزل ) الاخلاق الناصرية ص٣٣٩.
رابعاً: العدالة
العدالة تبدأ داخل الأسرة قبل أن تظهر في الدولة.فالعدل بين الزوجين، والعدل بين الأبناء، وإعطاء كل فرد ما يناسب موقعه
ومسؤوليته، هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الإنصاف والحقوق والواجبات( ومدبر المنزل الذي هو بمنزلة الطبيب من وجه وبمنزلة عضو شريف من الأعضاء من وجه آخر ينبغي ان يكون واقفا على طبيعة كل شخص من اهل المنزل وخاصيته وفعله وكذلك يكون واقفاً على اعتدال يحصل من تاليف افعالهم ليوصلهم إلى كمال يقتضي نظام المنزل ويزيل أمراضهم ان حدثت) المصدر السابق ص٣٣٩.
خامساً : التربية
ليست وظيفة الأسرة مجرد حفظ الحياة، بل صناعة الإنسان.
ولهذا جعل الحكماء التربية من أهم وظائفها؛ لأن المواطن الصالح لا يُصنع في مؤسسات الدولة، بل يبدأ تكوينه داخل البيت وتطرق الخواجة الطوسي إلى تربية الاولاد كتاب الاخلاق الناصرية في الفصل الرابع ( في معرفة سياسة الاولاد وتدبيرهم ) ص ٣٥٧.
سادساً: تدبير الموارد
فالإدارة الرشيدة للموارد المالية، وترتيب الأولويات، والاعتدال في الإنفاق، ليست مسائل اقتصادية محضة، بل جزء من الحكمة المنزلية؛ لأن الاستقرار الاقتصادي شرط لاستقرار الأسرة ، واشار الخواجة الطوسي إلى ذلك في الفصل الثاني من كتابه ( في معرفة السياسة وتدبير الاموال )
سابعًا: الاعتدال
كما أن الفضيلة عند أرسطو وسط بين الإفراط والتفريط، فإن الحياة الأسرية تقوم كذلك على الاعتدال في استعمال السلطة، وإظهار العاطفة، والإنفاق، والتأديب، ومنح الحرية.
ثامنًا: المسؤولية
كل حق داخل الأسرة يقابله واجب، ولا يمكن أن يستقر النظام الأسري إذا تحولت الحقوق إلى مطالب مجردة من المسؤوليات.
ولهذا كانت الأسرة أول مدرسة يتعلم فيها الإنسان معنى تحمل المسؤولية.
تاسعاً : الاستمرار
ان الأسرة ليست علاقة آنية، بل مشروع ممتد عبر الأجيال.ولهذا لا تقتصر وظيفتها على تلبية حاجات الحاضر، وإنما تشمل المحافظة على الهوية الثقافية، ونقل القيم، وإعداد الجيل القادم.
عاشراً : التعاون
الحياة الأسرية ليست اجتماع أفراد مستقلين، وإنما وحدة متعاونة.
فالتشاور، وتقاسم الأعباء، وتكامل الأدوار، ليست فضائل اختيارية فحسب، بل مقتضيات يحكم بها العقل العملي لتحقيق استقرار الأسرة.
ومع تطور المعرفة انفصلت موضوعات الحكمة المنزلية إلى علوم مستقلة؛ فانتقلت التربية والتنشأة إلى علوم التربية، والعلاقات الأسرية إلى علم النفس، والبناء الاجتماعي للأسرة إلى علم الاجتماع، وإدارة الموارد إلى الاقتصاد.وقد كان لهذا التخصص فوائد كبيرة، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى غياب الرؤية الكلية للأسرة؛ إذ أصبح كل علم ينظر إليها من زاوية خاصة، بينما اختفى السؤال الذي كان الحكماء يجعلونه أساسًا لجميع هذه العلوم: ما المبادئ العقلية التي ينبغي أن يقوم عليها النظام الأسري؟
ومن هنا فإن الحكمة المنزلية لا تنافس هذه العلوم، بل تؤسس لها؛ لأنها تبحث في الكليات التي تنتظم تحتها الدراسات الجزئية، تماماً كما لا تغني القوانين السياسية عن الحكمة السياسية.
❤3
فالحكمة المنزلية تكشف عن أن الأسرة ليست مجرد رابطة قانونية، ولا مجرد استجابة لغريزة طبيعية، ولا مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي مؤسسة عقلية لها غاية محددة، وتحكمها مبادئ كلية، وتشكل الحلقة التي تصل بين أخلاق الفرد وسياسة الدولة.ولهذا فإن إعادة إحياء الحكمة المنزلية لا تعني الرجوع إلى التراث الفلسفي بوصفه تاريخا ، وإنما تعني استعادة فلسفة الأسرة التي غابت مع تشتت
موضوعاتها بين علوم متعددة. وكما لا يمكن فهم الدولة من دون فلسفة سياسية، لا يمكن فهم الأسرة فهماً كاملًا من دون حكمة منزلية تكشف عن أسسها العقلية وغاياتها، وتجعلها جزءاً من مشروع الحكمة العملية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة.
موضوعاتها بين علوم متعددة. وكما لا يمكن فهم الدولة من دون فلسفة سياسية، لا يمكن فهم الأسرة فهماً كاملًا من دون حكمة منزلية تكشف عن أسسها العقلية وغاياتها، وتجعلها جزءاً من مشروع الحكمة العملية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة.
❤4
Audio
كتاب السياسة الدرس ٢٧٨
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ص ٢٦٠_ ٢٦١
الخميس ١٥ صفر ١٤٤٨
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ص ٢٦٠_ ٢٦١
الخميس ١٥ صفر ١٤٤٨
❤1
الخير والجميل والحسن في الحكمة العملية: من أرسطو إلى الفارابي وعلم الكلام
يُعدّ التمييز بين مفاهيم الخير والجميل والحسن من المفاتيح الأساسية لفهم لغة الحكمة العملية؛ إذ تبدو هذه الألفاظ في الاستعمال العام متقاربة، لكنها تؤدي في البناء الفلسفي وظائف مختلفة. ويظهر ذلك بوضوح عند أرسطو، ثم يتطور عند الفارابي والخواجة الطوسي ، قبل أن ينتقل جانب منه إلى علم الكلام في صورة البحث عن الحسن والقبح العقليين.
والفكرة المركزية في هذا التمييز هي أن العقل العملي لا يعمل في مستوى واحد؛ فهو يبدأ أولاً بالسؤال عن الكمال الواقعي للإنسان وغايته، ثم ينتقل إلى السؤال عن الأفعال التي ينبغي اختيارها لأنها تحقق ذلك الكمال. وفي المستوى الأول تبرز لغة الخير، وفي المستوى الثاني تبرز لغة الجميل أو الحسن.
فان ارسطو يستعمل لفظ ἀγαθόν (agathon) بمعنى «الخير»، ويجعله في افتتاح الأخلاق النيقوماخية محور البحث الأخلاقي كله، إذ يقرر أن كل صناعة وفعل واختيار يتجه إلى خير ما، ولذلك قيل بحق إن الخير هو ما تتجه إليه الأشياء جميعاً.فالخير هنا لا يدل ابتداءً على مجرد الأمر الممدوح ، بل على ما يمثل كمالاً حقيقياً للشيء وغايةً له. ولكل موجود خير بحسب طبيعته ووظيفته؛ وخير الإنسان هو ما يحقق كمال حياته بوصفه إنساناً.
ومن هنا كان البحث عن السعادة بحثاً عن الخير الإنساني الأعلى، أي الغاية التي تنتظم تحتها سائر الغايات الجزئية. فالعدالة، والشجاعة، والحكمة، وسائر الفضائل خيرات لأنها تحقق صورة أكمل للنفس الإنسانية، بينما السعادة هي الخير الأعلى لأنها تمثل تمام هذا الكمال في حياة الإنسان كلها.وبذلك يكون العقل العملي، في هذه المرحلة، بصدد الكشف عن واقع الكمال: ما الذي يجعل الإنسان كاملاً؟ وما الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها حياته؟ وما الصفات التي تحقق له الحياة الإنسانية الأفضل؟وهنا تبرز لغة الخير والكمال.ولكن الحكمة العملية لا تقف عند معرفة أن العدالة خير وأن الفضيلة كمال؛ لأن الإنسان لا يعيش بالمفاهيم المجردة، بل بالأفعال والاختيارات.ولهذا ينتقل العقل العملي من سؤال:ما الخير للإنسان؟
إلى سؤال آخر:ما الذي ينبغي للإنسان أن يفعله حتى يحقق ذلك الخير؟
وفي هذا المستوى تبرز عند أرسطو مفردة καλόν (kalon)، التي تترجم عادة بـ«الجميل»، ويمكن في السياق الأخلاقي أن تترجم أيضاً بـ«النبيل» أو «الحسن».
فالجميل لا ينظر إلى الكمال من حيث وجوده وكونه خيراً للإنسان فحسب، بل ينظر إلى الفعل الإرادي الذي يجسد ذلك الكمال في عالم السلوك، فيحكم عليه بأنه جدير بالاختيار والمدح لذاته.ومن هنا يمكن التمييز بين مستويين مترابطين:
الخير: كشف العقل العملي عن واقعية الكمال ، فالعقل العملي عندما يتأمل الطبيعة الإنسانية أو الوجود بأسره، يُدرك أن لكل موجود كمالاً خاصاً يمثل غايته القصوى وهذا الكمال المتحقق في وعاء الوجود هو ما يُعبر عنه أرسطو بـ "الخير".فعندما نحكم بعقولنا أن "الحكمة خير" أو "العدالة خير"، فنحن نشير إلى واقعية هذا الكمال في النفس وإلى اتساقه مع طبيعة الكائن؛ فالخير هنا مفهوم يُدركه العقل بالنظر إلى الماهية والغاية والكمال الباطني.
واما الجميل: فهو حكم عقلي عملي تقنيني على الفعل الذي يجسد ذلك الكمال في عالم الإرادة.فان الكمال في ذاته (الخير) يظل كمالا عقلياً ، ولكن عندما نُريد نقل هذا الكمال إلى عالم الممارسة والسلوك والأفعال والسياسة المدنية، فإننا نحتاج إلى "تقنينه" صياغةً وتحديداً.
فالجميل تكون بحسب ارسطو صفة للفعل المُقنن ، فالجمال عند أرسطو ينطوي على الخصائص الشكلية للتقنين: النظام ، والتناسب والتعيين المحدود .
فالفعل لا يُسمى "جميلاً" لمجرد أنه كمال مجرد، بل عندما يتحول ذلك الكمال إلى قاعدة قانونية وسلوكية مقدرة وموزونة تظهر في الواقع الخارجي (كأن نقول: إعطاء الحق لصاحبه بالقدر المحدد وفي الوقت المحدد هو فعل جميل).
فالعدالة خير لأنها كمال للنفس وللحياة المشتركة، أما فعل العدل فهو جميل أو نبيل لأنه السلوك الذي ينبغي اختياره وممارسته.ولا يعني هذا أن أرسطو حصر لفظ الخير في الملكات وحصر لفظ الجميل في الأفعال حصراً اصطلاحياً صارماً؛ فقد يوصف الفعل نفسه بأنه خير، كما توصف الفضيلة بأنها جميلة. وإنما المقصود أن لكل لفظ جهة دلالية غالبةفالخير يبرز عند النظر إلى الغاية والكمال، والجميل يبرز عند تقويم الفعل والاختيار.
ويتضح هذا البناء أكثر بالتمييز بين الملكة والفعل.فالعدالة من حيث كونها هيئة راسخة في النفس فهي فضيلة وخير للإنسان
يُعدّ التمييز بين مفاهيم الخير والجميل والحسن من المفاتيح الأساسية لفهم لغة الحكمة العملية؛ إذ تبدو هذه الألفاظ في الاستعمال العام متقاربة، لكنها تؤدي في البناء الفلسفي وظائف مختلفة. ويظهر ذلك بوضوح عند أرسطو، ثم يتطور عند الفارابي والخواجة الطوسي ، قبل أن ينتقل جانب منه إلى علم الكلام في صورة البحث عن الحسن والقبح العقليين.
والفكرة المركزية في هذا التمييز هي أن العقل العملي لا يعمل في مستوى واحد؛ فهو يبدأ أولاً بالسؤال عن الكمال الواقعي للإنسان وغايته، ثم ينتقل إلى السؤال عن الأفعال التي ينبغي اختيارها لأنها تحقق ذلك الكمال. وفي المستوى الأول تبرز لغة الخير، وفي المستوى الثاني تبرز لغة الجميل أو الحسن.
فان ارسطو يستعمل لفظ ἀγαθόν (agathon) بمعنى «الخير»، ويجعله في افتتاح الأخلاق النيقوماخية محور البحث الأخلاقي كله، إذ يقرر أن كل صناعة وفعل واختيار يتجه إلى خير ما، ولذلك قيل بحق إن الخير هو ما تتجه إليه الأشياء جميعاً.فالخير هنا لا يدل ابتداءً على مجرد الأمر الممدوح ، بل على ما يمثل كمالاً حقيقياً للشيء وغايةً له. ولكل موجود خير بحسب طبيعته ووظيفته؛ وخير الإنسان هو ما يحقق كمال حياته بوصفه إنساناً.
ومن هنا كان البحث عن السعادة بحثاً عن الخير الإنساني الأعلى، أي الغاية التي تنتظم تحتها سائر الغايات الجزئية. فالعدالة، والشجاعة، والحكمة، وسائر الفضائل خيرات لأنها تحقق صورة أكمل للنفس الإنسانية، بينما السعادة هي الخير الأعلى لأنها تمثل تمام هذا الكمال في حياة الإنسان كلها.وبذلك يكون العقل العملي، في هذه المرحلة، بصدد الكشف عن واقع الكمال: ما الذي يجعل الإنسان كاملاً؟ وما الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها حياته؟ وما الصفات التي تحقق له الحياة الإنسانية الأفضل؟وهنا تبرز لغة الخير والكمال.ولكن الحكمة العملية لا تقف عند معرفة أن العدالة خير وأن الفضيلة كمال؛ لأن الإنسان لا يعيش بالمفاهيم المجردة، بل بالأفعال والاختيارات.ولهذا ينتقل العقل العملي من سؤال:ما الخير للإنسان؟
إلى سؤال آخر:ما الذي ينبغي للإنسان أن يفعله حتى يحقق ذلك الخير؟
وفي هذا المستوى تبرز عند أرسطو مفردة καλόν (kalon)، التي تترجم عادة بـ«الجميل»، ويمكن في السياق الأخلاقي أن تترجم أيضاً بـ«النبيل» أو «الحسن».
فالجميل لا ينظر إلى الكمال من حيث وجوده وكونه خيراً للإنسان فحسب، بل ينظر إلى الفعل الإرادي الذي يجسد ذلك الكمال في عالم السلوك، فيحكم عليه بأنه جدير بالاختيار والمدح لذاته.ومن هنا يمكن التمييز بين مستويين مترابطين:
الخير: كشف العقل العملي عن واقعية الكمال ، فالعقل العملي عندما يتأمل الطبيعة الإنسانية أو الوجود بأسره، يُدرك أن لكل موجود كمالاً خاصاً يمثل غايته القصوى وهذا الكمال المتحقق في وعاء الوجود هو ما يُعبر عنه أرسطو بـ "الخير".فعندما نحكم بعقولنا أن "الحكمة خير" أو "العدالة خير"، فنحن نشير إلى واقعية هذا الكمال في النفس وإلى اتساقه مع طبيعة الكائن؛ فالخير هنا مفهوم يُدركه العقل بالنظر إلى الماهية والغاية والكمال الباطني.
واما الجميل: فهو حكم عقلي عملي تقنيني على الفعل الذي يجسد ذلك الكمال في عالم الإرادة.فان الكمال في ذاته (الخير) يظل كمالا عقلياً ، ولكن عندما نُريد نقل هذا الكمال إلى عالم الممارسة والسلوك والأفعال والسياسة المدنية، فإننا نحتاج إلى "تقنينه" صياغةً وتحديداً.
فالجميل تكون بحسب ارسطو صفة للفعل المُقنن ، فالجمال عند أرسطو ينطوي على الخصائص الشكلية للتقنين: النظام ، والتناسب والتعيين المحدود .
فالفعل لا يُسمى "جميلاً" لمجرد أنه كمال مجرد، بل عندما يتحول ذلك الكمال إلى قاعدة قانونية وسلوكية مقدرة وموزونة تظهر في الواقع الخارجي (كأن نقول: إعطاء الحق لصاحبه بالقدر المحدد وفي الوقت المحدد هو فعل جميل).
فالعدالة خير لأنها كمال للنفس وللحياة المشتركة، أما فعل العدل فهو جميل أو نبيل لأنه السلوك الذي ينبغي اختياره وممارسته.ولا يعني هذا أن أرسطو حصر لفظ الخير في الملكات وحصر لفظ الجميل في الأفعال حصراً اصطلاحياً صارماً؛ فقد يوصف الفعل نفسه بأنه خير، كما توصف الفضيلة بأنها جميلة. وإنما المقصود أن لكل لفظ جهة دلالية غالبةفالخير يبرز عند النظر إلى الغاية والكمال، والجميل يبرز عند تقويم الفعل والاختيار.
ويتضح هذا البناء أكثر بالتمييز بين الملكة والفعل.فالعدالة من حيث كونها هيئة راسخة في النفس فهي فضيلة وخير للإنسان
❤1
أما ممارسة العدل في العلاقات والمعاملات والقضاء والسياسة فهي أفعال جميلة أو نبيلة؛ لأنها تحقق ذلك الكمال في عالم العمل.
ومن هنا يتضح لماذا يؤكد أرسطو أن السعادة ليست مجرد امتلاك الفضيلة، بل فاعلية النفس وفق الفضيلة. فالإنسان لا يصير سعيداً لمجرد أن تكون لديه استعدادات أو ملكات فاضلة، وإنما حين تتحول هذه الملكات إلى أفعال.
ولهذا يشبه أرسطو الأمر بالألعاب الرياضية: فالتاج لا يُعطى لمن كان قوياً أو جميلاً فحسب، بل لمن يدخل المنافسة بالفعل.
فالكمال لا يكتمل أخلاقياً إلا عندما يتحول إلى سلوك .
فالفعل العادل خير من حيث إسهامه في كمال الإنسان وسعادته، وهو جميل أو نبيل من حيث استحقاقه للاختيار والمدح، وهو لذيذ بالنسبة إلى الإنسان العادل الذي تهذبت رغباته حتى صار يلتذ بالعدل نفسه.ولهذا فليست السعادة شيئاً خارج الحياة الفاضلة، بل هي اكتمال الحياة التي يتحد فيها الخير والجميل واللذة ضمن نظام واحد .
وعند الفارابي يصبح التمييز بين الكمالات والخيرات والتي مجالها الحكمة العملية وبين الأفعال واتصافها بالجميلة أكثر وضوحاً ،فقد حافظ على البنية الأرسطية، في التفريق بين الملكات وبين الأفعال وان لم يلتزم بمصطلحي الخير والجميل للدلالة على الكمال والفعل .
ففي رسالة التنبيه على سبيل السعادة ترتبط السعادة عند الفارابي بتكرار الأفعال الجميلة حتى تتحول إلى أخلاق وملكات. والأفعال الجميلة هي في الجملة الأفعال الواقعة في الوسط بين الإفراط والتفريط، وباعتيادها يكتسب الإنسان الفضيلة( واما اي الأفعال الجميلة وهي التي باعتيادنا لها يحصل لنا الخلق الجميل ، فنحن الان واصفوه فنقول : ان كمال الانسان في خلقه هو كمال الخُلق والحال في الافعال التي يحصل كمال الانسان في خلقه …) الرسائل الفلسفية الصغرى - رسالة التنبيه على سبيل السعادة ص ٢٩٢ .
وهنا نلاحظ أن الحركة تسير في اتجاهين متكاملين:
من الخير والكمال إلى الفعل الجميل،ثم من تكرار الفعل الجميل إلى تكوين الملكة الفاضلة.فهناك تفاعل دائم بين الداخل والخارج، فالملكة تنتج الفعل، والفعل المتكرر يرسخ الملكة.
وفي إحصاء العلوم يظهر «الجميل» بوصفه مفهوماً مركزياً في العلم المدني؛ إذ يقسم الفارابي هذا العلم إلى ما تُعرف به أنواع الأفعال والأخلاق ( ويبين " العلم المدني " ان التي ينال بها ماهو في الحقيقة سعادة هي الخيرات والأفعال الجميلة والفضائل) إحصاء العلوم ص ١٢٥
وهذا يعني أن الحكمة العملية لا تكتفي بمعرفة الخير نظرياً، بل تبحث في كيفية تحويل الخير إلى نظام من الأفعال الجميلة.
وفي تحصيل السعادة تنتقل المسألة من الفرد إلى المجتمع؛ فالفضائل النظرية والفكرية والخلقية والصناعات العملية لا تبلغ كمالها إلا عندما تظهر في الأفعال والممارسات التي تتحقق بها السعادة في المدن والأمم.أما في الملة، فإن هذه العملية تأخذ صورة التقنين الاجتماعي والسياسي؛ إذ يقدّر واضع الملة الفاضلة آراءً وأفعالاً يوجّه بها الناس نحو الخيرات والغايات التي أدركتها الحكمة.
فالإنسان يوصف بأنه فاضل، والملكة النفسانية توصف بأنها فضيلة، والفعل الصادر عنها يوصف بأنه حسن.فالعدالة خير من جهة كونها كمالاً، وفضيلة من جهة كونها ملكة نفسانية، والفعل العادل حسن من جهة كونه فعلاً إرادياً ينبغي اختياره.
وبهذا يصبح لفظ «الحسن» في الحكمة العملية قريب الوظيفة من «الجميل» في البنية الأرسطية اذ هي وصف للأفعال وليست وصفا للملكات ، فالملكات في الحكمة الأرسطية توصف بالخير والفضيلة ، وإن اختلفت الاصطلاحات بحسب المؤلف والسياق.
وتكتسب التفرقة بين الملكة ( باعتبارها كمالا وجوديا ) وبين الفعل ( باعتبار الصياغة التقنينية) أهمية أكبر عند الانتقال إلى علم الكلام؛ فانه بعد ان أصبح مفهوم حُسن الأفعال محوراً لنزاع واسع حول الحسن والقبح العقليين ومحاولات الفخر الرازي والغزالي تفسير الحسن والقبح بتفسيرات مختلفة فان التمييز بين الملكات وبين الأفعال سيلعب دورا مهما في حل الإشكالية في علم الكلام وهذا ما يحتاج إلى تحليل اوسع .
ومن هنا يتضح لماذا يؤكد أرسطو أن السعادة ليست مجرد امتلاك الفضيلة، بل فاعلية النفس وفق الفضيلة. فالإنسان لا يصير سعيداً لمجرد أن تكون لديه استعدادات أو ملكات فاضلة، وإنما حين تتحول هذه الملكات إلى أفعال.
ولهذا يشبه أرسطو الأمر بالألعاب الرياضية: فالتاج لا يُعطى لمن كان قوياً أو جميلاً فحسب، بل لمن يدخل المنافسة بالفعل.
فالكمال لا يكتمل أخلاقياً إلا عندما يتحول إلى سلوك .
فالفعل العادل خير من حيث إسهامه في كمال الإنسان وسعادته، وهو جميل أو نبيل من حيث استحقاقه للاختيار والمدح، وهو لذيذ بالنسبة إلى الإنسان العادل الذي تهذبت رغباته حتى صار يلتذ بالعدل نفسه.ولهذا فليست السعادة شيئاً خارج الحياة الفاضلة، بل هي اكتمال الحياة التي يتحد فيها الخير والجميل واللذة ضمن نظام واحد .
وعند الفارابي يصبح التمييز بين الكمالات والخيرات والتي مجالها الحكمة العملية وبين الأفعال واتصافها بالجميلة أكثر وضوحاً ،فقد حافظ على البنية الأرسطية، في التفريق بين الملكات وبين الأفعال وان لم يلتزم بمصطلحي الخير والجميل للدلالة على الكمال والفعل .
ففي رسالة التنبيه على سبيل السعادة ترتبط السعادة عند الفارابي بتكرار الأفعال الجميلة حتى تتحول إلى أخلاق وملكات. والأفعال الجميلة هي في الجملة الأفعال الواقعة في الوسط بين الإفراط والتفريط، وباعتيادها يكتسب الإنسان الفضيلة( واما اي الأفعال الجميلة وهي التي باعتيادنا لها يحصل لنا الخلق الجميل ، فنحن الان واصفوه فنقول : ان كمال الانسان في خلقه هو كمال الخُلق والحال في الافعال التي يحصل كمال الانسان في خلقه …) الرسائل الفلسفية الصغرى - رسالة التنبيه على سبيل السعادة ص ٢٩٢ .
وهنا نلاحظ أن الحركة تسير في اتجاهين متكاملين:
من الخير والكمال إلى الفعل الجميل،ثم من تكرار الفعل الجميل إلى تكوين الملكة الفاضلة.فهناك تفاعل دائم بين الداخل والخارج، فالملكة تنتج الفعل، والفعل المتكرر يرسخ الملكة.
وفي إحصاء العلوم يظهر «الجميل» بوصفه مفهوماً مركزياً في العلم المدني؛ إذ يقسم الفارابي هذا العلم إلى ما تُعرف به أنواع الأفعال والأخلاق ( ويبين " العلم المدني " ان التي ينال بها ماهو في الحقيقة سعادة هي الخيرات والأفعال الجميلة والفضائل) إحصاء العلوم ص ١٢٥
وهذا يعني أن الحكمة العملية لا تكتفي بمعرفة الخير نظرياً، بل تبحث في كيفية تحويل الخير إلى نظام من الأفعال الجميلة.
وفي تحصيل السعادة تنتقل المسألة من الفرد إلى المجتمع؛ فالفضائل النظرية والفكرية والخلقية والصناعات العملية لا تبلغ كمالها إلا عندما تظهر في الأفعال والممارسات التي تتحقق بها السعادة في المدن والأمم.أما في الملة، فإن هذه العملية تأخذ صورة التقنين الاجتماعي والسياسي؛ إذ يقدّر واضع الملة الفاضلة آراءً وأفعالاً يوجّه بها الناس نحو الخيرات والغايات التي أدركتها الحكمة.
فالإنسان يوصف بأنه فاضل، والملكة النفسانية توصف بأنها فضيلة، والفعل الصادر عنها يوصف بأنه حسن.فالعدالة خير من جهة كونها كمالاً، وفضيلة من جهة كونها ملكة نفسانية، والفعل العادل حسن من جهة كونه فعلاً إرادياً ينبغي اختياره.
وبهذا يصبح لفظ «الحسن» في الحكمة العملية قريب الوظيفة من «الجميل» في البنية الأرسطية اذ هي وصف للأفعال وليست وصفا للملكات ، فالملكات في الحكمة الأرسطية توصف بالخير والفضيلة ، وإن اختلفت الاصطلاحات بحسب المؤلف والسياق.
وتكتسب التفرقة بين الملكة ( باعتبارها كمالا وجوديا ) وبين الفعل ( باعتبار الصياغة التقنينية) أهمية أكبر عند الانتقال إلى علم الكلام؛ فانه بعد ان أصبح مفهوم حُسن الأفعال محوراً لنزاع واسع حول الحسن والقبح العقليين ومحاولات الفخر الرازي والغزالي تفسير الحسن والقبح بتفسيرات مختلفة فان التمييز بين الملكات وبين الأفعال سيلعب دورا مهما في حل الإشكالية في علم الكلام وهذا ما يحتاج إلى تحليل اوسع .
❤1👍1
من الملكة إلى التقنين: اختلاف بنية الحكم الأخلاقي والقانوني والفقهي .
من أهم مفاتيح فهم الحكمة العملية التمييز بين الملكات النفسية وبين الأفعال الإنسانية، ثم التمييز بين نوع الأحكام التي تتعلق بكل واحد منهما. فهذا التمييز يحدد موقع الأخلاق من جهة، وموقع الفقه والقانون من جهة أخرى، ويمنع الخلط بين ما يكشف عن كمال الإنسان وما ينظم سلوكه أو يفرض عليه تكليفاً.وقد أسس أرسطو لهذا الفرق حين ميّز بين الفضيلة بوصفها ملكة راسخة في النفس، وبين الأفعال الصادرة عنها، ثم استمر هذا التصور في تقاليد الحكمة العملية عند الفارابي وابن سينا والطوسي.
فالأخلاق عند أرسطو تتعلق بالفضائل بوصفها ملكات ثابتة في النفس، لا مجرد أفعال عابرة. فالعدالة والشجاعة والعفة ليست أفعالًا منفصلة، بل هي هيئات تجعل الإنسان قادراً على الفعل الصحيح باستمرار وباختيار.لذلك لا يكفي أن يصدر من الإنسان فعل عادل ليكون عادلاً؛ فقد يقع الفعل صدفة أو بدافع مصلحة أو خوف. أما الفضيلة فهي حالة راسخة تصدر عنها الأفعال عن وعي واستقرار.
إذن موضوع الأخلاق هو ، الإنسان من حيث ملكاته وكمالاته النفسية، بينما الأفعال هي نتائج لهذه الملكات.ففي القضية الأخلاقية هنالك أربعة عناصر:
1. الموضوع: الملكات النفسية، كالعدالة والشجاعة والعفة.
2-المحمول: الفضيلة أو الرذيلة، والخير أو الشر، والكمال أو النقص.
3. المنهج: النظر العقلي والبرهاني في فهم الكمال الإنساني.
4. الغاية: الكشف عما هو كمال حقيقي للإنسان وتمييزه عما هو نقص فيه.وبهذا تكون القضية الأخلاقية في مستواها الأول قضية كاشفة؛ فالعقل يبحث عن واقع الكمال الإنساني ويكشف الملكات التي تمثله.ومثال ذلك قولنا(العدالة فضيلة) فالعقل هنا لا يشرّع حكماً، وإنما يكشف أن العدالة تمثل كمالًا حقيقيًا للنفس الإنسانية.فمع أن الأخلاق تركز على الملكات، فإن الأفعال تبقى قابلة للتقويم الأخلاقي أيضاً ولكن يجب التمييز بين أمرين:
الملكة، وهي صفة داخلية في الفاعل، كالعدالة وبين الفعل الذي يتحقق في الخارج والذي يطابق تلك الملكة .لذلك نميز بين سؤالين:
فان كان السؤال عن أي إنسان ينبغي أن أكون فحينئذ يكون السؤال أخلاقياً وعن الكمال.واما إذا كان السؤال عن أي فعل ينبغي أن أفعل فان هذا السؤال يكون عن فعل خارجي يقود إلى الفقه والقانون.
وبذلك يتضح الفرق بين قولنا ( العدالة فضيلة) والذي هو حكم عقلي كاشف عن كمال الملكة.
وبين قولنا ( هذا الفعل عادل ) الذي وصف للفعل من حيث مطابقته لتلك الفضيلة.لكن الانتقال من اكتشاف الفضيلة إلى التقنين لا يقع مباشرة؛ إذ توجد بينهما قضية عملية وسيطة تمثل حلقة الاتصال بين عالم الكمال وعالم الإلزام.فالعقل في الحكمة العملية يقوم بوظيفتين متمايزتين:
الوظيفة الأولى: الكشف عن الواقع والكمال، وفيها يكشف العقل عن الفضائل والخيرات والرذائل والشرور، فيحكم مثلا العدالة فضيلة وخير وهذه قضية كاشفة عن واقع كمالي لأنها تخبرنا عن حقيقة العدالة وموقعها في كمال الإنسان.
وبعد أن يدرك العقل أن العدالة فضيلة وكمال، ينتقل إلى الوظيفة الأخرى وهي الحكم بأن ما يطابقها حسن ومستحق للمدح، وأن ما يناقضها قبيح ومستحق للذم فنقول ( العدل حسن) وهذه القضية الثانية تختلف عن قولنا العدالة فضيلة فالثانية لا تكتفي بالكشف عن وجود الكمال، وإنما تضيف إليه تقويماً عمليا يتعلق بالفعل واستحقاق الفاعل للثناء أو الذم.وقد استعمل ارسطو مفهوم الخير للدلالة على القضية الاولى ومفهوم الجميل للدلالة على القضية الثانية ، كما ان ابن سينا قد أطلق على القضية الثانية عنوان ( التاديبيات الصلاحية ) ، وتكتسب القضية الثانية أهمية، خاصة لأنها تصبح بمثابة مادة عامة للتقنين. فالمقنّن لا يبدأ من فراغ، وإنما يجد أمامه عالماً من الأفعال التي سبق للعقل العملي أن وصفها بالحسن أو القبح بالنظر إلى علاقتها بالخيرات والفضائل.لكن وصف الفعل بأنه حسن لا يعني بعدُ أنه واجب قانوناً أو شرعاً؛ فالحسن يعني الوجوب، كما أن القبح لا يتحول آلياً في كل حالة إلى تحريم أو منع قانوني. وإنما تدخل هذه المادة الأخلاقية العامة في مرحلة أخرى يجري فيها النظر إلى المصالح والمفاسد، والحقوق، والظروف الاجتماعية، وغايات النظام القانوني أو الشرعي، ثم يقع الترجيح والتقنين( والعملية في الملة هي التي كلياتها في الفلسفة العملية وذلك ان التي في الملة من العملية هي تلك الكليات مقدرة بشرائط قُيّدت بها ، فالمقيّد بشرائط هو اخص مما أطلق بلا شرائط ) كتاب الملة الفارابي ص ٤٧.
وعليه تكون قضية ، العدل حسن ، هي منطقة الاتصال بين الحكمة العملية وعالم التقنين؛ لأنها تنقلنا من مجرد الكشف عن الكمال إلى تقويم الفعل، من دون أن تكون هي نفسها حكماً قانونياً أو فقهياً مجعولاً.
وعند الانتقال إلى الفقه والقانون يتغير مركز النظر، فلم تعد الملكات هي الموضوع، بل الأفعال نفسها.
ففي الفقه، الموضوع هو أفعال المكلفين وفي القانون ، الموضوع هو أفعال المواطنين وعلاقاتهم.
من أهم مفاتيح فهم الحكمة العملية التمييز بين الملكات النفسية وبين الأفعال الإنسانية، ثم التمييز بين نوع الأحكام التي تتعلق بكل واحد منهما. فهذا التمييز يحدد موقع الأخلاق من جهة، وموقع الفقه والقانون من جهة أخرى، ويمنع الخلط بين ما يكشف عن كمال الإنسان وما ينظم سلوكه أو يفرض عليه تكليفاً.وقد أسس أرسطو لهذا الفرق حين ميّز بين الفضيلة بوصفها ملكة راسخة في النفس، وبين الأفعال الصادرة عنها، ثم استمر هذا التصور في تقاليد الحكمة العملية عند الفارابي وابن سينا والطوسي.
فالأخلاق عند أرسطو تتعلق بالفضائل بوصفها ملكات ثابتة في النفس، لا مجرد أفعال عابرة. فالعدالة والشجاعة والعفة ليست أفعالًا منفصلة، بل هي هيئات تجعل الإنسان قادراً على الفعل الصحيح باستمرار وباختيار.لذلك لا يكفي أن يصدر من الإنسان فعل عادل ليكون عادلاً؛ فقد يقع الفعل صدفة أو بدافع مصلحة أو خوف. أما الفضيلة فهي حالة راسخة تصدر عنها الأفعال عن وعي واستقرار.
إذن موضوع الأخلاق هو ، الإنسان من حيث ملكاته وكمالاته النفسية، بينما الأفعال هي نتائج لهذه الملكات.ففي القضية الأخلاقية هنالك أربعة عناصر:
1. الموضوع: الملكات النفسية، كالعدالة والشجاعة والعفة.
2-المحمول: الفضيلة أو الرذيلة، والخير أو الشر، والكمال أو النقص.
3. المنهج: النظر العقلي والبرهاني في فهم الكمال الإنساني.
4. الغاية: الكشف عما هو كمال حقيقي للإنسان وتمييزه عما هو نقص فيه.وبهذا تكون القضية الأخلاقية في مستواها الأول قضية كاشفة؛ فالعقل يبحث عن واقع الكمال الإنساني ويكشف الملكات التي تمثله.ومثال ذلك قولنا(العدالة فضيلة) فالعقل هنا لا يشرّع حكماً، وإنما يكشف أن العدالة تمثل كمالًا حقيقيًا للنفس الإنسانية.فمع أن الأخلاق تركز على الملكات، فإن الأفعال تبقى قابلة للتقويم الأخلاقي أيضاً ولكن يجب التمييز بين أمرين:
الملكة، وهي صفة داخلية في الفاعل، كالعدالة وبين الفعل الذي يتحقق في الخارج والذي يطابق تلك الملكة .لذلك نميز بين سؤالين:
فان كان السؤال عن أي إنسان ينبغي أن أكون فحينئذ يكون السؤال أخلاقياً وعن الكمال.واما إذا كان السؤال عن أي فعل ينبغي أن أفعل فان هذا السؤال يكون عن فعل خارجي يقود إلى الفقه والقانون.
وبذلك يتضح الفرق بين قولنا ( العدالة فضيلة) والذي هو حكم عقلي كاشف عن كمال الملكة.
وبين قولنا ( هذا الفعل عادل ) الذي وصف للفعل من حيث مطابقته لتلك الفضيلة.لكن الانتقال من اكتشاف الفضيلة إلى التقنين لا يقع مباشرة؛ إذ توجد بينهما قضية عملية وسيطة تمثل حلقة الاتصال بين عالم الكمال وعالم الإلزام.فالعقل في الحكمة العملية يقوم بوظيفتين متمايزتين:
الوظيفة الأولى: الكشف عن الواقع والكمال، وفيها يكشف العقل عن الفضائل والخيرات والرذائل والشرور، فيحكم مثلا العدالة فضيلة وخير وهذه قضية كاشفة عن واقع كمالي لأنها تخبرنا عن حقيقة العدالة وموقعها في كمال الإنسان.
وبعد أن يدرك العقل أن العدالة فضيلة وكمال، ينتقل إلى الوظيفة الأخرى وهي الحكم بأن ما يطابقها حسن ومستحق للمدح، وأن ما يناقضها قبيح ومستحق للذم فنقول ( العدل حسن) وهذه القضية الثانية تختلف عن قولنا العدالة فضيلة فالثانية لا تكتفي بالكشف عن وجود الكمال، وإنما تضيف إليه تقويماً عمليا يتعلق بالفعل واستحقاق الفاعل للثناء أو الذم.وقد استعمل ارسطو مفهوم الخير للدلالة على القضية الاولى ومفهوم الجميل للدلالة على القضية الثانية ، كما ان ابن سينا قد أطلق على القضية الثانية عنوان ( التاديبيات الصلاحية ) ، وتكتسب القضية الثانية أهمية، خاصة لأنها تصبح بمثابة مادة عامة للتقنين. فالمقنّن لا يبدأ من فراغ، وإنما يجد أمامه عالماً من الأفعال التي سبق للعقل العملي أن وصفها بالحسن أو القبح بالنظر إلى علاقتها بالخيرات والفضائل.لكن وصف الفعل بأنه حسن لا يعني بعدُ أنه واجب قانوناً أو شرعاً؛ فالحسن يعني الوجوب، كما أن القبح لا يتحول آلياً في كل حالة إلى تحريم أو منع قانوني. وإنما تدخل هذه المادة الأخلاقية العامة في مرحلة أخرى يجري فيها النظر إلى المصالح والمفاسد، والحقوق، والظروف الاجتماعية، وغايات النظام القانوني أو الشرعي، ثم يقع الترجيح والتقنين( والعملية في الملة هي التي كلياتها في الفلسفة العملية وذلك ان التي في الملة من العملية هي تلك الكليات مقدرة بشرائط قُيّدت بها ، فالمقيّد بشرائط هو اخص مما أطلق بلا شرائط ) كتاب الملة الفارابي ص ٤٧.
وعليه تكون قضية ، العدل حسن ، هي منطقة الاتصال بين الحكمة العملية وعالم التقنين؛ لأنها تنقلنا من مجرد الكشف عن الكمال إلى تقويم الفعل، من دون أن تكون هي نفسها حكماً قانونياً أو فقهياً مجعولاً.
وعند الانتقال إلى الفقه والقانون يتغير مركز النظر، فلم تعد الملكات هي الموضوع، بل الأفعال نفسها.
ففي الفقه، الموضوع هو أفعال المكلفين وفي القانون ، الموضوع هو أفعال المواطنين وعلاقاتهم.
❤2👍2
وتتعلق بها أحكام مثل الوجوب، الحرمة، الإباحة، الصحة، البطلان، والالتزامات القانونية.اذن الأخلاق تكشف كمال الإنسان وتقوّم فعله، بينما الفقه والقانون ينتقلان إلى تحديد الحكم المتعلق بالفعل وتنظيمه.واشار إلى ذلك ارسطو فقال ( قد يذهب القانون إلى ابعد من ذلك فيأمر بافعال الشجاعة كأن لايترك امرؤ صفّه وان لايفرّون وان لايلقي سلاحه ويأمر ايضا بافعال الحكمة والاعتدال كالنهي عن الزنا وعن الاضرار بالغير ويأمر بافعال الرفق كالنهي عن الضرب والشتم وان القانون ليبسط سلطانه ايضا على جميع الفضائل الاخرى وعلى جميع الرذائل الاخرى اذ يأمر بافعال بعينها وينهى عن افعال اخرى ان حقا متى كان في وضعه حكمة وتدبر …) علم الأخلاق إلى نيقوماخوس ج٢ص ٥٩.
اذن في القضية التقنينية ( قانون او فقه ) عناصر اربع :
1. الموضوع: الأفعال؛ أفعال المكلفين في الفقه وأفعال المواطنين في القانون.
2. المحمول: الأحكام الشرعية أو القانونية.
3.المنهج:
في الفقه: الكتاب والسنة والعقل والإجماع ، ( وفق قواعد علم أصول الفقه ) ، وفي القانون: التشريع والعرف والمصادر القانونية.
4. الغاية:
الفقه: معرفة التكليف وامتثال الحكم الشرعي.
القانون: تنظيم سلوك المواطنين وعلاقاتهم وتحقيق النظام الاجتماعي.
فلا يجوز نقل معيار من مجال إلى آخر مباشرة.فكون العدالة فضيلة لا يعني أن كل فعل مرتبط بها واجب شرعاً أو قانوناً، كما أن كون الفعل حسنا ومستحقا للمدح لا يعني بالضرورة وجوب إلزام جميع الناس به.وكذلك كون الفعل مباحا قانونا لا يعني أنه يمثل أعلى درجات الفضيلة، وكونه مذموماً أخلاقيا لا يكفي وحده لإثبات حرمته الشرعية أو منعه القانوني، فالقول العدل حسن ،يوفر مادة قانونية عامة، لكن تحويل هذه المادة إلى قوانين ملزمة يحتاج إلى مرحلة إضافية من النظر والترجيح والاستنباط أو التشريع.ومن هنا ينبغي عدم الخلط بين الكشف عن الكمال، والتقويم بالحسن والقبح، والحكم الشرعي، والحكم القانوني.لان الفعل الواحد قد يحمل أكثر من جهة: فقد يكون مشتملًا على مصلحة من جهة ومفسدة من جهة أخرى، أو تتزاحم فيه عدة خيرات وحقوق ومصالح.لذلك لا ينتقل المقنّن بصورة آلية من «هذا حسن» إلى «هذا واجب».بل تبدأ عملية أخرى هي الموازنة والترجيح، وفيها ينظر الفقه أو القانون إلى مجموع العناوين والآثار والغايات، ثم يصدر الحكم الملزم وفق منهجه ومصادره.
ويتبين مما ذكرناه أن العلاقة بين الأخلاق والفقه والقانون ليست علاقة انفصال، كما أنها ليست علاقة تطابق.فالحكمة العملية توفر المادة القانونية العامة التي ينطلق منها النظر في الأفعال، بينما يقوم عالم التقنين بتحويلها، بعد النظر في شروطها ومصالحها وموانعها، إلى قواعد ملزمة.
اذن في القضية التقنينية ( قانون او فقه ) عناصر اربع :
1. الموضوع: الأفعال؛ أفعال المكلفين في الفقه وأفعال المواطنين في القانون.
2. المحمول: الأحكام الشرعية أو القانونية.
3.المنهج:
في الفقه: الكتاب والسنة والعقل والإجماع ، ( وفق قواعد علم أصول الفقه ) ، وفي القانون: التشريع والعرف والمصادر القانونية.
4. الغاية:
الفقه: معرفة التكليف وامتثال الحكم الشرعي.
القانون: تنظيم سلوك المواطنين وعلاقاتهم وتحقيق النظام الاجتماعي.
فلا يجوز نقل معيار من مجال إلى آخر مباشرة.فكون العدالة فضيلة لا يعني أن كل فعل مرتبط بها واجب شرعاً أو قانوناً، كما أن كون الفعل حسنا ومستحقا للمدح لا يعني بالضرورة وجوب إلزام جميع الناس به.وكذلك كون الفعل مباحا قانونا لا يعني أنه يمثل أعلى درجات الفضيلة، وكونه مذموماً أخلاقيا لا يكفي وحده لإثبات حرمته الشرعية أو منعه القانوني، فالقول العدل حسن ،يوفر مادة قانونية عامة، لكن تحويل هذه المادة إلى قوانين ملزمة يحتاج إلى مرحلة إضافية من النظر والترجيح والاستنباط أو التشريع.ومن هنا ينبغي عدم الخلط بين الكشف عن الكمال، والتقويم بالحسن والقبح، والحكم الشرعي، والحكم القانوني.لان الفعل الواحد قد يحمل أكثر من جهة: فقد يكون مشتملًا على مصلحة من جهة ومفسدة من جهة أخرى، أو تتزاحم فيه عدة خيرات وحقوق ومصالح.لذلك لا ينتقل المقنّن بصورة آلية من «هذا حسن» إلى «هذا واجب».بل تبدأ عملية أخرى هي الموازنة والترجيح، وفيها ينظر الفقه أو القانون إلى مجموع العناوين والآثار والغايات، ثم يصدر الحكم الملزم وفق منهجه ومصادره.
ويتبين مما ذكرناه أن العلاقة بين الأخلاق والفقه والقانون ليست علاقة انفصال، كما أنها ليست علاقة تطابق.فالحكمة العملية توفر المادة القانونية العامة التي ينطلق منها النظر في الأفعال، بينما يقوم عالم التقنين بتحويلها، بعد النظر في شروطها ومصالحها وموانعها، إلى قواعد ملزمة.
❤3👍1
Audio
كتاب السياسة الدرس ٢٧٩
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ص ٢٦١_ ٢٦٢
السبت ٢٤ صفر ١٤٤٨
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ص ٢٦١_ ٢٦٢
السبت ٢٤ صفر ١٤٤٨
❤1
فلسفة القضاء عند أرسطو: من سلطة الحكم إلى تحقيق العدالة
لم ينشئ أرسطو القضاء، ولم يكن أول من عرف الغرامة أو التعويض المالي؛ فقد عرفت الحضارات القديمة قبله بقرون المحاكم والعقوبات والتعويضات، كما عرفت أثينا تنظيما قضائيا وتشريعيا متطوراً نسبيا منذ دراكون وسولون وصولاً إلى المحاكم الشعبية في العصر الديمقراطي. ولذلك لا تكمن أهمية أرسطو في ابتكار المؤسسة القضائية، بل في نقله البحث من وجود القضاء وأحكامه إلى فلسفة القضاء ووظيفته: ما موقع القضاء في الدولة؟ وما وظيفة القاضي؟ وما المعيار الذي يجعل الحكم القضائي عادلا؟
وقد عالج أرسطو هذه الأسئلة في مستويين متكاملين. ففي كتاب السياسة " الباب الرابع ، الفصل ١٣ ص ٢٣٨"، تناول القضاء بوصفه مؤسسة سياسية ودستورية تدخل في تكوين المدينة ونظام الحكم، بينما بحث في الكتاب الخامس ( الباب الرابع والخامس ) من «الأخلاق النيقوماخية» وظيفة القاضي من خلال نظريته في العدالة، ولا سيما العدالة التصحيحية، كما ناقش مبدأ «المثل بالمثل» ونقد صلاحيته ليكون معياراً عاماً للعدل.
ومن الجمع بين هذين المستويين تتكون ملامح فلسفة أرسطو في القضاء.
فالقضاء مؤسسة سياسية تمنح سلطة الحكم، وعدالة تحدد الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها هذه السلطة.
ان القضاء يحتل موقعا أساسياً في نظرية أرسطو السياسية. فالمدينة لا تقوم بمجرد وجود الحاكم والقانون، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تتولى الوظائف الضرورية لاستمرار الجماعة السياسية. ولذلك يبحث أرسطو في كتاب السياسة،في تنظيم الهيئات التداولية والتنفيذية والقضائية، وفي طرق اختيار القضاة وتوزيع الاختصاصات القضائية، ويرى أن طريقة تنظيم هذه المؤسسات تختلف باختلاف طبيعة الدستور.وهذا يكشف أن القضاء عند أرسطو ليس جهازا فنياً ملحقاً بالدولة او الملك والسلطان ، بل جزء من بنيتها الدستورية ونظامها السياسي.غير أن هذا المستوى المؤسسي يجيب أساساً عن سؤال: من يملك سلطة القضاء وكيف تُنظم؟
وأما السؤال الاخر : ماذا ينبغي للقاضي أن يفعل بهذه السلطة؟فيجيب أرسطو عن ذلك في نظريته الأخلاقية للعدالة.ففي الكتاب الخامس من ،الأخلاق النيقوماخية ، و في مبحث العدالة التصحيحية، يقدم أرسطو تصورا لوظيفة القاضي. فعندما يقع النزاع يلجأ الناس إلى القاضي( من اجل ذلك كلما وقعت المنازعات التجيء إلى القاضي . وما الذهاب إلى القاضي إلا ذهاب إلى العدل ، لان القاضي يشبه ان يكون العدل الحي المشخص … فالعادل اذن هو وسط مادام القاضي نفسه وسطا والقاضي يسوي بين الأشياء ) علم الأخلاق إلى نيقوماخوس ج٢ ص ٧٤ .
ولا تعني هذه العبارة أن القاضي يخلق العدالة بإرادته، وإنما أن وظيفته هي تحويل المعيار العام للعدل إلى حكم متحقق في واقعة جزئية.ولهذا يصفه أرسطو بأنه «وسط» بين المتخاصمين. وليس المقصود مجرد حياده بينهما، بل إنه يبحث عن الوسط العادل بين الزيادة والنقص. فالاعتداء يحدث اختلالا في العلاقة، يحصل أحد الطرفين على زيادة أو منفعة لا يستحقها، بينما يلحق الآخر نقص أو خسارة. ومهمة القاضي تحديد هذا الاختلال وإزالته لإعادة الطرفين إلى المساواة.
ومن هنا تتحدد الوظيفة القضائية في مسار واضح فان الهدف اعادة المساواة بعد ظهور الاختلال والنزاع وتكون اعادة المساواة من خلال التقدير القضائي لاستعادة المساواة فيتحول القضاء من مجرد استعمال لسلطة الدولة إلى ممارسة مؤسسية للعدل (لكن القاضي الذي أودع السلطان هو حارس العدل وإذا كان حارس العدل فهو أيضاً حارس المساواة ) نفس المصدر ص ٨٦ .
فالفضيلة الفردية تقول للحاكم: لا تأخذ لنفسك أكثر مما تستحق.
أما البناء السياسي فيقول: لا تجعل تحقيق العدالة متوقفاً على فضيلة الحاكم وحدها، بل ضع السلطة تحت القانون، واجعل القاضي حارساً للمساواة.وهذه النقلة هي التي تجعل نظرية العدالة عند أرسطو أساساً مهماً لفهم تطور فكرة القضاء وحاكمية القانون لاحقاً.
التصور الأرسطي ينطلق في البداية على التمييز بين العدالة التوزيعية والعدالة التصحيحية.فالعدالة التوزيعية تتعلق بتوزيع المنافع والأعباء والمناصب داخل الجماعة السياسية بحسب نوع من التناسب والاستحقاق. أما العدالة التصحيحية فتظهر عندما يقع اختلال في علاقة بين شخصين بسبب معاملة أو اعتداء أو ضرر.
وفي هذه الحالة لا تكون مهمة القاضي توزيع خير جديد بين الطرفين، بل إصلاح علاقة خرجت عن المساواة.وهذا التمييز يغير فهم العقوبة والحكم القضائي؛ لأن السؤال لا يعود فقط: ماذا يستحق الجاني؟ وإنما يصبح أيضاً: ما الاختلال الذي أحدثه فعله، وكيف يمكن تصحيحه؟
ومن هنا يصبح مفهوم العدالة التصحيحية مدخلاً طبيعيا لنقد أرسطو للمبدأ القاضي «المثل بالمثل».فقد عرفت الشرائع القديمة قبل أرسطو صورا متعددة من مقابلة الاعتداء بمثله، كما عرفت في الوقت نفسه التعويضات المالية عن أنواع من الأضرار. فقانون أورنمو وقوانين إشنونا، مثلا، تضمنا تعويضات مالية عن بعض الإصابات قبل أرسطو بقرون.
لم ينشئ أرسطو القضاء، ولم يكن أول من عرف الغرامة أو التعويض المالي؛ فقد عرفت الحضارات القديمة قبله بقرون المحاكم والعقوبات والتعويضات، كما عرفت أثينا تنظيما قضائيا وتشريعيا متطوراً نسبيا منذ دراكون وسولون وصولاً إلى المحاكم الشعبية في العصر الديمقراطي. ولذلك لا تكمن أهمية أرسطو في ابتكار المؤسسة القضائية، بل في نقله البحث من وجود القضاء وأحكامه إلى فلسفة القضاء ووظيفته: ما موقع القضاء في الدولة؟ وما وظيفة القاضي؟ وما المعيار الذي يجعل الحكم القضائي عادلا؟
وقد عالج أرسطو هذه الأسئلة في مستويين متكاملين. ففي كتاب السياسة " الباب الرابع ، الفصل ١٣ ص ٢٣٨"، تناول القضاء بوصفه مؤسسة سياسية ودستورية تدخل في تكوين المدينة ونظام الحكم، بينما بحث في الكتاب الخامس ( الباب الرابع والخامس ) من «الأخلاق النيقوماخية» وظيفة القاضي من خلال نظريته في العدالة، ولا سيما العدالة التصحيحية، كما ناقش مبدأ «المثل بالمثل» ونقد صلاحيته ليكون معياراً عاماً للعدل.
ومن الجمع بين هذين المستويين تتكون ملامح فلسفة أرسطو في القضاء.
فالقضاء مؤسسة سياسية تمنح سلطة الحكم، وعدالة تحدد الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها هذه السلطة.
ان القضاء يحتل موقعا أساسياً في نظرية أرسطو السياسية. فالمدينة لا تقوم بمجرد وجود الحاكم والقانون، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تتولى الوظائف الضرورية لاستمرار الجماعة السياسية. ولذلك يبحث أرسطو في كتاب السياسة،في تنظيم الهيئات التداولية والتنفيذية والقضائية، وفي طرق اختيار القضاة وتوزيع الاختصاصات القضائية، ويرى أن طريقة تنظيم هذه المؤسسات تختلف باختلاف طبيعة الدستور.وهذا يكشف أن القضاء عند أرسطو ليس جهازا فنياً ملحقاً بالدولة او الملك والسلطان ، بل جزء من بنيتها الدستورية ونظامها السياسي.غير أن هذا المستوى المؤسسي يجيب أساساً عن سؤال: من يملك سلطة القضاء وكيف تُنظم؟
وأما السؤال الاخر : ماذا ينبغي للقاضي أن يفعل بهذه السلطة؟فيجيب أرسطو عن ذلك في نظريته الأخلاقية للعدالة.ففي الكتاب الخامس من ،الأخلاق النيقوماخية ، و في مبحث العدالة التصحيحية، يقدم أرسطو تصورا لوظيفة القاضي. فعندما يقع النزاع يلجأ الناس إلى القاضي( من اجل ذلك كلما وقعت المنازعات التجيء إلى القاضي . وما الذهاب إلى القاضي إلا ذهاب إلى العدل ، لان القاضي يشبه ان يكون العدل الحي المشخص … فالعادل اذن هو وسط مادام القاضي نفسه وسطا والقاضي يسوي بين الأشياء ) علم الأخلاق إلى نيقوماخوس ج٢ ص ٧٤ .
ولا تعني هذه العبارة أن القاضي يخلق العدالة بإرادته، وإنما أن وظيفته هي تحويل المعيار العام للعدل إلى حكم متحقق في واقعة جزئية.ولهذا يصفه أرسطو بأنه «وسط» بين المتخاصمين. وليس المقصود مجرد حياده بينهما، بل إنه يبحث عن الوسط العادل بين الزيادة والنقص. فالاعتداء يحدث اختلالا في العلاقة، يحصل أحد الطرفين على زيادة أو منفعة لا يستحقها، بينما يلحق الآخر نقص أو خسارة. ومهمة القاضي تحديد هذا الاختلال وإزالته لإعادة الطرفين إلى المساواة.
ومن هنا تتحدد الوظيفة القضائية في مسار واضح فان الهدف اعادة المساواة بعد ظهور الاختلال والنزاع وتكون اعادة المساواة من خلال التقدير القضائي لاستعادة المساواة فيتحول القضاء من مجرد استعمال لسلطة الدولة إلى ممارسة مؤسسية للعدل (لكن القاضي الذي أودع السلطان هو حارس العدل وإذا كان حارس العدل فهو أيضاً حارس المساواة ) نفس المصدر ص ٨٦ .
فالفضيلة الفردية تقول للحاكم: لا تأخذ لنفسك أكثر مما تستحق.
أما البناء السياسي فيقول: لا تجعل تحقيق العدالة متوقفاً على فضيلة الحاكم وحدها، بل ضع السلطة تحت القانون، واجعل القاضي حارساً للمساواة.وهذه النقلة هي التي تجعل نظرية العدالة عند أرسطو أساساً مهماً لفهم تطور فكرة القضاء وحاكمية القانون لاحقاً.
التصور الأرسطي ينطلق في البداية على التمييز بين العدالة التوزيعية والعدالة التصحيحية.فالعدالة التوزيعية تتعلق بتوزيع المنافع والأعباء والمناصب داخل الجماعة السياسية بحسب نوع من التناسب والاستحقاق. أما العدالة التصحيحية فتظهر عندما يقع اختلال في علاقة بين شخصين بسبب معاملة أو اعتداء أو ضرر.
وفي هذه الحالة لا تكون مهمة القاضي توزيع خير جديد بين الطرفين، بل إصلاح علاقة خرجت عن المساواة.وهذا التمييز يغير فهم العقوبة والحكم القضائي؛ لأن السؤال لا يعود فقط: ماذا يستحق الجاني؟ وإنما يصبح أيضاً: ما الاختلال الذي أحدثه فعله، وكيف يمكن تصحيحه؟
ومن هنا يصبح مفهوم العدالة التصحيحية مدخلاً طبيعيا لنقد أرسطو للمبدأ القاضي «المثل بالمثل».فقد عرفت الشرائع القديمة قبل أرسطو صورا متعددة من مقابلة الاعتداء بمثله، كما عرفت في الوقت نفسه التعويضات المالية عن أنواع من الأضرار. فقانون أورنمو وقوانين إشنونا، مثلا، تضمنا تعويضات مالية عن بعض الإصابات قبل أرسطو بقرون.
❤1
ولكن إضافة ارسطو المهمة كانت نقد المماثلة بوصفها تعريفا فلسفيا عاما للعدالة.فقد ناقش الرأي المنسوب إلى الفيثاغوريين، ومفاده أن العدل يعني أن يلقى الإنسان مثل ما صدر منه.
فيرفض أرسطو أن تكون هذه المماثلة قاعدة كافية للعدل؛ لأن التشابه المادي بين فعلين لا يعني بالضرورة تساويهما من الناحية الأخلاقية والقانونية.فالضرب، مثلا، لا يمكن تقويمه بمجرد كونه فعلا ماديا واحدا ، إذ تتغير دلالته تبعا للفاعل والمفعول به، والقصد، والظروف التي وقع فيها.وبذلك ينتقل السؤال القضائي ، من ، ماذا فعل المعتدي حتى نفعل به الشيء نفسه ، إلى ، ما الاختلال الذي أحدثه فعله، وما التصحيح المناسب له؟
وهذا هو جوهر الانتقال من المماثلة المادية إلى التقويم القضائي.
تزداد أهمية هذا التحول عندما لا يكون الضرر قابلا للمقابلة بفعل مماثل. فالأضرار التي تلحق بالإنسان أو المال ليست دائماً قابلة للاستنساخ في صورة عقوبة مادية مماثلة، وهنا تظهر الحاجة إلى تقويم الضرر من حيث القيمة.
وقد عرفت المجتمعات القديمة التعويض المالي قبل أرسطو، لكن أرسطو قدم تفسيرا فلسفيا مهما لإمكان جعل النقود مقياساًمشتركا يسمح بمقارنة أشياء مختلفة.
فالعدل لا يستلزم دائماً إعادة الفعل نفسه إلى فاعله، وإنما قد يتحقق بإعادة ما فقده المتضرر أو تعويضه بقيمة عادلة.
تكمن أهمية محاولة ارسطو في أنه نقل التفكير من التشابه الحسي بين الفعل والجزاء إلى إمكان التقويم العقلي للقيمة والاختلال.
كما لا يكتمل التقويم القضائي بالنظر إلى النتيجة الخارجية للفعل وحدها، عند ارسطو ، فقد اهتم بالتمييز بين الفعل الاختياري وغير الاختياري، وبين ما يقع عن علم وما يقع عن جهل أو خطأ.وهذا يعني أن فعلين متشابهين من حيث النتيجة قد يختلفان من حيث المسؤولية. فالسؤال عن الفعل لا يقتصر على، ماذا حدث، بل يمتد إلى ، كيف حدث وهل كان الفاعل عالما ، وهل صدر الفعل باختياره.
ملخص الكلام :
ان جمعنا مباحث أرسطو في كتاب السياسة والأخلاق النيقوماخية أمكن القول إن فلسفته في القضاء تتحرك ثلاثة مستويات مترابطة.
المستوى الأول مؤسسي سياسي: فالدولة تحتاج إلى قضاء، وتنظيم المحاكم جزء من تنظيم الدستور، والمشاركة القضائية تدخل في مفهوم المواطنة.
والمستوى الثاني أخلاقي قضائي: فامتلاك سلطة الحكم لا يكفي، وإنما ينبغي أن تتجه هذه السلطة إلى إعادة العدل بين المتخاصمين؛ ولذلك كان القاضي «العدل الحي».
والمستوى الثالث تقويمي: فالعدل لا يتحقق آلياً بمجرد «المثل بالمثل»، وإنما يحتاج إلى تقدير الاختلال والضرر والعلم والاختيار والظروف، ثم تحديد التصحيح المناسب.
فيرفض أرسطو أن تكون هذه المماثلة قاعدة كافية للعدل؛ لأن التشابه المادي بين فعلين لا يعني بالضرورة تساويهما من الناحية الأخلاقية والقانونية.فالضرب، مثلا، لا يمكن تقويمه بمجرد كونه فعلا ماديا واحدا ، إذ تتغير دلالته تبعا للفاعل والمفعول به، والقصد، والظروف التي وقع فيها.وبذلك ينتقل السؤال القضائي ، من ، ماذا فعل المعتدي حتى نفعل به الشيء نفسه ، إلى ، ما الاختلال الذي أحدثه فعله، وما التصحيح المناسب له؟
وهذا هو جوهر الانتقال من المماثلة المادية إلى التقويم القضائي.
تزداد أهمية هذا التحول عندما لا يكون الضرر قابلا للمقابلة بفعل مماثل. فالأضرار التي تلحق بالإنسان أو المال ليست دائماً قابلة للاستنساخ في صورة عقوبة مادية مماثلة، وهنا تظهر الحاجة إلى تقويم الضرر من حيث القيمة.
وقد عرفت المجتمعات القديمة التعويض المالي قبل أرسطو، لكن أرسطو قدم تفسيرا فلسفيا مهما لإمكان جعل النقود مقياساًمشتركا يسمح بمقارنة أشياء مختلفة.
فالعدل لا يستلزم دائماً إعادة الفعل نفسه إلى فاعله، وإنما قد يتحقق بإعادة ما فقده المتضرر أو تعويضه بقيمة عادلة.
تكمن أهمية محاولة ارسطو في أنه نقل التفكير من التشابه الحسي بين الفعل والجزاء إلى إمكان التقويم العقلي للقيمة والاختلال.
كما لا يكتمل التقويم القضائي بالنظر إلى النتيجة الخارجية للفعل وحدها، عند ارسطو ، فقد اهتم بالتمييز بين الفعل الاختياري وغير الاختياري، وبين ما يقع عن علم وما يقع عن جهل أو خطأ.وهذا يعني أن فعلين متشابهين من حيث النتيجة قد يختلفان من حيث المسؤولية. فالسؤال عن الفعل لا يقتصر على، ماذا حدث، بل يمتد إلى ، كيف حدث وهل كان الفاعل عالما ، وهل صدر الفعل باختياره.
ملخص الكلام :
ان جمعنا مباحث أرسطو في كتاب السياسة والأخلاق النيقوماخية أمكن القول إن فلسفته في القضاء تتحرك ثلاثة مستويات مترابطة.
المستوى الأول مؤسسي سياسي: فالدولة تحتاج إلى قضاء، وتنظيم المحاكم جزء من تنظيم الدستور، والمشاركة القضائية تدخل في مفهوم المواطنة.
والمستوى الثاني أخلاقي قضائي: فامتلاك سلطة الحكم لا يكفي، وإنما ينبغي أن تتجه هذه السلطة إلى إعادة العدل بين المتخاصمين؛ ولذلك كان القاضي «العدل الحي».
والمستوى الثالث تقويمي: فالعدل لا يتحقق آلياً بمجرد «المثل بالمثل»، وإنما يحتاج إلى تقدير الاختلال والضرر والعلم والاختيار والظروف، ثم تحديد التصحيح المناسب.
❤1
Audio
كتاب السياسة الدرس ٢٨٠
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ص ٢٦٢
الاحد ٢٥ صفر ١٤٤٨
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ص ٢٦٢
الاحد ٢٥ صفر ١٤٤٨
❤1
لماذا تغيّرت وظيفة الدولة؟
تحولات مفهوم السعادة من الكمال والفضيلة إلى الحقوق والمنفعة والرفاه والعودة إلى سؤال الحياة الجيدة
القسم الاول
لا يمكن فهم التحول الذي أصاب وظيفة الدولة في الفكر السياسي الحديث من خلال تطور المؤسسات السياسية والقانونية وحده؛ لأن وراء هذا التحول تغيرا أعمق وقع في تصور الإنسان والخير والسعادة. فالدولة لا تحدد وظائفها في فراغ، وإنما تتأثر بالإجابة عن سؤال سابق عليها ، ما الخير الذي ينبغي للإنسان أن يبلغه، وما الحياة التي تستحق أن تعاش؟في الحكمة العملية الأرسطية كانت السعادة مرتبطة بالكمال والفضيلة، ولذلك لم تكن وظيفة الدولة مقتصرة على حفظ الأمن وحماية المصالح، بل شملت تهيئة الإنسان للحياة الجيدة. واستمر جانب أساسي من هذا التصور في الفلسفة الإسلامية، كما يظهر عند الخواجة نصير الدين الطوسي في كتاب الأخلاق الناصرية ولكن الفلسفة الأوروبية الحديثة شهدت تحولات متراكمة في مفهوم الخير والسعادة، فبرزت الحقوق والحرية الفردية والمنفعة والرفاه، وتغير معها تدريجيا تصور وظيفة الدولة.غير أن هذا المسار لم ينته عند دولة الحقوق أو دولة الرفاه؛ إذ ظهرت في الفكر السياسي المعاصر انتقادات كشفت أن الحقوق، على ضرورتها، لا تكفي وحدها لبناء مجتمع سياسي جيد، وأن توفير الموارد والخدمات لا يساوي بالضرورة تحقيق الحياة الجيدة. ومن هنا عادت إلى النقاش السياسي مفاهيم كانت مركزية عند أرسطو، مثل الخير العام والفضيلة والمواطنة والقدرات والحياة الجيدة، ولكن بعد إعادة صياغتها داخل شروط الدولة الحديثة.ومن هنا فإن تاريخ مفهوم السعادة ليس مسألة تخص علم الأخلاق وحده، بل يمثل أحد المفاتيح المهمة لفهم تاريخ تحول الدولة نفسها.
ينطلق أرسطو في الأخلاق النيقوماخية من أن كل فعل واختيار يتجه نحو خير، وأن سلسلة الغايات لا بد أن تنتهي إلى غاية نهائية مطلوبة لذاتها، وهي السعادة. لكن السعادة عنده لا تعني مجرد الشعور باللذة والرضا، وإنما تعني فاعلية النفس وفق الفضيلة في حياة كاملة.وهذا التعريف يقوم على تصور معين للإنسان، فلكل موجود كمال يتناسب مع طبيعته ووظيفته، وكمال الإنسان يرتبط باستعمال قواه الإنسانية، وفي مقدمتها العقل، على الوجه الأفضل.
فالفضيلة ليست مجرد وسيلة للحصول على شعور نفسي مريح، وإنما هي كمال في الإنسان نفسه. والعدالة والشجاعة والعفة والحكمة خيرات لأنها تحقق صورة أفضل من الوجود الإنساني.والإنسان عند أرسطو ، لاجل انه حيوان سياسي ولذلك لا يستطيع تحقيق كماله بمعزل عن المجتمع. فالعدالة والصداقة والمواطنة والتشريع والتربية كلها لا تتحقق إلا داخل الاجتماع السياسي. ولهذا يقرر أرسطو في كتاب السياسة أن المدينة، وإن كانت قد نشأت من أجل الحياة، فإنها تستمر من أجل الخير العام والحياة الطيبة والعيش الفاضل.وبذلك لا تكون الدولة مجرد جهاز لمنع الاعتداء، ولا مجرد مؤسسة لحماية المبادلات الاقتصادية، بل تصبح جزءا من المشروع الأخلاقي للإنسان. فإذا كانت غاية الإنسان هي السعادة، وكانت السعادة قائمة على الفضيلة، وكانت الفضيلة تحتاج إلى التربية والقانون والاجتماع، أصبحت السياسة مسؤولة عن إيجاد البيئة التي تساعد الإنسان على أن يصبح مواطنا فاضلا.ومن هنا يتضح لماذا جعل أرسطو علم السياسة أعلى علوم الحكمة العملية لأنه لا ينظر إلى خير فرد واحد فقط، بل إلى الخير الإنساني على مستوى المجتمع بأكمله.ويترتب على ذلك أن الدولة عند أرسطو لا تُقوَّم فقط بقدرتها على البقاء أو حفظ الأمن، وإنما بمدى توجهها إلى الخير العام. ولهذا قسم الأنظمة السياسية إلى أنظمة صالحة وأخرى منحرفة؛ فالملكية والأرستقراطيةوالجمهورية تكون صالحة عندما تستهدف الخير العام، بينما تنحرف عندما تصبح السلطة وسيلة لتحقيق مصلحة الحاكم أو الطبقة الحاكمة.
ثم انتقلت الفكرة الأساسية للسعادة بوصفها كمالا إلى الفلسفة الإسلامية، ولكن أعيدت صياغتها ضمن بناء تأثر، في جانبه السياسي، بالنظرية الأفلاطونية والفارابية.
ويظهر ذلك بوضوح عند الخواجة نصير الدين الطوسي في كتاب الأخلاق الناصرية، فالإنسان يمتلك عنده قوى متعددة، وفي مقدمتها القوة العاقلة والغضبية والشهوانية، وكمال الإنسان لا يتحقق بإلغاء هذه القوى، وإنما بتنظيمها وإخضاعها لمقتضى العقل. ومن اعتدال هذه القوى تنشأ الفضائل الكبرى: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة.فالطوسي يحتفظ بالأصل الأرسطي القائل بأن السعادة مرتبطة بالكمال والفضيلة، لكنه ينقل مركز الثقل بصورة أوضح نحو استكمال النفس الناطقة.وتظهر النتائج السياسية لهذا التصور في بناء الحكمة العملية عند الطوسي؛ فهي تتحرك في ثلاثة مستويات مترابطة: تهذيب الأخلاق، وتدبير المنزل، وسياسة المدن. والغاية في المستويات الثلاثة واحدة في بنيتها العامة، وهي إيصال الإنسان والاجتماع الإنساني إلى النظام والكمال.ولهذا بقيت السياسة عند الطوسي، متأثرة بالتقليد الفارابي، مرتبطة بمفهوم السعادة والمدينة الفاضلة.
تحولات مفهوم السعادة من الكمال والفضيلة إلى الحقوق والمنفعة والرفاه والعودة إلى سؤال الحياة الجيدة
القسم الاول
لا يمكن فهم التحول الذي أصاب وظيفة الدولة في الفكر السياسي الحديث من خلال تطور المؤسسات السياسية والقانونية وحده؛ لأن وراء هذا التحول تغيرا أعمق وقع في تصور الإنسان والخير والسعادة. فالدولة لا تحدد وظائفها في فراغ، وإنما تتأثر بالإجابة عن سؤال سابق عليها ، ما الخير الذي ينبغي للإنسان أن يبلغه، وما الحياة التي تستحق أن تعاش؟في الحكمة العملية الأرسطية كانت السعادة مرتبطة بالكمال والفضيلة، ولذلك لم تكن وظيفة الدولة مقتصرة على حفظ الأمن وحماية المصالح، بل شملت تهيئة الإنسان للحياة الجيدة. واستمر جانب أساسي من هذا التصور في الفلسفة الإسلامية، كما يظهر عند الخواجة نصير الدين الطوسي في كتاب الأخلاق الناصرية ولكن الفلسفة الأوروبية الحديثة شهدت تحولات متراكمة في مفهوم الخير والسعادة، فبرزت الحقوق والحرية الفردية والمنفعة والرفاه، وتغير معها تدريجيا تصور وظيفة الدولة.غير أن هذا المسار لم ينته عند دولة الحقوق أو دولة الرفاه؛ إذ ظهرت في الفكر السياسي المعاصر انتقادات كشفت أن الحقوق، على ضرورتها، لا تكفي وحدها لبناء مجتمع سياسي جيد، وأن توفير الموارد والخدمات لا يساوي بالضرورة تحقيق الحياة الجيدة. ومن هنا عادت إلى النقاش السياسي مفاهيم كانت مركزية عند أرسطو، مثل الخير العام والفضيلة والمواطنة والقدرات والحياة الجيدة، ولكن بعد إعادة صياغتها داخل شروط الدولة الحديثة.ومن هنا فإن تاريخ مفهوم السعادة ليس مسألة تخص علم الأخلاق وحده، بل يمثل أحد المفاتيح المهمة لفهم تاريخ تحول الدولة نفسها.
ينطلق أرسطو في الأخلاق النيقوماخية من أن كل فعل واختيار يتجه نحو خير، وأن سلسلة الغايات لا بد أن تنتهي إلى غاية نهائية مطلوبة لذاتها، وهي السعادة. لكن السعادة عنده لا تعني مجرد الشعور باللذة والرضا، وإنما تعني فاعلية النفس وفق الفضيلة في حياة كاملة.وهذا التعريف يقوم على تصور معين للإنسان، فلكل موجود كمال يتناسب مع طبيعته ووظيفته، وكمال الإنسان يرتبط باستعمال قواه الإنسانية، وفي مقدمتها العقل، على الوجه الأفضل.
فالفضيلة ليست مجرد وسيلة للحصول على شعور نفسي مريح، وإنما هي كمال في الإنسان نفسه. والعدالة والشجاعة والعفة والحكمة خيرات لأنها تحقق صورة أفضل من الوجود الإنساني.والإنسان عند أرسطو ، لاجل انه حيوان سياسي ولذلك لا يستطيع تحقيق كماله بمعزل عن المجتمع. فالعدالة والصداقة والمواطنة والتشريع والتربية كلها لا تتحقق إلا داخل الاجتماع السياسي. ولهذا يقرر أرسطو في كتاب السياسة أن المدينة، وإن كانت قد نشأت من أجل الحياة، فإنها تستمر من أجل الخير العام والحياة الطيبة والعيش الفاضل.وبذلك لا تكون الدولة مجرد جهاز لمنع الاعتداء، ولا مجرد مؤسسة لحماية المبادلات الاقتصادية، بل تصبح جزءا من المشروع الأخلاقي للإنسان. فإذا كانت غاية الإنسان هي السعادة، وكانت السعادة قائمة على الفضيلة، وكانت الفضيلة تحتاج إلى التربية والقانون والاجتماع، أصبحت السياسة مسؤولة عن إيجاد البيئة التي تساعد الإنسان على أن يصبح مواطنا فاضلا.ومن هنا يتضح لماذا جعل أرسطو علم السياسة أعلى علوم الحكمة العملية لأنه لا ينظر إلى خير فرد واحد فقط، بل إلى الخير الإنساني على مستوى المجتمع بأكمله.ويترتب على ذلك أن الدولة عند أرسطو لا تُقوَّم فقط بقدرتها على البقاء أو حفظ الأمن، وإنما بمدى توجهها إلى الخير العام. ولهذا قسم الأنظمة السياسية إلى أنظمة صالحة وأخرى منحرفة؛ فالملكية والأرستقراطيةوالجمهورية تكون صالحة عندما تستهدف الخير العام، بينما تنحرف عندما تصبح السلطة وسيلة لتحقيق مصلحة الحاكم أو الطبقة الحاكمة.
ثم انتقلت الفكرة الأساسية للسعادة بوصفها كمالا إلى الفلسفة الإسلامية، ولكن أعيدت صياغتها ضمن بناء تأثر، في جانبه السياسي، بالنظرية الأفلاطونية والفارابية.
ويظهر ذلك بوضوح عند الخواجة نصير الدين الطوسي في كتاب الأخلاق الناصرية، فالإنسان يمتلك عنده قوى متعددة، وفي مقدمتها القوة العاقلة والغضبية والشهوانية، وكمال الإنسان لا يتحقق بإلغاء هذه القوى، وإنما بتنظيمها وإخضاعها لمقتضى العقل. ومن اعتدال هذه القوى تنشأ الفضائل الكبرى: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة.فالطوسي يحتفظ بالأصل الأرسطي القائل بأن السعادة مرتبطة بالكمال والفضيلة، لكنه ينقل مركز الثقل بصورة أوضح نحو استكمال النفس الناطقة.وتظهر النتائج السياسية لهذا التصور في بناء الحكمة العملية عند الطوسي؛ فهي تتحرك في ثلاثة مستويات مترابطة: تهذيب الأخلاق، وتدبير المنزل، وسياسة المدن. والغاية في المستويات الثلاثة واحدة في بنيتها العامة، وهي إيصال الإنسان والاجتماع الإنساني إلى النظام والكمال.ولهذا بقيت السياسة عند الطوسي، متأثرة بالتقليد الفارابي، مرتبطة بمفهوم السعادة والمدينة الفاضلة.
❤1
ثم بعد ذلك بدأ هذا البناء يتغير بصورة عميقة في أوروبا في عصر التنوير. فمع التحولات الدينية والسياسية والفكرية، وظهور البروتستانتية وما رافقها من نقد للتراث المدرسي المتأثر بأرسطو، ثم الحروب الدينية والصراعات المذهبية والتحولات التي شهدها القرنان السابع عشر والثامن عشر، أصبح من الصعب بناء الدولة على اتفاق شامل حول تصور واحد للفضيلة أو الحياة الكاملة.
فأخذ سؤال السياسة يتحول تدريجيا من ، كيف تجعل الدولة الإنسان فاضلا ، إلى سؤال آخر، كيف يستطيع أناس مختلفون في معتقداتهم وغاياتهم أن يعيشوا معاً بأمن وحقوق متبادلة. وهنا بدأت مفاهيم مثل الحقوق الطبيعية والحرية والتسامح والملكية والعقد السياسي تحتل موقعا متزايدا في تعريف وظيفة الدولة.وبذلك حدث تحول بالغ الأهمية في مفهوم الإنسان السياسي. فالإنسان لم يعد يُنظر إليه أساسا بوصفه مواطنا ينبغي للدولة أن تساعده على اكتساب الفضيلة، وإنما بوصفه صاحب حقوق ينبغي للسلطة احترامها وحمايتها.وهكذا أصبحت الوظيفة الأساسية للدولة، في جانب مهم من الفكر الحديث، توفير إطار قانوني يحمي حياة الإنسان وحريته وملكيته ويمنع الآخرين من الاعتداء عليه، بدل أن يكون هدفها المباشر إيجاد بيئة وتشريعات تقوده إلى الفضيلة الإنسانية.وبعبارة أخرى، انتقل جانب كبير من الفكر السياسي من سياسة تحقيق الكمال إلى سياسة حماية الحقوق.ولذلك لا ينبغي اختزال الدولة الحديثة في النفعية؛ فقد سبق ظهور النفعية تحول مهم جعل حماية الحقوق والأمن والحرية من الوظائف الأساسية للسلطة السياسية.
ومع جيريمي بنثام حدث تحول آخر. فبدل الانطلاق من السؤال عن كمال الانسان ، جعل اللذة والألم عنصرين أساسيين في تفسير السلوك وتقييم التشريع.وهكذا لم يعد السؤال الأساسي، ما القانون الذي يجعل المواطنين أكثر فضيلة، بل أصبح، ما القانون الذي يزيد المنفعة ويقلل الألم، وأصبح مبدأ المنفعة معيارا مهما للحكم على التشريعات والمؤسسات.ومع جون ستيوارت مِل أصبح هذا التصور أكثر تعقيدا ؛ لأنه ميّز بين اللذات العليا والدنيا، ولم يجعل جميع اللذات متساوية، لكنه بقي داخل إطار يجعل السعادة والمنفعة والنتائج عناصر مركزية في تقييم الأفعال والسياسات.وهنا نستطيع رؤية التحول التاريخي في وظيفة الدولة بصورة أوضح. ففي الحكمة السياسية الأرسطية تستطيع الدولة أن تؤدي وظيفة تربوية أخلاقية من خلال قوانينها وتشريعاتها؛ لأن هناك تصورا للحياة الفاضلة يستطيع المشرع الاستناد إليه.أما في جانب كبير من الفكر الليبرالي الحديث، فإن الدولة لا ينبغي أن تفرض على الجميع تصورا واحدا للحياة الكاملة، وإنما تحمي المجال الذي يستطيع الأفراد داخله اختيار طرق حياتهم المختلفة.وهكذا يصبح القانون أقل اهتماما بالسؤال، هل هذا الفعل يجعل صاحبه إنسانا أكثر فضيلة، وأكثر اهتماما بالسؤال، هل يعتدي هذا الفعل على حقوق الآخرين أو يلحق بهم ضررا يبرر تدخل القانون،فقد يكون هناك سلوك يُنظر إليه بوصفه سيئا أخلاقيا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدولة يجب أن تمنعه قانونيا ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.
ولكن تطور وظيفة الدولة لم يتوقف عند حماية الحقوق.فمع الثورة الصناعية، ونمو المدن، وظهور مشكلات الفقر والعمل والصحة والتعليم والتفاوت الاقتصادي، توسعت مطالب المجتمع من الدولة، فلم يعد السؤال فقط، هل تحمي الدولة حريتي وملكيتي، بل أصبح أيضا ، هل توفر الشروط الأساسية التي تمكنني من ممارسة هذه الحرية بصورة فعلية؟
وهنا ظهرت مشكلة فلسفية وسياسية مهمة، فقد يتمتع الإنسان قانونيا بحرية العمل والتعليم والمشاركة، لكن الفقر والمرض والجهل قد يجعل هذه الحرية شكلية أكثر منها فعلية.فما قيمة الحق في التعليم لمن لا يستطيع الوصول إلى المدرسة؟ وما قيمة حرية التعاقد لمن يعيش في فقر شديد يجعله مضطرا إلى قبول أي شروط للعمل؟ وما قيمة المساواة القانونية إذا كانت الفوارق الاجتماعية والاقتصادية تمنع قطاعات واسعة من المجتمع من الانتفاع بها بصورة حقيقية؟
ومن هنا تطورت تدريجيا وظائف الدولة الاجتماعية، وبرزت مجالات مثل التعليم العام، والصحة، والتأمينات الاجتماعية، وتنظيم العمل، ومكافحة الفقر.وهكذا لم يعد مطلوبا من الدولة فقط ألا تعتدي على الفرد، بل أصبح مطلوبا منها أيضا توفير بعض الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل ممارسة الحقوق ممكنة، ومن هنا برز مفهوم دولة الرفاه، وبذلك يمكن القول، مع مراعاة التعقيد التاريخي، إن الفكر السياسي انتقل عبر ثلاث صيغ كبرى:
١- دولة الفضيلة والخير العام .
٢- دولة الحقوق والحرية .
٣- دولة الرفاه.
فأخذ سؤال السياسة يتحول تدريجيا من ، كيف تجعل الدولة الإنسان فاضلا ، إلى سؤال آخر، كيف يستطيع أناس مختلفون في معتقداتهم وغاياتهم أن يعيشوا معاً بأمن وحقوق متبادلة. وهنا بدأت مفاهيم مثل الحقوق الطبيعية والحرية والتسامح والملكية والعقد السياسي تحتل موقعا متزايدا في تعريف وظيفة الدولة.وبذلك حدث تحول بالغ الأهمية في مفهوم الإنسان السياسي. فالإنسان لم يعد يُنظر إليه أساسا بوصفه مواطنا ينبغي للدولة أن تساعده على اكتساب الفضيلة، وإنما بوصفه صاحب حقوق ينبغي للسلطة احترامها وحمايتها.وهكذا أصبحت الوظيفة الأساسية للدولة، في جانب مهم من الفكر الحديث، توفير إطار قانوني يحمي حياة الإنسان وحريته وملكيته ويمنع الآخرين من الاعتداء عليه، بدل أن يكون هدفها المباشر إيجاد بيئة وتشريعات تقوده إلى الفضيلة الإنسانية.وبعبارة أخرى، انتقل جانب كبير من الفكر السياسي من سياسة تحقيق الكمال إلى سياسة حماية الحقوق.ولذلك لا ينبغي اختزال الدولة الحديثة في النفعية؛ فقد سبق ظهور النفعية تحول مهم جعل حماية الحقوق والأمن والحرية من الوظائف الأساسية للسلطة السياسية.
ومع جيريمي بنثام حدث تحول آخر. فبدل الانطلاق من السؤال عن كمال الانسان ، جعل اللذة والألم عنصرين أساسيين في تفسير السلوك وتقييم التشريع.وهكذا لم يعد السؤال الأساسي، ما القانون الذي يجعل المواطنين أكثر فضيلة، بل أصبح، ما القانون الذي يزيد المنفعة ويقلل الألم، وأصبح مبدأ المنفعة معيارا مهما للحكم على التشريعات والمؤسسات.ومع جون ستيوارت مِل أصبح هذا التصور أكثر تعقيدا ؛ لأنه ميّز بين اللذات العليا والدنيا، ولم يجعل جميع اللذات متساوية، لكنه بقي داخل إطار يجعل السعادة والمنفعة والنتائج عناصر مركزية في تقييم الأفعال والسياسات.وهنا نستطيع رؤية التحول التاريخي في وظيفة الدولة بصورة أوضح. ففي الحكمة السياسية الأرسطية تستطيع الدولة أن تؤدي وظيفة تربوية أخلاقية من خلال قوانينها وتشريعاتها؛ لأن هناك تصورا للحياة الفاضلة يستطيع المشرع الاستناد إليه.أما في جانب كبير من الفكر الليبرالي الحديث، فإن الدولة لا ينبغي أن تفرض على الجميع تصورا واحدا للحياة الكاملة، وإنما تحمي المجال الذي يستطيع الأفراد داخله اختيار طرق حياتهم المختلفة.وهكذا يصبح القانون أقل اهتماما بالسؤال، هل هذا الفعل يجعل صاحبه إنسانا أكثر فضيلة، وأكثر اهتماما بالسؤال، هل يعتدي هذا الفعل على حقوق الآخرين أو يلحق بهم ضررا يبرر تدخل القانون،فقد يكون هناك سلوك يُنظر إليه بوصفه سيئا أخلاقيا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدولة يجب أن تمنعه قانونيا ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.
ولكن تطور وظيفة الدولة لم يتوقف عند حماية الحقوق.فمع الثورة الصناعية، ونمو المدن، وظهور مشكلات الفقر والعمل والصحة والتعليم والتفاوت الاقتصادي، توسعت مطالب المجتمع من الدولة، فلم يعد السؤال فقط، هل تحمي الدولة حريتي وملكيتي، بل أصبح أيضا ، هل توفر الشروط الأساسية التي تمكنني من ممارسة هذه الحرية بصورة فعلية؟
وهنا ظهرت مشكلة فلسفية وسياسية مهمة، فقد يتمتع الإنسان قانونيا بحرية العمل والتعليم والمشاركة، لكن الفقر والمرض والجهل قد يجعل هذه الحرية شكلية أكثر منها فعلية.فما قيمة الحق في التعليم لمن لا يستطيع الوصول إلى المدرسة؟ وما قيمة حرية التعاقد لمن يعيش في فقر شديد يجعله مضطرا إلى قبول أي شروط للعمل؟ وما قيمة المساواة القانونية إذا كانت الفوارق الاجتماعية والاقتصادية تمنع قطاعات واسعة من المجتمع من الانتفاع بها بصورة حقيقية؟
ومن هنا تطورت تدريجيا وظائف الدولة الاجتماعية، وبرزت مجالات مثل التعليم العام، والصحة، والتأمينات الاجتماعية، وتنظيم العمل، ومكافحة الفقر.وهكذا لم يعد مطلوبا من الدولة فقط ألا تعتدي على الفرد، بل أصبح مطلوبا منها أيضا توفير بعض الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل ممارسة الحقوق ممكنة، ومن هنا برز مفهوم دولة الرفاه، وبذلك يمكن القول، مع مراعاة التعقيد التاريخي، إن الفكر السياسي انتقل عبر ثلاث صيغ كبرى:
١- دولة الفضيلة والخير العام .
٢- دولة الحقوق والحرية .
٣- دولة الرفاه.
❤1👍1
Audio
كتاب السياسة الدرس ٢٨١
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ص ٢٦٣
الأثنين ٢٦ صفر ١٤٤٨
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ص ٢٦٣
الأثنين ٢٦ صفر ١٤٤٨
❤1👍1
لماذا تغيّرت وظيفة الدولة؟
تحولات مفهوم السعادة من الكمال والفضيلة إلى الحقوق والمنفعة والرفاه والعودة إلى سؤال الحياة الجيدة
القسم الثاني
يُعرض بصورة خاطئة تطور الدولة في الفلسفة السياسية في صورة مسار تصاعدي بدأ بدولة الفضيلة في الفلسفة الأرسطية ، ثم انتقل إلى دولة الحقوق في الفلسفة السياسية الحديثة، فدولة المنفعة والرفاه، ثم لاحقا في دولة القدرات والتمكين. ويوحي هذا التصوير بأن الفلسفة السياسية الحديثة أخذت تضيف ، مرحلة بعد أخرى، غايات جديدة لم تكن حاضرة في التصور الأرسطي للدولة.غير أن النظر إلى المسألة من زاوية أرسطية يسمح بقراءة مختلفة لهذا التاريخ. فأرسطو، حين جعل غاية الاجتماع السياسي الخير العام والحياة الطيبة، لم يقدم غاية جزئية يمكن وضعها إلى جانب الحقوق أو المنفعة أو الرفاه، بل قدم مفهوماً شاملاً للحياة الإنسانية الطيبة، مرتكزا على تعريفه للخيرات والذي تدخل فيها الخيرات الخارجية والمادية والاجتماعية والسياسية، ولكنها تنتظم في غاية أعلى هي ازدهار الإنسان وكماله الوجودي وفق الفضيلة.ومن هنا يمكن طرح فرضية معاكسة للفهم الشائع وهو ان الدولة الحديثة لم تتجاوز الغاية الأرسطية بقدر ما قامت بتفكيكها واستخراج بعض عناصرها وإعطائها الأولوية على غيرها.فالحقوق والحريات والأمن يمكن إدراجها ضمن شروط الحياة الطيبة ، والمنفعة تتعلق بما يعود على الإنسان من خير، والرفاه يتعلق بالشروط المادية والاجتماعية لازدهاره، والقدرات تتعلق بما يستطيع الإنسان أن يفعله وأن يكونه. فالجديد الحقيقي في الفلسفة السياسية الحديثة ، إذن، إعادة ترتيب مراتب الخير وتغيير العلاقة بين الدولة والحياة الطيبة .وهذا هو المدخل الذي يسمح بفهم الانتقال من أرسطو إلى دولة الحقوق والرفاه، ثم فهم النقد المعاصر الذي أعاد مفاهيم الخير العام والفضيلة والمواطنة والقدرات إلى قلب الفلسفة السياسية.
ان تصور أرسطو للدولة يرتكز على التمييز بين مجرد الحياة والحياة الطيبة . فالاجتماع السياسي لا يوجد فقط لكي يحمي الناس من الاعتداء أو يسهل تبادل المنافع بينهم، وإنما يبلغ كماله عندما يصبح إطارا لحياة إنسانية طيبة .ولهذ يرتبط الخير العام عند أرسطو بالسعادة والفضيلة والعدالة والمواطنة والقانون والمشاركة السياسية. ولا يعني ذلك أن أرسطو يهمل الأمن أو الثروة أو الصحة أو الموارد المادية؛ فهو يعرف أهمية ما يسميه الخيرات الخارجية، لكنه لا يجعلها مساوية للسعادة نفسها.فالمال والصحة والأمن والاستقرار شروط يحتاج إليها الإنسان بدرجات متفاوتة، ولكن السؤال النهائي لا يتعلق بما يمتلكه الإنسان فقط، وإنما بما يفعله وكيف يعيش.وبذلك يكون مفهوم الحياة الطيبة أوسع من كل واحد من العناصر التي ستصبح لاحقا محورا مستقلا في الفلسفة السياسية الحديثة.وهذه الملاحظة أساسية، اذ انها تغير طريقة قراءة تاريخ وظيفة الدولة. فإذا كانت الحياة الطيبة مفهوماً جامعاً فإن انتقال الفلسفة السياسية إلى الحقوق ثم المنفعة ثم الرفاه لا يعني انتقالا من غاية ضيقة إلى غايات أوسع، بل على العكس تماما ، انها انتقال من المركب ( الحياة الطيبة ) إلى بعض عناصره( الحقوق ، الرفاه ) .وقد حدث التحول الكبير في الفكر السياسي الحديث عندما أصبح الفرد وحقوقه وحرياته في مركز النظرية السياسية.فبدل أن يكون السؤال الأول، ما الحياة الطيبة التي ينبغي للدولة أن تحققها، أصبح السؤال بصورة متزايدة ، ما الحدود التي لا يجوز للسلطة تجاوزها تجاه الفرد،
ومن هنا برزت حقوق الحياة والحرية والملكية وحرية الاعتقاد والتعبير والمشاركة السياسية، وأصبحت شرعية الدولة مرتبطة بحمايتها.وقد كان لهذا التحول أثر تاريخي بالغ الأهمية لأنه وضع حدوداً لسلطة الدولة، وحمى الفرد من صور كثيرة من الإكراه السياسي والديني والاجتماعي.غير أن هذا التحول أحدث في الوقت نفسه تغييرا في مفهوم الخير العام.
فبدل أن تمتلك الدولة تصوراً كثيفاً ومركزا عن الحياة الطيبة والعيش الفاضل ، اتجه جانب من الليبرالية إلى جعل الدولة أكثر حياداً تجاه تصورات المواطنين المختلفة للخير، بحيث تكون مهمتها الأساسية حماية المجال الذي يستطيع فيه كل فرد اختيار حياته الخاصة.وهنا حدثت القطيعة الأساسية مع أرسطو، فالقطيعة معه لم يكن في اكتشاف الحرية أو الأمن بوصفهما خيرين، وإنما في التحفظ من جعل الدولة مسؤولة عن توجيه الإنسان نحو تصور موضوعي للكمال والفضيلة.
ومع بنتام والنفعية ظهر معيار آخر لتقويم القانون والدولة ، فالمعيار اصبح هي النتائج التي تتركها القوانين على سعادة الناس ومنافعهم.وبذلك لم يعد السؤال متعلقاً فقط بامتلاك الفرد حقوقاً، وإنما بما ينتج عن التشريع والسياسة من لذة وألم ومنفعة وضرر.غير أن المنفعة نفسها يمكن النظر إليها، من المنظور الأرسطي، بوصفها جانباً من جوانب الخير الإنساني لا الخير الإنساني كله.
ولهذا يبدو الفرق بين أرسطو وبنتام مرتبطا بتعريف السعادة نفسها.
تحولات مفهوم السعادة من الكمال والفضيلة إلى الحقوق والمنفعة والرفاه والعودة إلى سؤال الحياة الجيدة
القسم الثاني
يُعرض بصورة خاطئة تطور الدولة في الفلسفة السياسية في صورة مسار تصاعدي بدأ بدولة الفضيلة في الفلسفة الأرسطية ، ثم انتقل إلى دولة الحقوق في الفلسفة السياسية الحديثة، فدولة المنفعة والرفاه، ثم لاحقا في دولة القدرات والتمكين. ويوحي هذا التصوير بأن الفلسفة السياسية الحديثة أخذت تضيف ، مرحلة بعد أخرى، غايات جديدة لم تكن حاضرة في التصور الأرسطي للدولة.غير أن النظر إلى المسألة من زاوية أرسطية يسمح بقراءة مختلفة لهذا التاريخ. فأرسطو، حين جعل غاية الاجتماع السياسي الخير العام والحياة الطيبة، لم يقدم غاية جزئية يمكن وضعها إلى جانب الحقوق أو المنفعة أو الرفاه، بل قدم مفهوماً شاملاً للحياة الإنسانية الطيبة، مرتكزا على تعريفه للخيرات والذي تدخل فيها الخيرات الخارجية والمادية والاجتماعية والسياسية، ولكنها تنتظم في غاية أعلى هي ازدهار الإنسان وكماله الوجودي وفق الفضيلة.ومن هنا يمكن طرح فرضية معاكسة للفهم الشائع وهو ان الدولة الحديثة لم تتجاوز الغاية الأرسطية بقدر ما قامت بتفكيكها واستخراج بعض عناصرها وإعطائها الأولوية على غيرها.فالحقوق والحريات والأمن يمكن إدراجها ضمن شروط الحياة الطيبة ، والمنفعة تتعلق بما يعود على الإنسان من خير، والرفاه يتعلق بالشروط المادية والاجتماعية لازدهاره، والقدرات تتعلق بما يستطيع الإنسان أن يفعله وأن يكونه. فالجديد الحقيقي في الفلسفة السياسية الحديثة ، إذن، إعادة ترتيب مراتب الخير وتغيير العلاقة بين الدولة والحياة الطيبة .وهذا هو المدخل الذي يسمح بفهم الانتقال من أرسطو إلى دولة الحقوق والرفاه، ثم فهم النقد المعاصر الذي أعاد مفاهيم الخير العام والفضيلة والمواطنة والقدرات إلى قلب الفلسفة السياسية.
ان تصور أرسطو للدولة يرتكز على التمييز بين مجرد الحياة والحياة الطيبة . فالاجتماع السياسي لا يوجد فقط لكي يحمي الناس من الاعتداء أو يسهل تبادل المنافع بينهم، وإنما يبلغ كماله عندما يصبح إطارا لحياة إنسانية طيبة .ولهذ يرتبط الخير العام عند أرسطو بالسعادة والفضيلة والعدالة والمواطنة والقانون والمشاركة السياسية. ولا يعني ذلك أن أرسطو يهمل الأمن أو الثروة أو الصحة أو الموارد المادية؛ فهو يعرف أهمية ما يسميه الخيرات الخارجية، لكنه لا يجعلها مساوية للسعادة نفسها.فالمال والصحة والأمن والاستقرار شروط يحتاج إليها الإنسان بدرجات متفاوتة، ولكن السؤال النهائي لا يتعلق بما يمتلكه الإنسان فقط، وإنما بما يفعله وكيف يعيش.وبذلك يكون مفهوم الحياة الطيبة أوسع من كل واحد من العناصر التي ستصبح لاحقا محورا مستقلا في الفلسفة السياسية الحديثة.وهذه الملاحظة أساسية، اذ انها تغير طريقة قراءة تاريخ وظيفة الدولة. فإذا كانت الحياة الطيبة مفهوماً جامعاً فإن انتقال الفلسفة السياسية إلى الحقوق ثم المنفعة ثم الرفاه لا يعني انتقالا من غاية ضيقة إلى غايات أوسع، بل على العكس تماما ، انها انتقال من المركب ( الحياة الطيبة ) إلى بعض عناصره( الحقوق ، الرفاه ) .وقد حدث التحول الكبير في الفكر السياسي الحديث عندما أصبح الفرد وحقوقه وحرياته في مركز النظرية السياسية.فبدل أن يكون السؤال الأول، ما الحياة الطيبة التي ينبغي للدولة أن تحققها، أصبح السؤال بصورة متزايدة ، ما الحدود التي لا يجوز للسلطة تجاوزها تجاه الفرد،
ومن هنا برزت حقوق الحياة والحرية والملكية وحرية الاعتقاد والتعبير والمشاركة السياسية، وأصبحت شرعية الدولة مرتبطة بحمايتها.وقد كان لهذا التحول أثر تاريخي بالغ الأهمية لأنه وضع حدوداً لسلطة الدولة، وحمى الفرد من صور كثيرة من الإكراه السياسي والديني والاجتماعي.غير أن هذا التحول أحدث في الوقت نفسه تغييرا في مفهوم الخير العام.
فبدل أن تمتلك الدولة تصوراً كثيفاً ومركزا عن الحياة الطيبة والعيش الفاضل ، اتجه جانب من الليبرالية إلى جعل الدولة أكثر حياداً تجاه تصورات المواطنين المختلفة للخير، بحيث تكون مهمتها الأساسية حماية المجال الذي يستطيع فيه كل فرد اختيار حياته الخاصة.وهنا حدثت القطيعة الأساسية مع أرسطو، فالقطيعة معه لم يكن في اكتشاف الحرية أو الأمن بوصفهما خيرين، وإنما في التحفظ من جعل الدولة مسؤولة عن توجيه الإنسان نحو تصور موضوعي للكمال والفضيلة.
ومع بنتام والنفعية ظهر معيار آخر لتقويم القانون والدولة ، فالمعيار اصبح هي النتائج التي تتركها القوانين على سعادة الناس ومنافعهم.وبذلك لم يعد السؤال متعلقاً فقط بامتلاك الفرد حقوقاً، وإنما بما ينتج عن التشريع والسياسة من لذة وألم ومنفعة وضرر.غير أن المنفعة نفسها يمكن النظر إليها، من المنظور الأرسطي، بوصفها جانباً من جوانب الخير الإنساني لا الخير الإنساني كله.
ولهذا يبدو الفرق بين أرسطو وبنتام مرتبطا بتعريف السعادة نفسها.
❤1👍1
فالسعادة عند أرسطو مرتبطة بنوعية الحياة والفاعلية الإنسانية وفق الفضيلة، بينما اتجهت النفعية البنتامية إلى جعل اللذة والألم قابلين للحساب والموازنة في تقدير النتائج.أما جون ستيوارت مل فقد تجاوز الصورة الكمية البسيطة للمنفعة حين ميز بين مستويات اللذات وأكد أهمية تنمية الملكات الإنسانية والفردية. وهنا اقترب الفكر النفعي مرة أخرى، ولو بصورة مختلفة، من السؤال عن نوعية الإنسان ونوعية الحياة، لا مجرد كمية الإشباع.لقدكشفت التجربة الاجتماعية للدولة الليبرالية أن الاعتراف القانوني بالحقوق لا يعني دائما القدرة الواقعية على ممارستها.فقد يكون الإنسان حراً من الناحية القانونية، لكنه عاجز عن الاستفادة من حريته بسبب الفقر أو المرض أو الجهل أو البطالة.ومن هنا نشأت دولة الرفاه التي وسعت وظيفة الدولة لتشمل التعليم والصحة والضمان الاجتماعي ومواجهة الفقر وتوفير حد أدنى من شروط الحياة الكريمة.وهكذا انتقلت الدولة من حماية الحرية القانونية إلى توفير بعض شروط الحرية الواقعية.غير أن هذا التطور، على أهميته، بقي متمركزاً إلى حد كبير حول الموارد والخدمات والظروف المادية والاجتماعية.
وهنا بدأ يظهر سؤال جديد،هل الرفاه يساوي الحياة الطيبة والعيش الفاضل، فانه منذ القرن العشرين ظهرت اعتراضات على بعض الافتراضات التي قامت عليها الدولة الليبرالية الحقوقية.ولم يكن المقصود إلغاء الحقوق، وإنما السؤال عما إذا كانت الحقوق وحدها تستطيع تقديم نظرية كاملة للمجتمع السياسي.فقد اتجهت بعض التصورات الليبرالية إلى النظر إلى الإنسان بوصفه فردا مستقلا يمتلك حقوقا ومصالح واختيارات خاصة، وتتمثل وظيفة الدولة في حماية المجال الذي يمارس فيه هذه الاختيارات.لكن منتقدي هذا التصور أشاروا إلى أن الإنسان لا تتشكل هويته واختياراته في فراغ. فهو يولد داخل أسرة ومجتمع ولغة وثقافة ومؤسسات، ومن خلالها يتعلم قيمه وغاياته ومعاني المسؤولية والعدالة.وقد ظهر هذا النقد بوضوح لدى مفكرين ارتبطوا بالاتجاه الليبرالي أو تقاطعوا معه، ومن أبرزهم ألسدير ماكنتاير وتشارلز تايلور ومايكل ساندل.وهنا عاد سؤال أرسطي أساسي: هل نستطيع فهم الإنسان باعتباره فرداً منفصلًا عن العلاقات الاجتماعية والسياسية التي يتشكل داخلها؟فعندما وصف أرسطو الإنسان بأنه «حيوان سياسي»، لم يكن المقصود مجرد حاجته المادية إلى الآخرين، بل إن بعض خصائص الحياة الإنسانية لا تنمو ولا تتحقق إلا داخل الاجتماع.
تكمن المشكلة الثانية في أن الحقوق تجيب بكفاءة عن سؤال مهم: ما الذي لا يجوز للدولة أو الآخرين فعله بالفرد، لكنها لا تجيب بالضرورة عن سؤال آخر: ما المجتمع الجيد الذي ينبغي أن نبنيه معاً،فالحرية وحق الاختيار يضعان حدودها ضرورية للسلطة، لكنهما لا يحددان وحدهما طبيعة الخير العام أو العلاقات التي ينبغي أن تربط المواطنين بعضهم ببعض.ومن هنا تعرض مفهوم حياد الدولة تجاه تصورات الخير للنقد.
فإذا كانت الدولة لا تستطيع اتخاذ أي موقف تجاه الخيرات المشتركة، فكيف يمكن تفسير أهمية التضامن والمسؤولية العامة والمشاركة السياسية والثقة الاجتماعية والاستعداد لتحمل الأعباء من أجل المجتمع، فالخير العام ليس مجرد مجموع المصالح الفردية، وإنما يتضمن خيرات لا يمكن لأي فرد إنتاجها بمفرده كالعدالة، وحسن المؤسسات، والاستقرار، والثقة العامة، والمواطنة الفاعلة.
وهنا عادت الفكرة الأرسطية بأن المدينة ليست مجرد تحالف لمنع الاعتداء أو تسهيل المبادلات، وإنما شكل من أشكال الحياة المشتركة.
ثم امتد النقد إلى دولة الرفاه نفسها.فهي وان حققت توسعا تاريخيا في التعليم والصحة والضمان والخدمات، لكنها طرحت سؤالا حول مفهوم المواطنة: هل المواطن مجرد صاحب حقوق ومستفيد من الخدمات، فإذا اختزلت العلاقة السياسية إلى مطالبة الفرد الدولة بما تقدمه له، فقد يتحول المواطن إلى ما يشبه المستهلك للخدمات العامة.
فالمستفيد يسأل: ماذا تقدم الدولة لي، أما المواطن فيضيف سؤالًا آخر: ما مسؤوليتي تجاه المجتمع، وكيف أشارك في إدارة الشأن العام وتحقيق الخير المشترك، وهنا تظهر أهمية التصور الأرسطي للمواطنة؛ لأن المواطن عند أرسطو لا يُعرَّف بمجرد الإقامة أو الانتفاع بالحماية، وإنما بالمشاركة في الوظائف السياسية والقضائية والتداولية.ومن ثم فإن الدولة التي توفر مستويات مرتفعة من الخدمات لا تنتج بالضرورة مواطنين فاعلين.فـجودة المواطنة ليست هي كمية الخدمات.وانما في المشاركة في الشأن العام .
يكشف هذا النقد عن فرق جوهري بين الرفاه والسعادة نفسها ،
فارتفاع الدخل وتحسن الصحة والتعليم وزيادة الاستهلاك لا تعني بالضرورة أن الإنسان يعيش حياة طيبة وعيشا فاضلا بمعناها الكامل.
وهنا يعود التمييز الأرسطي بين الخيرات الخارجية والسعادة نفسها.
فقد يكون المجتمع غنيا ماديا ، لكنه يعاني ضعف الثقة والعزلة
الاجتماعية وتفكك الروابط وتراجع المشاركة وفقدان الإحساس بالمسؤولية المشتركة.
وهنا بدأ يظهر سؤال جديد،هل الرفاه يساوي الحياة الطيبة والعيش الفاضل، فانه منذ القرن العشرين ظهرت اعتراضات على بعض الافتراضات التي قامت عليها الدولة الليبرالية الحقوقية.ولم يكن المقصود إلغاء الحقوق، وإنما السؤال عما إذا كانت الحقوق وحدها تستطيع تقديم نظرية كاملة للمجتمع السياسي.فقد اتجهت بعض التصورات الليبرالية إلى النظر إلى الإنسان بوصفه فردا مستقلا يمتلك حقوقا ومصالح واختيارات خاصة، وتتمثل وظيفة الدولة في حماية المجال الذي يمارس فيه هذه الاختيارات.لكن منتقدي هذا التصور أشاروا إلى أن الإنسان لا تتشكل هويته واختياراته في فراغ. فهو يولد داخل أسرة ومجتمع ولغة وثقافة ومؤسسات، ومن خلالها يتعلم قيمه وغاياته ومعاني المسؤولية والعدالة.وقد ظهر هذا النقد بوضوح لدى مفكرين ارتبطوا بالاتجاه الليبرالي أو تقاطعوا معه، ومن أبرزهم ألسدير ماكنتاير وتشارلز تايلور ومايكل ساندل.وهنا عاد سؤال أرسطي أساسي: هل نستطيع فهم الإنسان باعتباره فرداً منفصلًا عن العلاقات الاجتماعية والسياسية التي يتشكل داخلها؟فعندما وصف أرسطو الإنسان بأنه «حيوان سياسي»، لم يكن المقصود مجرد حاجته المادية إلى الآخرين، بل إن بعض خصائص الحياة الإنسانية لا تنمو ولا تتحقق إلا داخل الاجتماع.
تكمن المشكلة الثانية في أن الحقوق تجيب بكفاءة عن سؤال مهم: ما الذي لا يجوز للدولة أو الآخرين فعله بالفرد، لكنها لا تجيب بالضرورة عن سؤال آخر: ما المجتمع الجيد الذي ينبغي أن نبنيه معاً،فالحرية وحق الاختيار يضعان حدودها ضرورية للسلطة، لكنهما لا يحددان وحدهما طبيعة الخير العام أو العلاقات التي ينبغي أن تربط المواطنين بعضهم ببعض.ومن هنا تعرض مفهوم حياد الدولة تجاه تصورات الخير للنقد.
فإذا كانت الدولة لا تستطيع اتخاذ أي موقف تجاه الخيرات المشتركة، فكيف يمكن تفسير أهمية التضامن والمسؤولية العامة والمشاركة السياسية والثقة الاجتماعية والاستعداد لتحمل الأعباء من أجل المجتمع، فالخير العام ليس مجرد مجموع المصالح الفردية، وإنما يتضمن خيرات لا يمكن لأي فرد إنتاجها بمفرده كالعدالة، وحسن المؤسسات، والاستقرار، والثقة العامة، والمواطنة الفاعلة.
وهنا عادت الفكرة الأرسطية بأن المدينة ليست مجرد تحالف لمنع الاعتداء أو تسهيل المبادلات، وإنما شكل من أشكال الحياة المشتركة.
ثم امتد النقد إلى دولة الرفاه نفسها.فهي وان حققت توسعا تاريخيا في التعليم والصحة والضمان والخدمات، لكنها طرحت سؤالا حول مفهوم المواطنة: هل المواطن مجرد صاحب حقوق ومستفيد من الخدمات، فإذا اختزلت العلاقة السياسية إلى مطالبة الفرد الدولة بما تقدمه له، فقد يتحول المواطن إلى ما يشبه المستهلك للخدمات العامة.
فالمستفيد يسأل: ماذا تقدم الدولة لي، أما المواطن فيضيف سؤالًا آخر: ما مسؤوليتي تجاه المجتمع، وكيف أشارك في إدارة الشأن العام وتحقيق الخير المشترك، وهنا تظهر أهمية التصور الأرسطي للمواطنة؛ لأن المواطن عند أرسطو لا يُعرَّف بمجرد الإقامة أو الانتفاع بالحماية، وإنما بالمشاركة في الوظائف السياسية والقضائية والتداولية.ومن ثم فإن الدولة التي توفر مستويات مرتفعة من الخدمات لا تنتج بالضرورة مواطنين فاعلين.فـجودة المواطنة ليست هي كمية الخدمات.وانما في المشاركة في الشأن العام .
يكشف هذا النقد عن فرق جوهري بين الرفاه والسعادة نفسها ،
فارتفاع الدخل وتحسن الصحة والتعليم وزيادة الاستهلاك لا تعني بالضرورة أن الإنسان يعيش حياة طيبة وعيشا فاضلا بمعناها الكامل.
وهنا يعود التمييز الأرسطي بين الخيرات الخارجية والسعادة نفسها.
فقد يكون المجتمع غنيا ماديا ، لكنه يعاني ضعف الثقة والعزلة
الاجتماعية وتفكك الروابط وتراجع المشاركة وفقدان الإحساس بالمسؤولية المشتركة.
❤1👍1
ومن ثم يصعب قياس نجاح المجتمع بمؤشرات الموارد والاستهلاك والخدمات وحدها.وهكذا يعود السؤال الأرسطي: ليست القضية فقط ماذا يمتلك الإنسان؟ وإنما ماذا يفعل بما يمتلكه، وأي حياة يعيش بالفعل؟
يظهر هنا أحد أعمق الإشكالات التي تواجه الدولة الليبرالية الحديثة.
فالدولة قد تتحفظ من فرض تصور شامل للفضيلة، لكنها تحتاج لكي تعمل إلى مواطنين يمتلكون قدراً من الفضائل المدنية.فالديمقراطية تحتاج إلى احترام القانون، وقبول الاختلاف، والمشاركة، وتحمل المسؤولية، وضبط المصالح الخاصة، والثقة المتبادلة، والاستعداد لحماية المؤسسات المشتركة.وهذه ليست مجرد حقوق مكتوبة في النصوص القانونية، وإنما صفات وممارسات تتعلق بتكوين المواطن.ومن هنا تظهر المفارقة،
فالدولة التي تريد أن تكون محايدة تجاه الفضيلة تحتاج إلى قدر من الفضيلة لكي تستطيع المحافظة على حيادها ومؤسساتها وحقوقها.
وهذه الإشكاليات قد اعادت مفاهيم الفضيلة المدنية والمواطنة الفاعلة والخير المشترك إلى الفلسفة السياسية المعاصرة.
قد مثل ألسدير ماكنتاير واحدة من أوضح صور العودة المعاصرة إلى أرسطو.فهو يرى أن الأخلاق الحديثة فقدت جانبا من إطارها الغائي القديم.في البناء الأرسطي توجد علاقة بين الإنسان كما هو، والإنسان كما يمكن أن يصير إذا تحققت كمالاته، والفضائل التي تنقله من الحالة الأولى إلى الثانية.وبذلك لا يمكن تعريف الفضيلة بمعزل عن الغاية الإنسانية.وحين تراجعت فكرة الغاية الإنسانية المشتركة، انفصلت المفاهيم الأخلاقية عن البناء الغائي الذي كان يمنحها ترابطها.ومن هنا لم تكن عودة ماكنتاير إلى أرسطو استعادة لقائمة قديمة من الفضائل، وإنما استعادة للعلاقة بين الغاية والفضيلة والممارسة والجماعة والحياة الجيدة.وهذا يرتبط مباشرة بوظيفة الدولة والمجتمع السياسي؛ لأن الإنسان، إذا لم يكن مجرد حامل للحقوق أو مستهلك للمنافع، يحتاج إلى مؤسسات وممارسات تسمح بتكوين قدراته الأخلاقية والاجتماعية.ثم يتخذ النقد عند مايكل ساندل طابعا سياسياً أوضح، ولا سيما في اعتراضه على بعض الصيغ الليبرالية التي تمنح الحق أولوية على الخير.فالفرد ليس ذاتا مكتملة خارج المجتمع ثم تدخل إليه وهي تحمل جميع غاياتها، بل تتكون جوانب من هويته داخل العلاقات والانتماءات والممارسات الاجتماعية.ومن هنا لا يكفي السؤال ما حقوق الأفراد ،بل ينبغي إضافة سؤالين، ما الالتزامات الناشئة عن عضويتهم في المجتمع السياسي ،وما الخيرات التي لا يمكن تحقيقها إلا بصورة مشتركة، غير أن العودة إلى الخير العام هنا لا يلزم منها أن تفرض الدولة تعريفا واحدا شاملًا للسعادة، وإنما تعني الاعتراف بأن السياسة لا تستطيع أن تكون محايدة تجاه جميع الخيرات؛ لأن بعض الخيرات شرط لاستمرار المجتمع الحر نفسه.ثم اتخذ نقد دولة الرفاه اتجاها آخر مع أمارتيا سن ومارثا نوسباوم.فالمشكلة ليست في توفير الموارد والخدمات، وإنما في افتراض أن مقدار الموارد يكفي لقياس جودة الحياة.فالناس يختلفون في قدرتهم على تحويل الموارد المتشابهة إلى حياة فعلية.ومن هنا انتقل السؤال من ، كم يمتلك الإنسان ، إلى ، ماذا يستطيع الإنسان بالفعل أن يفعل وأن يكون. فالغاية من التعليم ليست مجرد بناء المدارس، بل أن يصبح الإنسان قادراً على التعلم والتفكير والعمل.والغاية من النظام الصحي ليست مجرد توفير المستشفيات، بل تمكين الإنسان من حياة أكثر صحة.والغاية من الحقوق السياسية ليست مجرد إدراجها في الدستور، بل تمكين المواطن من ممارستها فعلياً. وهكذا انتقل التفكير من امتلاك الوسائل إلى تحقيق الخيرات الإنسانية في الانسان ،وهنا تظهر الصلة الأرسطية بصورة واضحة.فأرسطو لا يقيس السعادة بمقدار ما يمتلكه الإنسان من موارد، وإنما بالفاعلية التي يمارسها وبكيفية حياته.ومقاربة القدرات لا تجعل الموارد غاية نهائية، بل تنظر إلى ما أصبح الإنسان قادرا على فعله وأن يكونه ، وتظهر هذه الصلة بصورة خاصة عند نوسباوم، التي استفادت من السؤال الأرسطي عن الوظائف والقدرات الإنسانية.لكن ذلك لا يعني التطابق مع أرسطو؛ لأن أرسطو يقدم تصورا أكثر كثافة وتحديدا للحياة الفاضلة، بينما تحاول النظريات المعاصرة المحافظة على مساحة واسعة للحرية والتعددية.
يظهر هنا أحد أعمق الإشكالات التي تواجه الدولة الليبرالية الحديثة.
فالدولة قد تتحفظ من فرض تصور شامل للفضيلة، لكنها تحتاج لكي تعمل إلى مواطنين يمتلكون قدراً من الفضائل المدنية.فالديمقراطية تحتاج إلى احترام القانون، وقبول الاختلاف، والمشاركة، وتحمل المسؤولية، وضبط المصالح الخاصة، والثقة المتبادلة، والاستعداد لحماية المؤسسات المشتركة.وهذه ليست مجرد حقوق مكتوبة في النصوص القانونية، وإنما صفات وممارسات تتعلق بتكوين المواطن.ومن هنا تظهر المفارقة،
فالدولة التي تريد أن تكون محايدة تجاه الفضيلة تحتاج إلى قدر من الفضيلة لكي تستطيع المحافظة على حيادها ومؤسساتها وحقوقها.
وهذه الإشكاليات قد اعادت مفاهيم الفضيلة المدنية والمواطنة الفاعلة والخير المشترك إلى الفلسفة السياسية المعاصرة.
قد مثل ألسدير ماكنتاير واحدة من أوضح صور العودة المعاصرة إلى أرسطو.فهو يرى أن الأخلاق الحديثة فقدت جانبا من إطارها الغائي القديم.في البناء الأرسطي توجد علاقة بين الإنسان كما هو، والإنسان كما يمكن أن يصير إذا تحققت كمالاته، والفضائل التي تنقله من الحالة الأولى إلى الثانية.وبذلك لا يمكن تعريف الفضيلة بمعزل عن الغاية الإنسانية.وحين تراجعت فكرة الغاية الإنسانية المشتركة، انفصلت المفاهيم الأخلاقية عن البناء الغائي الذي كان يمنحها ترابطها.ومن هنا لم تكن عودة ماكنتاير إلى أرسطو استعادة لقائمة قديمة من الفضائل، وإنما استعادة للعلاقة بين الغاية والفضيلة والممارسة والجماعة والحياة الجيدة.وهذا يرتبط مباشرة بوظيفة الدولة والمجتمع السياسي؛ لأن الإنسان، إذا لم يكن مجرد حامل للحقوق أو مستهلك للمنافع، يحتاج إلى مؤسسات وممارسات تسمح بتكوين قدراته الأخلاقية والاجتماعية.ثم يتخذ النقد عند مايكل ساندل طابعا سياسياً أوضح، ولا سيما في اعتراضه على بعض الصيغ الليبرالية التي تمنح الحق أولوية على الخير.فالفرد ليس ذاتا مكتملة خارج المجتمع ثم تدخل إليه وهي تحمل جميع غاياتها، بل تتكون جوانب من هويته داخل العلاقات والانتماءات والممارسات الاجتماعية.ومن هنا لا يكفي السؤال ما حقوق الأفراد ،بل ينبغي إضافة سؤالين، ما الالتزامات الناشئة عن عضويتهم في المجتمع السياسي ،وما الخيرات التي لا يمكن تحقيقها إلا بصورة مشتركة، غير أن العودة إلى الخير العام هنا لا يلزم منها أن تفرض الدولة تعريفا واحدا شاملًا للسعادة، وإنما تعني الاعتراف بأن السياسة لا تستطيع أن تكون محايدة تجاه جميع الخيرات؛ لأن بعض الخيرات شرط لاستمرار المجتمع الحر نفسه.ثم اتخذ نقد دولة الرفاه اتجاها آخر مع أمارتيا سن ومارثا نوسباوم.فالمشكلة ليست في توفير الموارد والخدمات، وإنما في افتراض أن مقدار الموارد يكفي لقياس جودة الحياة.فالناس يختلفون في قدرتهم على تحويل الموارد المتشابهة إلى حياة فعلية.ومن هنا انتقل السؤال من ، كم يمتلك الإنسان ، إلى ، ماذا يستطيع الإنسان بالفعل أن يفعل وأن يكون. فالغاية من التعليم ليست مجرد بناء المدارس، بل أن يصبح الإنسان قادراً على التعلم والتفكير والعمل.والغاية من النظام الصحي ليست مجرد توفير المستشفيات، بل تمكين الإنسان من حياة أكثر صحة.والغاية من الحقوق السياسية ليست مجرد إدراجها في الدستور، بل تمكين المواطن من ممارستها فعلياً. وهكذا انتقل التفكير من امتلاك الوسائل إلى تحقيق الخيرات الإنسانية في الانسان ،وهنا تظهر الصلة الأرسطية بصورة واضحة.فأرسطو لا يقيس السعادة بمقدار ما يمتلكه الإنسان من موارد، وإنما بالفاعلية التي يمارسها وبكيفية حياته.ومقاربة القدرات لا تجعل الموارد غاية نهائية، بل تنظر إلى ما أصبح الإنسان قادرا على فعله وأن يكونه ، وتظهر هذه الصلة بصورة خاصة عند نوسباوم، التي استفادت من السؤال الأرسطي عن الوظائف والقدرات الإنسانية.لكن ذلك لا يعني التطابق مع أرسطو؛ لأن أرسطو يقدم تصورا أكثر كثافة وتحديدا للحياة الفاضلة، بينما تحاول النظريات المعاصرة المحافظة على مساحة واسعة للحرية والتعددية.
❤2👍1
Audio
كتاب السياسة الدرس ٢٨٢
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ملاحظات حول الفصل
الثلاثاء ٢٧ صفر ١٤٤٨
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ملاحظات حول الفصل
الثلاثاء ٢٧ صفر ١٤٤٨
❤1👍1
Audio
كتاب السياسة الدرس ٢٨٣
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ملاحظات حول الفصل
الخميس ٢٩ صفر ١٤٤٨
الباب الخامس الفصل الرابع
الانقلابات في الاحكام الشعبية واسبابها الخاصة
ملاحظات حول الفصل
الخميس ٢٩ صفر ١٤٤٨
👍1