❤13🫡1
بغداد، أيار 2003.
لم يكن قد مضى شهر على سقوط نظام البعث ودخول القوات الأمريكية إلى العاصمة. الشوارع غارقة في الفوضى والتخريب، والناس يتلمّسون طريقهم في بلد انقلب كل شيء فيه بين ليلة وضحاها.
وفي مدينة الطب، وقف مجموعة من الأطباء العراقيين أمام جدران مستشفياتهم، وأمام جدران حدائق مبنى وزارة الصحة، وكتبوا بأيديهم ما لم يجدوا من يسمعه:
نريد حماية الأطباء.
نريد حق السفر.
نريد حقوقنا المادية ورواتبنا.
نريد حقنا في إكمال الدراسات العليا والتخصص.
لم يكن ذلك ترفاً ولا مزايدة. كانت الأيام عصيبة، والقتل منتشراً، والأطباء يُخطفون ويُغتالون على أيدي عصابات الجريمة وجماعات مسلحة لا تُبقي ولا تذر. وكان ذلك كله في الساعات الأولى فحسب، قبل أن تشتعل الحرب الأهلية بعد ثلاث سنوات فتأكل الأخضر واليابس.
ومع ذلك صمدوا. كان الطبيب يودّع أهله كل صباح وهو يعلم أنه قد لا يعود، ثم يذهب إلى مستشفاه ويعالج الناس. حبسوا أنفاسهم كل يوم ومضوا. المجد لهم ولكل كادر صحي ثبت في تلك اللحظات المهلكة.
مرّت السنوات. سقطت حكومات وقامت حكومات، وتبدّلت الوجوه والشعارات، وتعاقبت الوعود. جاءت الحرب الأهلية ومضت، ثم جاءت أحداث أخرى بعدها. وتخرّج آلاف الأطباء من الكليات نفسها، ودخلوا المستشفيات نفسها، ومرّوا بالجدران نفسها.
وها نحن ننهي عام 2026.
ثلاثة وعشرون عاماً على تلك الجدران. فلنسأل بصدق:
هل صار الطبيب العراقي في مأمن؟ أم ما زال يُهدَّد ويُعتدى عليه في مستشفاه، وتُحلّ خلافاته بالسلاح والعشيرة؟
هل نال حقه في السفر والتدريب خارج البلد، أم ما زال يقف على أبواب السفارات، أو يقرر الرحيل بلا عودة؟
هل أصبح راتبه يليق بسنوات الدراسة والسهر والخدمة، أم ما زال يبحث عن عمل إضافي ليعيش بكرامة؟
هل صار طريق الاختصاص ميسّراً وعادلاً، أم ما زال الخريج ينتظر سنوات على أمل مقعد؟
المطالب التي كُتبت بالطلاء على جدران عام 2003 يمكن أن تُكتب اليوم حرفاً بحرف، ولن يشعر أحد بالغرابة. بل لعل بعضها صار أثقل مما كان.
تغيّر كل شيء حول الطبيب العراقي، إلا ما كتبه على الجدار.
- محمد علي الكناني
لم يكن قد مضى شهر على سقوط نظام البعث ودخول القوات الأمريكية إلى العاصمة. الشوارع غارقة في الفوضى والتخريب، والناس يتلمّسون طريقهم في بلد انقلب كل شيء فيه بين ليلة وضحاها.
وفي مدينة الطب، وقف مجموعة من الأطباء العراقيين أمام جدران مستشفياتهم، وأمام جدران حدائق مبنى وزارة الصحة، وكتبوا بأيديهم ما لم يجدوا من يسمعه:
نريد حماية الأطباء.
نريد حق السفر.
نريد حقوقنا المادية ورواتبنا.
نريد حقنا في إكمال الدراسات العليا والتخصص.
لم يكن ذلك ترفاً ولا مزايدة. كانت الأيام عصيبة، والقتل منتشراً، والأطباء يُخطفون ويُغتالون على أيدي عصابات الجريمة وجماعات مسلحة لا تُبقي ولا تذر. وكان ذلك كله في الساعات الأولى فحسب، قبل أن تشتعل الحرب الأهلية بعد ثلاث سنوات فتأكل الأخضر واليابس.
ومع ذلك صمدوا. كان الطبيب يودّع أهله كل صباح وهو يعلم أنه قد لا يعود، ثم يذهب إلى مستشفاه ويعالج الناس. حبسوا أنفاسهم كل يوم ومضوا. المجد لهم ولكل كادر صحي ثبت في تلك اللحظات المهلكة.
مرّت السنوات. سقطت حكومات وقامت حكومات، وتبدّلت الوجوه والشعارات، وتعاقبت الوعود. جاءت الحرب الأهلية ومضت، ثم جاءت أحداث أخرى بعدها. وتخرّج آلاف الأطباء من الكليات نفسها، ودخلوا المستشفيات نفسها، ومرّوا بالجدران نفسها.
وها نحن ننهي عام 2026.
ثلاثة وعشرون عاماً على تلك الجدران. فلنسأل بصدق:
هل صار الطبيب العراقي في مأمن؟ أم ما زال يُهدَّد ويُعتدى عليه في مستشفاه، وتُحلّ خلافاته بالسلاح والعشيرة؟
هل نال حقه في السفر والتدريب خارج البلد، أم ما زال يقف على أبواب السفارات، أو يقرر الرحيل بلا عودة؟
هل أصبح راتبه يليق بسنوات الدراسة والسهر والخدمة، أم ما زال يبحث عن عمل إضافي ليعيش بكرامة؟
هل صار طريق الاختصاص ميسّراً وعادلاً، أم ما زال الخريج ينتظر سنوات على أمل مقعد؟
المطالب التي كُتبت بالطلاء على جدران عام 2003 يمكن أن تُكتب اليوم حرفاً بحرف، ولن يشعر أحد بالغرابة. بل لعل بعضها صار أثقل مما كان.
تغيّر كل شيء حول الطبيب العراقي، إلا ما كتبه على الجدار.
- محمد علي الكناني
❤87👏17💔12👍3