الخلوة
692 subscribers
39 photos
8 videos
1 link
Download Telegram
إن الإنسان لا ينجو إلا إذا عرف قدر نفسه.
احمِ نفسك قبل أن تصلح غيرك.
إنّ من لا يعيش الأخلاق لا يحقّ له أن ينصّب نفسه حارسًا على أخلاق البشر.
إن الإنسان الذي كان يجالسنا، ويشاركنا تفاصيل الحياة، حين يرحل نحو الموت، لا يختفي حضوره تمامًا. تبقى ذكرياته واقفة أمامنا كأنها تُخاطبنا من العالم الذي ذهب إليه. وهذا ما يجعلنا نرتعب - لأن الذكرى تتحوّل في تلك اللحظة من صورة في الماضي إلى رسالة من الضفة الأخرى، تذكّرنا بأن بيننا وبينه خطوة واحدة فقط !
إن الإنسان يعيش أغلب حياته هاربًا من مواجهة مصيره، منشغلًا بالسطح، مكتفيًا بالروتين اليومي. لكن حين يموت من كان يجالسنا، يحدث ما يشبه الصدمة الوجودية - يتعرّى العالم، وتنكشف الحقيقة التي كنا ندفنها تحت الكلام والعمل والانشغال.
من المفيد أن تتذكّر أن الذكاء الحادّ في زمنٍ تافهٍ يُنتج دائمًا مزيدًا من الأسى.
ومع ذلك لا ندعو إلى تبرير الحزن. ليس ثمّة فضيلة في البؤس، إنما هناك حقيقة قاتلة- الحزن صديق الصراحة.

هو الذي يحررنا من موهبة التصنّع التي تُسوّقنا للحياة كسلعٍ قابلةٍ للتزوّد. في عزّ الحزن تُرى المرارةُ كما هي، سائلةٌ، شفافة، صافية. ومن رحم تلك المرارة قد ينبعثُ شعورٌ غريبٌ ، ليس رجاءً، بقدر ما هو هدوءُ استسلامٍ أخيرٍ للحقيقةِ التي لا تُغتفر.
إنني أفكّر، أحيانًا، بأن الحزن هو ما يجعلنا جدّيين. كل ضحكةٍ لا تعرف خلفيتها من الألم، هي سذاجة وكل حكمةٍ لا تعبر دهليزَ الأسى، هي ترف.

المعرفة المتولدة من الفرح سطحية بطبيعتها- لا تنحت في الروح، لا تغيّر مجراها. وحده الحزنُ، حين يمكث، يخلق فينا ذلك الوعي الحاد الذي يخيف الآخرين، وعيٌ يجعل الإنسان يرى الهشاشة في كل شيء، حتى في انتصاراته.
لا أدري لماذا نظنّ أن الحزن مرحلة ! - الحزن ليس مرحلة، هو طبيعة.

كأن الإنسان صُنع من مادةٍ لا تُظهر حقيقتها إلا عندما تنكسر، وعند الانكسار فقط نعرف ممّ نحن مكوّنون. كل ما نظنّه صلابة هو مجرّد قشرة، وحين يسقط القناع بانهيارٍ بسيط، نرى هشاشتنا تتسرّب مثل غبارٍ دقيق، لا يمكن لمسه، ولا جمعه، ولا التخلص منه
.
ولعل أعظم ما يفعله الحزن بنا أنه يجرّدنا من قواتنا الكاذبة، ويتركنا أمام حقيقتنا الصغيرة وهذه الحقيقة رغم قسوتها، تحمل نوعًا من الحرية المرعبة- حرية معرفة أنك لا تملك شيئًا، وأن كل ما تملكه يمكن أن ينفلت من بين يديك في لحظة. وحين تصل إلى هذا الإدراك، تبتسم لأول مرة ، ليس فرحًا، بل لأنك أخيرًا توقّفت عن الكذب على نفسك.
وأنا أتأمل المرآة أدرك أنني لم أعرف نفسي إلا في ساعات الانكسار. في لحظات الفرح كنت دائمًا شخصًا آخر- نسخةً مرتجلة، خفيفة، بلا جذور. أما في لحظات الحزن فقد كنتُ أقرب ما أكون إلى جوهري ، تلك الكتلة الضائعة التي تبحث عن سببٍ مقنع للبقاء.
لا توجد حرب أشدّ قسوة من حرب الإنسان مع ذاته - فالأعداء الخارجيون يمكن قتلهم، أما هذا الذي يسكن القلب والذاكرة والفكرة، فكيف تهزمه؟
إنه ينهض كل صباح قبلك، ويعرف نقاط ضعفك قبل أن تعرفها أنت.
الذي يريد الانتقام يريد أن يعيد كتابة المشهد، لأن كرامته انهارت أمامه قبل أن تنهار أمام المسيء.
من يكره المسيء كثيرًا، يكره نفسه أكثر.
الراحة الحقيقية أن تتجاوزهم لا لأنك سامحتهم، بل لأنك لم تعد قادرًا على منحهم هذه الكمية من حياتك.
أتعرف لماذا تريد أن تثأر لنفسك من كل من يسيء إليك؟

لأنك لم تتصالح مع فكرة أنك لست محصّنًا.

أنك تُجرح وتُهان وتُخذل… وأن العالم لا يكترث.
(بالمفارقة): الشر ليس في الرغبة انما في عجز الإنسان عن تملكها.
وما يزيد الأمر تعقيدًا أن الرغبة ذكية / تتقن التخفي وراء القيم العليا.

قد ترتدي ثوب الفضيلة، أو تتكلم بلسان المصلحة العامة، أو تتقن خطاب التضحية، لكنها في جوهرها لا تزال تطلب ذاتها.

لهذا كانت أخطر الرغبات تلك التي لا تعترف بأنها رغبات.