نون؛
14 subscribers
أنشرُ هُنا ما خَطَّتْ يداي.
Download Telegram
Channel created
مرةٌ أُخرىٰ.
1
أنشرُ هُنا ما خَطَّتْ يداي.
1
سمرقند، حيثُ العُلَماءُ والجُهالُ، السَّلاطينُ والبُسطاءُ، الشُّعراءُ ورِجالُ الدّينِ؛ يسبحُ كلٌّ منهُ بعالمِهِ وسطَ عالمٍ واحدٍ، فيصطدمُ هذا الخَليطُ فيما بينَهُ..

هناكَ تمامًا وُجِدَ الخَيّامُ، يعيشُ يومَهُ بينَ الكُتُبِ وبحارِ العُلومِ، يتأمَّلُ الكَونَ مِنَ النُّجومِ حتّى الأَزْهارِ، يُفضِّلُ أن ينعزلَ في يومٍ رَتِيبٍ غيرَ آبِهٍ برفعةِ مقامِهِ عندَ السَّلاطينِ، وآنفًا عن مذلَّةِ نفسهِ بينهم، تُجِدُ مَن يَفخرُ بِعِلمِهِ ويَطمَعُ بِمُكتَسَباتِهِ مِنهُ، وآخَرُ يُواري وجهَهُ عنهُ مُتقزِّزًا كانَ أم مُتورعًا، لا يتوقدُ لديهِ بريقُ اهتمامٍ لكيفَ يتبدَّلُ حالُ هذهِ البِلادِ، وأيُّ زمنٍ أصبحَ أو أمسى بهِ، ولا مَن جلسَ على كرسيِّ الآخرِ، كلُّ ما يبتغيهِ كأسٌ يروي نَفَسَهُ، وكتابٌ يروي عَقلهُ ونجومًا تُشبعُ عيناهُ الرائقتانِ.

أما أنتَ! ماذا عنكَ؟
سترىٰ حُبَّ الخَيّامِ لِمحبوبتِهِ ووجُودِها حَولَهُ، ولمعانَ عَينَيْهِ في عزلَتِهِ، ينظُرُ في كِتابِهِ؛ يَكتبُ رُباعيةً أو يُحلِّلُ مسألةً، يروي قلبَهُ مِنَ العِلمِ كما يَرتَوي مِن كأسِهِ، يمضي اللَّيلَ في المرصَدِ حيثُ النُّجومِ وتحليلُ ما تدلُّ عليهِ للإنسانِ.


وستغرقُ بينَ طيّاتِ صفحاتِ الكِتابِ، فتارةً تجدُ نفسَكَ بأحدِ أزقَّةِ سمرقندَ، وحينًا في قصرٍ بغداديٍّ، وحربٍ معَ السَّلاجقةِ أو عليهم، في قلوبِ النِّساءِ وتدابيرِهِنَّ، وعقولِ الرِّجالِ ومعاركِهم، وتمضي في صفحاتِ التّاريخِ لتقفَ على جبالٍ سحيقةٍ وتارةً بجلباتِ سوقِ قاشانَ، هناك حيثُ تلاقَتْ عَينا بطلِنا الخَيّامُ معَ حسنِ الصَّبّاحِ، صديقٌ يُشبِههُ في صِدقِهِ، ويختلفُ في أفكارِهِ، وهذا ما يُفرِّقُ بينَ المسارَينِ، فبينما الخَيّامُ يودُّ الغرقَ في ملذّاتِهِ المَأثورةِ، يسعىٰ الصَّبّاحُ لتغييرِ العَالمِ من حولِهِ بيدَيهِ.

أما عندَ وصولِكَ لأصفهانَ مع هذانِ البَّطلانِ؛ ستتلاقىٰ الطُّرقُ بينَ الصَّبّاحِ ونظامِ المُلكِ، فيصنعان طريقًا واحدًا في آخرِهِ مِنصةً سَتشنِقُ إحداهما، وهذهِ كانتْ هديّةُ الخَيّامِ لصَديقَيهِ..
اجتماعُ خصمانِ تدورُ بينَهما حربٌ تُرعشُ أركانَ قصرِ السُّلطانِ، حاشيَتُهُ في القَاعةِ ونساؤُهُ في المخادعِ.

وبعدها نصلُّ لمَن خطَّ لنا هذِهِ الحكايا، بنيامين ع. لوساج، قصةَ أبويه مع عُمرَ الخَيّامِ، وقصّتَهُ معه أيضًا، اهتمامَهُ بمخطوطِ الخَيّامِ وملاحقتِه إياه، مغامرتَهُ في إيرانَ،
العقيمةِ إلّا مِن مرأى مَن ستأسِرُ قلبَهُ، فعادَ إلى بلادهِ خاليَ اليدينِ، وظلَّ مأسورًا بما تكتبُ حسناءُ فارسٍ له، ويكتبُ عن بلادِ فارسٍ لأبناءِ جلدتِه، حتى يختلطَ في سياسةِ هذهِ البِّلادِ ومنَ السّياسةِ للثَّورةِ ومنَ الثَّورةِ إلى قلبِ الحَسناءِ، إلى النَّصرِ.

وحكايةُ بنيامينَ ع. لم تُثرْ أيَّ اهتمامٍ لديّ، وأرى أنْ لا داعٍ لها، وكنتُ أقرأ على مضضٍ، فقد انتشلني فجأةً من سحرِ التّاريخِ الذي لطالما جذَبَني بكلِّ أشكالهِ، إلى جمودِ الحاضرِ الماديِّ غيرِ المرغوبِ.

مراجعة لرواية سمرقند- أمين معلوف.
4
طفولةٌ مُنتَعِشةٌ بينَ الأَشْجارِ وأَغْصانِها، فوقَ شجرَةٍ وتحتَ السَّماءِ، مِن المدرسةِ وإلى الْبيتِ، مَع أَفْكارِ وأَوْهامِ الطُّفولةِ حينًا، وحينًا مع مُعاناتِهِ، مَشاعِرُ الحُبِّ وبرائَتَهُ، والغَضَبِ وأَفْعالِهِ.

بَينَ هٰذا وذٰلك من حياةِ الفتىٰ الشقي، كان هُناكَ دَومًا السِّيد زومر، صامتٌ منعزل؛ يتشبّثُ بألمه، ويتشبّثُ به ألمهُ، يرتحلُ بعزمٍ علىٰ أرجُلِهِ الثَّلاثَةِ ليُكابِدَ قَسْوَةَ شُعُورِه، لا يَهْنأ ولا يَرْتاح، يَبحثُ عن سلامِهِ في الطريقِ بلا خريطةٍ، فأنَّى له؟

رِوايةٌ قَصيرَةٌ أُخْرىٰ مِن رِواياتِ العَبْقَري زوسكند، يَرْوي القَسْوَةَ بِخِفَّةٍ، وبِخِفَّةِ قَلْمِهِ يَنْتَشِلُكَ مِن عالَمِكَ الخَاص إلى عالَمِهِ، حَتّى مع خُفوةِ رَغْبَتِكَ بِالقِراءَة، وأَضافَ إليهِ بعضًا من الرَّسْمِ الَّذي أَنْعَشَ الرِّوايةَ، تجربةٌ أُخْرَىٰ لَيْسَتْ الأَخِيرَة مَعَه.

1 Nov 2025.
حكاية السّيد زومر- باتريك زوسكند.
❤‍🔥1
"فكرةُ أمريكا؛ فكرة احتلال أرض الغير واستبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة، وتاريخ بتاريخ."

جنونٌ آخر يتلبسُ بهِ زنابير انجلترا، جنونٌ يرمونَ بهِ سكانُ البلاد الحقيقيين، فبما أن قتلهم لم يأتِ بالثمارِ المنشودة، انتقلوا لطريقةٍ أكثرَ فائدةً: جردوهم من أسمائهم وأخلاقهم وثقافتهم وأجسادهم، وغسلوا عقولهم للحدِّ الذي يجعلهم يمقتونَ تاريخهم ويمجدونَ الجاني.
أخذوا أطفالهم من أحضانِ أمهاتهم وبيوتِ آبائهم ليعلّموهم أن يكونوا "أكثرَ تحضرًا وتمدن" مستغلينَ إياهم بأفضعَ ما يكون، في مدارسٍ تُستباحُ فيها أجسادهم جنسيًا وتنتهك أرواحهم، ويسخّرونهم للعمل ليعوضوا عن تكلفة "تمدينهم"، فهذه المدارس هي آخر منعطف في محو هنديتهم، ويستهدفون بها لغتهم ودينهم وثقافتهم.
تُبرَّر هذه الاستباحة كما يُبرّر أيُّ شيءٍ فعلوه سابقًا، فهم شعبُ الله وهذه أرضهم وهؤلاءِ الكنعانيون الانجاس الذينَ أحلَّ اللهُ لهم فعلَ ما يشاؤن وقت ما يشاؤن بهم.

يسرد لنا العَكش الكثير من تناقض هؤلاء المجانين وإسقاط ما يفعلونه من جنون على الآخرين، فحينَ يصفونَ السُكان بالوحوش النجسة، فهم يغتصبونهم ويتلذذون بذلك، ويطلقونَ على أعداءهم أيًا كانوا بأنهم يأكلونَ لحم البشر دونَ أيّ دليل، ولكن هنا يسرد لنا الأدلة على كون أكل لحوم البشر ظاهرة معروفة تاريخيًا عنهم، كانوا لا يتورعون عن فعلها عند أدنى حاجة لها.
يسردون بأيديهم أخلاق أعدائهم المميزة، ومن ثم يحوِّرونَ هذه الأخلاق من حسنةٍ لفسادة، بكلامٍ منمقٍ كاذب، بلغةٍ ناعمةٍ بأيديهم وعقولهم التي اعتادت تجميل الكذب وجعله حق.

"لطالما كان أكل لحم البشر هوسًا بريطانيًا، إنهم حيثما رست سفنهم اتهموا السكان الأصليين بالهمجية وأكل لحم البشر وقد نسجوا حول ذلك أساطير ترضي غرورهم، إن فحص روايات المستعمرين الإنكليز حول أكل لحم البشر لدى الشعوب الأصلية سيؤدي بالتأكيد إلى فضح ادعاءاتهم وكشف أكاذيبهم التي برروا بها مذابحهم وعنفهم وجشعهم، وهذا ما لا يريدونه"

هذه الاتهامات (همج، وحوش، غير متحضرين، يأكلون لحم البشر، وثنيون) لم توجد إلا لتُبرر أفعالهم الوحشية ضد السكان الأصليين لأي بلدٍ تحطُّ أقدامهم النتنة به.

" لقد ألصق الانجليز هذه الشناعة النمطية بمعظم الشعوب التي استعمروها أو أبادوها أو أكل بعضهم لحمها؛ وذلك لتجريدهم من إنسانيتهم وتبرير إبادتهم"

وأيضًا، وَصْفُ هذه الشعوب بالكنعنّة التي تجعل منهم تلقائيًا أناسٌ أقل شأنًا من غيرهم يستطيعون قتلهم، وهم الشعوب المختارة من الله يحق لهم قتلهم بسبب "همجيتهم وعدم تحضرهم" ففكرة أمريكا؛ مشيئةُ الله كونك كنعاني همجي، وعملٌ مقدس كوني أُنفذ إرادة الله بـ "تمدينك" أو قتلك.

كلُّ سردٍ لمثالٍ أو قصةٍ أو فاجعةٍ حلتْ بهذهِ الشعوب، كنتُ أضعُ نفسي مكان الضحية، وأفكر "ما الذي شعرَ به؟"

مقدار الظلم الذي سأشعر به، عندما أُخَذ من بين يدي أمي، لمدرسةٍ كالسجن، تنظر لي بفوقية! ستعلمني كيف أُمجد ثقافةً لم أنشأ عليها، وأسمع عن تاريخٍ ليس لي، وأحداثٍ لا يربطني فيها رابط، عن إلهٍ جعل منهم الأسياد ونحنُ وحوش، وقد لا يرونَ فائدةً من تعليمي ثقافتهم المتفوقة، فيجنون علي! يغصتبون جسدي، يستغلون طاقتي، يطعمونني الفتات، وأبني وأُصْلِح..

كيف اعيشُ وحيدًا بعد إبادة القرية أمام عيناي، من قتل وحرق وتخريب وإبداعٍ بطرق التعذيب، كيف اعيشُ وأنا الناجي الوحيد؟

كيف سأشعر عندما أعيشُ في قريةٍ هانئةٍ جميلة، آكلُ فيها مما تنتج أيدي قبيلتي، وأنام بين عائلتي الكبيرة..
ومن ثم، في لحظةٍ تقوم قيامة القرية، فيطلبون منا الخروج فورًا، لأن الأسياد البيض المتفوقين المتحضرين، سيأتون لقريتي فيعيثون فيها فساد، لا ليستفيدوا منها شيئًا! لا! عبثٌ وتخريبٌ وفساد فقط، والحقول التي خُطَّتْ بسواعد ناسي تُحرق بدمٍ بارد مجنون.
كيف سأشعر وأنا فوق الجبال أنظر إلى عالمي يُحرق؟
منظرٌ خانق..

هذا ما استشعرته وأنا اقرأ هذا من رسالةٍ من جمعِ رسائل.
رسالةٌ وُجهت لصديقٍ عزيز من رجلٍ منتشٍ بالفساد، ذي دمٍ بارد، بأيدي غارقة بالدماء البريئة.

أمريكا والإبادات الثقافية- منير العَكش.
2