كم يتطلب المعنى الجميل
من شساعة الصمت؟
ما يبني
خلقته.
****
تحاول اللغة الفرار من طريق آخر؛
ألا ترى؟
تحركت بجنون،
يداه إذ يُعدم.
****
كيف أجعلُ هذه الرمالَ
حزينةً
وأنا كلما فرقتها،
احتضنت رملًا آخرًا.
***
سماع ذلك الصوت الأثير
الذي يحوم حول رقتك؛
يحفر في الوجه عينًا ويقول،
هاكَ أيها الوجهُ بعض الوجود.
***
تعثَّر الدمع في طريقه،
تجمع أسفل ذقنه،
فكر بالعودة مرةً ومرتين،
لولا أنه أشفق على وحدة السقوط.
****
رغم وسوسات السُّحب،
لا يزال الجبل واقفًا هنا.
من شساعة الصمت؟
ما يبني
خلقته.
****
تحاول اللغة الفرار من طريق آخر؛
ألا ترى؟
تحركت بجنون،
يداه إذ يُعدم.
****
كيف أجعلُ هذه الرمالَ
حزينةً
وأنا كلما فرقتها،
احتضنت رملًا آخرًا.
***
سماع ذلك الصوت الأثير
الذي يحوم حول رقتك؛
يحفر في الوجه عينًا ويقول،
هاكَ أيها الوجهُ بعض الوجود.
***
تعثَّر الدمع في طريقه،
تجمع أسفل ذقنه،
فكر بالعودة مرةً ومرتين،
لولا أنه أشفق على وحدة السقوط.
****
رغم وسوسات السُّحب،
لا يزال الجبل واقفًا هنا.
❤2🔥1
لحظة غريبة تلك التي يخبرك أحدهم بأنه شاهد شيئًا على إحدى الريلز العابرة فتخبره أنك رأيته أيضًا، يحدث دائمًا أن يحكي لي أحد من أهلي عن معلومة أو طعام أو أي خبر مر به في reels الفيسبوك أو انستجرام فأخبره أنني رأيته أيضًا فنضحك باستغراب لأن كل واحد منا تلصص على عزلة الآخر، كل منا عاش وحدته في الرؤية التي ظن أنه ينفرد بها، ذلك الانفراد الذي فرق جمعًا ما وصنع منا أشخاصًا قادرين -للأسف- للسباحة وشق بحيرة الزمن بمفردنا، لا نحتاج سوى الموبايل فقط، تم تدريبًا على المشاهدة الوحيدة جيدًا حتى أننا أصبحنا ناجحين في المضي بهذه الوحدة السعيدة منفردين، ربما أكثر ما يعيبه الناس على الريلز هو تدمير قدرات عقولنا وإصابتها بما تم تسميته التعفن الدماغي، لكن لا أحد يتحدث عن قدرتها على صنع منا أناسًا يستلذون بصناعة وحدة منفردة وجدرانًا إنسانية، وتحويل المشاركة إلى نافذة ستختار شخصًا لإرسال هذه المقتطفات بينما سيرد بمقتطفات أخرى، مشاركة الوحدة عبر قطع المسافة الطويلة بين جهازي موبايل، تختفي فيها مد الإنسان يده إلى الطبيعة والاتصال بها،
حول النار، كان تقريبًا أول اجتماع أعتقده للبشرية حول شيء لبناء لغته، اللهب يغذي لغتهم ويقوم بتوسعة لغتهم في العالم لتمتد إلى المجهول وتسبر أغواره عبر إعطائهم الهبة الأكثر مساسًا بجوهر البشرية وهي الاتصال بذاتها وتكوين كتلتها ، ذلك الالتفاف الذي طال وتحوَّرت أشكاله للالتفاف حول الراديو ثم التلفزيون؛ كل لحظة مثلما يقول باشلار هي "مانح وناهب"، هنا عبر الزمن يُمنح الإنسان شيئًا ويُنهب أشياءً أُخرى، إذا كان الموهوب هو عبور الزمن وحيدًا ضاحكًا ساخرًا أو ضجرًا ينتصر على ضجره فأي شيء ينهبه الإنسان من لحظته عبر ال reels ؟
حول النار، كان تقريبًا أول اجتماع أعتقده للبشرية حول شيء لبناء لغته، اللهب يغذي لغتهم ويقوم بتوسعة لغتهم في العالم لتمتد إلى المجهول وتسبر أغواره عبر إعطائهم الهبة الأكثر مساسًا بجوهر البشرية وهي الاتصال بذاتها وتكوين كتلتها ، ذلك الالتفاف الذي طال وتحوَّرت أشكاله للالتفاف حول الراديو ثم التلفزيون؛ كل لحظة مثلما يقول باشلار هي "مانح وناهب"، هنا عبر الزمن يُمنح الإنسان شيئًا ويُنهب أشياءً أُخرى، إذا كان الموهوب هو عبور الزمن وحيدًا ضاحكًا ساخرًا أو ضجرًا ينتصر على ضجره فأي شيء ينهبه الإنسان من لحظته عبر ال reels ؟
❤2
يعلق الإنسان بين شعور الإحساس الدائم بالفرار إلى زمن أفضل وبين الشعور بأن زمنًا جميلًا قد فات واندثر وهو الزمن الذي لم يكن جميلًا حقيقةً وإنما فواته ما يجعله على هذه الشاكلة ويبدل ملامحه، يظل حبيس هذه المنطقة الرمادية التي تحركها عجلة التطلع وعدم الرضا مدفوعًا بالحداثة التي بُنيت على تحقير مسعاه مهما بلغ وعلى استصغار كل مجهوداته التي لا تصل إلى أحلامها، وهو هدفها الأول صنع إنسان فاعل، محرك فعله وباعثه الأول هو اللحاق بالجزرة التي على رأسه وعدم رضاه عن ذاته، يظل حبيس هذه المنطقة حتى يصطدم ذات يوم بالسكينة الإلهية ويتوقف وينظر للعالم نظرة ازدراء ويرى الدنيا على حقيقتها فتدب الطَّمأنينة في قلبه كأنها طفل يتعلم المشي في داخله للمرة الأولى، يرى النور بين آيات الإله تُتلى فيتوقف مثلما توقفت الجن لتقول إنا سمعنا قرآنًا عجبًا… إن المنطقة المُشتركة بين أهمية الأدب وبين الجمال وبين السكينة هي التوقف عن الركض، التوقف الذي يباغت صاحبه فيجد نفسه مشدوهًا ساكنًا لسطوة شيء مًا، تلك السطوة التي يدرك وهو مسحورٌ على أعتابها أن التوقف هو الوسيلة الوحيدة لرؤية العالم لا الركض، وأن مبلغنا منها نفس سليمة وقلب ساكن.
❤2❤🔥1
لا يكتب الرجال الذين يمشون فوق القمر الشِّعر، يقال أن أحد الشعراء ليجعل من تلميذه شاعرًا ويهبه وحيَهُ أمره بحفظ قصيدة من ١٠٠٠ بيت ثم أمره بنسيانها… وهكذا يُعطيه جوهر الشعر، لستُ أنا أنسى مثلًا وذاكرتي لا تجعلني شاعرًا، أفكر بأنَّ ما يجعل مجنون ليلى مجنونًا على شاكلته هذه ليست ليلى، وإنما الشعر الذي تعيش في داخله ليلى، لا عجب إذا أن يُتَّهم نبيُّ بالتهمتين المُتلاصقتين هاتين… شاعر ومجنون، الشعر والجنون هما يأس التعبير العاجز للبشرية والخائف والمرتجف لوصف كلام تهابهُ لحلاوته… لستُ أنا شاعرًا فلغتي جريئة، الشعر يختبئُ خلف المعنى بالتورية، وما أقوله معنًى لا يختبئُ ولا يتوارى، ما أقوله لن يكون شعرًا أبدًا والأشياءُ التي حولي لا تكفُّ عن ندائي وأنا لا أتوقف أيضًا عن ندائها، على النداء أن ينقطع ليمشي الشعر في المسافة المتروكة بين الصدى والصوت، حبستِ الشَّجرةُ يا حبيبي شعرًا ولم تقله خجلًا من الأرض، حاول الشعر في داخلها أن يهربَ فصارت أغصانًا رغبتها، وصار الشعر أغصانًا تشهدُ على محاولاتِ البوءِ بالقول، أي كلامٍ هو الشعر وأنا لا زلتُ أحفظ الأبياتَ كلها، وأعود دومًا رغمًا عني للمرةِ الأولى طفلًا يتهجَّأُ العالم وليست تبهجه في الدنيا سوى تعتعةُ الحروف وهي تخطو فوق شفتيه للمرَّةِ الأولى.
❤5
ليكون الكلام ساحرًا ولتكون الكتابة على درجة من القدرة للتشبه بما تفعله الندَّاهة للمشي وراءهًا مسحورًا فعلى المعنى أن يتشكل في الكلام وينبثق من بين كم مهول ولا نهائي من الصياغات المستبعدة ليحصل على فرادته بذاته، عليه أن يبني نفسه بنفسه، كل كلمة تفجر ينبوعًا من ذاتها لكلمة أخرى، يجب ألا يخضع للتفكير فيه، التفكير يُفسده ويعرقل ما تمليه الرَّغبة، التفكير قد يتوقف قليلًا أما الرغبة فلا تتوقف أبدًا، لا تخشى الرغبة من الفشل أما التفكير فربما يضع كل الاحتمالات أمامه، الرغبة لديها احتمال وحيد تحاول لغتي السير فيه،
قد يقطع عليَّ الطريق أحيانًا النهار أو الجمال أو التفكر في الجدوى، لا أجد رغبةً تمضي بالمعنى إليك (أحيانًا)، لكن لا شك أبدًا أن الكلمة التي أختارها تُفسد كل شيء أرغبُ فيه،
تساءلتُ ذات مرة إن كانت الكتابة فعلا يقينيًا أم أنه ينتمي إلى الشك؟
أبدأ وأنا لا أعرف ماذا أريد أن أقول وأنتهي لأكتشف أنني قلتُ أكثر من اللازم!
هل اليقين ما يجعلها تصل إلى ذلك أم شكها المستمر في أنها لم تحصر المعنى بعد؟
قرأت مقولةً في أحد الكتب لا يعرف كاتب الكتاب لمن ينسبها… قرأها هو أيضًا لكاتب آخر لا يتذكره! المهم أنها تحكي عن الشعر وتقول:
"الشِّعر هو الجمع بين كلمتين لم يفترض قط أن تجتمعا"، يا لذهولي بهذه الجملة،
إنه الكلام يتصادف أيضًا، يجتمع بفعل قوةٍ ما… القوة التي لم يعرف العرب لمن قد ينسبونها فأورثوها الجنَّ على سبيل محاولة منطقة مجيء هذه المعاني إلينا وهي خارجةٌ عن سهل الكلام، إن كل التقاء إذًا يفتقرُ إلى رغبة معروفة قد يصل إلى معنًى لهو من الشَّعر، نبتدئ ونحن على سفح التيه… نلتقي على ساحل الرغبةِ قد قلنا أكثر مما حلمنا.
قد يقطع عليَّ الطريق أحيانًا النهار أو الجمال أو التفكر في الجدوى، لا أجد رغبةً تمضي بالمعنى إليك (أحيانًا)، لكن لا شك أبدًا أن الكلمة التي أختارها تُفسد كل شيء أرغبُ فيه،
تساءلتُ ذات مرة إن كانت الكتابة فعلا يقينيًا أم أنه ينتمي إلى الشك؟
أبدأ وأنا لا أعرف ماذا أريد أن أقول وأنتهي لأكتشف أنني قلتُ أكثر من اللازم!
هل اليقين ما يجعلها تصل إلى ذلك أم شكها المستمر في أنها لم تحصر المعنى بعد؟
قرأت مقولةً في أحد الكتب لا يعرف كاتب الكتاب لمن ينسبها… قرأها هو أيضًا لكاتب آخر لا يتذكره! المهم أنها تحكي عن الشعر وتقول:
"الشِّعر هو الجمع بين كلمتين لم يفترض قط أن تجتمعا"، يا لذهولي بهذه الجملة،
إنه الكلام يتصادف أيضًا، يجتمع بفعل قوةٍ ما… القوة التي لم يعرف العرب لمن قد ينسبونها فأورثوها الجنَّ على سبيل محاولة منطقة مجيء هذه المعاني إلينا وهي خارجةٌ عن سهل الكلام، إن كل التقاء إذًا يفتقرُ إلى رغبة معروفة قد يصل إلى معنًى لهو من الشَّعر، نبتدئ ونحن على سفح التيه… نلتقي على ساحل الرغبةِ قد قلنا أكثر مما حلمنا.
عينٌ حمئة ترى العالم.
https://www.facebook.com/share/v/18LYrUxogo/?mibextid=wwXIfr
حلقتنا الاولى عن تاريخ العطور
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَیۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَاۤءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنࣰا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَیۡهِ دَلِیلࣰا ٤٥ ثُمَّ قَبَضۡنَـٰهُ إِلَیۡنَا قَبۡضࣰا یَسِیرࣰا ٤٦﴾
[الفرقان ٤٥-٤٦]
لا أتجاوز هذه الآية أبدًا إلا وأقف مسحورًا على تصوير القرآن لمشهد الظل والنور، كثيرًا ما حاولت التعبير عن هذه الآية بيني وبين نفسي لكنني أكتفي بالوقوف دون الكلام لفيض بهائها الذي يجتاح نفسي، لكنني أحب كثيرًا كثيرًا أن الله جلَّ وعلا يبدأ من الظل وينتهي للشمس لا العكس، يبدئ بمد الظل وهو الناتج، وينتهي للمسبب، في الآية يتم تصوير ثلاثة مستويات… البهاء الذي يأتي مع ذكر الظل، والقوة في قوله ولو شاء لجعله ساكنًا وليست القوة فقط في هذا التعبير ما يبهرني بل يحيلنا القرآن لتخيل الضد من أجل عيش جمال اللحظة، ولعل هذا أكثر ما يفتقده من لا يشعر بالشيء، أوقن أنها الوصفحة الناجحة للانتقال من الجمود للحالة الشعورية بأن نتخيل ضد الشيء!، وفي المستوى الثالث تتجلى فكرة التعاقب فيجعل الله قبض الظل هو انتهاءٌ وعودة، قبضًا يسيرًا، وصفًا رقيقًا لعودة الظل وجلاء نور الهداية، وانتهاء كل تم مده إلى مشيئة العزيز الكريم.
[الفرقان ٤٥-٤٦]
لا أتجاوز هذه الآية أبدًا إلا وأقف مسحورًا على تصوير القرآن لمشهد الظل والنور، كثيرًا ما حاولت التعبير عن هذه الآية بيني وبين نفسي لكنني أكتفي بالوقوف دون الكلام لفيض بهائها الذي يجتاح نفسي، لكنني أحب كثيرًا كثيرًا أن الله جلَّ وعلا يبدأ من الظل وينتهي للشمس لا العكس، يبدئ بمد الظل وهو الناتج، وينتهي للمسبب، في الآية يتم تصوير ثلاثة مستويات… البهاء الذي يأتي مع ذكر الظل، والقوة في قوله ولو شاء لجعله ساكنًا وليست القوة فقط في هذا التعبير ما يبهرني بل يحيلنا القرآن لتخيل الضد من أجل عيش جمال اللحظة، ولعل هذا أكثر ما يفتقده من لا يشعر بالشيء، أوقن أنها الوصفحة الناجحة للانتقال من الجمود للحالة الشعورية بأن نتخيل ضد الشيء!، وفي المستوى الثالث تتجلى فكرة التعاقب فيجعل الله قبض الظل هو انتهاءٌ وعودة، قبضًا يسيرًا، وصفًا رقيقًا لعودة الظل وجلاء نور الهداية، وانتهاء كل تم مده إلى مشيئة العزيز الكريم.
❤3👏1
تراجعت عن كتابة هذه المقالة عن الركض كثيرًا وكانت دائمًا مسودة لا تكتمل مثل أعمال كثيرة وعلى مدار سنوات من ممارسة الركض بشكل متصل أحيانًا ومتقطع أحيانًا أخرى فلست أتحدث عن سطحية ورقة بيضاء في دماغي أو عن أي صفاء دهني من الذي وجدته عند من يكتب عن فلسفة الرَّكض، إن الجري هو الصفحة الأكثر ازدحامًا في مخيلتي، كلما ركضت عدت على أمل إنهاء هذه المسودة وأعتقد أنني سأفعل ذلك الآن!
أركض منذ ٧ سنوات، في البداية من أجل الحمية وفي النهاية أركض لأنه لا يمكنني التوقف ولا يوجد سبب واضح لذلك، الركض أرجوحة بين الزمن والذات، محاولة للحاق بالزَّمن وشده من قميصه لسؤاله عن السبب… الركض هى الرياضة الوجودية الوحيدة، طقس تمارسه الذات للولوج إلى منطقة محجوبة من اللغة،
"المشَّاء حاضر دومًا في جسده؛… المشي لا يتوخّى شيئًا ولا يرمي إلى تحقيق إنجاز"
الركض فعل وحيد… لا تجوز فيه المشاركة،
****
تبادر لي مع في نهايات فترات الرَّكض أنه يحمل رمزية التباطؤ ورغم أنه محاولة لعيش الضد ومجاراة رؤية العالم السريعة إلا أنه لا يتولَّد عنه سوى مواكبة للزمن ذاته ببطء لعيش اللحظة، وقد لا يتأتى للإنسان كثيرًا أن يقف وجهًا لوجه أمام لحظته… لكنه البطء المنشود الذي لا يغلبك فيه إيقاع العالم للشعور بالنَّدم والتأخُّر، حين تركض فأنت تركض بجانب زمنك الخاص، في داخل أفكارك وبين صورك، تنخفض جميع أصوات العالم، السيارات وأعمال البناء، حتى الموسيقى في سماعات الأذن تتراجع لخلفية هذا المشهد الذي متنه أنت وما تعيش، أنت محاصر حين تركض بين حافتي الزمن، ما كان وما سيكون، تنشغل بين رؤية ما مضى والتخطيط والأمل لما هو قادم… وبين الشهيق والزفير… قد ترى لوهلة زمنك الحاضر يلوح في الأفق مثل شهاب عابر… تتلصص عليه مثل طفل سيحكي عنه زمنًا طويلًا لحين رؤيته في مرة أُخرى!.
*
الرَّكض قد يعبِّر دائمًا عن ممارسة وجودية للحرية، هناك قيد لا تصفه اللغة، قيد الوجود الذي تولد معه، الشعور بأن هناك ما ستكسره حين تجدف بقدميك للولوج إلى زمن آخر، لا توجد لغة لهذا الزمن ولذلك تضرب القدم الأرض بحثًا عن لغة تصف ما الذي تحاول كسره، وإلى أي مكان تريد الوصول؟
**
في كتابه «قراءات من أجل النسيان» يفرد عبدالسلام بنعبدالعالي فصلا عن المشي، وله جملة في هذا النَّص لا يمكنك سوى التوقف أمامها… "المشي لا يستهدف إلا ذاته…المشَّاء حاضر دومًا في جسده"
إن الحضور والغياب وجها العملة للزمن، وباعتبار الركض طقسًا فإذا بحثنا عن جذر كلمة "طقس" نجد أنها ليست عربية الأصل، بل هي كلمة معرّبة تعود في أصلها إلى اللغة اليونانية القديمة طاكسيس (táxis)، وانتقلت عبر السريانية (ܛܶܟܣܳܐ - teqso)، وتعني النظام، الترتيب، أو الصفّ، يعيد الرَّكض مثل أي طقس ترتيب الزمن… وترتيب الفكر، والأهم من ذلك ترتيب الحضور بالنسبة للغياب وهذا التواتر هو ما يوجد شعورًا مثل الاغتراب فأنت حاضر في جسدك في زمن لكنك مرتحل عنه في زمن آخر، الرَّكض ممارسة وجودية قد لا تكون إيذانًا دائمًا بالحضور أو الغياب، لكنها على الأقل قد تكون محاولة مجدية للاقتراب من فهم علاقة الذات بالزمن، عن طريق تجربة الحضور والغياب معًا.
*
حين يبدأ العدَّاء خطوته الأولى في الرَّكض فيكون بدأ بذلك إيقاعًا يشبه الشِّعر، قد لا نملك تعريفًا حاصرًا لمعنى الشِّعر الذي يتفلَّت منا بطبيعته، لكننا قد نتفق على غرائبيته وأن له إيقاعًا في النفس، ليس الوزن ما أقصد هنا والبحور، وإنما موسيقاه…
يركضُ الشاعر دون أن يجدف بقدميه في الأرض، يتوقف ويتأمل ويتحدث لغته الذاتية ويجابه حضوره وغيابه ويقطع المسافات الشاسعة في داخله ليعود لنا محملا بشحنة من الكلمات، ويعيد الرَّكض للعداء شاعريته حتى وإن لم يكتب الشعر، يتحول ال (Rhythm) مثل قانون حفظ الطاقة من الحالة الميكانيكية إلى التأمل والشعور… يذكر هاروكي موراكامي في كتابه "ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الركض"، أن الركض والكتابة ينبعان من بئر واحدة، وهي "الانضباط والصمت"… ولا عجب إذًا أنني دائمًا ما أعود من الرَّكض في حالة من التأهب للكتابة، لأنني تجردت من المادية ومن زمن العالم وعدت إلى زمني الخاص الذي يجعلني جاهزًا لأكتب…
إذا كان الشعر نتيجة نشوة ما فلربما هي نشوة الركض داخل النفس… النشوة التي يشعر بها العدَّاء خارج الزمن… الشعر أيضًا محاولة لكسر أسوار الزمن… الركض والشِّعر لهما منبع آخر غير ذلك الذي عند موراكامي وهو "الوجد الصوفي"… عند الشاعر والعدَّاء والصوفي يتلاشى الفارق بين الجسد والمكان.
**
تتمحور رواية «الركض» للكاتب الفرنسي جان إيشنوز حول حياة العدَّاء التشيكوسلوفاكي إميل زاتوبيك الذي حصل على ٣ ميداليات ذهبية في الأولمبيات، يصف إيشنوز ركضة زاتوبيك في الرواية بأنها مصارعة للموت، لم يكن يركض مثل باقي العدَّائين ولا كان يكسب جرَّاء تقنياته في الجري، بل أن ركضته كانت قبيحة، إلا أن هناك مفارقة فهذه الرَّكضة المملوءة بالألم جعلته ينتصر….
أركض منذ ٧ سنوات، في البداية من أجل الحمية وفي النهاية أركض لأنه لا يمكنني التوقف ولا يوجد سبب واضح لذلك، الركض أرجوحة بين الزمن والذات، محاولة للحاق بالزَّمن وشده من قميصه لسؤاله عن السبب… الركض هى الرياضة الوجودية الوحيدة، طقس تمارسه الذات للولوج إلى منطقة محجوبة من اللغة،
"المشَّاء حاضر دومًا في جسده؛… المشي لا يتوخّى شيئًا ولا يرمي إلى تحقيق إنجاز"
الركض فعل وحيد… لا تجوز فيه المشاركة،
****
تبادر لي مع في نهايات فترات الرَّكض أنه يحمل رمزية التباطؤ ورغم أنه محاولة لعيش الضد ومجاراة رؤية العالم السريعة إلا أنه لا يتولَّد عنه سوى مواكبة للزمن ذاته ببطء لعيش اللحظة، وقد لا يتأتى للإنسان كثيرًا أن يقف وجهًا لوجه أمام لحظته… لكنه البطء المنشود الذي لا يغلبك فيه إيقاع العالم للشعور بالنَّدم والتأخُّر، حين تركض فأنت تركض بجانب زمنك الخاص، في داخل أفكارك وبين صورك، تنخفض جميع أصوات العالم، السيارات وأعمال البناء، حتى الموسيقى في سماعات الأذن تتراجع لخلفية هذا المشهد الذي متنه أنت وما تعيش، أنت محاصر حين تركض بين حافتي الزمن، ما كان وما سيكون، تنشغل بين رؤية ما مضى والتخطيط والأمل لما هو قادم… وبين الشهيق والزفير… قد ترى لوهلة زمنك الحاضر يلوح في الأفق مثل شهاب عابر… تتلصص عليه مثل طفل سيحكي عنه زمنًا طويلًا لحين رؤيته في مرة أُخرى!.
*
الرَّكض قد يعبِّر دائمًا عن ممارسة وجودية للحرية، هناك قيد لا تصفه اللغة، قيد الوجود الذي تولد معه، الشعور بأن هناك ما ستكسره حين تجدف بقدميك للولوج إلى زمن آخر، لا توجد لغة لهذا الزمن ولذلك تضرب القدم الأرض بحثًا عن لغة تصف ما الذي تحاول كسره، وإلى أي مكان تريد الوصول؟
**
في كتابه «قراءات من أجل النسيان» يفرد عبدالسلام بنعبدالعالي فصلا عن المشي، وله جملة في هذا النَّص لا يمكنك سوى التوقف أمامها… "المشي لا يستهدف إلا ذاته…المشَّاء حاضر دومًا في جسده"
إن الحضور والغياب وجها العملة للزمن، وباعتبار الركض طقسًا فإذا بحثنا عن جذر كلمة "طقس" نجد أنها ليست عربية الأصل، بل هي كلمة معرّبة تعود في أصلها إلى اللغة اليونانية القديمة طاكسيس (táxis)، وانتقلت عبر السريانية (ܛܶܟܣܳܐ - teqso)، وتعني النظام، الترتيب، أو الصفّ، يعيد الرَّكض مثل أي طقس ترتيب الزمن… وترتيب الفكر، والأهم من ذلك ترتيب الحضور بالنسبة للغياب وهذا التواتر هو ما يوجد شعورًا مثل الاغتراب فأنت حاضر في جسدك في زمن لكنك مرتحل عنه في زمن آخر، الرَّكض ممارسة وجودية قد لا تكون إيذانًا دائمًا بالحضور أو الغياب، لكنها على الأقل قد تكون محاولة مجدية للاقتراب من فهم علاقة الذات بالزمن، عن طريق تجربة الحضور والغياب معًا.
*
حين يبدأ العدَّاء خطوته الأولى في الرَّكض فيكون بدأ بذلك إيقاعًا يشبه الشِّعر، قد لا نملك تعريفًا حاصرًا لمعنى الشِّعر الذي يتفلَّت منا بطبيعته، لكننا قد نتفق على غرائبيته وأن له إيقاعًا في النفس، ليس الوزن ما أقصد هنا والبحور، وإنما موسيقاه…
يركضُ الشاعر دون أن يجدف بقدميه في الأرض، يتوقف ويتأمل ويتحدث لغته الذاتية ويجابه حضوره وغيابه ويقطع المسافات الشاسعة في داخله ليعود لنا محملا بشحنة من الكلمات، ويعيد الرَّكض للعداء شاعريته حتى وإن لم يكتب الشعر، يتحول ال (Rhythm) مثل قانون حفظ الطاقة من الحالة الميكانيكية إلى التأمل والشعور… يذكر هاروكي موراكامي في كتابه "ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الركض"، أن الركض والكتابة ينبعان من بئر واحدة، وهي "الانضباط والصمت"… ولا عجب إذًا أنني دائمًا ما أعود من الرَّكض في حالة من التأهب للكتابة، لأنني تجردت من المادية ومن زمن العالم وعدت إلى زمني الخاص الذي يجعلني جاهزًا لأكتب…
إذا كان الشعر نتيجة نشوة ما فلربما هي نشوة الركض داخل النفس… النشوة التي يشعر بها العدَّاء خارج الزمن… الشعر أيضًا محاولة لكسر أسوار الزمن… الركض والشِّعر لهما منبع آخر غير ذلك الذي عند موراكامي وهو "الوجد الصوفي"… عند الشاعر والعدَّاء والصوفي يتلاشى الفارق بين الجسد والمكان.
**
تتمحور رواية «الركض» للكاتب الفرنسي جان إيشنوز حول حياة العدَّاء التشيكوسلوفاكي إميل زاتوبيك الذي حصل على ٣ ميداليات ذهبية في الأولمبيات، يصف إيشنوز ركضة زاتوبيك في الرواية بأنها مصارعة للموت، لم يكن يركض مثل باقي العدَّائين ولا كان يكسب جرَّاء تقنياته في الجري، بل أن ركضته كانت قبيحة، إلا أن هناك مفارقة فهذه الرَّكضة المملوءة بالألم جعلته ينتصر….
خلف هذه الكواليس للنصر كان زاتوبيك يبتكر ركضات جنونية تعتمد على الألم، يركض بالأحذية العسكرية الثقيلة، يركض في الثلج، ويركض وهو يحمل زوجته على ظهره، إن شدة الألم بهذا المعنى كانت الدافع الوحيد للإرادة في مخيلته، العدَّاء ليس مجرد آلة ميكانيكية، فالركضة في مخيلة الرواية هي قبيحة…
لكن الإرادة وهي الفعل الأقدس دائمًا وأبدًا هي ما تجعل ركضته تلك تفوز في كل مرة، حينما نتحدث عن الإرادة فنحن دائمًا نتحدث عن ما يجعل الإنسان إنسانًا، فكل فعل مبني على الإرادة والحب حسب قول ابن القيم، الرَّكض هو الرغبة الجموحة نحو النهاية، لا يمكن لتلك الرغبة العيش سوى في محيط الألم وتحمّل ذلك الألم… بل والنشوة به،
تنتهي الرواية بنهاية تراجيدية للعدَّاء الذي تجبره الظروف السياسية بعقاب على النزوح والعمل في المناجم ومن ثم العمل في جمع القمامة، يتحول إلى آلة قديمة صادئة، أنتجت كثيرًا لكن إنتاجها الآن لا يُذكر، تتلاشى قوة العداء الذي كان يركض ٥٠ كيلو متر ليغدو الشعور بالحرية ذكرًى ترافق صاحبها، يختتم زاتوبيك حياته في العمل حين عودته من المفنى في أرشيف رياضي… يقلب وينظم الأوراق والمجلات التي تحتوي على إنجازاته ولا يقدر على التعرف على ذاته… وكأنه يقرأ عن شخص آخر لا يعرفه…
يتحوَّل خط النهاية في هذه الرواية من خط النهاية الذي يقطعه زاتوبيك بالألم والإرادة أثناء الرَّكض للنصر، إلى خط النهاية التي تنهزم فيه الإرادة في الحياة، وتصبح الحرية مجرد ذكرى تجعل من الحياة جمعاء خطوط نهاية للخسارة، جاءت نتيجة خسارة الرغبة، ينتهي زاتوبيك بموت أقسى من الموت البيولوجي، تموت قدمه على الثلوج وهي لا تقدر على المشي، تحاول المشي في المكان التي ركضت فيه قديمًا…، لكنها حين تخسر الركض… تموت بين الذكرى والزمن.
لكن الإرادة وهي الفعل الأقدس دائمًا وأبدًا هي ما تجعل ركضته تلك تفوز في كل مرة، حينما نتحدث عن الإرادة فنحن دائمًا نتحدث عن ما يجعل الإنسان إنسانًا، فكل فعل مبني على الإرادة والحب حسب قول ابن القيم، الرَّكض هو الرغبة الجموحة نحو النهاية، لا يمكن لتلك الرغبة العيش سوى في محيط الألم وتحمّل ذلك الألم… بل والنشوة به،
تنتهي الرواية بنهاية تراجيدية للعدَّاء الذي تجبره الظروف السياسية بعقاب على النزوح والعمل في المناجم ومن ثم العمل في جمع القمامة، يتحول إلى آلة قديمة صادئة، أنتجت كثيرًا لكن إنتاجها الآن لا يُذكر، تتلاشى قوة العداء الذي كان يركض ٥٠ كيلو متر ليغدو الشعور بالحرية ذكرًى ترافق صاحبها، يختتم زاتوبيك حياته في العمل حين عودته من المفنى في أرشيف رياضي… يقلب وينظم الأوراق والمجلات التي تحتوي على إنجازاته ولا يقدر على التعرف على ذاته… وكأنه يقرأ عن شخص آخر لا يعرفه…
يتحوَّل خط النهاية في هذه الرواية من خط النهاية الذي يقطعه زاتوبيك بالألم والإرادة أثناء الرَّكض للنصر، إلى خط النهاية التي تنهزم فيه الإرادة في الحياة، وتصبح الحرية مجرد ذكرى تجعل من الحياة جمعاء خطوط نهاية للخسارة، جاءت نتيجة خسارة الرغبة، ينتهي زاتوبيك بموت أقسى من الموت البيولوجي، تموت قدمه على الثلوج وهي لا تقدر على المشي، تحاول المشي في المكان التي ركضت فيه قديمًا…، لكنها حين تخسر الركض… تموت بين الذكرى والزمن.
❤1
https://www.facebook.com/share/v/1DvumR5ALm/?mibextid=wwXIfr
الحلقة الثانية بعنوان مدخل بسيط إلى فلسفة الرائحة أو لماذا يتفزلك الإنسان وهو يشم الأشياء
ناويين نفرد كل فلسفة فيهم لوحدها لاحقًا، ونتمنى لكم مشاهدة ماتعة.
Sapphire Fragrance
#perfume
#فلسفة_العطور
الحلقة الثانية بعنوان مدخل بسيط إلى فلسفة الرائحة أو لماذا يتفزلك الإنسان وهو يشم الأشياء
ناويين نفرد كل فلسفة فيهم لوحدها لاحقًا، ونتمنى لكم مشاهدة ماتعة.
Sapphire Fragrance
#perfume
#فلسفة_العطور
Facebook
Log in or sign up to view
See posts, photos and more on Facebook.
عالم تبنيه الرائحة!
ليست للطفل ذكرًى واضحة، لا يسعفه الوقت الذي أمضاه في الدنيا على تكوين صور حاضرة وبناء ذاكرة، ولعلني أعتقد في نفسي أن أول عتبة نخطو عليهًا مبتعدين عن الطفولة هي عتبة الذاكرة، أن نشعر فجأة بأن هناك صورة ماضية وأن هناك عالمًا تركناه بالخلف، تنسحب من تحت أقدامنا حينها الطفولة رويدًا رويدًا في مقابل تكوُّن الذاكرة! هذا التراكم هو ما يجعلنا نكبر….
لا أذكر أوَّل مرَّة تذكرت فيها، لا أذكرُ بدقة أول حنين لي وأوَّل شعور بالرَّغبة العارمة للعودة للوراء لكنني على يقين بأنَّه كان نتيجة رائحة ما، أنا أحد أولئك الذين لديهم حساسية شعورية بالغة تجاه الروائح، عندما كنت طفلًا كنت أعرف تقلب الفصول بين الشتاء والصيف عن طريق قول أشم رائحة الصيف وأشم رائحة الشتاء، لا تعيدني صورة ولا يعيدني صوت للشعور، أعتقد أن العودة هي مطالبة بعودة الصورة فإذا ما عادت الصورة فجأة يموت الشعور بين انحسار المسافة!
بينما تمتد المساحة الواسعة للخيال بين الرائحة والصورة لينمو الشعور في هذه الأرض الطويلة، عدم الحصول على الصورة هو سر ولغز الرائحة!
إن جلَّ محاولات الرائحة لاستحضار صورة ما هي مجرد محاولات فلن تتحول في الهواء إلى صورة أبدًا وهنا تكمن قوتها البالغة في كونها تقدر على وضعك في حالة الباحث المتعطش على الدوام دون أن تبلغ ماءها، أما الصورة فهي حصول ووصول سريع للمراد،
وأنا أعتقد دائمًا أن الصورة الفنية القرآنية لتصوير مشهد يعقوب عليه السلام هي الأبلغ والأجمل لوصف مشاعر الروائح، فيوسف يبعث بقميصه المادي، لكن يعقوب يستقبل منه رائحته غير المادية، ويظل يفتش يعقوب الذي يفقد بصره (ويصبح ذلك عاملًا حفازًا) في الرائحة عن الصورة في خيالاته، يضاعف العمى والشوق والرائحة وجود الصورة أكثر من الصورة ذاتها ويتحول الغياب إلى حضور مضاعف يوجده التنقيب والتفتيش داخل رائحة لا صورة لها حقيقية أو ملمس…
الغياب في اعتقادي هو ركن الرائحة الأول الذي تعتمد عليه في الوصول لأعمق نقاط الإنسان شعورًا، تتحول إلى رسول خفي، رسول قادر على حمل وسوسات متناثرة من الصورة لجعل الذاكرة لعبة بازل ومحاولات ترميم! المشي مسحورًا خلف وسوسات العطر هو ما يصل بك إلى صورة، لكنها صورة خيالية لا يمكن لأحدٍ رؤيتها سواك!
يتكرر في الجلسات العائلية إخراج ألبوم صور لمشاركته، تستباح هنا الصورة بإمكانية نقلها، أنا وأنت رأيناها، بالنسبة للرائحة فلا يمكن أبدًا استباحة صورتها الداخلية، إنها لك وحدك، أنت وحدك من ترى وتشعر!
في كتاب "الاستعارات التي نحيا بها" لمؤلفيه جورج لايكوف ومارك جونسن، يُفرد فصل بسؤال شيق، سؤال يعيدني لعلاقة اللغة بكل الأشياء بل كوننا في سجنها -أقصد اللغة- وكون كل شيء لا يمكنه التمرد على أسوارها…. يأتي الفصل بعنوان "كيف تعطي الاستعارة الشكل معنىً؟"
وهنا ينفجر سؤال عميق، كيف تعطى استعارة للروائح وهي لا شكل لها!
هناك جسر بين الاستعارة واللغة عن طريق الشكل، فيما يخص الروائح ينهدم هذا الجسر ويظل العبور بين اللغة والرائحة لغزًا عميقًا لا يمكن فهمه جيدًا،
نحن نتصور الشكل اللغوي بما هو فضائي، كلمة دائرة لها شكل في مخيلتك، مربع كذلك، ومن استعارة لأخرى يمكنك وصفه عن طريق زواياه وأضلعه، لكن ليس للرائحة شكل تقدر عليه الاستعارة
وإذا ما سلمنا لنظرية دوايت بولنغر التي تقول أن الجمل الشارحة بشكل دقيق في اللغة هي شيء مستحيل لأنها تملك شكلًا مختلفًا عن الجمل التي سوف تشرحها فسنقف عاجزين عن جعل اللغة تخترق مساحات الرائحة مجددا!
بالعودة للذاكرة، لا تسعفني اللغة لوصف الصورة الموجودة في داخل الرائحة وهذه هي معجزتها، أنك تقف على عتباتها مسبحًا مستسلمًا خاضعًا للغتها التي لا يمكنك تحدثها، ولا يمكنك استعمال اللغة كناقل لما رأيت وإذا عدنا لقصة يوسف ويعقوب عليهما السلام سنجدُ ردَّ يعقوب أمام الرائحة "إني لأجد ريح يوسف"
لقد رأى في الرائحة شيئًا يخصه هو، لا يمكن لكل من يستمع للآية ولا لأبنائه مشاركته ما رأى،
لكن الأعجب من ذلك، أنه اكتفى بقول "ريح يوسف" كأنه استسلام للغة أمام الرائحة، ريح يوسف فقط، دون محاولة لوصف ما الذي رآه داخل الرائحة!
ما الذي رآه داخل الرائحة؟ ما الذي أراه أنا وتراه أنت داخلها؟ إنها ذاكرتنا الخاصَّة التي حتى لو قررّنا خيانتها لنحكي ما بداخلها… ستظل رغمًا عنا لنا وحدنا.
ليست للطفل ذكرًى واضحة، لا يسعفه الوقت الذي أمضاه في الدنيا على تكوين صور حاضرة وبناء ذاكرة، ولعلني أعتقد في نفسي أن أول عتبة نخطو عليهًا مبتعدين عن الطفولة هي عتبة الذاكرة، أن نشعر فجأة بأن هناك صورة ماضية وأن هناك عالمًا تركناه بالخلف، تنسحب من تحت أقدامنا حينها الطفولة رويدًا رويدًا في مقابل تكوُّن الذاكرة! هذا التراكم هو ما يجعلنا نكبر….
لا أذكر أوَّل مرَّة تذكرت فيها، لا أذكرُ بدقة أول حنين لي وأوَّل شعور بالرَّغبة العارمة للعودة للوراء لكنني على يقين بأنَّه كان نتيجة رائحة ما، أنا أحد أولئك الذين لديهم حساسية شعورية بالغة تجاه الروائح، عندما كنت طفلًا كنت أعرف تقلب الفصول بين الشتاء والصيف عن طريق قول أشم رائحة الصيف وأشم رائحة الشتاء، لا تعيدني صورة ولا يعيدني صوت للشعور، أعتقد أن العودة هي مطالبة بعودة الصورة فإذا ما عادت الصورة فجأة يموت الشعور بين انحسار المسافة!
بينما تمتد المساحة الواسعة للخيال بين الرائحة والصورة لينمو الشعور في هذه الأرض الطويلة، عدم الحصول على الصورة هو سر ولغز الرائحة!
إن جلَّ محاولات الرائحة لاستحضار صورة ما هي مجرد محاولات فلن تتحول في الهواء إلى صورة أبدًا وهنا تكمن قوتها البالغة في كونها تقدر على وضعك في حالة الباحث المتعطش على الدوام دون أن تبلغ ماءها، أما الصورة فهي حصول ووصول سريع للمراد،
وأنا أعتقد دائمًا أن الصورة الفنية القرآنية لتصوير مشهد يعقوب عليه السلام هي الأبلغ والأجمل لوصف مشاعر الروائح، فيوسف يبعث بقميصه المادي، لكن يعقوب يستقبل منه رائحته غير المادية، ويظل يفتش يعقوب الذي يفقد بصره (ويصبح ذلك عاملًا حفازًا) في الرائحة عن الصورة في خيالاته، يضاعف العمى والشوق والرائحة وجود الصورة أكثر من الصورة ذاتها ويتحول الغياب إلى حضور مضاعف يوجده التنقيب والتفتيش داخل رائحة لا صورة لها حقيقية أو ملمس…
الغياب في اعتقادي هو ركن الرائحة الأول الذي تعتمد عليه في الوصول لأعمق نقاط الإنسان شعورًا، تتحول إلى رسول خفي، رسول قادر على حمل وسوسات متناثرة من الصورة لجعل الذاكرة لعبة بازل ومحاولات ترميم! المشي مسحورًا خلف وسوسات العطر هو ما يصل بك إلى صورة، لكنها صورة خيالية لا يمكن لأحدٍ رؤيتها سواك!
يتكرر في الجلسات العائلية إخراج ألبوم صور لمشاركته، تستباح هنا الصورة بإمكانية نقلها، أنا وأنت رأيناها، بالنسبة للرائحة فلا يمكن أبدًا استباحة صورتها الداخلية، إنها لك وحدك، أنت وحدك من ترى وتشعر!
في كتاب "الاستعارات التي نحيا بها" لمؤلفيه جورج لايكوف ومارك جونسن، يُفرد فصل بسؤال شيق، سؤال يعيدني لعلاقة اللغة بكل الأشياء بل كوننا في سجنها -أقصد اللغة- وكون كل شيء لا يمكنه التمرد على أسوارها…. يأتي الفصل بعنوان "كيف تعطي الاستعارة الشكل معنىً؟"
وهنا ينفجر سؤال عميق، كيف تعطى استعارة للروائح وهي لا شكل لها!
هناك جسر بين الاستعارة واللغة عن طريق الشكل، فيما يخص الروائح ينهدم هذا الجسر ويظل العبور بين اللغة والرائحة لغزًا عميقًا لا يمكن فهمه جيدًا،
نحن نتصور الشكل اللغوي بما هو فضائي، كلمة دائرة لها شكل في مخيلتك، مربع كذلك، ومن استعارة لأخرى يمكنك وصفه عن طريق زواياه وأضلعه، لكن ليس للرائحة شكل تقدر عليه الاستعارة
وإذا ما سلمنا لنظرية دوايت بولنغر التي تقول أن الجمل الشارحة بشكل دقيق في اللغة هي شيء مستحيل لأنها تملك شكلًا مختلفًا عن الجمل التي سوف تشرحها فسنقف عاجزين عن جعل اللغة تخترق مساحات الرائحة مجددا!
بالعودة للذاكرة، لا تسعفني اللغة لوصف الصورة الموجودة في داخل الرائحة وهذه هي معجزتها، أنك تقف على عتباتها مسبحًا مستسلمًا خاضعًا للغتها التي لا يمكنك تحدثها، ولا يمكنك استعمال اللغة كناقل لما رأيت وإذا عدنا لقصة يوسف ويعقوب عليهما السلام سنجدُ ردَّ يعقوب أمام الرائحة "إني لأجد ريح يوسف"
لقد رأى في الرائحة شيئًا يخصه هو، لا يمكن لكل من يستمع للآية ولا لأبنائه مشاركته ما رأى،
لكن الأعجب من ذلك، أنه اكتفى بقول "ريح يوسف" كأنه استسلام للغة أمام الرائحة، ريح يوسف فقط، دون محاولة لوصف ما الذي رآه داخل الرائحة!
ما الذي رآه داخل الرائحة؟ ما الذي أراه أنا وتراه أنت داخلها؟ إنها ذاكرتنا الخاصَّة التي حتى لو قررّنا خيانتها لنحكي ما بداخلها… ستظل رغمًا عنا لنا وحدنا.
❤2
ودخلوا إلى بشر الحافي، وليس في داره حصيرٌ، فقيل له: ألا بذا تُؤذَى؟ فقال: "هذا أمرٌ ينقضي"
ليس هناك منفذٌ وحيد في هذه الدنيا من السأم والضَّجر سوى الحب، ولست أقصدُ بذلك حصر الأمر في حب الأشخاص، بل الحب حب أي شيء، صنعةً أو فنًا أو صاحبًا أو حبيبًا يمر به الإنسان من هذا الزَّمان، إن الحب هو البديل الوحيد لشعور آخر وهو الصَّبر، وانظر في كل أحوالك وستجدها بين اثنتين، إما شيءٌ تحبه أو شيء تصبرُ عليه، ولا يوجد طريقة واحدة للعبور فوق الزمن بل ولاحتماله سوى هاتين الطريقتين، ولعل من جلال الحبِّ ورقته وإحسان خلق الإله له أنه فعلُ تصالحٍ مع الزمن وأن الوقت لا ينال من الشعور تحت ظله، إن فكرة المشي تلك الفكرة الإلهية البديعة التي تتأرجحُ بين القدوم والذَّهاب مسيرها الأول هو أن تحب القدم ما تسير إليه، ليغدو بذلك المشي فعلًا وجوديا ومضيًا داخل الزمن ذاته، إن موسى عليه السلام مثلا حينما أحب المعرفة أحبت قدمه ما تسير إليه مع الخضر، لا تكاد تشعر بالزمن في هذه القصة حينما تتقمص شخص موسى عليه السلام وتعيش لهفته للمعرفة وحبه الذي أورث مضيًا جموحًا، حينما نمشي مثلا مع قصته مع فرعون نشعر بأن القصة ثقيلة ثقل خشية موسى وكراهيته للقاء فرعون، لكن مشيه في البحر عجبًا كان له خفة أخرى، خفة الحب، الزمن ثقيل والوقت أثقل ما يكون لولا أن تحب أو تصبر، فتصيبك الخفة لتمشي أبعد ما يكون عكس الزمن.
❤10
على هامش ثقافة الـ Hooks:
بالتزامن مع تردي صبر الإنسان ووصوله إلى أبعد نقطة على منحنى الضَّجر والملل نشأت ثقافة المحتوى الذي يعتمد على ال Hook أو الخطاف السردي، والذي يحاول أن يخطف إنسانًا لا صبر له على إكمال فيديو يتجاوز الدقيقة أو قراءة صفحة كاملة دون الشعور بالحاجة لغلق ما يقرأ، تكمن المشكلة عند إنسان لا يصبر بأنه فقد فضيلة الإنسان الأولى التي ينشأ عنها كل فعل وكل إقدام وهي الصَّبر، وقد قرأت في كتاب لابن حزم أن الملال يقضي بفساد العقل وهو ما يشاع في هذه الأيام بجملة التعفن الدماغي، لكن في الكتاب يشرح ابن حزم أن الملول له حالتين لا ثالث لهما، إما أن يكون استحسن ما لا يجب استحسانه، وهنا مثلا نجد كل فاقدي الصبر الضجرين يبحثون عن ما يجرِّي أوقاتهم دون النظر في ماهية ذلك الشيء الذي يمر بالوقت أو بفضيلته ونفعه، فيستحسنون الشيء لا لذاته وإنما لقدرته على الشعور باللذة فيه أو الخديعة مثل خدائع الـ Hooks، والحالة الثانية وهي الضد بأن يستقبح ما لا يجب استقباحه، فإذا ما عرضَ على الملول أمرٌ حسن فيه خيرٌ له ونفع لربما تركه لأنه لا صبر له عليه، فيتحول إلى إنسان لا تحركه سوى الخديعة وما يخدِّره عن الشعور بالوقت وكل ما حوله يحاول خطفه لكنه لا يتحرك إلى شيء ولا يصبر عليه، فشتان ما بين من يُقدِم ويصبر ومن يترك نفسه وانتباهته فريسةً للخديعة، فلا صحبة لملول، ولا عقل لملول، ولا رأي له.
بالتزامن مع تردي صبر الإنسان ووصوله إلى أبعد نقطة على منحنى الضَّجر والملل نشأت ثقافة المحتوى الذي يعتمد على ال Hook أو الخطاف السردي، والذي يحاول أن يخطف إنسانًا لا صبر له على إكمال فيديو يتجاوز الدقيقة أو قراءة صفحة كاملة دون الشعور بالحاجة لغلق ما يقرأ، تكمن المشكلة عند إنسان لا يصبر بأنه فقد فضيلة الإنسان الأولى التي ينشأ عنها كل فعل وكل إقدام وهي الصَّبر، وقد قرأت في كتاب لابن حزم أن الملال يقضي بفساد العقل وهو ما يشاع في هذه الأيام بجملة التعفن الدماغي، لكن في الكتاب يشرح ابن حزم أن الملول له حالتين لا ثالث لهما، إما أن يكون استحسن ما لا يجب استحسانه، وهنا مثلا نجد كل فاقدي الصبر الضجرين يبحثون عن ما يجرِّي أوقاتهم دون النظر في ماهية ذلك الشيء الذي يمر بالوقت أو بفضيلته ونفعه، فيستحسنون الشيء لا لذاته وإنما لقدرته على الشعور باللذة فيه أو الخديعة مثل خدائع الـ Hooks، والحالة الثانية وهي الضد بأن يستقبح ما لا يجب استقباحه، فإذا ما عرضَ على الملول أمرٌ حسن فيه خيرٌ له ونفع لربما تركه لأنه لا صبر له عليه، فيتحول إلى إنسان لا تحركه سوى الخديعة وما يخدِّره عن الشعور بالوقت وكل ما حوله يحاول خطفه لكنه لا يتحرك إلى شيء ولا يصبر عليه، فشتان ما بين من يُقدِم ويصبر ومن يترك نفسه وانتباهته فريسةً للخديعة، فلا صحبة لملول، ولا عقل لملول، ولا رأي له.
❤1
بالإنسان رغبة متجذرة ومتأصلة في تكوينه وخلقه لسماع المغامرة، التي حتى إن لم يسمعها فعليه اختلاقها وتأليفها، تلك الرغبة الجموحة لتغيير الأحداث والزمن وإحداث فعل ذاتي للحركة والمضي في طريق بعكس اتجاه السكون، السكون هو عدو المغامرة ولذلك فالحركة تتم عند الإنسان بأحد طريقين، أن يغامر أو تتحول الحركة إلى شكلها الثاني لعجزه وهو الخيال، أعتقد بأن التشبع بالريلز عند الإنسان الحديث هو الاستسلام ضد المغامرة والدخول في مرحلة الرضى بالسكون دون أن تتحول هذه الطاقة لشكلها الخلاّّق في الخيال حتى… تذهب الرغبة هكذا سدًى دون مقابل للإنسان المتفرج الذي يقنع بمغامرات تتلو بعضها بعضًا بين كل ريل وريل، يقنع بها هكذا ويركن للسكون الذي يعجن شعوره بين كل نقلة والأخرى دون أن يعطي الشعور فرصة للتأثير في صاحبه، إن هذا الانتقال السريع بين الضحك على ريل والضجر من الثاني واستثناء الثالث الذي لا هوك له لجذب الانتباه والتأثر بالرابع لا يعطي صاحبه فرصةً للتشبع بأي شعور بفقد شرط الوقت اللازم للتأثير، إن الإنسان الذي عرف المغامرة منذ حاول مغادرة الكهف لأن السكون لا يناسب طبيعته مرورًا بالتساؤل عن ما يقبع خلف البحر والمضي نحو الأسفار وما خلف المكان والزمان تنهزم رغبته وهو مسحوب بين شاشة وشاشة لا يقدر على التوقف ولا احتمال الوقت دون هذا الخِدر الذي يمحو فكر الإنسان وتخيله، إن ممارسة الحياة هي فعل صبر على الوقت والزمن وتداخل مع نسيج المكان، الزمن والمكان هما أصل ممارسة كل حياة وعيشها على اللازم منها، فإذا تم تحجيم المكان داخل إطار شاشة وتم نزع السريان والتدفق من الزمن الكامن عليها… فلا ريب سيتم تشويه الفعل والرغبة في هذه الحياة لتنمحي منها حلاوة المغامرة.