صفحات وقلم
39 subscribers
2 photos
6 links
مساحتي الصغيرة.
إسمي محمد الهدهود إن كان يهمك الأمر.
Download Telegram
أتمنى أن تنال اعجابكم...


كدمات مخفية:

أعلنت الساعة الثانية بعد منتصف الظهر عندما انتهى يوسف من العمل كموظف استقبال في أحد فنادق بغداد. في ذلك اليوم لم ينتهِ وقت عمله في الحقيقة، لكنه اضطر لذلك بعد أن تنحى به أبو أحمد جانبًا وقال له: "يصعب عليّ يا يوسف أن أعامل ابن صاحبي، يرحمه الله، كما أعامل باقي الموظفين، ما رأيك بأخذ باقي اليوم استراحة وتعود غدًا إن شاء الله". إن مثل تلك الأيام شيء اعتاد عليه، ذلك السكون القاتل كان يأتيه من حين لآخر، لكن اليوم كان مختلفًا... عيناه البنيتان لم تكونا موجودتين في الفندق ولا في الشارع الذي يسير فيه الآن، إن شيئًا أيقظ في روحه ما كان يهرب منه لفترة طويلة.
بعد مضي ساعة في المنزل مستلقيًا على سريره لم يتغير شيء، ومحاولات أخته ذات الاثنين والعشرين عامًا، والتي تكبره بعامين، في فهم ما به لم تُجدِ نفعًا. ورغم ذلك قررت الجلوس على الكرسي الذي بجانب السرير واضعةً يدها على خدها، وقالت بصوت متململ كأنها تحدث نفسها: "غدًا هو موعد والدتي لغسيل الكلى، كما على أحدٍ شراء بعض الملابس لرغد ورؤى... ماذا تريد على العشاء يا يوسف؟... أخبرني، لم لا تتحدث؟". لم يستطع إيقاف ثرثرتها، ولم يشأ أن يشاركها ما يشعر به، وأدرك أن مكانًا واحدًا قد يساعده في التخلص من رغبة البكاء التي اجتاحته، وقرر الخروج من المنزل.
بعد مضي نصف ساعة في إجبار نفسه على هز رأسه موافقًا على كلام السائق الذي لم يسمع معظمه، وصل أخيرًا إلى مقصده، وراح يسير ببطء كالعجائز. ورغم أن هذا البطء كلفه عشر دقائق إضافية من السير، كان فعله هذا مقصودًا؛ فطوال هذه الفترة حاول أن يستجمع شجاعته ليواجه والده الذي لم يصل إليه منذ عامين، ويحدثه عما فشل في قوله طوال عمره الماضي.
وعندما وصل أمام قبر والده حاول سحب أنفاسه لينعش نفسه جراء الضغط الشديد الذي يسببه وقوفه أمام قبره. وبينما هو واقف هكذا، ارتبك قليلًا، وود لو أنه لم يأتِ وأراد الهرب، لكنه قال كلمته الأولى: "أعلم أنك عشت يتيمًا في حياتك، لكنك جعلتنا مثلك، وصنعت مني يتيمًا في وجودك قبل رحيلك". قال كلماته تلك والرجفة بدت واضحة على شفتيه، وحاولت إحدى الدموع التسلل من عينيه إلى خده، لكنه منعها بصعوبة وأكمل...
ما زلت أتذكر ذلك اليوم عندما تم فصلي من المدرسة بسبب التدخين، واجتمعت أنت والمدير وبدأتما لومي وتحميلي كل الخطأ، وكأنني لست إنسانًا يخطئ ويصيب. في ذلك الوقت أخبرني المدير أنه يفعل ذلك لمصلحتي وأنني يومًا ما سأفهم؛ قال ذلك بعد أن أجبته أنني لا أحبه. في هذا الصباح التقيت به يا والدي وأنا ذاهب إلى العمل. نظر إليّ بفخر وإعجاب، وقال لرفيقه الذي معه إنني أحد طلابه؛ كنت أحد طلابه. وسألني عن حالي وحاول ممازحتي، أما أنا فلم تغرني تلك الكلمات، وأخبرته أنني ما زلت لا أحبه، وذكرته بذلك اليوم الذي مضى عليه سنوات، وأحسست بالرضا قليلًا بعد أن امتعض وأحنى رأسه إلى الأسفل خجلًا، وشعرت أنه أحس بالحقد الذي أكنه له…
أنت تشبهه في كل شيء تقريبًا، كلاكما تدعيان المثالية وتعتقدان أنكما فعلتما كل شيء من أجلي، للأسف أخطأتما، صنعتما مني شخصًا مريضًا، مليئًا بالمشاكل النفسية والعقد. لقد تركتني أصارع الحياة بدون سلاح، ولم تكلف نفسك عناء السؤال عن سبب تدخيني للسجائر. أتعرف شيئًا يا والدي؟ أنت أيضًا لا أحبك، ليس لنفس السبب مع المدير، لكنك لم تعطني ما يستحق الحب.
لم يستطع يوسف كتم دموعه أكثر، وبدأت تنزل كصمت الأموات، ومرت دقائق حتى استجمع قواه، وراح ينظر لوالده نظرة حادة وأكثر جدية، وقال: أنت لم تكن موجودًا في حياتي… لقد تعلمت كل شيء بمفردي، كيف أنجح وأتخطى الفشل، متى أصمت وكيف أعيش وحيدًا، حتى الصلاة تعلمتها من الكتب. ولماذا أحبك؟! … أنت يا والدي أعطيتني… أعطيتني شخصًا يخاف الكلام لأنك ضحكت عليه عندما كان يغني لأخته الصغيرة وهو في السادسة من العمر… أعطيتني شخصًا يخفي كدماته جراء كرة القدم ويحاول المشي على قدمه المكسورة بأقوى ما يكون حتى لا تنهال عليه بالصراخ والشتائم، وإنسانًا يخاف من كل شيء حتى من نفسه… أتعرف الغريب؟ إنني لا أحبك فقط، بل لا أعلم ما الذي يمنعني من كرهك حتى الآن.
سادت دقائق صمت صارع فيها يوسف حتى لا يبكي، لكن مقاومته لم تجدِ نفعًا، وقرر الاتكاء على قبر إلى جانبه، وجلس مادًّا ساقه اليسرى باستقامة، واضعًا رأسه على القدم الأخرى، وقال بعد دقائق من الصمت: أنا لا احبك لأنك لم تكن والدا جيداً، وسأكرهك لأنك رحلت.
👍1
شكرا لكم لوجودكم هنا؛ اقدر ذلك كثيرا واعتز به.
فتاة الشارع
‏على الرغم من مرور ما يقارب الثلاث سنوات، ما زلتُ أذكر ذلك اليوم جيداً؛ الثاني عشر من يوليو. صادف في ذلك اليوم أن هبّت عاصفة ترابية بيضاء امتزجت بصيف العراق الحارق، وعندما أعلنت الساعة أنها الثالثة عصراً، اتصل بي أحد الأصدقاء القدامى وقال إنه أتى لزيارتي، لكنه أضلَّ الطريق، وطلب أن آتي لأقله من مكان اتفقنا أن نلتقي فيه.
‏ولم يكن لدي سوى دراجة من نوع "ياماها فانسي" أو كما نسميها "دولفين"، غلافها أحمر متكسر، مظهرها رث وتصدر صوتاً عالياً؛ أي شخص كان سيخجل إذا ذهب ليقلّ أحدهم بها، وأنا لستُ استثناءً، ولحسن الحظ أن زائري لا يصدر أي أحكام.
‏وبدأتُ السير في دربي والهواء يلفح وجهي ويجعله يتقشر، وذرات الغبار تجعل مدى الرؤية محدوداً وتغطي قرص الشمس وتجعل النظر إليه ممكناً. صرتُ أشعر أنني في أحد مشاهد الأفلام عندما دخلتُ الشوارع التي اعتدتُ اكتظاظها بالناس والسيارات، لكنها كانت فارغة في أغلبها.
‏ورحتُ أتلذذ بإحساس الناجي الوحيد في مدينة الموتى، إلى أن وصلتُ إلى مفترق طرق، وبينما اتجهتُ نحو اليمين لاحظتُ في امتداد الطريق الذي تركته وجود فتاة واقفة في وسط الشارع...
‏ومشيتُ عدة أمتار تقريباً لم أصدق فيها ما أرى حتى توقفتُ لأتأكد، ورجعتُ أدراجي نحوها؛ توقفتُ لحظة بجانبها ولاحظتُ أنها تقارب الخامسة عشرة، رغم أن نظراتها تشبه نظرات طفل في الخامسة، والملابس السوداء تغطي كامل جمسها بإستثناء عيونها...أخرجتُ كل ما في جيبي رغم أنه لم يكن كثيراً، وقدمته لها  وغادرتُ بصمت لأكمل طريقي، بخلاف السؤال الذي كان يصرخ في داخلي ويقول: لماذا؟
❤1
لا تنتظر مني إثارة إعجابك بكلماتي ومغامراتي، فأنا يا صاحبي شخص عادي قضى حياته يفعل أشياء عادية بصورة عادية، في عائلة عادية ومجتمع عادي.
❤1
قصة قصيرة جداً:

العنوان: هل كان خيال؟
‏لم أخف عندما وقفت أنظر إلى والدي المتوفى وهو واقف ينظر في عينيّ، خفت، لكن ليس من وجوده، أو ربما من وجوده، لكن أول شيء فكرت فيه هو أنني أحلم.
‏كنت أعلم أنه ليس حقيقيًا، وأقنعت نفسي أنه ليس حلمًا، إلا أن ذلك زاد تساؤلي عما يحدث، وعدت للنظر إلى والدي لأفهم سبب الخوف الذي اعتراني، ولم أجد سوى وجهه الذي يشبه جثة في ثلاجة الموتى، وتمتمته بكلام غير مفهوم وهو يغادر الغرفة، ولحقت به بأقدامي المرتجفة، لكنه لم يكن في الغرفة المجاورة أو في أي مكان آخر في المنزل...
‏
❤1
قصة قصيرة جداً/
شجرتا الرمان:
في إحدى الأيام أحضر والدي شجرتي رمان ليزرعهما في الحديقة، كانتا في نفس الحجم ونفس العمر ونفس الخضرة في أوراقهما، الفرق الوحيد أنه غرس الأولى قرب مصدر المياه (الصنبور)، فترتوي كلما أراد أحدنا الاغتسال ليلاً أو نهاراً، أما الثانية فكانت بعيدة... بعيدة جداً لدرجة أننا نسيناها بين الأعشاب الضارة...
بعد فترة من الزمن حصل والدي على شجرتين ميتتين.
❤2
بصفتي شخصًا يكتب في هذا العصر، لا أنكر لكم أنني مثل نصف البشر في احتياجه إلى الذكاء الاصطناعي، ومثل أي شخص طبيعي أملك خمسة حسابات في Gemini، ولكن هذا ليس غريبًا؛ الغريب هو ما ستقرأونه في هذا المقال...  

في بداية رحلتي كنت أستعين به بين الحين والآخر في تصحيح القواعد، وإنشاء مناهج للدراسة، وتحليل القصص التي أكتبها، وما شابه ذلك... وليس هذا فحسب، بل كان معي في باقي الجوانب التقنية والبرمجية في إنشاء بعض المنصات، وحتى الآن تسير الأمور بشكل جيد بنصائحه ودعمه المتواصل الذي كنت أعلم أنه يسايرني فيه غالبًا، ولم يكن عندي الأدلة الكافية لأثبت ذلك حتى قررت في إحدى الليالي الدخول إلى حسابي الآخر.  
أرسلت له رابط مدونتي وأخبرته أنها لأحد أصدقائي وأنه بدأ ينشرها مؤخرًا، لكنني لا أرى لها مستقبلًا وأن عليه أن يتوقف، غير أنني لا أعلم كيف أصارحه...  
لم يكتفِ بتأييد الرأي بل قام بمهاجمة النصوص والكتابات والطريقة التي أفعل بها ما أفعل، وعززني بنصائح لأتوقف...  
عدت إلى الحساب الأول وأخبرته بأن شخصًا غريبًا وجّه لي هذا الكلام، فكتب لي خطابًا يدافع عني فيه وأبطل كل ادّعاءات الحساب الثاني...  
واستمر الحال هكذا أتنقل بينهما لنصف يوم تقريبًا حتى أدركت في النهاية أن الذكاء الاصطناعي مصمم ليكون مرآة لك بأي شكل تكونه؛ يحزن إذا حزنت ويضحك معك، وأحيانًا قد يكون حقيرًا...  
وحتى تستمر معه بصورة صحيحة عليك أن تعلم أنه ليس على حق دائمًا، وكذلك أنت أيضًا... 
❤3
قاطعتُ حديث أخي على مائدة الغداء، وأشرتُ إلى الحائط وسألته: "ماذا ترى؟" نظر قليلاً، وتلعثم وراودته الحيرة وقال: "أتقصد الجدار؟ ما به؟ إنه جدار فقط"، وتلت كلامه ضحكة ساخرة، ثم أردف: "هل جننت؟"... ولماذا أجنّ؟ هل السبب هو أنني كنت أرى ألوان طلاءٍ متباينة، ووراءه إسمنت وطوب، ووالدٌ أرهق نفسه، وعمال كادحون، وخربشات أطفال قديمة بأقلام الرصاص؟! بعدها أجبتُ نفسي: "ربما يكون مجرد جدار".
❤1
لماذا لستَ عاطفياً؟
في الغالب، يميل معظم الناس إلى التعامل مع الأمور بالعاطفة لأن ذلك أسهل؛ "أنا أجلس بجانب زيد لأنني أحبه"، أو "محمد يكذب دائماً، إذن هو يزعجني". لكن قلة من الناس لا يمكنهم فهم ذلك، بل لا يثقون بهذه الطريقة، لذا يلجؤون إلى طريقة يعتقدون أنها أفضل، وهي استخدام العقل والمنطق.
فإذا أراد أحدهم معرفة طبيعة علاقته ببائع السجائر المتجهم، يسأل نفسه أولاً: "هل هو شخص جيد؟ ولماذا يجب أن أحبه؟"، ثم يجيب نفسه بأنه يبيع السجائر التي يحتاجها، كما أنه قريب من منزله، بالإضافة إلى أنه لا يُلحّ في سداد الدَّين. ثم يعاود الكرة: "ما السيئ فيه؟"، فيرد: "لأن أسلوبه فظ في الكلام، ووجهه عابس طوال الوقت". وهكذا يصل إلى نتيجة مفادها أن هذا البائع إنسان رائع ويستحق المحبة، وهذا لو تأملنا فيه فهو حكم عاطفي في النهاية.
والحقيقة أن علم النفس الحديث أثبت ذلك، إذ لا يوجد قرار يُتخذ دون عاطفة، والذين تعرضوا لتلف في القشرة الجبهية الحجاجية (المنطقة المسؤولة عن ربط العواطف بالقرارات) فقدوا القدرة على اتخاذ أبسط القرارات.
❤1
أخبرني أحد الكُتّاب بكلامٍ مفاده: "لا يجوز للكاتب أن يعلن عن توجهه السياسي أو طائفته الدينية للمجتمع." وقد أثار هذا الكلام استغرابي؛ فإن لم تستطع الطبقة المثقفة أن تتعايش مع هذا الاختلاف بصورة طبيعية، فمن يمكنه تقبله؟
العنوان: شجرة
ما زلتُ أذكر ذلك اليوم عندما سقط عليَّ جدارُ الحديقة القديم، بعد ليلةٍ محمَّلةٍ بالأمطار والعواصف. كنتُ شجرةً صغيرةً لا يتعدى طولها المتر، أوراقي ناعمة وهزيلة، وذاك الطوب البالي كسر معظم أغصاني ذلك اليوم، وما كنتُ لأنجو لولا والد "لينا"، الذي أزاح كل الطوب عني وأنقذني بعنايته.
ومرت سبع سنوات، نتسابق فيها أنا و"لينا" في العلو، أنا يشتد عودي، وهي تزداد بريقًا... وأمضينا نحن الثلاثة تلك الأعوام بكل ما فيها من قراءةٍ للكتب، وأحيانًا تناول الطعام، وفي حرارة الصيف أجدهما يجلسان تحت ظلالي؛ لا لنفعل شيئًا سوى البحث عن نسمة هواء تزيل العرق عن "لينا" ووالدها، وتهز أغصاني... وربما من أجمل اللحظات تلك التي علَّقا فيها أرجوحةً على أحد فروعي الجانبية، وراح الوالد يهز تلك الطفلة كل يوم، وهي لا تملُّ ولو لحظة، ويحدث أحيانًا أن تطلب منه أن يدفعها بكل قوته حتى يبدو أن الفرع سينكسر، إلا أنها لم تخف أبدًا؛ وعوضًا عن ذلك، أجدها تنظر إلى السماء في تلك اللحظات، وتصرخ في والدها بصوتٍ ممزوجٍ بالضحك: "أقوى!".
اليوم، وفي هذا الغروب، نقف أنا و"لينا" بمفردنا، كلانا نفكر بذلك الأب الذي رحل دون رسالة وداع، والسبب لا أعرفه؛ فكلُّ علمي أن تلك الطفلة، البالغ عمرها أحد عشر عامًا، جاءت وتوقفت بجانبي بضع دقائق دون أن تنطق بأي كلمة، ثم همست بقربي: "أبي قد رحل". فعلت ذلك وهي تلامس الذكرى التي خطَّها هي ووالدها على غصني، ثم استدارت واتجهت نحو الأرجوحة الرثة، وجلست عليها بهدوء، وأمالت رأسها نحو الأسفل، وراحت تؤرجح نفسها ببطء شديد، ولم أستطع فعل شيء سوى إسقاط بضع ورقاتٍ صفراء على كتفيها…
❤2
العنوان: إحتراق واحد
كلما اجتمعنا نحن الثلاثة، نجد أنا وميثاق متعة في إغاظة حسن وإزعاجه بأسئلة يراها غبية. ولربما كان السؤال المفضل لدى ميثاق هو: "ما الدليل على أنك إنسان يا حسن؟ ما الذي يضمن أنك لست حمارًا يظن أنه إنسان؟". ويقول هذا بجدية تامة، ثم يتابع التحديق فيه. وأدعم أنا الآخر تلك الفكرة، وأقول إنه لا شيء يؤكد أنه بشر، فلا يجد ردًا مناسبًا سوى: "أنتم أغبياء، أليس واضحًا من شكلي؟!". فأرد عليه: "لنكن واقعيين، ما الذي يثبت أنك إنسان طبيعي؟ وأنا أشك في هذا، لكن ما الذي يبرهن أنك لست مجنونًا يمكث في إحدى المستشفيات؟". فيأخذ حسن لحظات، ثم يرد: "لا أعلم...".

وقد حدث في الليلة الماضية أن أحضر ميثاق شمعة معه، فوضعها في يدي، وجلس بجانبي، بينما كان حسن يتصفح هاتفه ويطلق ضحكات بين الحين والآخر. أما أنا، فرحت أقلب الشمعة، وأتحسس ملمسها الدهني الناعم، وسألت ميثاق أن أشعلها، ثم أخرجت قداحة من جيبي، وسحبت علبة سجائر حسن لأضع الشمعة عليها، وتركت بضع قطرات من الشىمع تقطر على العلبة، حتى أستطيع الصاق الشمعة عليها. ورحنا أنا وميثاق ننظر إلى تلك النار الهادئة، وذلك الضوء الخفيف، وبقينا هكذا للحظات، حتى قلت، موجهًا كلامي لميثاق: "أليست الحياة مثل هذه الشمعة... نحترق بعبث؟". وربما كان هذا مبتذلًا، أو لا يحمل معنى، غير أنني حاولت إيجاد شيء نتحدث فيه، ثم أضفت: "أتعلم أن الشمع لا يحترق بنفسه، وإنما وجود الفتيل داخله هو السبب... إنه يحترق لأنه احتضن الفتيل". وفي تلك الأثناء، هبت رياح خفيفة جعلت قاعدة الشمعة تميل قليلًا، وبدا أنها ستقع، غير أنها لم تفعل، ولم تعتدل أيضًا، مجرد ميلان جعل الشمع يقطر بجانب الشمعة بدلًا من السيلان المعتاد. ثم سأل ميثاق:هل تعتقد أنها ستقع؟لا أدري... ربما في أي لحظة، وربما تقاوم حتى آخر لحظة.مثل الحياة إذًا... لا ندري متى نموت.حين نفد كلامنا، التفتُ إلى حسن، ووجدته ما زال يتصفح كعادته، فاقتربت منه وسحبت الهاتف بسرعة، وطلبت منه أن يتأمل معنا، فراح ينظر إليّ ثم إلى الشمعة، بعدها مدد جسده، وراح يحدق في السماء، وقال: "أنتما تافهان، أعد لي هاتفي". فأجبته: "أنت تضيع وقتك في أشياء لا قيمة لها. بعد خمسين سنة لن تكون هناك قيمة لتصفحك الهاتف، لكن سيكون لجلوسنا ونحن نحدق في شمعة قيمة، وأنت لن تتذكر هذا، وحتى لو تذكرته فلن تشعر بشيء، لأنك لم تكن موجودًا". فيرد هو الآخر: "هذا غباء، إنها مجرد شمعة تحترق، ما المهم؟ ما الذي أستفيده؟". ليجيبه ميثاق، بينما يمعن النظر في الشمعة: "بالطبع تستفيد، تعلمنا الكثير بينما لم تكن مركزًا معنا، ثم إن عليك تقدير النور الذي تهدينا إياه، إنها تحترق لترينا وجهك القذر". فقال حسن: "لدي ضوء في هاتفي... كما أنكم قتلتموها من دون سبب". وسألت ميثاق، بعد أن دخلت الفكرة إلى رأسي: "هل حقًا قتلناها؟". فأجاب: "بل أعطيناها الحياة، إن عمرها بدأ في اللحظة التي أشعلنا النار فيها".
❤2
منذ سنوات مضت، نشبت مشاحنة صغيرة بين عائلتي وعائلة من نفس المنطقة، و السبب لعب أطفال. وبما أننا نعيش في مجتمع عشائري متحضر، فإن المشكلة حُلّت بطريقة راقية و محببة للجميع، وهي استخدام السلاح والاستعانة بالأعمام والأقارب. والحقيقة أننا كنا ندّعي أننا مسالمون، فلم نكن نملك تجهيزات عسكرية، وتم الأمر بالاستعانة بابن عمي واخوته في ذلك اليوم.
وانتهى كالمعتاد، تلاه عدة جلسات شرب شاي وسجائر عشائرية، والكثير من الكلام.
والحق يقال، أننا انتصرنا في النهاية وحصلنا على تعويض مناسب من المال. أعطى والدي نصفه إلى ابن عمي، ونسينا وتلك العائلة هذا الحدث، وعاد السلام كما كان.
وبقي شخص واحد لم ينسَ، وهو ابن عمي، فكان كلما سمحت له الفرصة يذكر والدي ويقول:
-لقد حميناكم ذلك اليوم، وهببنا دون عبء للموت.
-أقدّر ذلك، وبناءً عليه أعطيتك حصة من المال.
-تعلم أن المال لا يهمني... بل موقفي هو المهم.
وظل الأمر يتكرر حتى ملّ والدي أخيرًا، وقال له:
"لو تركتهم يفرغون رصاصهم في رأسي لكان أفضل. استعنت بك لتحميني من الذل، فإذا بي أراك أشد منهم..."
❤2
بافيل دوروف.. المدافع الأخير عن جدار الخصوصية:

في الوقت الذي تتاجر فيه التطبيقات والمواقع بمعلوماتك لكل من يدفع الثمن، فمرة تُباع لشركة تغرقك بالإعلانات، وأخرى لإحدى الحكومات كي تتفحص جميع ملفاتك لمجرد أنهم رأوا تعليقًا لك تنتقد فيه أحد سياسييهم، نجد بافيل دوروف يقف بأقوى ما لديه للتصدي لهذه الانتهاكات.
ولمن لا يعرف دوروف، فهو مؤسس تطبيق "تلجرام". غادر روسيا عام 2014 بسبب ضغوط السلطات لتسليم بيانات مستخدمي التطبيق، بالأخص فيما يتعلق بقضايا المتظاهرين هناك. غير أن ذلك لم يوقفه، فاستمر في تطوير مشروعه، متنقلًا بين برلين ولندن وسنغافورة، حتى استقر أخيرًا في دبي، ومن هناك بنى إمبراطوريته الرقمية مؤمنًا بفكرة من شأنها أن تغير طبيعة التعامل مع البيانات: أن من حق المستخدم أن يشعر ولو بالقليل من الأمان.
ومن التساؤلات المهمة التي يطرحها دوروف: من يملك الحق في انتهاك الحقوق الرقمية للآخرين؟ ومن يملك السلطة في تصنيف الناس إلى خيرين وأشرار، دون الأخذ بالاعتبار اختلاف الآراء وضرورة الحياد التام؟
ولتوضيح الأمر أكثر، لنأخذ أحداث "طوفان الأقصى" كمثال. في حين تمت السيطرة على أكبر المنصات العالمية ومنع نشر أي محتوى مخالف لسياسات الدول الكبرى (وأنت تفهم مقصدي)، نجد تلجرام قد أعلن حياديته التامة، وأحقية كل طرف في النشر بكل حرية.
غير أن الحكومات لم يكن كل هذا لصالحها؛ دول مثل روسيا وإيران، وصولاً إلى فرنسا التي احتجزته في الرابع والعشرين من أغسطس عام 2024، متهمةً إياه بعدم التعاون مع السلطات والتواطؤ غير المباشر مع المجرمين، باعتبار أن التطبيق يُعد مأوى لتجار البشر والقتلة والمهربين. ولم تكتفِ فرنسا باحتجازه للتحقيق لعدة أيام، بل فرضت عليه قيودًا تمنعه من مغادرة أراضيها، ليبقى تحت أنظار القضاء في خطوة إضافية للضغط عليه.
ورغم أن لدى هذه الدول بعض الصحة في كلامها، إلا أن دوروف يجيب على كل هذا بأنه غير مسؤول عن سلوك الأفراد، وأن على الدول محاسبة المجرمين بدلًا من اتهام المنصة، مضيفًا أنه يحظر عشرات القنوات الضارة يوميًا، ومذكراً إياهم بأن للدولة الحق في حظر التطبيق على أراضيها إن لم ترغب فيه، رغم اشارته مرات عديدة إلا ان أول من سيجد طريقا آخر هم المجرمون، والمتضرر الوحيد هو المواطن اذا حدث وأن استغلته إحدى السلطات السيئة وهذا ليس ببعيد.
ومع استمرار الضغوط القضائية، اضطر دوروف لتقديم تنازلٍ تكتيكي حذر، حيث وافق على تسليم عناوين IP وأرقام هواتف المستخدمين المشتبه بهم، بشرط تلقي طلب قضائي قانوني ورسمي مُسوَّغ، مع إصراره الرافض تمامًا لفكرة تسليم محتويات الرسائل نفسها.
وقد أثار في تصريحاته وخطاباته الأخيرة ضجة كبيرة بسبب انتقاداته اللاذعة للجميع؛ بدءًا من الأنظمة الاستبدادية في الشرق، مروراً بدول الغرب كفرنسا وألمانيا التي رأى أنها أصبحت تمارس نفس أساليب القمع بعد أن كانت وجهة للأحرار، معلنًا عما أسماه «المقاومة الرقمية».
ومن خلال مطالعاتي لأخبار بافيل دوروف، اخترت تسميته «المدافع الأخير عن جدار الخصوصية»؛ ليس لأنه الوحيد، فتوجد تطبيقات مثل Signal تملك أنظمة حماية أكثر تعقيداً، غير أنني اخترت دوروف بسبب القاعدة الجماهيرية الهائلة التي يملكها.. وهذا بالتحديد هو سبب استهداف الدول له أيضاً.
❤1
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
الطريق المظلم:
في نهاية القرية التي أعيش فيها يقبع منزلنا الهادئ، أو ربما في البداية؛ يعتمد الأمر على المكان الذي أتيت منه.
في أمامه يوجد طريق واحد ترابي وطويل، تمتد على يساره مساحات وأراضٍ زراعية لا نهاية لها، الأنهار والطيور والهواء تجعل الوقت يتوقف عندما أسير فيها، لطالما مشيت فيها كل يوم تقريبًا من النهار... وعلى يمين الطريق تناثرت المنازل المتباعدة بحرية وراحة، تتخللها أعمدة الكهرباء وبعض الأشجار حول كل بيت تقريبًا، أعجبني السير فيها عندما يحين الليل، فخلوها من الناس في الأوقات المتأخرة يجلب السلام لقلبي... لطالما فعلت ذلك... رغم أنني لا أسير فيها أكثر من الجانب الآخر...وحدث في إحدى المرات أن خرجت في ليلة شتاء باردة، اختفى فيها القمر خلف الغيوم الكثيفة، ورائحة الهواء المحمل بالمطر تثير رعشة غريبة تُظهر على شفتي ابتسامة خافتة.
وانتهت جولتي بعد نصف ساعة، رجعت فيها وأنا أنظر إلى المصابيح المتفرقة تارة، وتارة أخرى إلى السماء والطريق، حتى وصلت إلى باب المنزل، وهناك لمحت في إحدى الظلال والدي يتكئ على الحائط وهو يدخن سيجارته ببطء، وناداني لأقترب منه. سألني أين كنت وهو يتجه نحوي، فقلت له: كنت أتمشى قليلاً، وساد الصمت لحظات، حاول فيها لمح عينيّ ليتأكد إن كنت صادقًا في كلامي، وأخذ نفسًا من سيجارته بعدما تأكد، وقال: "أترى هذا الطريق المظلم؟" فعل ذلك وهو يشير بإصبعه إلى الطريق الفارغ، وأكمل: يمكنك الذهاب فيه الآن ولا تعد حتى الصباح، لكن لا تمشِ في القرية متأخرًا.
❤1
محظوظ، وجد العمق في كلمة "انطفأت".
❤1
هل مرت عليك هذه العبارة من قبل: "ثم إنني أحترق، ليس كما يحترق الموتى"؟ ظهرت في رأسي فجأة، ثم ما لبثت تتردد في ذهني عشرات المرات، ثم مئات، فالآلاف... وحاولت بدايةً فهم معناها، وبدا لي أن "ثم إنني أحترق" لا تحتاج الكثير من التأمل، فالرجل يحترق معنويًا كان يقصد أو ماديًا، لكن ماذا يعني "ليس كما يحترق الموتى"... ما هو احتراقهم أساسًا، ولماذا ينفي عن نفسه هذا الأمر، أليس كلاهما نفس الشيء... خُيّل لي أنه يتعالى بألمه على الموتى، أو أن احتراقه نادر ومميز، كملاك تعشق شيطانًا.
يكاد الأمر يصيبني بالجنون، حتى إنني حلمت به في الليلة الماضية. بدأ عندما كنت في غرفة مظلمة دون أبواب أو نوافذ، وفي الخارج أصوات خفيفة تردد تلك الكلمات بحناجر مبحوحة، وأنا اكتفيت بالجلوس، حتى راحت الغرفة تتقلص ببطء، والهواء ينحسر، حينها هممت بالنهوض وتوجهت نحو الجدار، وصرت أضربه بينما أصرخ، ولا أذكر كلماتي حينها، غير أنني أعلم أنه لم يكن لها أثر، عكس ركلاتي التي أحدثت ثقبًا في الجدار، ثقبًا صغيرًا لا أعرف كيف حشرت فيه نفسي.
وفي الخارج كان أول ما وجدته رجلًا ممددًا في بركة من الوحل والمجاري، يتلفظ وهو مغمض العينين: "ثم إنني أحترق، ليس كما يحترق الموتى"، ثم رجل آخر، طوله يتعدى ثلاثة أمتار، ورأسه يحترق ويردد نفس الكلمات، ومجموعة قدمت من بعيد يرتدون ملابس بيضاء، وأيديهم مقطعة، وأصواتهم متباكية، كعجوز ترجو ابنها الوحيد ألّا يذهب للحرب.
وبينما مروا من خلالنا، خرج الممدد في الوحل وتبعهم، وكذلك فعل الرجل الطويل، وأخيرًا أنا. كلنا نسير دون ضجيج، ولا يخرج سوى كلماتنا، حتى وصلنا إلى قبور على نفس أعدادنا، وتمدد كلٌّ في قبره، وانْهال التراب علينا، وهناك هدأ قلبي للحظات، ورحت أغمض عيني طوعًا، وهممت بالنوم، لولا أن اختفاء الأصوات أثار قلقي وأفزعني، فرحت أبعد التراب عني وخرجت راكضًا وأنا أردد: "ثم إنني أحترق، ليس كما يحترق الموتى".
❤2