وإذا كان النَّاسُ يحرصون على فهم الكتب المؤلَّفة في علوم الدُّنيا كالطِّب والهندَسَة، ونحوهما، فلا يكتفون بمجرَّد قراءتها، بل يجتهدون في فهمها على أكمل وجْهٍ؛ ليتمكَّنوا من الانتفاع بمعانيها، فكيف الأمرُ بكتابِ اللّٰه العظيم الذي أنزَلَهُ رحمَةً وشفاءً وهدايةً وصلاحاً للعِباد؟!
- التّبيان شرح أخلاق حملة القُرآن (صـ٢٧).
- التّبيان شرح أخلاق حملة القُرآن (صـ٢٧).
"يا أمَّ سلمةَ، لا تؤذيني في عائشةَ"..
تأتلِف الأرواح حين يسقيها الودّ الصَّادق، فلا يعُود الأذى أثراً يمرّ على مَن عاشَهُ فحسب، بل يمضي إلى قلب من يحبّه ويأنس بهِ، ومن رِقّة المحبة وصدق الأُلفة أن يبلغ المَرء منزلةً يحذر فيها على خاطر محبوبه كمَا يحذر على نفسه؛ فيراه كزُجاجةٍ رَقيقة، تؤلِمُها القَبضة الشّديدة، وتكدّر صفوها النَّبرة الجافية، حتى كأن بين القلوب عهداً خفيّاً أن تدفع عن بعضها مواطن الألم، وأن تحمل عنها من الأذى ما استطاعت!
فمن ذَاق هذهِ الأُلفة، علم أنَّ ما يُصيب المحبوب لا يبقى عند حدود قلبهِ وحده، بل يمتدّ أثره إلى نفس المُحِب، فيُقلق سكينتها، حتّى وإن لم يشعر الآخر بِذَلِك!
أُحاذرُ أن يلقى الأحبَّة عاذلٌ
فيَجرَحَ منهُم بالملامةِ خاطِرا!
تأتلِف الأرواح حين يسقيها الودّ الصَّادق، فلا يعُود الأذى أثراً يمرّ على مَن عاشَهُ فحسب، بل يمضي إلى قلب من يحبّه ويأنس بهِ، ومن رِقّة المحبة وصدق الأُلفة أن يبلغ المَرء منزلةً يحذر فيها على خاطر محبوبه كمَا يحذر على نفسه؛ فيراه كزُجاجةٍ رَقيقة، تؤلِمُها القَبضة الشّديدة، وتكدّر صفوها النَّبرة الجافية، حتى كأن بين القلوب عهداً خفيّاً أن تدفع عن بعضها مواطن الألم، وأن تحمل عنها من الأذى ما استطاعت!
فمن ذَاق هذهِ الأُلفة، علم أنَّ ما يُصيب المحبوب لا يبقى عند حدود قلبهِ وحده، بل يمتدّ أثره إلى نفس المُحِب، فيُقلق سكينتها، حتّى وإن لم يشعر الآخر بِذَلِك!
أُحاذرُ أن يلقى الأحبَّة عاذلٌ
فيَجرَحَ منهُم بالملامةِ خاطِرا!
فليسَ لِمَن قد فُتِن بفتنة دواءٌ مثل الصَّبر، فإن صبر كانت الفِتنة مُمحّصة له، ومخلّصة مِن الذُّنوب، كما يُخلِّص الكير خبث الذَّهب والفضة.
فالفِتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصَّادق من الكاذب: قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}، فالفتنة قسّمت النَّاس إلى صادقٍ وكاذبٍ، ومؤمن ومُنافق، وطيّبٍ وخبيث، فمَن صبَر عليها كانت رحمة في حقِّه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في
فتنة أشد مِنها!
- تدبّرات ابن القيّم (صـ٣٠٨).
فالفِتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصَّادق من الكاذب: قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}، فالفتنة قسّمت النَّاس إلى صادقٍ وكاذبٍ، ومؤمن ومُنافق، وطيّبٍ وخبيث، فمَن صبَر عليها كانت رحمة في حقِّه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في
فتنة أشد مِنها!
- تدبّرات ابن القيّم (صـ٣٠٨).
لا يُراد بحمَلة القرآن من حَفِظُوا حروفَه حفظاً مجرَّداً عن الفَهم والعَمل، وإنَّما يُراد بهم: أهله عِلماً وعملاً، العَالِمُون بالقرآن، العَامِلون به، وأمَّا مَن أقام حروفَهُ، ولكنَّه أضَاع حدودَ القرآن، وأهملَ العمل به؛ فلا يكونُ من أهله.
وقد قال الله عن اليهود: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا}، أي: لم يَعمَلوا بها، فسَمَّى عدمَ العَمل بها عدَمَ حَملٍ لها، فعُرِف بذلك أنَّ الحَمَلَ لا يَكُون بمُجَرد حفظِ حُروفه مع تضييع حُدُوده؛ بل لا بُدّ من العمل…
قال الإمامُ ابن القيّم -رحمه الله- في تَقرير هذا المَعنى: "ولهذا كان أهلُ القرآن هم العَالِمُون به، والعَامِلُون بِما فيه، وإن لم يَحفَظُوه عن ظَهِرِ قَلب، وأمَّا من حفِظَه ولم يَفهَمه، ولم يَعمَل بمَا فيه فَلَيس من أهلِهِ، وإن أقَامَ حُرُوفَه إقامةَ السَّهم".
- التّبيان شرح أخلاق حملة القرآن (صـ٤٠).
وقد قال الله عن اليهود: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا}، أي: لم يَعمَلوا بها، فسَمَّى عدمَ العَمل بها عدَمَ حَملٍ لها، فعُرِف بذلك أنَّ الحَمَلَ لا يَكُون بمُجَرد حفظِ حُروفه مع تضييع حُدُوده؛ بل لا بُدّ من العمل…
قال الإمامُ ابن القيّم -رحمه الله- في تَقرير هذا المَعنى: "ولهذا كان أهلُ القرآن هم العَالِمُون به، والعَامِلُون بِما فيه، وإن لم يَحفَظُوه عن ظَهِرِ قَلب، وأمَّا من حفِظَه ولم يَفهَمه، ولم يَعمَل بمَا فيه فَلَيس من أهلِهِ، وإن أقَامَ حُرُوفَه إقامةَ السَّهم".
- التّبيان شرح أخلاق حملة القرآن (صـ٤٠).
مُؤنِـسة.
الدِّين الإسلامي كرّم المرأة لدرجة أنّ مَن أكرمها وتلطّف بها وعامَلها بالصّبر كَان مِن أكمل النّاس إيماناً!
فالرجل قد أعطاه الله تعالى رجاحةً في عقله، مقابل النقص في عقل المرأة، ليس ليفخر به، فهذا نقصٌ وحمق وسفه، بل ليُعْمِلَ رجاحة عقله مع ما نَقَصَ مِنْ عقلها؛ ليستعين به في علاج نقصها، وتعديلِ اعْوجاجها.
- بيوت تئنّ من المشاكل والخِلافات (صـ٥٨).
- بيوت تئنّ من المشاكل والخِلافات (صـ٥٨).
صبرٌ ووفاء من نوع آخر!
وهو الصَّبر على مرِّ الحياة الزوجية؛ وما يكتنفها في بعض الأحيان من ضروب الفقر والجوع والمرض وتحوّل النِّعمة ونحو ذلك مما تُصاب به البيوت ابتلاء من اللّٰه ورفعة في الدرجات وتطهيراً من الذنوب، فيظهر حينها جوهر الزوجة الصابرة، الزوجة التي تلزم زوجها في الحال البائسة كما لزمته في الحال المنعّمة، وتحفظ ودَّه في الضَّراء كما ذاقت حلاوته من قبل في السَّراء.
ولقد كانت زوج أيوب -عليه السَّلام- كذلك، بل ضربت أروع الأمثلة على الصَّبر، وذلك حين ابتُلي أيّوب بفقد المال والأهل والصحة بعد غنى وسعة واجتماع وصحة، قال تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّ مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} قال ابن كثير: "لم يبقَ من جسده مغرز إبرة سليماً سِوى قلبه، ولم يبق له من حال الدُّنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أنّ زوجته حفظت ودَّه لإيمانها بالله تعالى ورسوله؛ فكانت تخدم النَّاس بالأُجرة وتطعمه وتخدمه نحواً من ثماني عشرة سنة! وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة في الدُّنيا فسُلب جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أنْ ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها، ورفضَهُ القريب والبعيد سوى زوجته رضي اللّٰه عنها، فإنها كانت لا تفارقه صباحاً ومساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريباً".
- تفسير ابن كثير (٤٢٩/٦).
وهو الصَّبر على مرِّ الحياة الزوجية؛ وما يكتنفها في بعض الأحيان من ضروب الفقر والجوع والمرض وتحوّل النِّعمة ونحو ذلك مما تُصاب به البيوت ابتلاء من اللّٰه ورفعة في الدرجات وتطهيراً من الذنوب، فيظهر حينها جوهر الزوجة الصابرة، الزوجة التي تلزم زوجها في الحال البائسة كما لزمته في الحال المنعّمة، وتحفظ ودَّه في الضَّراء كما ذاقت حلاوته من قبل في السَّراء.
ولقد كانت زوج أيوب -عليه السَّلام- كذلك، بل ضربت أروع الأمثلة على الصَّبر، وذلك حين ابتُلي أيّوب بفقد المال والأهل والصحة بعد غنى وسعة واجتماع وصحة، قال تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّ مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} قال ابن كثير: "لم يبقَ من جسده مغرز إبرة سليماً سِوى قلبه، ولم يبق له من حال الدُّنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أنّ زوجته حفظت ودَّه لإيمانها بالله تعالى ورسوله؛ فكانت تخدم النَّاس بالأُجرة وتطعمه وتخدمه نحواً من ثماني عشرة سنة! وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة في الدُّنيا فسُلب جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أنْ ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها، ورفضَهُ القريب والبعيد سوى زوجته رضي اللّٰه عنها، فإنها كانت لا تفارقه صباحاً ومساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريباً".
- تفسير ابن كثير (٤٢٩/٦).
قاعِدة نفِيسة فِي التّربية!
مَنْ كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم؛ سطَا به القهرُ، وضيَّقَ عن النَّفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحُمِل على الكذب والخبث وهو التَّظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلَّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادةً وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدُّن وهي الحميَّة والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عِيالاً على غيره في ذلك، بل وكسَلت النَّفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السَّافلين، وهكذا وقع لكل أُمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العَسف!
- مقدمة ابن خلدون (صـ٤٦٣).
مَنْ كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم؛ سطَا به القهرُ، وضيَّقَ عن النَّفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحُمِل على الكذب والخبث وهو التَّظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلَّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادةً وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدُّن وهي الحميَّة والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عِيالاً على غيره في ذلك، بل وكسَلت النَّفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السَّافلين، وهكذا وقع لكل أُمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العَسف!
- مقدمة ابن خلدون (صـ٤٦٣).
أفضل المهور وأجلّها!
زوَّج النَّبي صلّى الله عليهِ وسلّم بعض أصحابه بما معه من القرآن، فقال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن"، وقد رضيت أُم سليم من أبي طلحة أن يكون مهرها دخوله في الإسلام، فقالت: "واللهِ يا أبا طلحة ما مثلك يُردُّ، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أنْ أتزوجك، فإن تُسلم فذاك مهري؛ وما أسألك غيره". قال ابن القيّم -رحمه الله-: "تضمَّن أنَّ المرأة إذا رضيت بعِلم الزوج وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها جاز ذلك، وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقُرآن والعلم هو صَداقها….، وهذا هو الذي اختارته أُم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة وبذلها نفسها له إن أسلم، وهذا أحب إليها من المال الذي يبذله الزَّوج، فإنَّ الصَّداق شُرِع في الأصل حقّاً للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم والدِّين وإسلام الزوج وقراءته للقرآن كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلِّها".
- زاد المعاد فِي هدي خير العِباد (٥/ ٢٤٨).
زوَّج النَّبي صلّى الله عليهِ وسلّم بعض أصحابه بما معه من القرآن، فقال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن"، وقد رضيت أُم سليم من أبي طلحة أن يكون مهرها دخوله في الإسلام، فقالت: "واللهِ يا أبا طلحة ما مثلك يُردُّ، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أنْ أتزوجك، فإن تُسلم فذاك مهري؛ وما أسألك غيره". قال ابن القيّم -رحمه الله-: "تضمَّن أنَّ المرأة إذا رضيت بعِلم الزوج وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها جاز ذلك، وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقُرآن والعلم هو صَداقها….، وهذا هو الذي اختارته أُم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة وبذلها نفسها له إن أسلم، وهذا أحب إليها من المال الذي يبذله الزَّوج، فإنَّ الصَّداق شُرِع في الأصل حقّاً للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم والدِّين وإسلام الزوج وقراءته للقرآن كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلِّها".
- زاد المعاد فِي هدي خير العِباد (٥/ ٢٤٨).
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
إِذا المَرءُ لَم يَزهَد وَقَد صبغَت لَهُ
بِعُصفُرِها الدُّنيا فَلَيسَ بِزاهِدِ!
بِعُصفُرِها الدُّنيا فَلَيسَ بِزاهِدِ!