قناة: محمد إلهامي
107K subscribers
2.24K photos
160 videos
124 files
3.44K links
باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية
Download Telegram
ويؤكد على كلامه هذا بأن الأمريكان قد استخدموا هذه الطريقة بعد الحرب العالمية الثانية، فتسلحهم الضخم هو الذي مَكَّنهم من إغراء الدول التي دخلت تحت مظلتهم، بحثا عن الأمان من الاتحاد السوفيتي، وبالتالي فقد دعمت هذه الدول وموَّلت عمليا آلة الاقتصاد الأمريكي الجبارة التي صارت بدورها تضخ مزيدا من قوة التسلح الأمريكي.

وهكذا، يجب على روسيا أن تفعل نفس الشيء، قوتها وتسلحها الكبير سيجعلها قادرة على إنشاء تحالفات مع اقتصاديات ناهضة، وهذا نفسه سيحل المشكلة الاقتصادية الروسية -فضلا عن المشكلة السياسية والعسكرية- لأن "السبيل الأسهل للحصور على كميات أوفر من السلع الجيدة" ليس هو تحويل الصناعات الحربية إلى صناعات مدنية، بل على العكس: إن بضع غواصات نووية يمكن أن تحمل إلى روسيا بلدانا بكاملها ذات اقتصاديات متطورة.

عزيزي القارئ المصري الذي يعيش في عصر السيسي: أعرف ما يدور في ذهنك، خط الجمبري والصوبات الزراعية وقاعات الأفراح ومصانع المكرونة :) .. حاول الآن أن تنسى هذه الحسرة، وتابع معي.

يقول دوغين بأنه حتى لو لم يكن أمام الجيش إلا أن يسلك طريقا من اثنين: التسلح على هذا المستوى العالمي، أو التسلح على المستوى التقليدي الذي يتمكن معه من حسم المعارك الأقل عالمية، فيجب عليه أن يبني نفسه وفق منهج التسلح العالمي، حتى لو أدى هذا إلى خسارة معارك مع دول أصغر مثل أوكرانيا أو أفغانستان.. بل حتى لو اضطرت روسيا للتنازل عن بعض المدن والمناطق والوصول إلى تسويات مهينة.. لماذا؟

لأن أي خسارة صغيرة تحدث الآن ستستطيع روسيا أن تستردها فيما بعد حين يكون تسليحها على مستوى القوة العالمية.. والدليل على ذلك أن أمريكا خسرت معارك صغيرة في فيتنام والصومال وأفغانستان، ومع ذلك لم يهتز عرش تفوقها العالمي، وبقيت سيدة النظام العالمي.

أليس هذا شرحا ممتازا يا جماعة الخير لحديث النبي ﷺ "وجعل رزقي تحت ظل رمحي"؟.. أليس هذا وصفا صريحا ومباشرا لأهمية القوة العسكرية في حل المشكلات الاقتصادية بتأمين الموارد الذاتية أولا، وجذب التحالفات ثانيا، وردع الأعداء ثالثا؟!

ساعتها، تداعت إلى ذهني فقرات من هنا وهناك، حتى خرجت من هذه القراءة وقد استقر عزمي على كتابة بحث، تصوَّرت أن يكون عنوانه "شرح الكُفّار لحديث النبي المختار" :)

كانت نيتي أن أقول: إن المعنى السليم والواضح والطبيعي لهذا الحديث أمرٌ لا يتحرج الناس من التصريح به، وحده المسلم المهزوم هو من يشعر في المعنى الصحيح بالعبء والأزمة..

ومن ساعتها، كنتُ إذا وقعتُ على فقرة في كتاب أو في تقرير، أخذتها جانبا، لتكوين هذا البحث المنشود!

ولما طال بي الزمن، وتراكمت علي الشواغل، وتراجعت الهمة، قررتُ هذه الليلة أن أضع هنا بعض ما توصلتُ إليه.. تاركا الباب مفتوحا لباحث آخر أن يأخذ هذه الفكرة فيبني عليها ويتوسع فيها بما فتح الله عليه.. فلا أكون حبست علما عندي، ولا حرمت نفسي من نفعٍ قد يعود علي بنشره، وعلى غيري إن توسع فيه.
من أبلغ ما في هذا المعنى، ما ذكره روبرت جيتس -وزير الدفاع الأمريكي الأسبق في مذكراته- من أن وزارة الدفاع الأمريكية هي المؤسسة الأضخم والأكثر تعقيدا على كوكب الأرض، وهي كذلك المؤسسة الأكثر إنفاقا والأعلى ميزانية!!

وكانت كونداليزا رايس -وزيرة الخارجية ومستشارة الأمن القومي الأمريكي، في مذكراتها- قد ذكرت أن ميزانية وزارة الدفاع تبلغ أربعين ضعفا ميزانية وزارة الخارجية!!

وسيبدو لك كلام رايس واضحا أكثر، إذا علمت أن آن باترسون -السفيرة الأمريكية السابقة في باكستان ثم في مصر إبان انقلاب السيسي- قالت في مقال نشرته (فورين سيرفيس جورنال، سبتمبر 2019) بأن الخارجية الأمريكية هي الأضخم من بين وزارات الخارجية عبر العالم، وأن البعثة الدبلوماسية الأمريكية في أي بلد هي الأكثر عددا والأفضل تمويلا، وأنه ما من دولة بمقدورها أن ترسل إلى دولة أخرى عددا ولا خبراء ولا مختصين كالذي تستطيع أمريكا إرساله!

إن هذا يشير بوضوح إلى أن المجال الأهم لضمان التفوق الأمريكي ذهب إلى التفوق العسكري والجيوش والأسلحة والمقاتلين، ولم يذهب إلى الصناعة ولا البحث العلمي ولا التطوير التقني ولا حتى إلى الدبلوماسية الذكية والسياسيين البارعيين!

إن كنت متعجبا، فلا تتعجب، سنترك التحليل والاستنتاج ونذهب إلى الأقوال الصريحة المباشرة:

فقبل أربعة وأربعين سنة أصدر هنري كيسنجر مذكراته الحافلة "سنوات البيت الأبيض"، ومن بين صفحات كثيرة تستحق أن تنقل هنا، خذ هذه الفقرة:

"على مدى التاريخ، يمكن القول أن النفوذ السياسي لدى الشعوب كان مرادفا لقوتها العسكرية... المهارة الدبلوماسية لا تستطيع سوى تنمية القدرة العسكرية لا أن تحل محلها. وفي آخر المطاف فإن الضعف يدعو دوما إلى التعدي، والنقص في القوة يؤدي دوما إلى التنازل عن القدرة السياسية".

وبعده بعام (1980م)، كان جيمي كارتر يقف أمام الكونغرس ليلقي خطاب حالة الاتحاد، (ونصه منشور على موقع كارتر)، ويقول: "ليكن موقفنا واضحًا تمامًا: أي محاولة من قبل أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج الفارسي ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد مثل هذا الهجوم بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية. خلال السنوات الثلاث الماضية، انضممت إلي لتحسين أمننا وآفاق السلام، ليس فقط في منطقة إنتاج النفط الحيوية في منطقة الخليج الفارسي ولكن في جميع أنحاء العالم. لقد عززنا سنويًا التزامنا الحقيقي بالدفاع، وسنواصل هذه الزيادة في الجهود طوال برنامج الدفاع الخمسي. من الضروري أن يوافق الكونجرس على ميزانية الدفاع القوية هذه لعام 1981، والتي تشمل نموًا حقيقيًا بنسبة 5 في المائة في التراخيص، دون أي تخفيض".
وقبل ثلاثة أعوام، نشرت كاثلين هيكس، وهي نائبة وزير الدفاع الأمريكي، وكانت نائبة لوكيل وزراة الدفاع في عهد أوباما، ورئيسة لمركز هنري كيسنجر للشؤون العالمية، والحاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية، والماجستير في إدارة الأعمال.. نشرت مقالا (فورين أفيرز، مارس إبريل 2020م)، تناقش فيه القائلين بضرورة خفض الإنفاق على الجيش الأمريكي، وتتناول المقترحات التي تشير إلى جوانب معينة ينبغي خفض الإنفاق عليها، ومن بين كلام كثير يستحق أن ينقل هنا بحروفه، قالت بوضوح: "القوات المسلحة تضمن للولايات المتحدة ازدهارها الاقتصادي وتقوّي تحالفاتها".

وذهبت تشرح بأن من مهمات الجيش الأمريكي "ضمان التدفق الحر للتجارة في المحيط الهادي"، (وكلمة التدفق الحر هذه هي الاسم الحركي اللطيف والمهذب لمعنى السيطرة والتحكم.. وسآتيك بعد قليل بكلام صريح غير دبلوماسي لمفكر استراتيجي أمريكي آخر)، وأن بقاء القوة الأمريكية متفوقة هو ما يضمن بقاء التحالفات والشركاء، ويعصمهم من الخطأ بالتفكير في إنشاء تحالفات أخرى، كما أنه يردع الخصوم من التمدد في مساحات اقتصادية أخرى، إضافة إلى ذلك فإن الشركات الأمريكية المنتشرة عبر العالم ستنكمش تلقائيا لأنها ستفقد مظلة الحماية التي كان يوفرها الجيش الأمريكي، ولن تكون مطمئنة حين تعتمد على المظلة الدبلوماسية والسياسية وحدها!

محمد إلهامي, [1/10/2023 3:00 AM]
تضيف كاثلين هيكس، بأن الأمر ليس لعبة سهلة، فلو أننا سحبنا قواتنا من الخارج، ثم وجدنا أنه كان قرارا خاطئا فلن يكون سهلا أن نعود مرة أخرى بعد أن تكون خرائط التحالفات وأوضاع الخصوم قد تغيرت!

ثم تلفت نظر القائلين إلى حقيقة خطيرة، تقول: ولا تقلقوا، فإن القوات الأمريكية المنتشرة في البلدان الأخرى إنما يجرى الإنفاق عليها من هذه البلدان، وإذا جئنا بهذه القواعد الأمريكية إلى أرضنا فسنتحمل نحن عبء الإنفاق عليها! فبقاؤهم في الخارج هو الأرخص والأقل كلفة!

حديث الشركاء والتحالفات هذا أشار إليه بوضوح، ملخص استراتيجية الدفاع الأمريكي (لعام 2018)، والذي نشرته وزارة الدفاع الأمريكية على موقعها، فقد جاء فيه أن حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها، يوفرون لها مزايا استراتيجية في زمن السلم والحرب، لا يمكن مقارنتها بأي منافس آخر، فهم يزدادون يوميا، ويشتركون معها في الحروب، ويحملون معها عبء تحقيق الأمن، والوصول إلى مناطق حرجة، والحصول على معلومات حساسة، وهذا كله يؤدي إلى استقرار طويل وإلى ازدهار اقتصادي، ومن هنا فإن الوزراة تعمل على ثلاثة محاور لتمتين هذه التحالفات وزيادة هؤلاء الشركاء.

ونختم مع جورج فريدمان، المفكر الاستراتيجي المعروف، مؤسس ومدير ستراتفور، والرجل الذي يمكن القول بأنه الأكثر صراحة من بين هؤلاء الأمريكان، ولذلك فإن الكلام الذي يجتهد غيره لصياغته بأسلوب لطيف، يكون عنده هو في غاية الوضوح والصراحة..

صاحبنا هذا أصدر كتابه "المائة عام القادمة" عام 2009م، والكتاب صار مترجما ومتاحا على الانترنت، وهو من أهم الكتب التي يجب أن يقرأها المهتمون بمصير هذا العالم.. ولأن الرجل صريح للغاية، فسأتركك عزيزي القارئ مع عبارات قصيرة تخيرتها لك، أرجو أن تنجح في تحفيزك على قراءة الكتاب نفسه:
 "هناك العديد من الأجوبة على السؤال المطروح حول السبب الذي يجعل الاقتصاد الأمريكي على هذه الدرجة من القوة؛ لكن أكثر الأجوبة بساطة على هذا السؤال يكمن في القوة العسكرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة"

 "يسيطر الأسطول البحري الأمريكي على كافة محيطات العالم. كل ما يطفو على الماء هو تحت بصر الأقمار الصناعية الأمريكية في الفضاء، كما أن حرية حركتها أو منعها عن الحركة تخضع لإرادة البحرية الأمريكية. إن جميع قوى البحرية في العالم مجتمعة، لا تعادل أو حتى تقترب من قوة البحرية الأمريكية... وهذا يعني في نهاية المطاف أن الولايات المتحدة تسيطر على التجارة العالمية، وأن قوتها البحرية هي الأساس المُكوِّن لأمن الولايات المتحدة وثروتها... وتُشَكِّل الآن الوجه الآخر للقوة الاقتصادية الأمريكية التي تعتبر أساس ومنطلق قوتها العسكرية"

 "إذا أوقفت الولايات المتحدة الصادرات الصينية إليها أو فرضت عليها تعريفات جمركية... فإن الصين سوف تواجه عند ذاك أزمة اقتصادية خانقة... من الصعب التنبؤ بما قد تقوم به الدول عندما تواجه كوارث أو صعوبات اقتصادية. يمكن في مثل هذه الحال أن تصبح عدائية... ولكن من الناحية العسكرية تستطيع الولايات المتحدة إغلاق كافة الممرات البحرية إلى المحيط الهادي متى شاءت... لن يكون بإمكان دول شرق آسيا أن تواجه بشكل مؤثر التحرك العسكري أو الاقتصادي الأمريكي"

 "هناك اختلال هائل في موازين القوى ... فالتهديد في فرص عقوبات من قبل الولايات المتحدة على الصين مثلا، تسعى من خلاله الولايات المتحدة إلى تقليص حجم الواردات الصينية من البترول، يصيب المصالح الوطنية الصينية في الصميم. وبالتالي، يتوجب على الصينيين استخدام قوتهم الاقتصادية المتصاعدة لتطوير خياراتهم العسكرية ضد الولايات المتحدة... قامت دول منطقة غرب المحيط الهادي طوال الأعوام الخمسين الماضية بزيادة قوتها الاقتصادية بصورة دراماتيكية، لكنها لم تفعل الشيء ذاته فيما يتعلق بقدراتها العسكرية؛ وهذا الخلل في التوازن أدى إلى جعل شرق آسيا منطقة غير محصنة. ولذا، فلن يكون أمام كل من الصين واليابان سوى محاولة زيادة قدراتهما العسكرية في القرن القادم، وهو ما سترى فيه الولايات المتحدة تهديدا محتملا لسيطرتها على غرب المحيط الهادي. سوف تفسر أي تحرك دفاعي على أنه خطوة عدائية"

وبعد هذه الوجبة الصريحة للغاية، هل ما زال ثمة شك في أن ظل الرمح هو الذي يستظل به الرزق؟! وأن ظل الرمح هذا يأتي بالرزق ولو لم يتحرك أو يُستعمل؟! إن مجرد الظل الذي ينشره الرمح يأتي بالتحالفات والشركاء، ويردع الخصوم والأعداء، ويحمي الموارد والإمكانيات!

ومهما بذل المرء جهده في تكوين الرزق، ومهما بذلت الأمة جهدها في تنمية الاقتصاد، فإن هذا كله يتحول إلى هباء منثور إذا خلا من قوة قادرة!
لك أن تتخيل الآتي:

اندلاع الثورة 2011 + سنة ونصف من حكم العسكر في ظل الثورة + سنة الشهيد #مرسي في ظل ثورة مضادة = انخفاض الجنيه أمام الدولار من 5.83 إلى 7.03!

بينما سنوات #السيسي_عدو_الله أخذت الجنيه من 7.03 إلى 32 جنيه!!

إذا دققنا في التفاصيل ستكون الصورة أكثر بشاعة.. فالنصيب الأكبر من انهيار الجنيه في فترة الثورة كان على يد عصابة العسكر الذي كان السيسي واحدا منها.. إذ أسرفوا في سحب الاحتياطي الأجنبي!

بينما محاولة التوازن لهذا الانهيار كان في عهد الرئيس مرسي، وكانت محاولة في حكم المستحيل في ظل العقوبات الخليجية غير المعلنة، ومؤامرات الدولة العميقة، وسياسات رجال الأعمال المجرمين (الذين عاقبهم الله بالسيسي فيما بعد)، وفي ظل النهش اليومي للإعلام السافل المنحط.

وأما السيسي فقد انهمرت عليه الأموال من المنح والقروض، وحكم بقبضة من حديد تفانى له فيها عناصر النظام ورجال الأعمال وأنظمة الخليج والإعلام المنحط والقضاء السافل، والنظام العالمي كله.

لكن ليس هذا هو المقصود الآن، لا تهمني الآن المقارنة بين مرسي والسيسي.. فهذه مقارنة لا يحتاجها من كانت عنده ذرة من عقل أو من شرف!

الصحيح الآن هو أن نقارن بين الفوضى وبين حكم الطاغية الجبار.. إنها لحظة ممتازة لنفهم فيها كيف أن زمن الفوضى وضعف السلطة الحديثة أفضل من زمن القبضة القاهرة والطغيان المجرم.

إنها لحظة نفهم فيها كيف أن الله تعالى أنعم على عباده بنعمة التدافع، أي: نعمة المقاومة، نعمة الكفاح.. وجعل الله هذه النعمة أحسن للناس من (استقرار) الظلم.

قال تعالى
{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}
{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا}

ولهذا حذّر الله عباده من ترك هذه المقاومة وترك هذا الجهاد.. وجعل هذا الترك هو نفسه الهلاك.. فقال تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}.. ونزلت هذه الآية بعد أن قال جماعة من الأنصار: قد أقام الله أمر هذا الدين، فهلموا نرجع فنصلح من أرضنا وزرعنا!!

ما تحياه الأمة في عصرنا هذا ليست هي الفوضى التي حذر منها علماؤنا عبر التاريخ، وقبلوا لأجلها حكم المتغلب المسلم باعتباره أدنى الضررين وأقل المفسدتين.

الأمر الآن ليس هكذا، ما يحصل في الأمة الآن هو حكم الاحتلال الأجنبي الكافر الذي يطارد الدين، وهؤلاء الحكام عندنا هم عملاؤه وصنائعه ورجاله، ودورهم هو حماية مصالح الغرب وضمان تدفق مواردنا إليه، وضمان بقائنا عبيدا لديه، وضمان مطاردة ديننا وهويتنا التي تحفزنا على مقاومته ودفعه.

ولذلك ينزل الاحتلال بنفسه وخبرائه ومبعوثيه ثم بجيوشه إذا تهددت هذه الأنظمة!

كلام طويل ومكرر، قلته كثيرا جدا حتى صار مملا، لكن ومع ذلك، فهذه نفسها لحظة هي دليل جديد على هذا الوضع.. سنتان ونصف من الثورة وضعف السلطة إلى حد ما، كانت أحسن حالا بما لا يقارن من تسع سنوات من استقرار السيسي وطغيانه!!

ولا زال الله يقيم حجته على العباد، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة.
مع كل هذه المصائب، تجد #السيسي_عدو_الله يخرج كل يوم في مؤتمر ما يضحك ويهذي كأنه سكران مخمور!!

مشهد ينتزع الدهشة والضحك لفرط مرارته وقسوته، تذكرتُ معه هذه القصة الحقيقية، التي رواها الشيخ فايز الكندري -المعتقل السابق في جوانتانامو- في كتابه!

الكارثة أنه يقود 100 مليون من البشر!
#الأندلس
"السياسة والحضارة"

١_ الفيلسوف الفرنسي الكبير جوستاف لوبون :
" أتمَّ العرب فتح إسبانيا بسرعة مدهشة؛ وذلك أن المدن الكبيرة سارعت إلى فتح أبوبها للغزاة ، فدخل الغزاة قرطبة ومالَقة وغرناطة وطُلَيْطِلة صلحاً تقريباً .. وأحسن العربُ سياسةَ سكان إسبانيا ،كما أحسنوا سياسة أهل سوريا ومصر، فقد تركوا لهم أموالهم ،وكنائسهم ،
وحقَّ المقاضاة إلى قضاة منهم ولم يَفْرَضوا عليهم سوى جزية سنوية تبلغ دينارًا عن كلِّ شريف ونصف دينار عن كل مملوك ،في فرَضِيَ سكان إسبانيا بذلك طائعين ،وخضعوا للعرب من غيره مقاومه.

٢_ الباحث الإسباني بدرو شلميطا :
لقد كانت الأندلس بالنسبة إلى سكان الممالك النصرانية الشاملة من شبه الجزيرة الأيبيرية قطعة من الجنة وأرض المعاد.

٣_ جوستاف لوبون :
لم يَكَدِ العرب يُتِمُّونَ فتح إسبانيا حتى بدؤوا يقومون برسالة الحضارة فيها ؛ فاستطاعوا في أقلَّ من قرن أن يُحْبُوا مَيت الأرضين ،ويُعَمِّروا خراب المدن ، ويُقيموا فخم المباني ،ويُوَطِّدُوا وثيق الصلات التجارية بالأمم الأخرى ،ثم شرعوا يتفرَّغون لدراسه العلوم والآداب،
ويُتَرْجمون كتب اليونان والاتين ، ويُنْشِئُون الجامعات التي ظَلَّتْ وحدها ملجًا للثقافة في أوربا زمنًا طويلًا، هكذا قال الفرنسي جوستاف لوبون.

٤_ الإسبانبة مارجريتا جوميز:
أعطى الإسلام _الذي كان قد خلق توافقًا واندماجًا بين حضارتين متضادتين باستناده على فكره الكوني (العالمي) ،وَصِفَةِ التسامح المفهومه الديني ،وباعتماه على قدرته الهائلة في التمثل والأبداع ،وميله المتميز إلى التجريب والاختبار _ثمارًا عظيمة في بلاد الأندلس ،التي شهدت أهم اندماج عرقي وحضاري بين الشرق والغرب ،وكانت قرطبة في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي _أيام خلافتي عبد الرحمن الثالث والحكم الثاني _ عاصمة الإسلام السياسية الأكثر سطوعًا في ذلك الوقت، والأكثر تحضرًا في أوربا.

٥_ المستشرق الأمريكي _لبناني الأصل _فيليب حتى :
سطرت الأندلس فصلًا رائعًا في التاريخ الفكري للعصور الوسطى الأوربية ،فبين منتصب القرن الثامن ومطلع القرن الثالث عشر _حسبما تَقَدَّم _كانت الشعوب العربية اللسان في مُقَدَّمة من حمل مشعال الثقافة والمدينة في العالم قاطبة،وبواسطة جهود هذه الشعوب أيضًا تسنَّى لعلوم الأقدمين وفلسفتهم أن تعود إلى أوربا مشروحة ومضافًا إليها، فسَهَّل هذا السبيل لنشوء عصر النهضه في أوربا الغربية .

٦_ جوستاف لوبون
«شأن العرب المدني لم يَبْدُ في قُطْر ملكوه كما بدا في إسبانيا ، التي لم تكن ذات حضارة تُذْكَر قبل الفتح العربي ، فصارت ذات حضارة ناضرة في زمن العرب ثم هبطت إلى الدَّرْك الأسفل من الانحطاط بعد جلاء العرب »

7_ الزعيم الهندي جواهر لآل نهرو:
إن حكم العرب لأجزاء من إسبانيا مدة ٧٠٠سنة أمر يدعو إلى الإكبار،
ويزيدنا إكبارًا لهم تلك المدنيَّة الرفيعة والثقافة العربية الراقية ، التي وصفها أحد المؤرخين بقوله:«لقد نظم المغاربة مملكة قرطبة العظيمة ، التي كانت مفخرة العصور الوسطى ، والتي حملت نبارس العلوم والحضارة الزاهرة على العالم الغربي ، الذي كان مغمورًا في الجهل والوحشية».

#في_أروقة_التاريخ
https://t.me/altaarikh55
قال طاووس لابنه:

يا بني: صاحب العقلاء تُنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجُهَّال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم.

قلتُ:

من أهم علامات فهم الشخصية في عصر التواصل الاجتماعي أن تنظر في قائمة أصدقائه والذين يتابعهم.
#الأندلس
الاقتصاد
٨_ الباحث الإسباني بدور شلميطا:
«إذا أردنا فعلاً معرفة درجة غنى الأندلس وأهميتها ، فجيب أن نتذكَّر أن اقتصادها كان قد قام على الاكتفاء الذاتي ، وأن نموَّها دام ثلاثة قرون ، لقد كانت الاندلس قادرة في سنة (٤٠٠ه_١٠٠٩م)، وحتى ٧٥ سنة إضافية على أن تدعم وتُمَوِّل [ دون إرادة منها] نموَّ مجموعة اجتماعية أخرى ، طفيلية وأجنبية: هي الدولة النصرانية الشمالية ، ليس من دليل أفضل من ذلك لحقيقة الاقتصاد الأندلسي وأهميته»

٩_ ففي جانب السياحة والخدمات يقول جون برند تراند:
«إن قرطبة التي فاقت كل حواضر أوروبا مدنيةً أثناء القرن العاشر كانت في الحقيقة محطَّ إعجاب العالم ودهشته ، كمدينة فينسيا في أعين دول البلقان ، وكان السياح القادمون من الشمال يسمعون بما هو أشبه بالخشوع والرهبة عن تلك المدينَة التي سبعين مكتبة ، وتسع مئة حمَّام عمومي ، فإن أدركتِ الحاجةُ حُكَّام ليون أو النافار أو برشلونة إلى جَرَّاحٍ، أو مهندس ، أو معماري ، أو خائط ثياب ، أو موسيقى فلا يتَّجِهُون بمطالبهم إلَّا إلى قرطبة »

١٠_ وفي جانب الزراعة تقول الباحث الإسباني إكسبيراثيون جارثيا سانشيز:
«لقد أشَّر وصول العرب إلى شبه الجزيرة الأيبرية بداية أعمق وأكبر تطوُّر عرفته الزراعة في هذه البقعة التي كانت قد آلت إلى حالة من التخلف والكساد في السنين الأخيرة لحكم القوطيين الغربيين »

١١_ وفي جانب الصناعة تقول ما رجريتا جوميز:
« واشتغل المسلمون في إنتاج الحرير والورق ، وقد اكتسب هنا من الصينيين ، وكان هذا ثورة في ازدهار الاقتصاد الصناعي للمنسوجات والكتب ، التي بلغ إنتاجها مستويات عالية من الرقي ، إلى درجة أن بعض تلك الأنسجة الحريرية الموشَّاة والمخطوطات المنمَّقة بالصور الملونة ما تزال تُحْفَظ حتى الآن في متاحفنا ، كما تُحْفَظ الجواهر والأحجار الكريمة ».

#يتبع
#في_أروقة_التاريخ
https://t.me/altaarikh55
جاءني هذا الصباح بنبأ كئيب، ذلك هو: اعتقال الشيخ صالح الشامي المقيم بالسعودية، وهو شيخ ناهز التسعين من العمر!!

لا أدري بعد أسبابا تفصيلية لهذا الاعتقال، لكننا في زمان صار اعتقال العلماء فيه عادة، وهو في مكانٍ لا يُستغرب فيه الإجرام!

والشيخ صالح الشامي أحد أغزر المعاصرين إنتاجا، فقد جاوزت مؤلفاته مائة كتاب على أقل تقدير!

والشيخ ممن عنى بالسنة النبوية وله بها اهتمام كبير، وما من باحث في السنة إلا ومرَّ على كتابه "الجامع بين الصحيحين" في مجلدين (وهذا الكتاب لجودته، سرقه عائض القرني، ونشره باسم "الصحيحان" حتى حُكِم عليه وثبتت سرقته، فاعتذر ولم يكرر طباعته).. ومن نظر في هذا الكتاب علم دقة الشيخ واجتهاده في استخلاص هذا الكتاب من الصحيحين على أخصر صورة وأضبطها.

ثم له بعد ذلك كتابه "معالم السنة النبوية" (3 مجلدات) الذي حاول فيه أن يجمع في ذهن القارئ المعاصر غير المتخصص أصح أحاديث السنة النبوية!

وهذان هما أشهر كتبه.. وكلاهما لا يمثل سوى رأس الجبل البارز لحياة طويلة مع السنة، وتقريب لكتبها وجمع لأصولها كما فعل في تقريب خدمة مسند أحمد وكتابه "جامع الأصول التسعة"..

حتى لقد أصدر مذكراته -أو شبه مذكراته- بعنوان "رحلتي في ظلال السنة".

ورأيت له في السيرة ثلاثة كتب على الأقل: من معين السيرة، والسيرة النبوية، وأهل الصفة بعيدا عن الوهم والخيال..

ثم له، بالإضافة إلى ذلك، اهتمام بتراث الإمام ابن القيم، جعله في سلسلة بعنوان "تقريب تراث ابن القيم"، صدرت في عشرة أجزاء أو أكثر.

وله اهتمام آخر بتراث التزكية والرقائق، فقد هذّب الحلية للأصفهاني، والإحياء للغزالي، والمدارج لابن القيم، وجمع مواعظ الصحابة، ومواعظ الحسن البصري وابن المبارك وسلمة بن دينار والشافعي وابن تيمية... وغيرهم.

وله كتب في التراجم كذلك لا ينساها له من كان يتابع سلسلة أعلام المسلمين التي كانت تصدرها دار القلم.. فهو الذي كتب كتاب الغزالي وابن القيم

ومن طالع قائمة كتبه شهد للرجل بمكانته.

وأتذكر أن أول كتاب قرأته له كان هو "الجمال في الإسلام"، كان ذلك قبل نحو خمسة عشر عاما، وكان الحديث عن هذا الموضوع في ذلك الوقت قليل نادر!.. ثم قرأت له بعدها كتابه "الفن الإسلامي التزام وإبداع" في ذات السياق.. وله في مجال الجمال كتب أخرى رأيت عناوينها ولم أقرأها.

تحاصرني الأفكار والكلمات، ولا أدري ماذا يمكن أن ألتقط منها.. ولكن الخلاصة الدائمة والسؤال الدائم: كيف لمثل هذا أن يُعتقل؟!

أي عقل شيطاني هذا الذي يتصرف في بلادنا حتى كأنه يريد اجتثاث الكفاءات منها، ثم هو ذاته الذي يصنع كل غريب وعجيب لاجتذاب الفساق والعاهرات إليها؟!

هل هكذا يُكرَّم الذين أهلكوا أعمارهم في خدموا سنة النبي، وفي ديار النبي نفسه؟! هل هذا ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يا من لم تكن لكم شرعيةٌ في بلاده إلا أن زعمتم أنكم تتبعونه وتقومون على خدمة مسجده وزواره وتراثه؟!

كل الكلام معاد مكرور.. وكل الأمور معروفة ومكشوفة.. وما هي إلا أيام حتى يأتي عقاب الله، إن لم يأتِ في الدنيا علينا جميعا، فسيأخذ الله إليه أولئك المجرمين فردا فردا.. وساعتها "ولات حين مناص"!!
هذا السؤال المبارك، هو الذي فجَّر طاقة الشيخ صالح الشامي -فك الله أسره- فانهمر بعدها في مشروعه العظيم "مشروع تقريب السنة النبوية"..

تلك من المواقف الصغيرة التي تغير حركة العلم والتاريخ!

من كتابه "رحلتي في ظلال السنة النبوية"

ولن تزال بخير، ما كنتَ في صحبة صالحة، والعكس صحيح.
هذه خلاصة رحلة حديثية متميزة، للشيخ صالح الشامي -فك الله أسره- صاحب مشروع "تقريب السنة النبوية".

وهذه الإحصائيات نموذج من الكنوز التي توجد في كتب المذكرات، فإنه قد وضعها بعد سرده الموجز لرحلته في مشروعه، في كتاب "رحلتي في ظلال السنة النبوية"، حيث أوضح فيه مراحل عمله في هذا المشروع، الذي هيأه الله له عن غير تدبير منه!

هذه الإحصائيات شديدة الأهمية قد لا يظفر بها الباحث -وبمثل هذه الدقة- في كتب متخصصة، ثم يظفر بها في قد لا يُلتَفَت إليه!

غرضي من وضعها هنا ثلاثة أمور:

1. التنبيه إلى الشيخ وكتابه ومشروعه، لا سيما وقد جاء الخبر باعتقاله في السعودية بالأمس، وهو الآن قد ناهز التسعين من عمره.. فلا تنسوه من دعائكم، ولا تنسوا المجرمين الظالمين من الدعاء عليهم.

2. التنبيه إلى هذه الإحصائيات نفسها لأني أعلم حاجة الكثيرين إليها، سواء في ذلك طلاب علم الحديث، وغيرهم.

3. تكرار التنبيه إلى أن مذكرات العلماء فيها زبدة رحلاتهم وخلاصات حياتهم، وفيها من الفوائد ما ينفع الطالب في العلم، فوق ما في هذه المذكرات مما ينفع الطالب في الحلم والأدب والصبر وعلو الهمة، وما في سيرتهم من لطيف تدبير الله لعباده وتصريفه لشؤون الناس.
لكم وددت أن تكون كتابتي عن مذكرات الشيخ صالح الشامي في حالٍ أحسن من هذا!

إنني أكتب الآن في ظل خبر اعتقاله -المنشور بالأمس- على يد السلطات السعودية، مما يجعل الكلام مصبوغا بحالته، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

ما أشد الشبه بين حياة الشيخ وبين هذا الكتاب!!

تأمل هذا:

جاءه سؤال من ابن أخيه يطلب منه كتابة عمله في مشروع "تقريب السنة النبوية".. فتدفق منه هذا الكتاب، الذي أجاب فيه على السؤال، ثم استطرد ليذكر بقية مؤلفاته خارج مشروع "تقريب السنة" وظروف كتابتها ونبذة عنها، ثم ختم الكتاب بموجز مختصر للغاية من سيرته الذاتية.

يتشابه حاله في الكتاب إذن مع حاله في مشروع حياته، ذلك المشروع الذي انهمر وانبثق من سؤال طُرح عليه يوما عن حديثٍ ما، فقال: أظنه حديث ضعيف. ثم بحث عنه فتبين له أن الحديث في الصحيحيْن، فعزم أن يرفع عن نفسه هذه الجهالة، فأنجز هذا المشروع الهائل في تقريب السنة النبوية التي خدم فيها أربعة عشر كتابا عليها مدار السنة كلها.

وانظر.. هذه مشابهة أخرى مثيرة للدهشة والأسى معا..

لما قدم الشيخ إلى السعودية، فارًّا بدينه من نظام البعث السوري، كان يعاني من نظرات الطلاب وبعض المشايخ له، يرونه مجرد مدرس متعاقد قادم ليتكسب، ثم هو قد جاء من الشام، فهو إن لم يكن علمانيا كان أشعريا، وإن لم يكن بعثيا لم يكن متدينا.. ومن ثَمَّ فهو مشكوك في عقيدته، وهو إنما يمارس التدين لأن الجو العام في السعودية جوٌّ متدين، فتظاهره بالتدين هو بعض وسيلته لكسب رزقه!

هذه المرارة التي استشعرها الشيخ من طلابه وبعض رؤسائه أول قدومه إلى السعودية، ما كان له ولا لتلاميذه ولا لأحد في ذلك الزمن أن يتصور في أبعد آفاق خياله، أن الزمان سيدور ليُعتقل الشيخ في السعودية نفسها بعد أن تحولت من "شدة التمسك" بالسنة بل الغلو في تصنيف الناس على وفق فهمهم لها، إلى مطاردة الدين وأهله واستيراد أفسق الناس ليفسدوا فيها!

إنك إن قرأتَ الكتاب وما فيه من عمل جليل في التأليف والتهذيب والترتيب، توقعت أن تكون نهايته بقائمة الجوائز والشهادات والتقديرات التي تُمْنَح لمثله، ما يكاد يخطر بالبال أن تكون الخاتمة هي الاعتقال!!

الشيخ صالح الشامي خريج كلية الشريعة في سوريا، ولكن الظروف التي صنعها الاستعمار ووكلاؤه من بعده، دفعت كثيرين إلى التماس علم آخر يؤهلهم لحياة طبيعية، فكثيرا ما لجأ دارس الشريعة إلى دراسة أخرى ليحسن وضعه في الحياة.. كان الشيخ من هؤلاء!

ثم إن للشيخ هواية في الهندسة، وعمل بها زمنا قبل أن يخرج من بلده إلى السعودية، وهذه الهواية في الهندسة كان لها تأثير عظيم على مشروع تقريب السنة! وما في ذلك من عجب، وقد قال شيخ المؤرخين وحكيم الطائفة ابن خلدون: إن الهندسة تورث استقامة في العقل!

ستظهر استقامة العقل في مشروع تقريب السنة!

إن الطريقة المنظمة التي سلكها الشيخ في الجمع بين الصحيحيْن، مثَّلت أساسا واضحا ومتينا يضاف عليه عمله في بقية الكتب الأربعة عشر!

لم يكن المشروع في أوله مكتملا في ذهن الشيخ، ولكنه حين نَظَّم طريقة جمع الصحيحيْن، صار الأمر أسهل في جمعه لزوائد السنن الأربعة، ثم في إضافة زوائد الكتب الثلاثة: الموطأ والمسند والدارمي، ليتم له مشروع جمع الكتب التسعة.. ثم صار من السهل بعد ذلك إتمام الكتب الخمسة الأخرى: ابن خزيمة وابن حبان والمستدرك وسنن البيهقي وأحاديث الضياء.

وكلمة "السهل" هنا لا تعني أن العمل كان سهلا في نفسه، بل العمل لا يخلو من الدقة والإرهاق والمتابعة المضنية، لكن السهولة المقصودة فيه هو في الطريقة التي يَسَّرت إنجاز العمل، لأن البناء الأول في طريقة الجمع بين الصحيحيْن كانت منظمة.

ولذلك أمكنه دائما أن يخدم الكتاب تحقيقا وتهذيبا واختصارا وجمعا وانتقاءا وترتيبا دون أن يبذل المجهود من أوله.. ومن هنا كانت ثمرات مشروعه متنوعة تخدم المسلم البسيط وحتى المختص بعلم الحديث

فالمسلم البسيط الذي يريد أن يكتفي بالحد الأدنى من معرفة السنة سيرى نفسه أمام كتابي "الوافي من الصحيحين" و"الوجيز".. فإذا أراد الارتقاء منزلة أخرى وجد نفسه محتاجا إلى "الجمع بين الصحيحين" ثم "معالم السنة النبوية".. وهكذا حتى يصل المتخصص إلى كتاب "أصول الكتب التسعة"!

ولا ريب أن من عاش مع السنة دهرا كثيرا جنى من ثمراتها، فمن الثمرات التي وقعت للشيخ صالح الشامي مشاريعه الأخرى المتعلقة بالسيرة وكتبه فيها، وتحقيقاته لبعض الكتب كالجامع بين الصحيحين للإشبيلي وخدمته لكتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض، وكتاب المواهب اللدنية للقسطلاني وشرحه للزرقاني.

ومن عاش مع السنة عاش مع أهلها وخُدَّامها، وقد أمطرت هذه السحائب المباركة في سلسلة من تقريب تراث ابن القيم، ومن خدمة كتب أخرى كحلية الأولياء للأصفهاني وإحياء علوم الدين للغزالي، وسلسلة أخرى من مواعظ الصحابة والتابعين.
نعم، إن بعض هذه المشاريع صدرت قبل بدء مشروع تقريب السنة، ولبعضها بواعث مختلفة، لكنها مشاريع تتصل دائما بالسنة وأهلها، فمن لم يكن من ثمرات مشروع السنة، كان من بذوره وجذوره وممهداته.

والناظر في تراث الشيخ يرى رجلا متواضعا، عمليا، منبعثا إلى العمل، وإلى خدمة المعاني والمقاصد والغايات، فهو مهموم بتكوين صورة السنة ومعانيها في عقول الجمهور على اختلاف مراتبهم، وهكذا دأبه حتى في كتبه الأخرى، يؤلف الكتاب بقصد توضيح ملامح الموضوع، أو تقريب أصول الدين وتيسيرها.

فك الله أسر الشيخ، وأنعم على المسلمين بأمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينزل الناس منازلهم.