فوائد في العلوم
58 subscribers
39 photos
2 videos
6 files
43 links
فوائد وتحريرات
قناة الاقتباسات:
https://t.me/astonishing_quotes
Download Telegram
وفي الواقع كان الدين هو الشيء الوحيد الذي يستحق القتال من أجله في عيون ابن تيمية، والحروب بين المسلمين لأسباب أخرى كانت غير سائغة.

-جون هوڤر
'التأويل' ما قبل الميلاد:

يقول ويل ديورانت عن الفيلسوف فيلون الإسكندري اليهودي (وُلد تقريبا عام ٢٠ ما قبل الميلاد) :
وقد نشأ الرجل في جو ديني، فكان شديد الوفاء لشعبه، ولكنه افتتن بالفلسفة اليونانية، فجعل هدفه في الحياة أن يوفق بين الكتاب المقدس وعادات اليهود من جهة، والآراء اليونانية وبخاصة فلسفة أفلاطون "أقدس القديسين" من جهة أخرى.
ولكي يصل إلى غرضه هذا لجأ إلى المبدأ القائل إن جميع الحادثات، والأخلاق، والعقائد، والشرائع المنصوص عليها في العهد القديم ذات معنيين: أحدهما مجازي والآخر حرفي، وإنها ترمز إلى حقائق أخلاقية أو فلسفية؛ وكان في وسعه بهذه الطريقة أن يبرهن على صحة أي شيء يريد البرهنة على صحته.
لكن الرجل إذا استدل على الحق بدليل صحيح؛ لم يكن هذا مذموما مطلقا، كما تجد كثيرا من أهل الحديث والصوفية والمتفقهة يعيبون من أقام دليلا عقليا صحيحا على بعض المطالب الدينية، ويجعلون هذا من الكلام المذموم.
-ابن تيمية
••
الدعوة إلى اغتنام عرفة من أنبل أبواب التذكير، غير أن بقاء خطابنا محصورًا في قصص الزواج والوظيفة والمال والنجاحات الدنيوية يجعل هذا الموسم العظيم أقرب إلى منصة رغبات منه إلى مقام عبودية.

ونحن ندعو لأننا عباد، ونتضرع لأننا فقراء، ونُكثر السؤال لأننا واقفون على باب الكريم، ثم تأتي حوائجنا تبعًا لهذا الأصل الكبير. وحين يقصر نظرنا على المطلوب الفائت، تغيب عنا جبال الحسنات التي يرفعها الله لنا بكل دعوة، وكل دمعة، وكل لحظة افتقار.

فلنحذر أن تحجب أمانينا الطينية عنّا الغايات السماوية، ولنرفع أيدينا عبوديةً وحبًّا قبل أن نرفعها طلبًا وسؤالًا؛ فإن أعظم ما نخرج به من عرفة أن نعود إلى الله بقلوبٍ أصدق، وأرواحٍ أخف، ويقينٍ أوسع، ولو بقيت بعض المطالب مؤجلةً في خزائن الحكمة والرحمة.
••
يذكر ابن القيم «أن النفاة إذا أثبتوا موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه فإنهم لا يثبتونه بضرورة - لا وجوده ولا إمكان وجوده - بل كلاهما يثبتونه بالنظر؛ بخلاف المثبتة فإنهم يقولون: امتناع هذا معلوم بالضرورة».
ويمكن القول إن في هذه العبارة إشارة إلى جواب إشكال مشهور، وهو نسبة المسلمين الذين لم ينظروا في الأدلة على مسائل الاعتقاد إلى أنهم مقلدون، بل البعض يشبههم بالذين قالوا: إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فنحن على أمتهم وعلى آثارهم مقتدون.

فيمكن جواب هذا بطرد كلام ابن القيم، ونقول: إنما المقلدون من أهل الشرك والخرافات يقلدون بلا تسويغ معرفي في نفس الأمر، فهم إما مقلدون فيما يعلم بالضرورة بطلانه - وهو الغالب -، أو فيما لا تنكره الضرورة، ولكن يحتجون على صحته نظريًا فقط، بعكس المسلم الموحد الذي قد حصل له من اليقين والمعرفة الضرورية اليقينية بالله وبصفاته وبرسله بغير حاجة إلى النظر في الأساس، فلسان حاله أن يقول: إن صحة ما أنا عليه معلوم بالضرورة، لا أنه يعلم صحته نظريًا فقط.

ونقول: "لسان حاله"، لأن التعبير النظري عن هذا الأمر عسير(أي التعبير عن مراتب العلم في النفس من قوة وضعف)، إذ توضيح الواضحات من المشكلات. ثم إن كثيرًا ممن ينظّر في المسألة قد يقع في التسوية بين المختلفات، فيلتبس عليه ما كان واضحًا قبل تلك الطريقة الخاطئة في النظر في المسألة. وهذا كمن يبدأ بالنظر في أمر الإيمان والنبوة بشكل نظري محض بعد أن كان مؤمنًا به إيمانًا ضروريًا أو شبه ضروري، فكما يقرر ابن تيمية، بعض الطرق النظرية في تقرير النبوة «فيها ما يَنتفِعُ به من كان عديمَ الإيمان أو ضعيفَ الإيمان، فيحصل له بعضُ الإيمان، أو يقوى إيمانه؛ وإن كان ذلك يضرُّ من كان قَوِيَّ الإيمان، ويكون رجوعه إليه رِدَّةً في حقِّه؛ بمنزلة من كان معتصمًا بحبلٍ قويٍّ وعروةٍ وُثقى لا انفصامَ لها؛ فاعتاض عن ذلك بحبلٍ ضعيفٍ، يكاد ينقطع به.»

فإنه «مما ينبغي أن يعرف أن علم الإنسان بالشيء وتصوره له شيء، وعلمه بأنه عالم به شيء، وعلمه بأن علمه حصل بالطريق المعين شيء ثالث» (ابن تيمية). وهذا لا يمنع من التفصيل في كيفية حصول العلم، ولكنه يفرق فقط بين مقام العلم وبين مقام العلم بحصول العلم، وأن الجهل بالأخير لا يمنع من أن الأول حاصل في النفس بالفعل.

«فإن الإنسان يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا يستحضرها ولا يحصيها، ولو استحضرها لا توافقه عبارته على بيانها، ومع هذا فإذا طلب منه بيان الدليل الدال على ذلك قد لا يعلم دليلًا يدل به غيره إذا لم يكن ذلك الغير شاركه في سبب العلم، وقد لا يمكنه التعبير عن الدليل إذا تصوره، فالدليل الذي يعلم به المناظر شيء، والحجة التي يحتج بها المناظر شيء آخر، وكثيرًا ما يتفقان كما يفترقان». وكثرة افتراقهما عائد إلى طبيعة غالب الأدلة التي تدل الإنسان على المعارف في حياته الطبيعية - في غير مقام المناظرة والجدال -، «وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن. والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق. والثالث: العمل بموجب العلم. قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} والضمير عائد على القرآن» (ابن تيمية)، وكل هذا ينال كل مسلم منه نصيبًا، وكلٌّ يحصل له اليقين بحسب حظه من هذا.
فهو يقين مسوغ معرفيًا في نفس الأمر، إذ ينتج عنه علم ضروري لا نظري في الأصل، على أن اليقين ليس محض حصول علم ضروري بصحة المذهب، ولكن فيه قدر زائد من أمور أخرى نفسانية ومعرفية، كلها قد بنيت على هذا العلم الضروري، فهو يقين على يقين، ولله الحمد.

«والمقصود: أن ما عند عوام المؤمنين وعلمائهم أهل السنة والجماعة من المعرفة واليقين والطمأنينة والجزم الحق والقول الثابت والقطع بما هم عليه أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل والدين. وهب أن المخالف لا يسلم ذلك، فلا ريب أنهم يخبرون عن أنفسهم بذلك ويقولون: إنهم يجدون ذلك» (ابن تيمية)، فهم يخبرون بذلك بين أنفسهم لصحته في واقع الأمر. «وهكذا المؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكنْ لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه، وخالطت بشاشته، فازداد نورًا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نورٌ على نور، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثرًا، ثم يسمع الأثر مطابقًا لما شهدت به فطرته، فيكون نورًا على نور، فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملًا، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلًا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة.» (ابن القيم)

هذه إشارة، وإلا فالمسألة يطول الكلام فيها، وقد بسط الكلام فيها من هو أعلم بها مني(على أنني لا اعرف موضعا ذكرت فيه بالشكل الذي في ذهني خصيصا (: ).
"عن أبو سعيد الخدري أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَلَسَ على المِنبَرِ فقال: إنَّ عَبدًا خَيَّرَه اللهُ بينَ أن يُؤتيَه مِن زَهرةِ الدُّنيا ما شاءَ، وبينَ ما عِندَه، فاختارَ ما عِندَه. فبَكى أبو بَكرٍ وقال: فدَيناك بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فعَجِبنا له، وقال النَّاسُ: انظُروا إلى هذا الشَّيخِ؛ يُخبِرُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن عَبدٍ خَيَّرَه اللهُ بينَ أن يُؤتيَه مِن زَهرةِ الدُّنيا وبينَ ما عِندَه، وهو يقولُ: فدَيناك بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو المُخَيَّرَ، وكان أبو بَكرٍ هو أعلَمَنا به."
وجه نفيس في إبطال القانون الكلي:

"إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا إبطال للنقيضين. وتقديم العقل ممتنعٌ لأن العقل قد دلَّ على صحة السمع، ووجوب قَبول ما أخبر به الرَّسول، فلو أبطلنا النقل لكُنَّا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا بَطَلت دلالته لم يصلح أن يكون معارضًا للنقل؛ لأن ما ليس بدليلٍ لا يصلح لمعارضة الدليل، فكان تقديم العقل موجبًا لعدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه. وهذا بيِّن جدًّا فإن العقل هو الذي دلَّ على صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابقٌ لمخبره، فإمَّا أن تكون هذه الدلالة صحيحة أو باطلة،
١-فإن كانت صحيحة امتنع أن يكون في العقل ما يبطلها،
٢-وإن كانت باطلة لزم ألَّا يكون العقل دليلًا صحيحًا،
وإذا لم يكن دليلًا صحيحًا لم يتبع بحالٍ، فضلًا أن يُقدَّم على الدليل السمعي الصحيح، فصار تقديم العقل على النقل قدحًا في العقل؛ بانتفاء لوازمه ومدلوله، وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه، والقدح فيه يمنع دلالته، وذلك يمنع معارضته = استحال تقديمه عند المعارضة، لأن تقديمه عند المعارضة يبطل المعارضة، وذلك يحيل المسألة من أصلها."
-الصواعق(٥١٥-٥١٦)
قال مالك: «أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لجدله»
قال الحسن البصري: «لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا».
كان الوعّاظ في قديم الزّمان علماء فقهاء، وقد حضر مجلس عبيد بن عمير عبد الله بن عمر، وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاصّ.ثمّ خسّت هذه الصّناعة، فتعرّض لها الجهّال، فبعد عن الحضور عندهم المميّزون من النّاس، وتعلّق بهم العوام والنّساء، فلم يتشاغلوا بالعلم، وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة، وتنوّعت البدع في هذا الفنّ.

{تلبيس إبليس، ط المنهاج، ص١٧٨}
مراتب العلم وبعدية الضرورات:

فأول ما يُخلق فيه حاسة اللمس، فيدرك بها أجناسًا من الموجودات كالحرارة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة وغيرها، فاللمس قاصر عن الألوان والأصوات، بل هي كالمعدومة بالنسبة إليه.

ثم يُخلق له البصر فيدرك به الألوان والأشكال والقُرب والبُعد والصِّغَر والكِبَر والطول والقصر والحركة والسكون وغير ذلك. ثم ينفتح له السمع فيسمع الأصوات السَّاذجة والنغمات، ثم يترقى في مدارك هذه الحاسة على التدريج حتى يسمع من البُعد ما لم يكن يسمعه قبل ذلك. ويتفاوت النَّاس في قوة هذين الإدراكين وضعفهما تفاوتًا بيِّنًا حتى يدرك الواحد ما يجزم الآخر بكذبه فيه، والمُدْرِك مشاهدٌ له لا يمكنه تكذيب نفسه فيه، وذنبه عند المُكذِّب له أنه اختص بإدراكه دونه.

ثم يُخلق له الذوق فيدرك به تفاضُل الطعوم من الحلاوة والحموضة والمرارة وما بين ذلك ما لم يكن له به شعورٌ قبل ذلك، وكذلك الشم هو أكمله، وليس عنده من المعقولات عينٌ ولا أثرٌ ولا حسٌّ ولا خبرٌ.

ثم يُخلق فيه التمييز، وهو طورٌ آخر من أطوار وجوده، فيدرك في هذا الطور أمورًا أُخَرَ زائدة على المحسوسات لم يكن يدركها قبل ذلك. ثم يترقى إلى طورٍ آخر يدرك به الواجب والجائز والمستحيل، وأن حكم الشيء حكم مثله، والضد لا يجتمع مع ضده، والنقيضان إذا صدق أحدهما كذب الآخر، ونحو ذلك من أوائل العلوم الضرورية.

ثم يترقى إلى طورٍ آخر يستنتج فيه العلوم النظرية من تلك الضروريات التي تقدَّم علمه بها، ثم يترقى في هذا الطور من أمرٍ إلى أمرٍ فوقه وأغمض منه نسبةُ ما قبله إليه كنسبة الحسِّ إلى العقل.

ثم وراء ذلك كله طورٌ آخر نسبةُ ما قبله إليه كنسبة أطوار الإنسان إلى طور العقل أو دون هذه النسبة، ينفتح فيه عينٌ يُبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمورًا العقل معزولٌ عنها كعزل الحسِّ عن مدركات العقل. وهذا هو طور النبوة الذي نسبةُ نور العقل المجرد إليه دون نسبة ضوء السِّراج إلى الشمس. فإنكار العقل لما يُخبر به النبي عين الجهل، ولا مستند له في إنكاره، إلَّا أنه لم يبلغه ولم يصل إليه، فيظن أنه غير ثابتٍ في نفسه.
الصواعق (٦٠٠-٦٠١)
في الخوف من الرياء

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى يَومَ القيامةِ عليه رَجُلٌ استُشهدَ، فأُتيَ به فعَرَّفَه نِعَمَه فعَرَفَها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: قاتَلتُ فيك حتَّى استُشهدتُ، قال: كَذَبتَ، ولَكِنَّك قاتَلتَ لأن يُقالَ: جَريءٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به فسُحِبَ على وجههِ حتَّى أُلقيَ في النَّارِ، ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وعَلَّمَه، وقَرَأ القُرآنَ، فأُتيَ به فعَرَّفَه نِعَمَه فعَرَفَها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: تَعَلَّمتُ العِلمَ وعَلَّمتُه، وقَرَأتُ فيك القُرآنَ، قال: كَذَبتَ، ولَكِنَّك تَعَلَّمتَ العِلمَ ليُقالَ: عالِمٌ، وقَرَأتَ القُرآنَ ليُقالَ: هو قارِئٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به فسُحِبَ على وجههِ حتَّى أُلقيَ في النَّارِ، ورَجُلٌ وسَّعَ اللهُ عليه، وأعطاه مِن أصنافِ المالِ كُلِّه، فأُتيَ به فعَرَّفَه نِعَمَه فعَرَفَها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: ما تَرَكتُ مِن سَبيلٍ تُحِبُّ أن يُنفَقَ فيها إلَّا أنفَقتُ فيها لَك، قال: كَذَبتَ، ولَكِنَّك فعَلتَ ليُقالَ: هو جَوادٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به فسُحِبَ على وجههِ، ثُمَّ أُلقيَ في النَّارِ.

📕
اخرجه مسلم (1905)

ففي هذا الحديث ما يخلع القلوب من مواضعها خوفًا، ويكسر ظهور العاملين جزعًا، ويورث طالب العلم رهبةً من الرياء لا تكاد تفارقه، ويجعله ينظر إلى علمه وعمله بعين التقصير والاتهام، فلا نفس ناجية إلا إذا تداركها الله برحمته.

فأسألكم الدعاء لنا بظهر الغيب أن يرزقنا الله الإخلاص والصدق في القول والعمل، وأن يعصمنا من الرياء والسمعة، وأن يتجاوز عنا برحمته.
كلام الإمام ابن القيم عن المفوضة:
المقام الرابع: مقام اللاأدرية الذين يقولون: لا ندري معاني هذه الألفاظ، ولا ما أريد منها، ولا ما دلت عليه. وهؤلاء ينسبون طريقتهم إلى السلف، وهي التي يقول المتأولون: إنها أسلم، ويحتجون عليها بقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله}. ويقولون: هذا هو الوقف التام عند جمهور السلف، وهو قول أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وغيرهم من السلف والخلف.
وعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان، بل يقرؤون كلامًا لا يعقلون معناه.
ثم هم متناقضون أفحش تناقض، فإنهم يقولون: تُجرى على ظاهرها، وتأويلها باطل. ثم يقولون: لها تأويل لا يعلمه إلا الله.
وقول هؤلاء أيضًا باطل، فإن الله سبحانه أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله، وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في الصدور، وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في باب الصفات والقدر والأفعال، واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان.
وهؤلاء طرقوا لأهل الإلحاد والزندقة والبدع أن يستنبطوا الحق من عقولهم وآرائهم، فإن النفوس طالبة لمعرفة هذا الأمر أعظم طلب، والمقتضي التام لذلك فيها موجود، فإذا قيل لها: إن ألفاظ القرآن والسنة في ذلك لها تأويل لا يعلمه إلا الله، ولا يعلم أحد معناها وما أريد بها وما دلت عليه، فروا إلى عقولهم ونظرهم وآرائهم.
فسد هؤلاء باب الهدى والرشاد، وفتح أولئك باب الزندقة والبدعة والإلحاد، وقالوا: قد أقررتم بأن ما جاءت به الرسل في هذا الباب لا يحصل منه علم بالحق ولا يهدي إليه، فهو في طريقتنا لا في طريقة الأنبياء، فإنّا نحن نعلم ما نقوله ونثبته بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا تأويل ما قالوه، ولا بينوا مراد المتكلم به. وأصاب هؤلاء من الغلط على السمع ما أصاب أولئك من الخطأ في العقل.
وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف بقولهم: لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله. فإن التأويل في عرف السلف المراد به التأويل في مثل قوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق}، وقوله تعالى: {ذلك خير وأحسن تأويلا}، وقول يوسف: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا}، وقول يعقوب: {ويعلمك من تأويل الأحاديث}، وقوله تعالى: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله}، وقال يوسف: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما}.
فتأويل الكلام الطلبي هو نفس فعل المأمور به وترك المنهي عنه، كما قال ابن عيينة: «السنة تأويل الأمر والنهي». وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، يتأول القرآن».
وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر الله عنها، وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. ولهذا قال مالك وربيعة: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». وكذلك قال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من السلف: «إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه».
وقد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال: إنهم تأولوها على غير تأويلها، وبين معناها.
وكذلك الصحابة والتابعون فسروا القرآن، وعلموا المراد بآيات الصفات، كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، وإن لم يعلموا الكيفية؛ كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار، وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته.
فمن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى؛ فهو حق. وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلا الله؛ فهذا غلط، والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه.
قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها».
وقال عبد الله بن مسعود: «ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت».
وقال الحسن البصري: «ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها».
وقال مسروق: «ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه».
وقال الشعبي: «ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها».
{الصواعق، ٥٦٧-٥٧٢}
#classical_aqeedah@astonishing_quotes
قال البخاري: (وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ فَقَالَ: «لَمْ يَزَلْ فِي النَّاسِ إِذَا كَانَ فِيهِمْ مَرَضٌ أَوْ عَدْلٌ، فَصَلِّ خَلْفَهُ» ، قُلْتُ: فَالْجَهْمِيَّةُ؟ قَالَ: «لَا، هَذِهِ مِنَ الْمَقَاتِلِ، هَؤُلَاءِ لَا يُصَلَّى خَلفَهُمْ، وَلَا يُنَاكَحُونَ، وَعَلَيْهِمُ التَّوْبَةُ» وَسُئِلَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، فَقَالَ فِيهِمْ مَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي قَتْلِ الْجَهْمِيَّةِ، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، قِيلَ لَهُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، قَالَ: «لَا جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أَوْرَدْتَ عَلَى قَلْبِي شَيْئًا لَمْ يَسْمَعْ بِهِ قَطُّ» ، قُلْتُ: فَإِنَّهُمْ يقولونَهُ، قَالَ: «هَؤُلَاءِ لَا يُنَاكَحُونَ وَلَا تَجوزُ شَهَادَتُهُمْ» وَسُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ: فأَتَيْتُ وَكِيعًا فَوَجَدْتُهُ مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِهِمْ، فَقَالَ: «يَكْفُرُونَ مِنْ وَجْهِ كَذَا، وَيَكْفُرُونَ مِنْ وَجْهِ كَذَا، حَتَّى أَكْفَرَهُمْ مِنْ كَذَا وَكَذَا وَجْهًا.»)
حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الْوَزَّاعِ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: لَا نَزَالُ بِخَيْرٍ مَا أَبْقَاكَ لَنَا اللَّهُ قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُغْلِقُ عَلَيْهِ ابْنُ أَخِيكَ بَابَهُ؟»
-محاسبة النفس لابن أبي الدنيا
​«الوجه الحادي والخمسون: أن الأمور السمعية التي يُقال: إن العقل عارضها ـ كإثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلُّمه، ورؤية العباد له في الآخرة، وإثبات الصِّفات له ـ هي ممَّا عُلم بالاضطرار أن الرَّسول جاء بها، وعُلم بالاضطرار صحة نبوته ورسالته؛ وما عُلم بالاضطرار امتنع أن يقوم على بطلانه دليلٌ، وامتنع أن يكون له معارضٌ صحيحٌ؛ إذ لو جاز أن يكون له معارضٌ صحيحٌ= لم يبق لنا وثوقٌ بمعلومٍ أصلًا، لا حسيٍّ ولا عقليٍّ، وهذا يبطل حقيقة الإنسانية، بل حقيقة الحيوانية المشتركة بين الحيوانات، فإن لها تمييزًا وإدراكًا للحقائق بحسَبها.»
-ابن القيم
«إنا إذا جوزنا أن يكون في البديهيات ما هو باطل، لم يمكن العلم بأن تلك البديهية المميزة بين ما هو صحيح من البديهيات الأولى وما هو كاذب مقبول التمييز، حتى يعلم أنها من القسم الصحيح، وذلك لا يُعلم إلا ببديهية أخرى مبينة مميزة، وتلك لا يُعلم أنها من البديهيات الصحيحة إلا بأخرى، فيفضي إلى التسلسل الباطل، أو ينتهي الأمر إلى بديهية مشتبهة لا يحصل بها التمييز، فلا يبقى طريق يُعلم به الحق من الباطل، وذلك يقدح في التمييز، والنظريات موقوفة على البديهيات، فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة: فيها حق وباطل، كانت النظريات المبنية عليها أولى بذلك، وحينئذ فلا يبقى علم يُعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة
-ابن تيمية
«إذا جُوِّز أن يكون في العقل ما يُعارض ما أخبر به الرَّسول كان الإيمان الجازم موقوفًا على العلم بانتفاء ذلك المُعارض، ومشروطًا به، والمشروط بالشيء يُعدم عند عدمه، ومعلومٌ أن ما يستخرجه النَّاس بعقولهم أَمْرٌ لا غاية له، سواء كان حقًّا أو باطلًا.
فإذا جوَّز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرَّسول= لم يمكنه أن يثق بشيءٍ من أخبار الرَّسول؛ لجواز أن يكون في المعقولات التي لم تظهر له بعدُ ما يناقض خبره»
-ابن القيم

هذا فيه إبطال لما ذهب إليه بلانتينجا¹(وتبعا له، جيمي ترنر، غير أن الأخير ادعى نسبة هذا لابن تيمية!²) من أن الاعتقادات الضرورية(أو بعبارة أدق: المعرفة الفطرية الساذجة الصحيحة) basic proper beliefs قابلة للخطأ وأنها غير معصومة fallible، مع قولهم أن الإيمان بها مبرر حتى يوجد ما يدحضها defeater. هذا وإن كان أفضل من الدليلية Evidentialism والإيمانوية Fideism، إلا أنه لا يحق حقا ولا يورث يقينا مطلقا، لأن القول بعدم عصمة أي معرفة أبدا= لازمه الشرعي امتناع اليقين وعدم تحقق الإيمان الشرعي(الذي يناقض الشك ويرفع احتمال الخطأ) بالضرورة. أما عن لازمه العقلي، فيكفي أن نسأل صاحبها: هل هذه المعلومة نفسها معصومة ولا يمكن أن تكون باطلة في نفس الأمر؟ ولا يمكن أن تكون معصومة لأن هذا ينافي ما يقرره المذهب في أصله. وإن لم تكن معصومة، فهذا المذهب لا يقدم إلا التالي: «هذا مذهبنا لتأسيس المعرفة ورد الشكوكية، ولكن على الحقيقة قد يكون أصل مذهبنا كله خطأ، إذ الشك وارد على أصل الفكرة: أن الحق هو كذا وكذا مما يطابق علمنا.» فأي مذهب هذا الذي يقرر إمكان صحة الشكوكية في النهاية؟ وهل الشكوكية إلا إمكان الشك وبطلان كل المعارف بالفرضيات الشكوكية؟
فليس هذا القول - على الحقيقة - إلا نسبية وسفسطة، ولكن برداء أكثر عقلانية.
___

1)
"Theistic belief would certainly not be immune to argument and defeat just by virtue of being basic. In this, theistic belief only resembles other kinds of beliefs accepted in the basic way.
...
So it is not true, in general, that if a belief is held in the basic way, then it is immune to argument or rational evaluation; why, therefore, think it must hold for theistic belief? The fact, if it is a fact, that belief in God is properly basic doesn’t for a moment imply that it is
immune to argument, objection, or defeat; it is surely no consequence of my foundationalism"

(Alvin Plantinga, Warranted Christian Belief (New York: Oxford University Press, 2000), 372–73.)
2)
"the sense in which Fiṭra Foundationalism can be viewed as more moderate is that it allows potentially fallible beliefs among the foundations of our noetic structure. For instance, with respect to our perceptual beliefs we know that our perceptual faculties are fallible and, hence, sometimes mistaken. Indeed, Ibn Taymiyya himself acknowledges that, with respect to introspection or external sensory perception (al-ḥiss al-bāṭin aw al-ẓāhir) as well as reason (ʿaql), they may succumb to error (ghalaṭ). Yet, he regards them as nonetheless reliable or sound (saḥḥa) in general, because ‘God created His servants upon fiṭra’; in other words, our cognitive constitution makes our faculties truth-aimed in a general sense.=
=Having said that, Ibn Taymiyya does sometimes refer to non-inferential knowledge as epistemically certain (ḍarūrī yaqīnī). We can make sense of this, however, by simply saying that, although our faculties that deliver non-inferential knowledge, such as our perceptual faculties, are occasionally wrong, when working properly they deliver to us knowledge of the highest order or degree, which only a sceptic or sophist (musafsiṭ) would attempt to repudiate.[How irrelevant!!] Yet, given that our faculties might succumb to error at least on occasion, one might ask on what basis we should trust them with confidence. For Ibn Taymiyya our natural cognitive faculties ought to be treated as prima facie trustworthy. Thus, perhaps we can formulate the following sort of principle. Call it the ‘principle of epistemic trust’: PET: the doxastic products of our natural cognitive faculties should be treated as epistemically trustworthy (innocent), unless and until one has reason (i.e. a defeater) to regard those products as untrust-worthy (guilty).Roughly, PET means that one is epistemically entitled to uphold the non-inferential products produced by one’s natural cognitive faculties (that is, ‘basic beliefs’), unless one has a defeater for the relevant products."

(Turner, Jamie B. (2025). Fiṭra Foundationalism. In Safaruk Chowdhury & Ramon Harvey, Analytic Islamic Epistemology: Critical Debates. Edinburgh: Edinburgh University Press. pp. 217-248.)
يظهر - والله أعلم - تأثر كبير بألڤن بلانتينجا في هذا الكلام، وتتضاعف المشكلة عندما يدعي الأخ أن ذلك عين مذهب ابن تيمية، فهذا تقصير في فهم مذهب الشخص الذي تتكلم عنه الورقة في الأساس، ومحاولة لوضعه داخل إطار معين بغض النظر عن كلام ابن تيمية نفسه في هذه المسألة، فلسان الحال: نكمِّل مذهبه من كلام بلانتينجا لتقارب المذهبين في بعض المسائل! بل ابن تيمية تكلم عن المسألة وذكر نقيض ما ينسبه إليه الكاتب هنا كما سبق النقل. وقد سمعت الأخ جيمي ترنر يقرر نفس هذا التقرير(بغير نسبة لابن تيمية بعينه) في محاضرتين له على اليوتيوب كذلك، فوجب التنبيه، على ما في المبحث من دقة نوعا ما. والله أعلم.