في البقعة الوسطى من قارة أمريكا الشمالية، تمدد صحراء هائلة وموحشة، كانت لسنوات طويلة حاجزاً يمنع تقدم الحضارة. إنها صحراء من الصخور والجبال المكسوة بالثلوج، والوديان القاحلة التي لا ينمو فيها سوى نبات الصبار، ولا يقطع صمتها الرهيب سوى عواء الذئاب.
في هذه الصحراء، وفي صيف عام 1847، كان هناك رجل يسير بخطوات متعثرة ومجهدة. كان الرجل هزيلاً، وشاحب الوجه، وملابسه ممزقة يغطيها الغبار. كان يمسك بيد طفلة صغيرة لا تتجاوز الخامسة من عمرها، ذات شعر ذهبي وعينين واسعتين ملأهما الخوف والتعب.
كان اسم الرجل "جون فيرير"، والطفلة هي "لوسي". لقد كانا ضمن قافلة من المهاجرين، ولكن تاهت قافلتهم ومات كل من فيها من الجوع والعطش، ولم يتبقَّ سواهما يواجهان الموت المحتم وسط هذه الرمال الحارقة.
جلس جون فيرير على صخرة، وضم الطفلة لوسي إلى صدره وقال بصوت جاف من العطش: "يا صغيرتي، يبدو أن نهايتنا قد اقتربت، لم يعد لدينا ماء أو طعام". نامت الطفلة من شدة الإنهاك، وجلس الرجل ينتظر الموت وهو ينظر إلى الأفق.
وفجأة، رأى في الأفق غباراً كثيفاً يقترب! اعتقد في البداية أنه سراب، ولكن الغبار بدأ يتضح، وتظهر من خلاله خيول وعربات ورجال يسيرون في طابور طويل لا نهاية له. لقد كانت قافلة ضخمة تضم الآلاف من البشر.
كانت هذه القافلة هي قافلة "المورمون" (وهم جماعة دينية هاجرت للبحث عن أرض جديدة يستقرون فيها تحت قيادة زعيمهم الروحي بريجام يانغ).
لمحت طليعة القافلة الرجل والطفلة، فأسرعوا إليهما وقدموا لهما الماء والطعام. اقتيد جون فيرير إلى زعيم القافلة "بريجام يانغ"، وهو رجل ذو ملامح صارمة وقوية.
نظر الزعيم إلى فيرير وقال له بصوت حازم: "نحن ننقذ الأرواح، ولكن لدينا قانون في جماعتنا. يمكنك الانضمام إلينا والعيش معنا في أرضنا الجديدة، وتصبح واحداً منا وتتبع تعاليمنا، أو نتركك هنا في الصحراء لتواجه مصيرك!".
نظر جون فيرير إلى الطفلة لوسي، ولم يكن أمامه خيار آخر لإنقاذ حياتها وحياته، فقال: "سأنضم إليكم، وأقبل شروطكم".
وهكذا، نجا جون فيرير والطفلة لوسي، وتابعا الرحلة مع القافلة الطويلة حتى وصلوا إلى وادي "سولت ليك" (بحيرة الملح) في ولاية يوتا الأمريكية، حيث أسس المورمون مدينتهم الكبيرة المزدهرة...
في هذه الصحراء، وفي صيف عام 1847، كان هناك رجل يسير بخطوات متعثرة ومجهدة. كان الرجل هزيلاً، وشاحب الوجه، وملابسه ممزقة يغطيها الغبار. كان يمسك بيد طفلة صغيرة لا تتجاوز الخامسة من عمرها، ذات شعر ذهبي وعينين واسعتين ملأهما الخوف والتعب.
كان اسم الرجل "جون فيرير"، والطفلة هي "لوسي". لقد كانا ضمن قافلة من المهاجرين، ولكن تاهت قافلتهم ومات كل من فيها من الجوع والعطش، ولم يتبقَّ سواهما يواجهان الموت المحتم وسط هذه الرمال الحارقة.
جلس جون فيرير على صخرة، وضم الطفلة لوسي إلى صدره وقال بصوت جاف من العطش: "يا صغيرتي، يبدو أن نهايتنا قد اقتربت، لم يعد لدينا ماء أو طعام". نامت الطفلة من شدة الإنهاك، وجلس الرجل ينتظر الموت وهو ينظر إلى الأفق.
وفجأة، رأى في الأفق غباراً كثيفاً يقترب! اعتقد في البداية أنه سراب، ولكن الغبار بدأ يتضح، وتظهر من خلاله خيول وعربات ورجال يسيرون في طابور طويل لا نهاية له. لقد كانت قافلة ضخمة تضم الآلاف من البشر.
كانت هذه القافلة هي قافلة "المورمون" (وهم جماعة دينية هاجرت للبحث عن أرض جديدة يستقرون فيها تحت قيادة زعيمهم الروحي بريجام يانغ).
لمحت طليعة القافلة الرجل والطفلة، فأسرعوا إليهما وقدموا لهما الماء والطعام. اقتيد جون فيرير إلى زعيم القافلة "بريجام يانغ"، وهو رجل ذو ملامح صارمة وقوية.
نظر الزعيم إلى فيرير وقال له بصوت حازم: "نحن ننقذ الأرواح، ولكن لدينا قانون في جماعتنا. يمكنك الانضمام إلينا والعيش معنا في أرضنا الجديدة، وتصبح واحداً منا وتتبع تعاليمنا، أو نتركك هنا في الصحراء لتواجه مصيرك!".
نظر جون فيرير إلى الطفلة لوسي، ولم يكن أمامه خيار آخر لإنقاذ حياتها وحياته، فقال: "سأنضم إليكم، وأقبل شروطكم".
وهكذا، نجا جون فيرير والطفلة لوسي، وتابعا الرحلة مع القافلة الطويلة حتى وصلوا إلى وادي "سولت ليك" (بحيرة الملح) في ولاية يوتا الأمريكية، حيث أسس المورمون مدينتهم الكبيرة المزدهرة...
❤3
مرت الأعوام سريعة في وادي بحيرة الملح. وبفضل العمل الدؤوب والتنظيم الصارم لجماعة المورمون، تحولت الصحراء القاحلة إلى مزارع خضراء ومدن مزدهرة، وأصبحت "مدينة الملح" عاصمة قوية لهم.
كان جون فيرير من أكثر المهاجرين نجاحاً ونشاطاً؛ فقد منحته الجماعة قطعة أرض واسعة، وبفضل ذكائه وجهده، أصبح في غضون سنوات قليلة من أثرى المزارعين في المنطقة. بنى بيئاً خشبياً كبيراً ومريحاً، وزادت ثروته من الماشية والمحاصيل. ورغم أنه كان يحترم قوانين المدينة وجيرانها، إلا أنه ظل في داخله متمسكاً بأفكاره القديمة، فرفض تماماً مبدأ "تعدد الزوجات" الذي كان شائعاً ومقدساً عند المورمون، وعاش وحيداً مكرساً حياته لتربية ابنته بالتبني.
أما الطفلة الصغيرة لوسي، فقد كبرت وترعرعت في هذا الجو الريفي النقي حتى بلغت العشرين من عمرها. كانت فتاة ذات جمال باهر وأخاذ، بشعرها الذهبي الكثيف، وعينيها الزرقاوين الواسعتين، وجسدها الرشيق الذي يفيض بالحيوية. أطلق عليها سكان الوادي لقب "زهرة يوتا"، وكان كل شباب المدينة يتمنون نظرة منها، لكنها ظلت بريئة ولا تشغل بالها بالزواج.
في أحد أيام الصيف الحارة، ركبت لوسي حصانها وانطلقت إلى أطراف مزارع والدها لتفقد بعض الماشية. وبينما كانت تقود حصانها في ممر جبلي ضيق، التفتت فجأة لتجد قطيعاً ضخماً من الثيران الهائجة يندفع نحوها بسرعة جنونية، ويسد عليها طريق العودة!
أصيب الحصان بالذعر الشديد، وتجمدت لوسي في مكانها من الرعب وهي ترى الموت يقترب منها تحت حوافر الثيران. وفي اللحظة الأخيرة، قبل أن يسحقها القطيع، اندفع فارس شاب وقوي كالسهم نحوها، وأمسك بخصرها بيد واحدة قوية، ورفعها من فوق سرج حصانها ليضعها أمامه على حصانه، وابتعد بها بسرعة خاطفة نحو صخرة مرتفعة وآمنة.
أنزل الشاب لوسي برفق وهو يبتسم قائلاً: "أنتِ بخير الآن يا آنسة، أرجو ألا تكوني قد أصبتِ بأذى".
نظرت لوسي إليه، فرأت شاباً وسيماً، ذا بنية عريضة وقوية، وعينين بنيتين مليئتين بالشهامة والشجاعة. كان اسمه "جيفيرسون هوب" (وهو نفس السائق الذي التقينا به في لندن!). لم يكن جيفيرسون من المورمون، بل كان شاباً أمريكياً حراً يعمل في صيد الحيوانات والبحث عن المناجم في الجبال المحيطة، وجاء إلى المدينة لبيع بضائعه.
قاد جيفيرسون لوسي إلى منزل والدها، وهناك استقبلهما جون فيرير بترحاب شديد وشكره بحرارة على إنقاذ حياة ابنته الوحيدة. ومنذ ذلك اليوم، أصبح جيفيرسون هوب زائراً دائماً ومنتظماً لمنزل آل فيرير.
مع مرور الأسابيع، تحول الامتنان والصداقة بين جيفيرسون ولوسي إلى حب جارف وعميق. كانا يقضيان الساعات يتحدثان عن المستقبل، ووافق جون فيرير بمحبة على زواجهما، لأنه رأى في جيفيرسون رجلاً شجاعاً واميناً سيحمي ابنته.
قبل أن يغادر جيفيرسون إلى الجبال في رحلة عمل أخيرة تستغرق شهرين لجمع ما يكفي من المال لبناء بيتهما، وقف مع لوسي تحت ضوء القمر وقال لها وهو يمسك يدها: "سأعود بعد شهرين يا لوسي، وسآخذكِ أنتِ ووالدكِ معي لنعيش أحراراً خارج هذه المدينة وقوانينها الخانقة".
ودعته لوسي والدموع في عينيها، وهي لا تعلم أن هذه الرحلة ستكون بداية لأكبر مأساة في حياتهم...
كان جون فيرير من أكثر المهاجرين نجاحاً ونشاطاً؛ فقد منحته الجماعة قطعة أرض واسعة، وبفضل ذكائه وجهده، أصبح في غضون سنوات قليلة من أثرى المزارعين في المنطقة. بنى بيئاً خشبياً كبيراً ومريحاً، وزادت ثروته من الماشية والمحاصيل. ورغم أنه كان يحترم قوانين المدينة وجيرانها، إلا أنه ظل في داخله متمسكاً بأفكاره القديمة، فرفض تماماً مبدأ "تعدد الزوجات" الذي كان شائعاً ومقدساً عند المورمون، وعاش وحيداً مكرساً حياته لتربية ابنته بالتبني.
أما الطفلة الصغيرة لوسي، فقد كبرت وترعرعت في هذا الجو الريفي النقي حتى بلغت العشرين من عمرها. كانت فتاة ذات جمال باهر وأخاذ، بشعرها الذهبي الكثيف، وعينيها الزرقاوين الواسعتين، وجسدها الرشيق الذي يفيض بالحيوية. أطلق عليها سكان الوادي لقب "زهرة يوتا"، وكان كل شباب المدينة يتمنون نظرة منها، لكنها ظلت بريئة ولا تشغل بالها بالزواج.
في أحد أيام الصيف الحارة، ركبت لوسي حصانها وانطلقت إلى أطراف مزارع والدها لتفقد بعض الماشية. وبينما كانت تقود حصانها في ممر جبلي ضيق، التفتت فجأة لتجد قطيعاً ضخماً من الثيران الهائجة يندفع نحوها بسرعة جنونية، ويسد عليها طريق العودة!
أصيب الحصان بالذعر الشديد، وتجمدت لوسي في مكانها من الرعب وهي ترى الموت يقترب منها تحت حوافر الثيران. وفي اللحظة الأخيرة، قبل أن يسحقها القطيع، اندفع فارس شاب وقوي كالسهم نحوها، وأمسك بخصرها بيد واحدة قوية، ورفعها من فوق سرج حصانها ليضعها أمامه على حصانه، وابتعد بها بسرعة خاطفة نحو صخرة مرتفعة وآمنة.
أنزل الشاب لوسي برفق وهو يبتسم قائلاً: "أنتِ بخير الآن يا آنسة، أرجو ألا تكوني قد أصبتِ بأذى".
نظرت لوسي إليه، فرأت شاباً وسيماً، ذا بنية عريضة وقوية، وعينين بنيتين مليئتين بالشهامة والشجاعة. كان اسمه "جيفيرسون هوب" (وهو نفس السائق الذي التقينا به في لندن!). لم يكن جيفيرسون من المورمون، بل كان شاباً أمريكياً حراً يعمل في صيد الحيوانات والبحث عن المناجم في الجبال المحيطة، وجاء إلى المدينة لبيع بضائعه.
قاد جيفيرسون لوسي إلى منزل والدها، وهناك استقبلهما جون فيرير بترحاب شديد وشكره بحرارة على إنقاذ حياة ابنته الوحيدة. ومنذ ذلك اليوم، أصبح جيفيرسون هوب زائراً دائماً ومنتظماً لمنزل آل فيرير.
مع مرور الأسابيع، تحول الامتنان والصداقة بين جيفيرسون ولوسي إلى حب جارف وعميق. كانا يقضيان الساعات يتحدثان عن المستقبل، ووافق جون فيرير بمحبة على زواجهما، لأنه رأى في جيفيرسون رجلاً شجاعاً واميناً سيحمي ابنته.
قبل أن يغادر جيفيرسون إلى الجبال في رحلة عمل أخيرة تستغرق شهرين لجمع ما يكفي من المال لبناء بيتهما، وقف مع لوسي تحت ضوء القمر وقال لها وهو يمسك يدها: "سأعود بعد شهرين يا لوسي، وسآخذكِ أنتِ ووالدكِ معي لنعيش أحراراً خارج هذه المدينة وقوانينها الخانقة".
ودعته لوسي والدموع في عينيها، وهي لا تعلم أن هذه الرحلة ستكون بداية لأكبر مأساة في حياتهم...
بينما كان جيفيرسون هوب بعيداً في الجبال يجمع المال لمستقبله مع لوسي، كان هناك خطر كبير يلوح في أفق "مدينة الملح". لم تكن ثروة جون فيرير وجمال ابنته لوسي يخفيان على زعماء جماعة المورمون، وبدأت الأعين تطمع فيما يملك هذا المزارع المستقل.
في أحد الأيام، تفاجأ جون فيرير بمركبة فخمة تقف أمام بابه، ونزل منها بريجام يانغ شخصياً، زعيم الجماعة الروحي والمطلق. استقبله فيرير باحترام، لكن ملامح وجه يانغ كانت صارمة وقاسية لا تبشر بالخير.
جلس يانغ ونظر إلى فيرير بعينين باردتين وقال: "جون فيرير، لقد عشت بيننا لسنوات، وأنعم الله عليك بالثروة والمال بفضل بركتنا، لكنك ما زلت ترفض الانضمام الكامل لتعاليمنا. أنت تعيش وحيداً ولم تتزوج أكثر من امرأة، والأسوأ من ذلك أننا علمنا أن ابنتك بالتبني، لوسي، تنوي الزواج من شاب غريب عن ديننا وجماعتنا (يقصد جيفيرسون هوب)".
حاول فيرير التحدث، لكن يانغ قاطعه بحزم: "هذا لن يحدث أبداً. إن لوسي هي أجمل زهرة في الوادي، ولا يحق لرجل غريب وكافر أن يأخذها. لدينا هنا شابين من أبناء قادتنا العظام؛ الأول هو إينوك دريبر (ابن أحد الشيوخ الأثرياء)، والثاني هو جوزيف ستانغرسون (ابن مستشاري المقرب). كلاهما طلب يد لوسي للزواج".
وقف يانغ ووجه إنذاره الأخير والصادم: "أمام ابنتك لوسي ثلاثون يوماً فقط (شهر واحد). عليها أن تختار خلال هذه المدة بين الزواج من دريبر أو ستانغرسون. إذا وافقت، فستبقى ثروتك وأرضك لك، وإذا رفضت وتمردت على أمرنا، فاعلم أنكما ستصبحان عدوين للجماعة، وعقاب المتمردين هنا هو الموت!".
غادر بريجام يانغ المنزل، وترك جون فيرير في حالة من الذهول والرعب الشديد. دخلت لوسي الغرفة فرأت وجه والدها شاحباً كالرماد، وعندما أخبرها بما حدث، انهارت بالبكاء وصرخت: "أفضل الموت على أن أكون زوجة لأحدهما! أنا لا أحب سوى جيفيرسون!".
كانت المشكلة الأكبر هي أن جيفيرسون هوب في أعماق الجبال، ولا توجد وسيلة سريعة للاتصال به، والوقت يمر بسرعة قطرات الماء.
أدرك جون فيرير أنه وقع في فخ، فـ"مدينة الملح" كانت محاطة بجواسيس سرّيين يُطلق عليهم اسم "ملائكة الموت" (أو الدانيين)، وهم رجال يراقبون كل صغيرة وكبيرة، ومن يحاول الهرب من المدينة يتم اغتياله في الصحراء فوراً ودون أثر.
قرر فيرير أن يظهر الاستسلام مؤقتاً، فاشترى تقويماً صغيراً وعلقه على الحائط، وبدأ يشطب الأيام يوماً بعد يوم: 30، 29، 28... وكلما نقص رقم، زاد الرعب في قلبهما. وفي الليل، كانت لوسي تبكي بحرقة وهي تنظر إلى الجبال البعيدة، متمنية أن يحدثت معجزة وتعيد إليها حبيبها قبل فوات الأوان.
في اليوم السادس والعشرين، لم يتبقَّ سوى أربعة أيام فقط على نهاية المهلة، وفجأة، سمع فيرير في منتصف الليل طرقاً خفيفاً وسرياً للغاية على نافذة الغرفة الخلفية...
في أحد الأيام، تفاجأ جون فيرير بمركبة فخمة تقف أمام بابه، ونزل منها بريجام يانغ شخصياً، زعيم الجماعة الروحي والمطلق. استقبله فيرير باحترام، لكن ملامح وجه يانغ كانت صارمة وقاسية لا تبشر بالخير.
جلس يانغ ونظر إلى فيرير بعينين باردتين وقال: "جون فيرير، لقد عشت بيننا لسنوات، وأنعم الله عليك بالثروة والمال بفضل بركتنا، لكنك ما زلت ترفض الانضمام الكامل لتعاليمنا. أنت تعيش وحيداً ولم تتزوج أكثر من امرأة، والأسوأ من ذلك أننا علمنا أن ابنتك بالتبني، لوسي، تنوي الزواج من شاب غريب عن ديننا وجماعتنا (يقصد جيفيرسون هوب)".
حاول فيرير التحدث، لكن يانغ قاطعه بحزم: "هذا لن يحدث أبداً. إن لوسي هي أجمل زهرة في الوادي، ولا يحق لرجل غريب وكافر أن يأخذها. لدينا هنا شابين من أبناء قادتنا العظام؛ الأول هو إينوك دريبر (ابن أحد الشيوخ الأثرياء)، والثاني هو جوزيف ستانغرسون (ابن مستشاري المقرب). كلاهما طلب يد لوسي للزواج".
وقف يانغ ووجه إنذاره الأخير والصادم: "أمام ابنتك لوسي ثلاثون يوماً فقط (شهر واحد). عليها أن تختار خلال هذه المدة بين الزواج من دريبر أو ستانغرسون. إذا وافقت، فستبقى ثروتك وأرضك لك، وإذا رفضت وتمردت على أمرنا، فاعلم أنكما ستصبحان عدوين للجماعة، وعقاب المتمردين هنا هو الموت!".
غادر بريجام يانغ المنزل، وترك جون فيرير في حالة من الذهول والرعب الشديد. دخلت لوسي الغرفة فرأت وجه والدها شاحباً كالرماد، وعندما أخبرها بما حدث، انهارت بالبكاء وصرخت: "أفضل الموت على أن أكون زوجة لأحدهما! أنا لا أحب سوى جيفيرسون!".
كانت المشكلة الأكبر هي أن جيفيرسون هوب في أعماق الجبال، ولا توجد وسيلة سريعة للاتصال به، والوقت يمر بسرعة قطرات الماء.
أدرك جون فيرير أنه وقع في فخ، فـ"مدينة الملح" كانت محاطة بجواسيس سرّيين يُطلق عليهم اسم "ملائكة الموت" (أو الدانيين)، وهم رجال يراقبون كل صغيرة وكبيرة، ومن يحاول الهرب من المدينة يتم اغتياله في الصحراء فوراً ودون أثر.
قرر فيرير أن يظهر الاستسلام مؤقتاً، فاشترى تقويماً صغيراً وعلقه على الحائط، وبدأ يشطب الأيام يوماً بعد يوم: 30، 29، 28... وكلما نقص رقم، زاد الرعب في قلبهما. وفي الليل، كانت لوسي تبكي بحرقة وهي تنظر إلى الجبال البعيدة، متمنية أن يحدثت معجزة وتعيد إليها حبيبها قبل فوات الأوان.
في اليوم السادس والعشرين، لم يتبقَّ سوى أربعة أيام فقط على نهاية المهلة، وفجأة، سمع فيرير في منتصف الليل طرقاً خفيفاً وسرياً للغاية على نافذة الغرفة الخلفية...
❤2
🔴 الفصل الحادي عشر: الطارق الليلي وبداية الهروب
❤2
أسرع جون فيرير نحو النافذة بحذر شديد وهو يمسك بندقيته، وفتحها ببطء ليجد شاباً يرتدي ملابس الصيد الممزقة، ووجهه مغطى بالغبار والجهد، لكن عينيه كانتا تلمعان بالأمل. لقد كان جيفيرسون هوب!
دخل جيفيرسون الغرفة بسرعة وأغلق النافذة خلفه، فارتمت لوسي في أحضانه وهي تبكي من شدة الفرح والارتياح. قال جيفيرسون وهو يلهث: "لقد علمت بالإنذار الشوم بالصدفة من صياد التقيته في الجبال قبل يومين، فتركت كل شيء خلفي وركبت حصاني ليل نهار دون توقف حتى وصلت إلى هنا. لم يتبقَّ سوى أربعة أيام، وعلينا أن نهرب الليلة قبل أن تطلع الشمس!".
قال فيرير بقلق: "ولكن كيف سنهرب؟ المدينة محاطة بالجواسيس و(ملائكة الموت) يراقبون الطرقات، وأي حركة غريبة تعني مقتلنا فوراً!".
رد جيفيرسون بثقة: "لقد درست الممرات الجبلية جيداً يا عمي جون، وأعرف طريقاً سرياً ووعراً عبر الصخور لا يحرسه أحد. لقد تركتُ خيلي في مكان آمن خلف المزرعة، ومعي بعض المؤن. اجمعوا الأشياء الثمينة والخفيفة فقط، ودعنا نتحرك الآن!".
في عتمة الليل، تسلل الثلاثة من الباب الخلفي للمنزل كالأشباح. كانت لوسي ممسكة بيد جيفيرسون، بينما كان فيرير يحمل بندقيته وبعض المال. نجحوا في الوصول إلى الخيول المستورة بين الأشجار، وركبوها وانطلقوا بهدوء شديد نحو الجبال الضخمة المظلمة التي تحيط بالوادي.
طوال الليل، كانت الخيول تصعد في ممرات صخرية ضيقة وخطيرة، حيث كانت الحوافر تضرب الحجارة فيصدر عنها صوت مرعب يخشون أن يسمعه أحد الجواسيس. ومع بزوغ أول خيط من الفجر، التفت جون فيرير إلى الخلف ونظر إلى "مدينة الملح" الممتدة في الوادي بالأسفل، وشعر براحة هائلة وهو يرى منزله ومزارعه يختفون وراء الضباب، وظن أنه نجح في إنقاذ ابنته من براثنهم.
قضوا اليوم الأول بأكمله في الصعود، والطقس يزداد برودة كلما ارتفعوا في الجبال. وعندما حل المساء، كانوا قد ابتعدوا كثيراً ودخلوا في عمق الممرات الموحشة. توقفوا في كهف صغير وعميق للاستراحة، وأشعل جيفيرسون ناراً صغيرة لتدفئة لوسي التي كانت ترتجف من البرد والتعب، ونام الجميع وهم يشعرون لأول مرة بالأمان منذ شهر كامل.
في الصباح التالي (اليوم الثاني للهروب)، تابعوا مسيرهم وسط الصخور القاحلة. وفي منتصف النهار، تفاجأ جيفيرسون بوجود أثر لأقدام خيول حديثة على الأرض! توقف وفحص الأثر وقال بقلق: "هناك خيول مرت من هنا قبل ساعات... يبدو أن هناك دورية تبحث عنا، أو أن الجواسيس يعرفون هذا الممر أيضاً!".
زاد الخوف في قلوبهم، فأسرعوا الخطى متمنيين الوصول إلى الجانب الآخر من الجبال حيث تبدأ الأراضي الحرة خارج نفوذ الجماعة.
وفي مساء اليوم الثاني، نفد الماء الذي معهم، وشعرت لوسي بالعطش الشديد والإنهاك. التفت جيفيرسون إلى فيرير وقال له: "ابقَ هنا مع لوسي في هذا المكان المستور بين الصخور، وسآخذ بندقيتي وأهبط قليلاً نحو الوادي السفلي للبحث عن نبع ماء أو صيد حيوان نأكله، لن أتأخر عنكم أكثر من ساعتين".
ودع جيفيرسون لوسي وقبل جبينها، وانطلق هابطاً بين الصخور، وهو لا يعلم أن غيابه القصير هذا سيكون أكبر خطأ ارتكبه في حياته، وأن الذئاب كانت تتربص بعائلته في غيابه...
دخل جيفيرسون الغرفة بسرعة وأغلق النافذة خلفه، فارتمت لوسي في أحضانه وهي تبكي من شدة الفرح والارتياح. قال جيفيرسون وهو يلهث: "لقد علمت بالإنذار الشوم بالصدفة من صياد التقيته في الجبال قبل يومين، فتركت كل شيء خلفي وركبت حصاني ليل نهار دون توقف حتى وصلت إلى هنا. لم يتبقَّ سوى أربعة أيام، وعلينا أن نهرب الليلة قبل أن تطلع الشمس!".
قال فيرير بقلق: "ولكن كيف سنهرب؟ المدينة محاطة بالجواسيس و(ملائكة الموت) يراقبون الطرقات، وأي حركة غريبة تعني مقتلنا فوراً!".
رد جيفيرسون بثقة: "لقد درست الممرات الجبلية جيداً يا عمي جون، وأعرف طريقاً سرياً ووعراً عبر الصخور لا يحرسه أحد. لقد تركتُ خيلي في مكان آمن خلف المزرعة، ومعي بعض المؤن. اجمعوا الأشياء الثمينة والخفيفة فقط، ودعنا نتحرك الآن!".
في عتمة الليل، تسلل الثلاثة من الباب الخلفي للمنزل كالأشباح. كانت لوسي ممسكة بيد جيفيرسون، بينما كان فيرير يحمل بندقيته وبعض المال. نجحوا في الوصول إلى الخيول المستورة بين الأشجار، وركبوها وانطلقوا بهدوء شديد نحو الجبال الضخمة المظلمة التي تحيط بالوادي.
طوال الليل، كانت الخيول تصعد في ممرات صخرية ضيقة وخطيرة، حيث كانت الحوافر تضرب الحجارة فيصدر عنها صوت مرعب يخشون أن يسمعه أحد الجواسيس. ومع بزوغ أول خيط من الفجر، التفت جون فيرير إلى الخلف ونظر إلى "مدينة الملح" الممتدة في الوادي بالأسفل، وشعر براحة هائلة وهو يرى منزله ومزارعه يختفون وراء الضباب، وظن أنه نجح في إنقاذ ابنته من براثنهم.
قضوا اليوم الأول بأكمله في الصعود، والطقس يزداد برودة كلما ارتفعوا في الجبال. وعندما حل المساء، كانوا قد ابتعدوا كثيراً ودخلوا في عمق الممرات الموحشة. توقفوا في كهف صغير وعميق للاستراحة، وأشعل جيفيرسون ناراً صغيرة لتدفئة لوسي التي كانت ترتجف من البرد والتعب، ونام الجميع وهم يشعرون لأول مرة بالأمان منذ شهر كامل.
في الصباح التالي (اليوم الثاني للهروب)، تابعوا مسيرهم وسط الصخور القاحلة. وفي منتصف النهار، تفاجأ جيفيرسون بوجود أثر لأقدام خيول حديثة على الأرض! توقف وفحص الأثر وقال بقلق: "هناك خيول مرت من هنا قبل ساعات... يبدو أن هناك دورية تبحث عنا، أو أن الجواسيس يعرفون هذا الممر أيضاً!".
زاد الخوف في قلوبهم، فأسرعوا الخطى متمنيين الوصول إلى الجانب الآخر من الجبال حيث تبدأ الأراضي الحرة خارج نفوذ الجماعة.
وفي مساء اليوم الثاني، نفد الماء الذي معهم، وشعرت لوسي بالعطش الشديد والإنهاك. التفت جيفيرسون إلى فيرير وقال له: "ابقَ هنا مع لوسي في هذا المكان المستور بين الصخور، وسآخذ بندقيتي وأهبط قليلاً نحو الوادي السفلي للبحث عن نبع ماء أو صيد حيوان نأكله، لن أتأخر عنكم أكثر من ساعتين".
ودع جيفيرسون لوسي وقبل جبينها، وانطلق هابطاً بين الصخور، وهو لا يعلم أن غيابه القصير هذا سيكون أكبر خطأ ارتكبه في حياته، وأن الذئاب كانت تتربص بعائلته في غيابه...
❤2
🔴 الفصل الثاني عشر: مأساة في الجبل والوعد الدموي
❤2
أمضى جيفيرسون هوب ساعات في الهبوط بين الصخور الوعرة يبحث عن صيد أو نبع ماء. كان التوفيق حليفه؛ إذ تمكن من اصطياد مَاعز جبلي كبير، وملأ قربة الماء من نبع صافٍ عثر عليه في أسفل الوادي. كان سعيداً وهو يتخيل فرحة لوسي ووالدها عندما يعود إليهما بالطعام والماء.
بدأ رحلة الصعود الشاقة مرة أخرى وهو يحمل الصيد على كتفه. كان الليل قد خيّم تماماً على الجبال، والصمت الرهيب يلف المكان. ومع اقترابه من البقعة الصخرية التي ترك فيها لوسي وجون فيرير، بدأ يشعر ببرودة غريبة تسري في جسده، واجتاحه شعور بالقلق لا يعرف سببه.
أسرع في خطواته، ووصل أخيراً إلى مكان المخيم.. لكنه تجمد في مكانه، وسقط الصيد من يده وصدمة مروعة تشل أطرافه!
لم تكن هناك نار، ولم تكن هناك خيول. كان المكان هادئاً بشكل مرعب. اندفع نحو زاوية الصخور وهو يصرخ: "لوسي! عمي جون!". لكن لم يجبه سوى صدى صوته المبحوح.
وفي وسط المساحة الترابية الصغيرة، لمح كومة من التراب حديثة الحفر، وقد وُضعت فوقها بضع أحجار كعلامة. اقترب جيفيرسون وعيناه تتسعان رعباً، ووجد لوحاً خشبياً صغيراً غُرس في التراب، وقد كُتب عليه بخط سريع وقاسٍ:
لقد عثر عليهم "ملائكة الموت" (الجواسيس)! لقد قُتل العجوز جون فيرير بدم بارد ودُفن هنا في الصحراء. أما لوسي.. فلم يكن لها أي أثر، مما يعني أنهم اختطفوها وأعادوها بالقوة إلى "مدينة الملح".
انهار جيفيرسون هوب على ركبتيه فوق قبر الرجل الذي كان بمثابة والد له، وبكى بحرقة وجنون وهو يحثو التراب على رأسه. وفي تلك اللحظة، تحول الحزن في قلبه إلى نار مستعرة من الغضب والحقد والغل. رفع يديه المقبوضتين نحو السماء، وأقسم أمام القبر قسماً دموياً: بأنه لن يهدأ، ولن يموت، حتى يقتل بيديه هذين الرجلين اللذين تسببا في هذه المأساة (إينوك دريبر وجوزيف ستانغرسون)، حتى لو كلفه ذلك تتبعهم إلى نهاية الأرض!
في الصباح التالي، تسلل جيفيرسون وهو في حالة من الإعياء الشديد عائدًا إلى أطراف "مدينة الملح". كان يريد معرفة مصير لوسي. وهناك، عرف من أحد الصبية الصدمة الثانية: لقد أُجبرت لوسي على الزواج من إينوك دريبر بالقوة قبل يومين فقط، تحت تهديد السلاح ومباركة بريجام يانغ.
لكن المأساة لم تتوقف هنا؛ فـ"زهرة يوتا" الجميلة لم تتحمل هذا الظلم وهذا الرعب. لم يمضِ على زواجها القسري سوى ثلاثة أسابيع فقط، حتى ذبلت وماتت قهراً وحزناً وبكاءً على حبيبها جيفيرسون ووالدها الراحل.
في ليلة جنازتها، تسلل جيفيرسون كالشبح إلى المقبرة. انتظر حتى انصرف الجميع، ثم اقترب من القبر المفتوح، ونظر إلى وجه حبيبته الراحلة للمرة الأخيرة. انحنى، ونزع من أصبعها خاتم الزواج الذهبي الذي أجبرها دريبر على ارتدائه، وقال بهمس حاد: "هذا الخاتم سيكون شاهدًا على موتهما!".
ومنذ تلك الليلة، اختفى جيفيرسون هوب في الجبال، وتحول من صياد طيب إلى شبح للموت، يخطط وينتظر الفرصة لتبدأ رحلة الانتقام الكبرى...
بدأ رحلة الصعود الشاقة مرة أخرى وهو يحمل الصيد على كتفه. كان الليل قد خيّم تماماً على الجبال، والصمت الرهيب يلف المكان. ومع اقترابه من البقعة الصخرية التي ترك فيها لوسي وجون فيرير، بدأ يشعر ببرودة غريبة تسري في جسده، واجتاحه شعور بالقلق لا يعرف سببه.
أسرع في خطواته، ووصل أخيراً إلى مكان المخيم.. لكنه تجمد في مكانه، وسقط الصيد من يده وصدمة مروعة تشل أطرافه!
لم تكن هناك نار، ولم تكن هناك خيول. كان المكان هادئاً بشكل مرعب. اندفع نحو زاوية الصخور وهو يصرخ: "لوسي! عمي جون!". لكن لم يجبه سوى صدى صوته المبحوح.
وفي وسط المساحة الترابية الصغيرة، لمح كومة من التراب حديثة الحفر، وقد وُضعت فوقها بضع أحجار كعلامة. اقترب جيفيرسون وعيناه تتسعان رعباً، ووجد لوحاً خشبياً صغيراً غُرس في التراب، وقد كُتب عليه بخط سريع وقاسٍ:
"جون فيرير.. مات متمرداً على قوانين الجماعة"
لقد عثر عليهم "ملائكة الموت" (الجواسيس)! لقد قُتل العجوز جون فيرير بدم بارد ودُفن هنا في الصحراء. أما لوسي.. فلم يكن لها أي أثر، مما يعني أنهم اختطفوها وأعادوها بالقوة إلى "مدينة الملح".
انهار جيفيرسون هوب على ركبتيه فوق قبر الرجل الذي كان بمثابة والد له، وبكى بحرقة وجنون وهو يحثو التراب على رأسه. وفي تلك اللحظة، تحول الحزن في قلبه إلى نار مستعرة من الغضب والحقد والغل. رفع يديه المقبوضتين نحو السماء، وأقسم أمام القبر قسماً دموياً: بأنه لن يهدأ، ولن يموت، حتى يقتل بيديه هذين الرجلين اللذين تسببا في هذه المأساة (إينوك دريبر وجوزيف ستانغرسون)، حتى لو كلفه ذلك تتبعهم إلى نهاية الأرض!
في الصباح التالي، تسلل جيفيرسون وهو في حالة من الإعياء الشديد عائدًا إلى أطراف "مدينة الملح". كان يريد معرفة مصير لوسي. وهناك، عرف من أحد الصبية الصدمة الثانية: لقد أُجبرت لوسي على الزواج من إينوك دريبر بالقوة قبل يومين فقط، تحت تهديد السلاح ومباركة بريجام يانغ.
لكن المأساة لم تتوقف هنا؛ فـ"زهرة يوتا" الجميلة لم تتحمل هذا الظلم وهذا الرعب. لم يمضِ على زواجها القسري سوى ثلاثة أسابيع فقط، حتى ذبلت وماتت قهراً وحزناً وبكاءً على حبيبها جيفيرسون ووالدها الراحل.
في ليلة جنازتها، تسلل جيفيرسون كالشبح إلى المقبرة. انتظر حتى انصرف الجميع، ثم اقترب من القبر المفتوح، ونظر إلى وجه حبيبته الراحلة للمرة الأخيرة. انحنى، ونزع من أصبعها خاتم الزواج الذهبي الذي أجبرها دريبر على ارتدائه، وقال بهمس حاد: "هذا الخاتم سيكون شاهدًا على موتهما!".
ومنذ تلك الليلة، اختفى جيفيرسون هوب في الجبال، وتحول من صياد طيب إلى شبح للموت، يخطط وينتظر الفرصة لتبدأ رحلة الانتقام الكبرى...
❤2
بعد موت لوسي، لم يعد لجيفيرسون هوب أي شيء يخسره في هذه الحياة. عاش في الجبال كـالوحش الكاسر، يخطط لخطوته القادمة. كانت خطته الأولى بسيطة: التسلل إلى المدينة واغتيال إينوك دريبر وجوزيف ستانغرسون في بيوتهما.
وبالفعل، حاول جيفيرسون ذلك عدة مرات؛ ففي إحدى الليالي، أطلق رصاصة من بندقيته عبر نافذة غرفة دريبر، لكنها أخطأته ببضع بوصات. وفي ليلة أخرى، كمن لستانغرسون في ممر مظلم وحاول خنقه، لكن المارة أنقذوه في اللحظة الأخيرة.
أدرك المجرمان (دريبر وستانغرسون) أن هذا الشبح الذي يلاحقهما لن يتركهما يعيشان بسلام، واجتاحهما رعب شديد. وبمرور السنوات، ضعفت قوة جماعة المورمون في ولاية يوتا بعد تدخل الحكومة الأمريكية، وانشقت الجماعة. استغل دريبر وستانغرسون هذه الفرصة، فجمعا ثروتيهما الطائلتين وهربا سراً من "مدينة الملح" بأكملهما، واختفيا عن الأنظار.
عندما علم جيفيرسون بهروبهما، لم يتراجع. تتبع أثرهما من مدينة أمريكية إلى أخرى: من سولت ليك إلى شيكاغو، ثم إلى نيويورك. وفي كل مدينة كان يصل إليها، كان يكتشف أنهما غادراها قبل أيام خوفاً منه.
أخيرًا، ركب المجرمان سفينة عبر المحيط الأطلسي متوجهين إلى أوروبا، وظنا أن المحيط الواسع سيكون جداراً يحميهما من غضب هذا الرجل. لكن جيفيرسون، ورغم أنه كان مفلساً ويعاني من مرض شديد في قلبه (تمدد الشريان الأورطي نتيجة الجهد)، عمل كعامل نظافة على متن سفينة أخرى ولحق بهما عبر المحيط!
وصلا إلى أوروبا، وتنقلا بين عواصمها الكبرى: باريس، ومدريد، وكوبنهاجن. وكان جيفيرسون خلفهما كظلهما، يبيت في الشوارع، ويتضور جوعاً، لكن نار الانتقام كانت تدفئه وتمنحه قوة خارقة للاستمرار.
أخيرًا، في عام 1881، وصلت المطاردة إلى محطتها الأخيرة: عاصمة الضباب، لندن.
استأجر دريبر وستانغرسون غرفاً فخمة في فندق "هاليداي" في لندن، وكانا يظنان أن الزحام الهائل لهذه المدينة التي يقطنها الملايين سيخفيهما تماماً. ولكي يكسب عيشه ويراقب الفنادق دون أن يثير الشبهات، اشترى جيفيرسون هوب عربة حنطور قديمة وعمل كسائق عربة أجرة في شوارع لندن.
كان يطوف بسيارته حول الفندق يومياً وعيناه الصقريتان تراقبان الأبواب. وفي إحدى الليالي الممطرة، خرج إينوك دريبر من الفندق وحيداً وهو في حالة سكر شديد بعد شجار مع سكرتيره ستانغرسون، وأشار بيده لأقرب عربة أجرة لتركبها.
انطلقت العربة واقتربت منه، وانفتح الباب. صعد دريبر وجلس على المقعد الفخم، وطلب من السائق التوجه إلى عنوان معين.
التفت السائق ونظر إليه عبر النافذة الصغيرة، وابتسم ابتسامة مرعبة وسط الظلام؛ فقد كان السائق هو جيفيرسون هوب بنفسه، والضحية قد وقعت في الفخ أخيراً بعد عشر سنوات من الانتظار والمطاردة!
وبالفعل، حاول جيفيرسون ذلك عدة مرات؛ ففي إحدى الليالي، أطلق رصاصة من بندقيته عبر نافذة غرفة دريبر، لكنها أخطأته ببضع بوصات. وفي ليلة أخرى، كمن لستانغرسون في ممر مظلم وحاول خنقه، لكن المارة أنقذوه في اللحظة الأخيرة.
أدرك المجرمان (دريبر وستانغرسون) أن هذا الشبح الذي يلاحقهما لن يتركهما يعيشان بسلام، واجتاحهما رعب شديد. وبمرور السنوات، ضعفت قوة جماعة المورمون في ولاية يوتا بعد تدخل الحكومة الأمريكية، وانشقت الجماعة. استغل دريبر وستانغرسون هذه الفرصة، فجمعا ثروتيهما الطائلتين وهربا سراً من "مدينة الملح" بأكملهما، واختفيا عن الأنظار.
عندما علم جيفيرسون بهروبهما، لم يتراجع. تتبع أثرهما من مدينة أمريكية إلى أخرى: من سولت ليك إلى شيكاغو، ثم إلى نيويورك. وفي كل مدينة كان يصل إليها، كان يكتشف أنهما غادراها قبل أيام خوفاً منه.
أخيرًا، ركب المجرمان سفينة عبر المحيط الأطلسي متوجهين إلى أوروبا، وظنا أن المحيط الواسع سيكون جداراً يحميهما من غضب هذا الرجل. لكن جيفيرسون، ورغم أنه كان مفلساً ويعاني من مرض شديد في قلبه (تمدد الشريان الأورطي نتيجة الجهد)، عمل كعامل نظافة على متن سفينة أخرى ولحق بهما عبر المحيط!
وصلا إلى أوروبا، وتنقلا بين عواصمها الكبرى: باريس، ومدريد، وكوبنهاجن. وكان جيفيرسون خلفهما كظلهما، يبيت في الشوارع، ويتضور جوعاً، لكن نار الانتقام كانت تدفئه وتمنحه قوة خارقة للاستمرار.
أخيرًا، في عام 1881، وصلت المطاردة إلى محطتها الأخيرة: عاصمة الضباب، لندن.
استأجر دريبر وستانغرسون غرفاً فخمة في فندق "هاليداي" في لندن، وكانا يظنان أن الزحام الهائل لهذه المدينة التي يقطنها الملايين سيخفيهما تماماً. ولكي يكسب عيشه ويراقب الفنادق دون أن يثير الشبهات، اشترى جيفيرسون هوب عربة حنطور قديمة وعمل كسائق عربة أجرة في شوارع لندن.
كان يطوف بسيارته حول الفندق يومياً وعيناه الصقريتان تراقبان الأبواب. وفي إحدى الليالي الممطرة، خرج إينوك دريبر من الفندق وحيداً وهو في حالة سكر شديد بعد شجار مع سكرتيره ستانغرسون، وأشار بيده لأقرب عربة أجرة لتركبها.
انطلقت العربة واقتربت منه، وانفتح الباب. صعد دريبر وجلس على المقعد الفخم، وطلب من السائق التوجه إلى عنوان معين.
التفت السائق ونظر إليه عبر النافذة الصغيرة، وابتسم ابتسامة مرعبة وسط الظلام؛ فقد كان السائق هو جيفيرسون هوب بنفسه، والضحية قد وقعت في الفخ أخيراً بعد عشر سنوات من الانتظار والمطاردة!
❤3
🔴 الفصل الرابع عشر والأخير: ختام اللغز القرمزي
❤3
قاد جيفيرسون هوب عربته وسط أمطار لندن وضبابها، وهو يشعر بالدم يغلي في عروقه. لم يتوجه إلى العنوان الذي طلبه إينوك دريبر، بل انطلق به مباشرة نحو ذلك المنزل المهجور الكئيب في شارع بريستون، والذي كان جيفيرسون قد عثر عليه مسبقاً وتأكد أنه خالٍ تماماً من السكان.
عندما توقفت العربة، كان دريبر قد بدأ يستفيق من سكره، ونظر حوله بحيرة. فتح جيفيرسون الباب ودفع دريبر بقوة إلى داخل الغرفة المظلمة، وأشعل شمعة صغيرة كانت معه.
التفت دريبر برعب وقال: "أين نحن؟ ومن أنت؟".
خلع جيفيرسون قبعته الطويلة، وسلط ضوء الشمعة على وجهه، وقال بصوت حاد كالسيف: "انظر إلى وجهي جيداً يا إينوك دريبر! ألا تتذكرني؟ أنا جيفيرسون هوب، خطيب لوسي فيرير التي قتلتم والدها وسرقتم حياتها!".
سقط دريبر على ركبتيه وهو يرتجف من أقصى درجات الرعب، وتشنجت ملامحه (وهو التعبير الذي رآه واتسون على الجثة لاحقاً). أخرج جيفيرسون من جيبه علبة الدواء الصغيرة التي تحتوي على الحبتين، وقال له بقسوة: "أنا لست قاتلاً مأجوراً، ولن أزهق روحك غدراً. لقد ماتت لوسي بسبب ظلمكم، ودعنا نرى ما حكم العدالة الإلهية الليلة. أمامك حبتان؛ واحدة سم قاتل، والأخرى دواء مغشوش. اختر واحدة وتجرعها، وسآخذ أنا الحبة المتبقية!".
أجبر جيفيرسون دريبر تحت تهديد السلاح على الاختيار. ابتلع دريبر الخائف إحدى الحبتين، وما هي إلا ثوانٍ حتى تشنج جسده وسقط على الأرض ميتاً والألم يعتصر ملامحه، فقد اختار حبة السم!
نظر جيفيرسون إلى الجثة، وبسبب شدة انفعاله وفرحة الانتقام، نزف أنفه بغزارة، فمسح الدم بيده وكتب به على الحائط كلمة "RACHE" (الانتقام) ليضلل الشرطة. وأثناء خروجه مستعجلاً، سقط منه خاتم زواج لوسي الذهبي دون أن ينتبه.
بعد ذلك بليلة، توجه جيفيرسون إلى فندق "هاليداي" لينهي انتقامه من المجرم الثاني جوزيف ستانغرسون. تسلل عبر النافذة إلى غرفته، وواجهه بنفس الطريقة وعرض عليه حبتي الدواء (العلبة التي عثر عليها ليستراد لاحقاً). لكن ستانغرسون رفض بقوة وهاجم جيفيرسون محاولاً خنقه والصراخ، فلم يكن أمام جيفيرسون خيار سوى طعنه في قلبه مباشرة بسكينه ليدافع عن نفسه وينهي ثأره، ثم كتب نفس الكلمة بالدم وهرب.
العودة إلى شارع بيكر
بهذا الاعتراف الكامل الذي أدلى به جيفيرسون هوب للمفتشين وللدكتور واتسون قبل موته في الزنزانة بسبب مرضه، انغلقت القضية تماماً، وبانت حقيقة "اللون القرمزي" الذي بدأ بجريمة في لندن وجذوره تمتد لعشر سنوات مضت في صحراء أمريكا.
في شقة شارع بيكر، كان هولمز يرتشف شايه بهدوء وهو ينظر إلى مذكرات الدكتور واتسون.
قال واتسون بابتسامة: "لقد كتبتُ كل شيء يا هولمز، من اللقاء الأول في المختبر، إلى الاستنتاجات العبقرية، والقبض على القاتل، والآن قصة أمريكا كاملة. سأسمي هذه الرواية (دراسة في اللون القرمزي)".
اتكأ هولمز على مقعده، وأمسك بكمانه وعزف لحناً هادئاً، ثم قال بصوته الرخيم: "عمل ممتاز يا واتسون. الجريمة هي الخيط الأحمر القرمزي الذي يمتد عبر نسيج الحياة عديم اللون، وواجبنا هو أن نفكه، ونعزله، ونكشفه بالكامل للعلن... وقد فعلنا ذلك بنجاح!".
عندما توقفت العربة، كان دريبر قد بدأ يستفيق من سكره، ونظر حوله بحيرة. فتح جيفيرسون الباب ودفع دريبر بقوة إلى داخل الغرفة المظلمة، وأشعل شمعة صغيرة كانت معه.
التفت دريبر برعب وقال: "أين نحن؟ ومن أنت؟".
خلع جيفيرسون قبعته الطويلة، وسلط ضوء الشمعة على وجهه، وقال بصوت حاد كالسيف: "انظر إلى وجهي جيداً يا إينوك دريبر! ألا تتذكرني؟ أنا جيفيرسون هوب، خطيب لوسي فيرير التي قتلتم والدها وسرقتم حياتها!".
سقط دريبر على ركبتيه وهو يرتجف من أقصى درجات الرعب، وتشنجت ملامحه (وهو التعبير الذي رآه واتسون على الجثة لاحقاً). أخرج جيفيرسون من جيبه علبة الدواء الصغيرة التي تحتوي على الحبتين، وقال له بقسوة: "أنا لست قاتلاً مأجوراً، ولن أزهق روحك غدراً. لقد ماتت لوسي بسبب ظلمكم، ودعنا نرى ما حكم العدالة الإلهية الليلة. أمامك حبتان؛ واحدة سم قاتل، والأخرى دواء مغشوش. اختر واحدة وتجرعها، وسآخذ أنا الحبة المتبقية!".
أجبر جيفيرسون دريبر تحت تهديد السلاح على الاختيار. ابتلع دريبر الخائف إحدى الحبتين، وما هي إلا ثوانٍ حتى تشنج جسده وسقط على الأرض ميتاً والألم يعتصر ملامحه، فقد اختار حبة السم!
نظر جيفيرسون إلى الجثة، وبسبب شدة انفعاله وفرحة الانتقام، نزف أنفه بغزارة، فمسح الدم بيده وكتب به على الحائط كلمة "RACHE" (الانتقام) ليضلل الشرطة. وأثناء خروجه مستعجلاً، سقط منه خاتم زواج لوسي الذهبي دون أن ينتبه.
بعد ذلك بليلة، توجه جيفيرسون إلى فندق "هاليداي" لينهي انتقامه من المجرم الثاني جوزيف ستانغرسون. تسلل عبر النافذة إلى غرفته، وواجهه بنفس الطريقة وعرض عليه حبتي الدواء (العلبة التي عثر عليها ليستراد لاحقاً). لكن ستانغرسون رفض بقوة وهاجم جيفيرسون محاولاً خنقه والصراخ، فلم يكن أمام جيفيرسون خيار سوى طعنه في قلبه مباشرة بسكينه ليدافع عن نفسه وينهي ثأره، ثم كتب نفس الكلمة بالدم وهرب.
العودة إلى شارع بيكر
بهذا الاعتراف الكامل الذي أدلى به جيفيرسون هوب للمفتشين وللدكتور واتسون قبل موته في الزنزانة بسبب مرضه، انغلقت القضية تماماً، وبانت حقيقة "اللون القرمزي" الذي بدأ بجريمة في لندن وجذوره تمتد لعشر سنوات مضت في صحراء أمريكا.
في شقة شارع بيكر، كان هولمز يرتشف شايه بهدوء وهو ينظر إلى مذكرات الدكتور واتسون.
قال واتسون بابتسامة: "لقد كتبتُ كل شيء يا هولمز، من اللقاء الأول في المختبر، إلى الاستنتاجات العبقرية، والقبض على القاتل، والآن قصة أمريكا كاملة. سأسمي هذه الرواية (دراسة في اللون القرمزي)".
اتكأ هولمز على مقعده، وأمسك بكمانه وعزف لحناً هادئاً، ثم قال بصوته الرخيم: "عمل ممتاز يا واتسون. الجريمة هي الخيط الأحمر القرمزي الذي يمتد عبر نسيج الحياة عديم اللون، وواجبنا هو أن نفكه، ونعزله، ونكشفه بالكامل للعلن... وقد فعلنا ذلك بنجاح!".
❤3
تمت الرواية الاولى كاملة بحمد الله (14 فصلاً).♦️♥️
❤3
كانت الغرفة في الشقة رقم (221B) بشارع بيكر هادئة، يلفها ضباب لندن الرمادي من الخارج. جلس شارلوك هولمز على مقعده المريح، وعيناه الحادتان تحدقان في سقف الغرفة بملل شديد. كان هولمز يعيش أصعب فتراته عندما لا تكون هناك قضايا معقدة؛ فعقله يشبه المحرك الجبار الذي إذا لم يجد ما يطحنه، بدأ في تدمير نفسه.
كنت أنا (الدكتور واتسون) جالساً في المقابل، أقرأ كتاباً طبياً وأراقب صديقي بقلق. التفت إليّ هولمز فجأة وقال بصوت مجهد: "يا واتسون، إن الوجود بدون عمل هو عذاب حقيقي بالنسبة لي! أنا لا أستطيع العيش دون تحدٍ ذهني، لندن أصبحت مملة، والمجرمون أصبحوا بلا خيال! أعطني قضية معقدة، أعطني لغزاً لا يمكن حله، وسأكون في قمة نشاطي، أما الآن.. فأنا أموت مللاً".
حاولت الترويح عنه وقلت: "صبرك يا صديقي، لقد حللت قضية (اللون القرمزي) منذ فترة وجيزة وأذهلت الجميع".
قاطعني باستهانة: "كانت قضية بسيطة ولم تأخذ مني جهداً. أنا بحاجة إلى لغز يختبر حدود عقلي!".
بينما كان هولمز يشتكي من هذا الركود، سمعنا خطوات خفيفة ومنتظمة تصعد درجات السلم الحجري، تلاها طرقات مهذبة على الباب. انفتح الباب لتتدخل السيدة هودسون (صاحبة المنزل) وتعلن عن وصول زائرة.
دخلت الغرفة شابة رقيقة، ترتدي ملابس بسيطة ذات ألوان داكنة ولكنها أنيقة للغاية. كان وجهها يحمل ملامح طيبة وهادئة، لكن عينيها الزرقاوين كانتا تشعان بالقلق والحيرة.
نهضتُ من مقعدي احتراماً لها، بينما اعتدل هولمز في جلسته وظهرت على وجهه علامات اليقظة والاهتمام فوراً؛ فقد شعر بذكائه أن هذه الزائرة لا تحمل مجرد زيارة عادية.
تقدمت الشابة وقالت بنبرة مهذبة ومترددة: "هل أنت السيد شارلوك هولمز؟ لقد نصحني أحد معارفي باللجوء إليك، وقال إنك تستطيع حل الأمور التي تعجز عنها الشرطة".
أجاب هولمز بصوت رخيم ومرحب: "نعم يا آنسة، أنا هو. تفضلي بالجلوس وأخبرينا بقصتك. هذا صديقي العزيز الدكتور واتسون، ويمكنك التحدث بحرية أمامه".
جلست الشابة وقالت: "اسمي ماري مورستان. وجئت إليكم لأنني أعيش وسط لغز غريب ومخيف بدأ قبل عشر سنوات، واليوم تلقيت رسالة جعلتني لا أنام من الخوف!".
انحنى هولمز إلى الأمام، وبرقت عيناه بحدة وقال: "أنا كلي آذان صاغية يا آنسة مورستان.. ابدئي بسرد التفاصيل، ولا تغفلي أي صغيرة أو كبيرة!".
كنت أنا (الدكتور واتسون) جالساً في المقابل، أقرأ كتاباً طبياً وأراقب صديقي بقلق. التفت إليّ هولمز فجأة وقال بصوت مجهد: "يا واتسون، إن الوجود بدون عمل هو عذاب حقيقي بالنسبة لي! أنا لا أستطيع العيش دون تحدٍ ذهني، لندن أصبحت مملة، والمجرمون أصبحوا بلا خيال! أعطني قضية معقدة، أعطني لغزاً لا يمكن حله، وسأكون في قمة نشاطي، أما الآن.. فأنا أموت مللاً".
حاولت الترويح عنه وقلت: "صبرك يا صديقي، لقد حللت قضية (اللون القرمزي) منذ فترة وجيزة وأذهلت الجميع".
قاطعني باستهانة: "كانت قضية بسيطة ولم تأخذ مني جهداً. أنا بحاجة إلى لغز يختبر حدود عقلي!".
بينما كان هولمز يشتكي من هذا الركود، سمعنا خطوات خفيفة ومنتظمة تصعد درجات السلم الحجري، تلاها طرقات مهذبة على الباب. انفتح الباب لتتدخل السيدة هودسون (صاحبة المنزل) وتعلن عن وصول زائرة.
دخلت الغرفة شابة رقيقة، ترتدي ملابس بسيطة ذات ألوان داكنة ولكنها أنيقة للغاية. كان وجهها يحمل ملامح طيبة وهادئة، لكن عينيها الزرقاوين كانتا تشعان بالقلق والحيرة.
نهضتُ من مقعدي احتراماً لها، بينما اعتدل هولمز في جلسته وظهرت على وجهه علامات اليقظة والاهتمام فوراً؛ فقد شعر بذكائه أن هذه الزائرة لا تحمل مجرد زيارة عادية.
تقدمت الشابة وقالت بنبرة مهذبة ومترددة: "هل أنت السيد شارلوك هولمز؟ لقد نصحني أحد معارفي باللجوء إليك، وقال إنك تستطيع حل الأمور التي تعجز عنها الشرطة".
أجاب هولمز بصوت رخيم ومرحب: "نعم يا آنسة، أنا هو. تفضلي بالجلوس وأخبرينا بقصتك. هذا صديقي العزيز الدكتور واتسون، ويمكنك التحدث بحرية أمامه".
جلست الشابة وقالت: "اسمي ماري مورستان. وجئت إليكم لأنني أعيش وسط لغز غريب ومخيف بدأ قبل عشر سنوات، واليوم تلقيت رسالة جعلتني لا أنام من الخوف!".
انحنى هولمز إلى الأمام، وبرقت عيناه بحدة وقال: "أنا كلي آذان صاغية يا آنسة مورستان.. ابدئي بسرد التفاصيل، ولا تغفلي أي صغيرة أو كبيرة!".
❤3
اعتدلت الآنسة ماري مورستان في جلستها، وبدأت تسرد قصتها بصوت هادئ ومؤثر:
"أنا ابنة الكابتن (أرثر مورستان)، الذي كان ضابطاً في الجيش البريطاني ويتولى قيادة فرقة عسكرية في جزر أندامان التابعة للهند. في عام 1878، حصل والدي على إجازة طويلة وعاد إلى لندن. أرسل لي برقية يخبرني فيها أنه وصل بسلام إلى فندق (لانغهام)، وطلب مني الحضور لرؤيته فوراً. كنت وقتها فتاة صغيرة أدرس في مدرسة داخلية، فأسرعت إلى الفندق وكلي شوق للقائه".
توقفت ماري للحظة، وظهرت مسحة من الحزن في عينيها قبل أن تتابع: "لكن عندما وصلت إلى الفندق، أخبرني موظف الاستقبال بكارثة؛ قال إن والدي خرج في الليلة السابقة ولم يعد! انتظرته طوال اليوم، وفتشنا غرفته فوجدنا أمتعته وملابسه والعديد من التذكارات القادمة من الهند، لكن والدي اختفى تماماً كأنه تبخر في الهواء! أبلغنا الشرطة، ونشرنا إعلانات في الصحف، لكن دون جدوى.. منذ ذلك اليوم، قبل عشر سنوات، لم أسمع عنه أي خبر".
سألها هولمز باهتمام: "وماذا عن أصدقائه في لندن؟ ألم يكن له معارف هنا؟".
أجابت: "لم يكن له سوى صديق واحد مقرب، وهو الكابتن (أشلي شولتو)، وكان معه في نفس الفرقة بالهند وتقاعد قبله وعاد إلى لندن. اتصلت به وقتها، لكنه أنكر تماماً علمه بوصول والدي إلى لندن، وقال إنه لم يره منذ أن كانا في الهند".
قال هولمز وهو يدون الملاحظات: "حسناً، هذه قصة الاختفاء.. وماذا عن اللآلئ الغامضة؟".
تنهست ماري وقالت: "هذا هو الجزء الأغرب! في الرابع من مايو عام 1882، أي بعد أربع سنوات من اختفاء والدي، ظهر إعلان في الصحيفة يطلب عنواني ويقول إن هناك أمراً ساراً في انتظاري. نشرتُ عنواني، وفي نفس اليوم وصلتني علبة صغيرة من الكرتون عبر البريد، وعندما فتحتها وجدت بداخلها لؤلؤة ثمينة جداً ونادرة، ولم تكن هناك أي رسالة معها! ومنذ ذلك اليوم، وفي نفس التاريخ (4 مايو) من كل عام، تصلني علبة مشابهة وبداخلها لؤلؤة فريدة وثمينة. واليوم، لدي ست لآلئ من أثمن ما يكون، لكنني لا أعرف من يرسلها ولماذا!".
أخرجت ماري علبة صغيرة من حقيبتها وفتحتها، فبرقت في الداخل ست لآلئ رائعة الجمال واللمعان.
ثم أخرجت ورقة مطوية وقالت بنبرة مرتجفة: "أما اليوم، فقد استلمت هذه الرسالة، وهي السبب الحقيقي لقدومي إليك".
أخذ هولمز الرسالة بسرعة وفتحها، وقرأها بصوت مسموع:
التفتت ماري إلى هولمز وقالت: "أنا في حيرة وخوف شديدين يا سيد هولمز، أرجوك أخبرني ماذا أفعل؟".
برقت عينا هولمز بحماس وصاح: "هذا لغز رائع ومميز! بالتأكيد سنذهب معكِ يا آنسة. أنا والدكتور واتسون سنكون مرافِقَيكِ الليلة في الساعة الثامنة. لا تقلقي أبداً، سنكشف هوية هذا الصديق المجهول!".
شكرتنا ماري بحرارة وودعتنا على أن نلتقي مساءً. التفتُّ إلى هولمز فوجدته قد غرق في التفكير، بينما كنت أنا أفكر في رقة وجمال الآنسة ماري التي سحرتني منذ اللحظة الأولى.
"أنا ابنة الكابتن (أرثر مورستان)، الذي كان ضابطاً في الجيش البريطاني ويتولى قيادة فرقة عسكرية في جزر أندامان التابعة للهند. في عام 1878، حصل والدي على إجازة طويلة وعاد إلى لندن. أرسل لي برقية يخبرني فيها أنه وصل بسلام إلى فندق (لانغهام)، وطلب مني الحضور لرؤيته فوراً. كنت وقتها فتاة صغيرة أدرس في مدرسة داخلية، فأسرعت إلى الفندق وكلي شوق للقائه".
توقفت ماري للحظة، وظهرت مسحة من الحزن في عينيها قبل أن تتابع: "لكن عندما وصلت إلى الفندق، أخبرني موظف الاستقبال بكارثة؛ قال إن والدي خرج في الليلة السابقة ولم يعد! انتظرته طوال اليوم، وفتشنا غرفته فوجدنا أمتعته وملابسه والعديد من التذكارات القادمة من الهند، لكن والدي اختفى تماماً كأنه تبخر في الهواء! أبلغنا الشرطة، ونشرنا إعلانات في الصحف، لكن دون جدوى.. منذ ذلك اليوم، قبل عشر سنوات، لم أسمع عنه أي خبر".
سألها هولمز باهتمام: "وماذا عن أصدقائه في لندن؟ ألم يكن له معارف هنا؟".
أجابت: "لم يكن له سوى صديق واحد مقرب، وهو الكابتن (أشلي شولتو)، وكان معه في نفس الفرقة بالهند وتقاعد قبله وعاد إلى لندن. اتصلت به وقتها، لكنه أنكر تماماً علمه بوصول والدي إلى لندن، وقال إنه لم يره منذ أن كانا في الهند".
قال هولمز وهو يدون الملاحظات: "حسناً، هذه قصة الاختفاء.. وماذا عن اللآلئ الغامضة؟".
تنهست ماري وقالت: "هذا هو الجزء الأغرب! في الرابع من مايو عام 1882، أي بعد أربع سنوات من اختفاء والدي، ظهر إعلان في الصحيفة يطلب عنواني ويقول إن هناك أمراً ساراً في انتظاري. نشرتُ عنواني، وفي نفس اليوم وصلتني علبة صغيرة من الكرتون عبر البريد، وعندما فتحتها وجدت بداخلها لؤلؤة ثمينة جداً ونادرة، ولم تكن هناك أي رسالة معها! ومنذ ذلك اليوم، وفي نفس التاريخ (4 مايو) من كل عام، تصلني علبة مشابهة وبداخلها لؤلؤة فريدة وثمينة. واليوم، لدي ست لآلئ من أثمن ما يكون، لكنني لا أعرف من يرسلها ولماذا!".
أخرجت ماري علبة صغيرة من حقيبتها وفتحتها، فبرقت في الداخل ست لآلئ رائعة الجمال واللمعان.
ثم أخرجت ورقة مطوية وقالت بنبرة مرتجفة: "أما اليوم، فقد استلمت هذه الرسالة، وهي السبب الحقيقي لقدومي إليك".
أخذ هولمز الرسالة بسرعة وفتحها، وقرأها بصوت مسموع:
"آنسة مورستان، اذهبي الليلة في الساعة الثامنة إلى مسرح (ليسيوم) واقفي تحت العمود الثالث من جهة اليسار. إذا كنتِ خائفة، يمكنكِ إحضار صديقين معكِ بشرط ألا يكونا من رجال الشرطة. لقد تعرضتِ لظلم كبير، وسيتم إنصافكِ الليلة.. من صديق مجهول".
التفتت ماري إلى هولمز وقالت: "أنا في حيرة وخوف شديدين يا سيد هولمز، أرجوك أخبرني ماذا أفعل؟".
برقت عينا هولمز بحماس وصاح: "هذا لغز رائع ومميز! بالتأكيد سنذهب معكِ يا آنسة. أنا والدكتور واتسون سنكون مرافِقَيكِ الليلة في الساعة الثامنة. لا تقلقي أبداً، سنكشف هوية هذا الصديق المجهول!".
شكرتنا ماري بحرارة وودعتنا على أن نلتقي مساءً. التفتُّ إلى هولمز فوجدته قد غرق في التفكير، بينما كنت أنا أفكر في رقة وجمال الآنسة ماري التي سحرتني منذ اللحظة الأولى.
❤1