رُبَّ إخفاقٍ أو حِرمانٍ تلتحِفُه رَحْمَةٌ ولُطفٌ، بل ونَجاةٌ عظيمةٌ:
يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
فكم يمنع الله عن العبد شيئًا يحبه، لكن في المنع عناية ورحمة لا يراها العبد في حينها، فالرحمة واللطف الإلهي يظهران كثيرًا في صورة خفيَّة، حيث يتحول الحرمان إلى نجاة من فتنة أو دفع بلاء أعظم أو تطهير للنفس. وهذا أحد أهم جوانب الرضا بالقضاء، حيث يكتشف المؤمن أن ما حُرم منه كان من لوازم سلامته الروحية أو نجاته الأخروي.
إنَّ الإنسان عمومًا عندما يمر بتجربة إخفاق أو يُحرم من شيءٍ تمنَّاه بشدة، فإن المشاعر الطبيعية التي تسيطر عليه أولاً هي الإحباط والخذلان وربما الإحساس بالظلم أو العجز. غير أن هذا الوجه الظاهر ليس سوى سطح التجربة، إنَّها القشرة التي يراها من نصيبة الذي لم يتحقق له، فظنَّ -وقد أساء الظن بربه- أنَّ ربه قلاه وتركه، ولم يعلم أنَّ عين الله كانت ترعاه وتحميه من مآلات محبوباته ورغباته التي هي في حقيقتها ضارة له وفيها ما يجهل حقيقته. إنَّ النفس البشرية تميل إلى ربط قيمتها بما تناله أو تفشل في نيله، وكأن النجاح أو الحصول هو مرآتها الوحيدة. لكن الحقيقة الأعمق أن الإخفاق أحيانًا هو إعادة توجيه للروح، إنَّها حياة جديدة، وفرصة لإعادة تعريف معنى السعادة والجدوى، وفك ارتباطها بما هو زائل أو هش.
فالحرمان هنا يمكن أن يكون أداة حماية نفسية غير مدركة، تصرف النفس عن التعلق بما قد يهلكها أو يضعفها أو يفسدها على المدى البعيد، وكثيرًا ما يكشف الزمن أن ما نراه اليوم خسارة كان في باطنه نجاة من ألمٍ أكبر.
وفي الحديث الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ اللهَ تعالى لَيحمي عبدَه المؤمنَ من الدنيا، وهو يُحبُّه، كما تحمون مريضَكم الطعامَ والشرابَ تخافون عليه).
فقد يمنع اللهُ عبدَه المؤمنَ شيئًا يراه الناسُ فضلًا وخيرًا، وما هو عند الله إلا حِفظٌ ورحمةٌ واصطفاء. فكما يحمي الإنسانُ مريضَه من ماءٍ قد يضرّه، يحمي اللهُ أولياءَه من دنيا قد تفتن قلوبهم، فحرمانُ المؤمن ليس سخطًا، بل لطفٌ خفيٌّ، وتمحيصٌ يرفع درجته، واختيارٌ من الله لما هو أنفع له في دنياه وآخرته.
يعلق ابن تيميَّة بقوله: "في مناجاة موسى المأثورة عن وهب التي رواها الإمام أحمد في كتاب الزهد يقول الله تعالى: (إني لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها، كما يذود الراعي الشفيق إِبِلَه عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سكونها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إِبِلَه عن مبارك العُرَّة، وما ذلك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالمـًا موفرًا لم تَكْلُمْهُ الدنيا، ولم يُطْفِئْهُ الهوى، وإنما شفاء المريض بزوال مرضه)".
وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ). قال ابن كثير: "أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم، فإنه لو قدر شيء لكان...قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا والحزن صبرًا".
فالإخفاق أو الحرمان ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون رحمة مستترة، فالله أحيانًا يُغلق بابًا لأن خلفه فتنة في الدين، أو إغراق في الدنيا، أو فساد في الأخلاق أو ما لا يعلمه العبد لكنه ربه يعلمه. واللطيف الخبير يحميه ويربيه ويحفظه لأنه يحبه، وهنا يتجلى الإيمان في المؤمن، ويظهر إدراكه أنه لا يُدرك الحكمة الإلهيَّة لحظتها، لكن يُكشف له بعد حين، والرب يُدَّخر له الأجر في الآخرة. فالمؤمن يستحضر أنه في إخفاقه تلتبس رحمة وحنان، وأن وراء الحرمان حكمة، وذلك يحرّره نفسيًا من حبائل الشيطان وظنونه السوداويَّة ومن الاستغراق في الألم والحزن الطويل، فاليقين بأن الحرمان قد يكون نجاة يبدل طاقة الإحباط إلى طاقة تسليم وطمأنينة، فينتج ذلك الصحة النفسية، فالنفس تهدأ حين تعلم أنها لم تُترك للعبث، بل تحت تدبير إلهي حكيم خبير عليم، وهكذا هو الإيمان، يُثبّت القلب فلا يذوب تحت الضغط، بل يستقبل الحرمان والإخفاق على أنه رسالة رحمة، وأنه بداية جديدة تتطلب العمل وبذلك الأسباب.
إن هذا الإدراك ليس مجرد حكمة فقط، بل هو جوهر الإيمان وحسن الظن بالرب، وهو قاعدة في النفس والروح، يجعلك تؤمن أن ما يغيب عنك قد يكون أعظم هدية أُخفيت عنك، لأن بقاءك بدوه هو عين اللطف، وتذكر دومًا أنَّ السلامة في الدين أعظم من كل مكسب دنيوي: في الأشخاص أو الأشياء.
يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
فكم يمنع الله عن العبد شيئًا يحبه، لكن في المنع عناية ورحمة لا يراها العبد في حينها، فالرحمة واللطف الإلهي يظهران كثيرًا في صورة خفيَّة، حيث يتحول الحرمان إلى نجاة من فتنة أو دفع بلاء أعظم أو تطهير للنفس. وهذا أحد أهم جوانب الرضا بالقضاء، حيث يكتشف المؤمن أن ما حُرم منه كان من لوازم سلامته الروحية أو نجاته الأخروي.
إنَّ الإنسان عمومًا عندما يمر بتجربة إخفاق أو يُحرم من شيءٍ تمنَّاه بشدة، فإن المشاعر الطبيعية التي تسيطر عليه أولاً هي الإحباط والخذلان وربما الإحساس بالظلم أو العجز. غير أن هذا الوجه الظاهر ليس سوى سطح التجربة، إنَّها القشرة التي يراها من نصيبة الذي لم يتحقق له، فظنَّ -وقد أساء الظن بربه- أنَّ ربه قلاه وتركه، ولم يعلم أنَّ عين الله كانت ترعاه وتحميه من مآلات محبوباته ورغباته التي هي في حقيقتها ضارة له وفيها ما يجهل حقيقته. إنَّ النفس البشرية تميل إلى ربط قيمتها بما تناله أو تفشل في نيله، وكأن النجاح أو الحصول هو مرآتها الوحيدة. لكن الحقيقة الأعمق أن الإخفاق أحيانًا هو إعادة توجيه للروح، إنَّها حياة جديدة، وفرصة لإعادة تعريف معنى السعادة والجدوى، وفك ارتباطها بما هو زائل أو هش.
فالحرمان هنا يمكن أن يكون أداة حماية نفسية غير مدركة، تصرف النفس عن التعلق بما قد يهلكها أو يضعفها أو يفسدها على المدى البعيد، وكثيرًا ما يكشف الزمن أن ما نراه اليوم خسارة كان في باطنه نجاة من ألمٍ أكبر.
وفي الحديث الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ اللهَ تعالى لَيحمي عبدَه المؤمنَ من الدنيا، وهو يُحبُّه، كما تحمون مريضَكم الطعامَ والشرابَ تخافون عليه).
فقد يمنع اللهُ عبدَه المؤمنَ شيئًا يراه الناسُ فضلًا وخيرًا، وما هو عند الله إلا حِفظٌ ورحمةٌ واصطفاء. فكما يحمي الإنسانُ مريضَه من ماءٍ قد يضرّه، يحمي اللهُ أولياءَه من دنيا قد تفتن قلوبهم، فحرمانُ المؤمن ليس سخطًا، بل لطفٌ خفيٌّ، وتمحيصٌ يرفع درجته، واختيارٌ من الله لما هو أنفع له في دنياه وآخرته.
يعلق ابن تيميَّة بقوله: "في مناجاة موسى المأثورة عن وهب التي رواها الإمام أحمد في كتاب الزهد يقول الله تعالى: (إني لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها، كما يذود الراعي الشفيق إِبِلَه عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سكونها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إِبِلَه عن مبارك العُرَّة، وما ذلك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالمـًا موفرًا لم تَكْلُمْهُ الدنيا، ولم يُطْفِئْهُ الهوى، وإنما شفاء المريض بزوال مرضه)".
وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ). قال ابن كثير: "أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم، فإنه لو قدر شيء لكان...قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا والحزن صبرًا".
فالإخفاق أو الحرمان ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون رحمة مستترة، فالله أحيانًا يُغلق بابًا لأن خلفه فتنة في الدين، أو إغراق في الدنيا، أو فساد في الأخلاق أو ما لا يعلمه العبد لكنه ربه يعلمه. واللطيف الخبير يحميه ويربيه ويحفظه لأنه يحبه، وهنا يتجلى الإيمان في المؤمن، ويظهر إدراكه أنه لا يُدرك الحكمة الإلهيَّة لحظتها، لكن يُكشف له بعد حين، والرب يُدَّخر له الأجر في الآخرة. فالمؤمن يستحضر أنه في إخفاقه تلتبس رحمة وحنان، وأن وراء الحرمان حكمة، وذلك يحرّره نفسيًا من حبائل الشيطان وظنونه السوداويَّة ومن الاستغراق في الألم والحزن الطويل، فاليقين بأن الحرمان قد يكون نجاة يبدل طاقة الإحباط إلى طاقة تسليم وطمأنينة، فينتج ذلك الصحة النفسية، فالنفس تهدأ حين تعلم أنها لم تُترك للعبث، بل تحت تدبير إلهي حكيم خبير عليم، وهكذا هو الإيمان، يُثبّت القلب فلا يذوب تحت الضغط، بل يستقبل الحرمان والإخفاق على أنه رسالة رحمة، وأنه بداية جديدة تتطلب العمل وبذلك الأسباب.
إن هذا الإدراك ليس مجرد حكمة فقط، بل هو جوهر الإيمان وحسن الظن بالرب، وهو قاعدة في النفس والروح، يجعلك تؤمن أن ما يغيب عنك قد يكون أعظم هدية أُخفيت عنك، لأن بقاءك بدوه هو عين اللطف، وتذكر دومًا أنَّ السلامة في الدين أعظم من كل مكسب دنيوي: في الأشخاص أو الأشياء.
❤49👍5😭4👏2🥰1
هل يجب على الإنسان أن يفقد الشيء الذي يحبه أولاً ليقوم بإعادة اكتسابه من جديد ليكون أكثر وعيًا بأهميته وأعمق معرفة بقيمته؟!
💔35❤16💯7😭3🤔2✍1😢1
الموفق الرشيد من الناس من يعرف نعمة الأشياء التي وُهبَت له قبل زوالها، فإن كثيرًا من تلك النِعَم إذا زالت لم تعد أبدًا.
❤32💔6💯4😭3🔥2
كثيرًا ما يكون أشد الناس كِبرًا أمام الله وأقلهم خشية له، هو أكثرهم صغارًا أمام الناس وأشدهم خوفًا ورعبًا منهم.
💯13😭6👍3❤2
قال الله عن مريم عليها السلام: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا}.
قال الشيخ السعدي: "{إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ}أي. ألتجئ به وأعتصم برحمته، أن تنالني بسوء. {إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا}، أي: إن كنت تخاف الله، وتعمل بتقواه، فاترك التعرض لي، فجمعت بين الاعتصام بربها، وبين تخويفه وترهيبه، وأمره بلزوم التقوى، وهي في تلك الحالة الخالية، والشباب، والبعد عن الناس، وهو في ذلك الجمال الباهر، والبشرية الكاملة السوية، ولم ينطق لها بسوء، أو يتعرض لها، وإنما ذلك خوف منها، وهذا أبلغ ما يكون من العفة، والبعد عن الشر وأسبابه.وهذه العفة -خصوصًا مع اجتماع الدواعي، وعدم المانع- من أفضل الأعمال".
قلتُ: ومن أعظم معايير اختبار صدق الحب أو زيفه، النظر إلى سلوك المحبوب معك، هل هو سلوك من يخشى الله فيك ويراقب مرضاته في أفعاله معك أم هو سلوك من لا يخشاه ولا يرعى حرماته؟ فإن العبد الذي لا ترده مخافة الله عن شيء، لم يرده شيء بعد ذلك عن استغلالك، والعبث بك، ثم لفظك كما تلفظ الأشياء المنبوذة المتروكة المهجورة.
قال الشيخ السعدي: "{إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ}أي. ألتجئ به وأعتصم برحمته، أن تنالني بسوء. {إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا}، أي: إن كنت تخاف الله، وتعمل بتقواه، فاترك التعرض لي، فجمعت بين الاعتصام بربها، وبين تخويفه وترهيبه، وأمره بلزوم التقوى، وهي في تلك الحالة الخالية، والشباب، والبعد عن الناس، وهو في ذلك الجمال الباهر، والبشرية الكاملة السوية، ولم ينطق لها بسوء، أو يتعرض لها، وإنما ذلك خوف منها، وهذا أبلغ ما يكون من العفة، والبعد عن الشر وأسبابه.وهذه العفة -خصوصًا مع اجتماع الدواعي، وعدم المانع- من أفضل الأعمال".
قلتُ: ومن أعظم معايير اختبار صدق الحب أو زيفه، النظر إلى سلوك المحبوب معك، هل هو سلوك من يخشى الله فيك ويراقب مرضاته في أفعاله معك أم هو سلوك من لا يخشاه ولا يرعى حرماته؟ فإن العبد الذي لا ترده مخافة الله عن شيء، لم يرده شيء بعد ذلك عن استغلالك، والعبث بك، ثم لفظك كما تلفظ الأشياء المنبوذة المتروكة المهجورة.
❤27👍9❤🔥2😢2💯2😭2👏1
"إن شئت أن تصير من [أولياء الله] فحول خلقك إلى بعض خلق الاطفال، ففيهم خمس خصال لو كانت فى الكبار لكانوا [أولياءً]: لا يهتمون للرزق، ولا يشكون من خالقهم إذا مرضوا، ويأكلون الطعام مجتمعين، وإذا خافوا جرت عيونهم بالدموع، وإذا تخاصموا لم يتجاوزوا وتسارعوا الى الصلح". أبو الحسن بن قفل
❤43❤🔥13👍3💯3😢2👏1
المحب لا يسمع في طلب الحبيب سؤالًا فحسب، بل يسمع وراءه احتمالًا للخذلان ويرى خلفه حياء في كبرياء، فيستعجل رضاه ولو تأخر رضاه عن نفسه؛ وهكذا قد تصبح (نعم) أصدق تعبير عن الحب، وأشد الشواهد على ما يختبئ فيه من خوف الفقد، إذ لا يكون أعظم ما يمنحه المحب ما يملكه، بل ما يتخلى عنه من رغباته كيلا يرى الحزن في عيني من يحب. فكلمة (نعم) لا تخرج من القلب المحب كما تخرج من سواه؛ فهي عنده ليست حرفين يُنطق بهما، بل شيءٌ من روحه يمنحها طائعًا، ورغبة تُخفي ارتجافها خلف الطاعة، وحنان يوافق على ما لا يريده، لا عجزًا عن الرفض، بل عجزًا عن رد من يحب خائبًا.
❤33❤🔥3👏3
أكثر الكلمات ابتذالًا على ألسنة الناس كلمة (الحب)، حتى لكأن كثرة تداولها قد استنزفت معناها، فلم يبق منها إلا اسم يستعيره الجسد لرغبته، وتستعيره العاطفة لاضطرابها، وتقف وراءه النفس مختبأة حين تعجز عن التمييز بين لذة الامتلاك وبهجة الاتصال بالروح. وليس كل انجذاب حبًّا، ولا كل اشتعال شغفًا، ولا كل ما يهز القلب يلامس أعماقه؛ فقد تضطرم المشاعر في لحظة، ثم لا تترك وراءها إلا رمادًا، لأن ما أشعلها كان عابرًا في طبيعته، مهما بدا عاصفًا في أثره. أما الحب الذي يستحق اسمه، فله من الطهارة ما يصونه من الابتذال، ومن العمق ما يعجز الكلام عن استيعابه، ومن السمو ما يجعل صاحبيه كأنهما يتعارفان في منطقة خفية من الوجود لا تبلغها الحواس وحدها، في زوايا عالم الروح. إنهما لا يحتاجان إلى فيض العبارات ليتيقنا مما بينهما؛ إذ قد تقول نظرة مقتضبة ما تعجز عنه خطب طويلة، وقد يختصر الصمت بينهما تاريخًا كاملًا من البوح، حتى ليبدو لمن يرقبهما أن شيئًا لم يحدث، بينما تعبر في أعماقهما عواصف من الوجد لا يسمع هديرها سواهما. وفي هذا الحب مفارقة لا يدركها إلا من ذاقه: إنه سيل هادر في الباطن، وسكينة وادعة في الظاهر؛ شغف لا يخمد، ووقار لا يضطرب؛ افتتان لا يبتذل المحبوب، وتعلق لا يحوله إلى شيء يُمتلك ليستخدم ثم يستغنى عنه، بل يزداد به إدراكًا لفرادته وجماله. وحين يكون الحب كذلك، لا تعود الأيام خصمًا له، ولا يصبح تقادم العمر نذيرًا بأفوله؛ فما يفعله الزمن ليس أنه ينتزع منه بريق البدايات، بل إنه ينفذ به إلى طبقات أعمق من النفس، حيث تتساقط زينة الانبهار الأولى، ويبقى الجوهر عاريًا من كل ادعاء، أشد رسوخًا وأصدق معرفة بالمحبوب. فليس الحب الخالد أن تظل ترتجف أمامه كما ارتجفت أول مرة، بل أن تعرفه بعد انكشاف أوهامك، وبعد أن ترى ضعفه ونقصه وتقلباته، ثم تجد في روحك ما يزال يختاره، لا لأنك أسير نشوة عابرة، بل لأن بينكما قرابة لا تفسرها الرغبة وحدها، يمتزج فيها فرح اللقاء بالدموع التي تعجز عن الكلام، لترسم لوحة يعجز عن رسمها أعظم فنان. وذلك لأن ما يتصل بالجسد قد يشتعل حتى يحرق نفسه، أما ما يتصل بالروح فلا تنطفئ جذوته؛ فالروح وحدها تمنحه معناه الذي يقاوم الفقد، ويعبر تحولات العمر، ويظل حيًّا حتى حين لا يبقى من اللقاء إلا الذكرى. وما كان عميقًا في الروح فإنه يضمن له العمق خلودًا، ويمنحه جذورًا أقدر على احتمال العواصف؛ أما ما لم يتجاوز سطح الرغبة، فقد يزول بانقضائها، تاركًا خلفه سؤالًا موجعًا: أكان حبًّا حقًّا، أم أننا أطلقنا اسم الحب على حاجتنا إلى أن نشعر بشيء؟
❤25❤🔥9💔7