مع تزايد كمية المعلومات التي تلقى على رؤوسنا بشكل هائل، بدأ المعنى يتلاشى من حياتنا، التقنيات الحديثة تسهل الوصول للمعرفة، لكن هذا لا يؤدي إلى أن يصبح للإنسان معرفة، لم يزداد الوضوح أو الفهم، بل على العكس بُتنا نفهم العالم من حولنا بشكل أقل فأقل، هذا لأن قدرة الفهم قد فُقدت، تلك القدرة في وعينا وثقافتنا التي تضفي على الحياة معناها وتفسر الواقع قد فُقدت،
نعم، كما قال نيتشه؛ "لقد مات الإله"، كان يريد أن يقول "لقد قتل الغربيون الإله"، ولكن مع هذا القتل اختفى الإنسان نفسه ككيان واعٍ وعاقل وفاعل، قادر على وضع المبادى وتحديد التوجهات، وإضفاء أو استخلاص معنى للعالم، كل ما تبقى اليوم هو رمزيات لا معنى لها من ثقافة ما بعد الحداثة، حيث جفَّ العطاء الإنساني، وتراكم الإرهاق المجتمعي والحضاري، مجردًا الحياة من معناها، بل قيمتها عمومًا.
نعم، كما قال نيتشه؛ "لقد مات الإله"، كان يريد أن يقول "لقد قتل الغربيون الإله"، ولكن مع هذا القتل اختفى الإنسان نفسه ككيان واعٍ وعاقل وفاعل، قادر على وضع المبادى وتحديد التوجهات، وإضفاء أو استخلاص معنى للعالم، كل ما تبقى اليوم هو رمزيات لا معنى لها من ثقافة ما بعد الحداثة، حيث جفَّ العطاء الإنساني، وتراكم الإرهاق المجتمعي والحضاري، مجردًا الحياة من معناها، بل قيمتها عمومًا.
فَمُوتُوا كِرامًا أَوْ أَمِيتُوا عَدُوَّكُمْ
وَدُبُّوا لِنارِ الْحَرْبِ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ!
وَدُبُّوا لِنارِ الْحَرْبِ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ!
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
في اللزوميات، يهاجم أبو العلاء العالم بكل ما فيه، فقد كان يتراءى له في صورة حمقاء منكرة، فهاجم الدنيا، وهاجم النساك، والوعاظ، والمتصوفة، والنساء، والرجال، والأديان، وتمادى به تشاؤمه فهجا آدم، وحواء، ثم الناس جميعًا، وحواء وبناتها كان لهن ضرب واسع من هذا الهجاء، فهنَّ عنده أصل البلاء الأرضي وأصل النسل الذي يعاني بلا انقطاع، فيقول:
فَلَيتَ حواء عقيمًا غَدَت
لا تلد الناس ولا تَحبلُ
ويقول فيهن:
أَلا إِنَّ النِساءَ حِبالُ غَيٍّ
بِهِنَّ يُضَيَّعُ الشَرَفُ التَليدُ
ويقول:
ومن صفات النساءِ قِدمًا
أنْ لسْنَ في الوُدِّ مُنصِفاتِ
بل تمنى أن يمتنع الناس عن الزواج والتناسل حتى تنكسر سلسلة المعاناة التي يعيشها الناس، فيقول:
لَو أَنَّ كُلَّ نُفوسِ الناسِ رائِيَةٌ
كَرَأيِ نَفسي تَناءَت عَن خَطاياها
وَعَطَّلوا هَذِهِ الدُنِّيا فَما وَلَدوا
وَلا اِقتَنوا وَاِستَراحوا مِن رَزاياها
ويعاتب أم دفر "الدنيا"، فيقول:
يا أمَّ دَفرٍ* لحاكِ اللهُ والدةً
فيكِ العناء، وفيك الهمُّ، والسَّرفُ
لو أنّك العِرسُ أوقعتُ الطَلاقَ بها
لكنَّك الأمُّ، ما لي عنكِ مُنصَرَفُ..
فَلَيتَ حواء عقيمًا غَدَت
لا تلد الناس ولا تَحبلُ
ويقول فيهن:
أَلا إِنَّ النِساءَ حِبالُ غَيٍّ
بِهِنَّ يُضَيَّعُ الشَرَفُ التَليدُ
ويقول:
ومن صفات النساءِ قِدمًا
أنْ لسْنَ في الوُدِّ مُنصِفاتِ
بل تمنى أن يمتنع الناس عن الزواج والتناسل حتى تنكسر سلسلة المعاناة التي يعيشها الناس، فيقول:
لَو أَنَّ كُلَّ نُفوسِ الناسِ رائِيَةٌ
كَرَأيِ نَفسي تَناءَت عَن خَطاياها
وَعَطَّلوا هَذِهِ الدُنِّيا فَما وَلَدوا
وَلا اِقتَنوا وَاِستَراحوا مِن رَزاياها
ويعاتب أم دفر "الدنيا"، فيقول:
يا أمَّ دَفرٍ* لحاكِ اللهُ والدةً
فيكِ العناء، وفيك الهمُّ، والسَّرفُ
لو أنّك العِرسُ أوقعتُ الطَلاقَ بها
لكنَّك الأمُّ، ما لي عنكِ مُنصَرَفُ..
فلولا التناسل والتزاوج لكفَّ الناس في هذا العالم القاتم عن الوجود، هذا العالم الفاسد الذي لا يستطيع أبو العلاء أن يفهم له نظامًا، بل هو شرٌ خالص، وليس لهذا الشر من دواء إلا أن تكسر حلقته اللامتناهية في التناسل، فإن لم يحطم هذا العالم نفسه، فلنحطمه بأيدينا، وأن أبو العلاء بتشاؤمه المفرط، وسخطه المُبالغ، يثير في نفسي ضروبًا من الشفقة، إذ كان يتجرع الحياة مُرَّة، ولو أنه أخذ لنفسه نفسًا واقتنع بحظ الناس وحظه، وساير العذاب في دنيانا، لاستراح وأوى إلى ظل ظليل، لكن لم يرض ولم يقتنع فأودى بنفسه إلى هذا الإحساس بالشقاء والتعاسة وما تبعه من تشاؤم شديد، وظلَّ في هذا الجحيم يصارع الناس والحياة حتى صُرِع..
رضا قاسم
أَهُمُّ بِشَتمِهِم وَيَكُفُّ حِلمي عَوارِمَ يَعتَلِجنَ عَلى لِساني الأخطل التغلبي
يَسوسونَ الأُمورَ بِغَيرِ عَقلٍ
فَيَنفُذُ أَمرُهُم، وَيُقالُ "ساسَة"
فَأُفَّ مِنَ الحَياةِ، وَأُفَّ مِنّي
وَمِن زَمَنٍ رِئاسَتُهُ خَساسَة!
أبُو العَلاءِ المَعَرِّي
فَيَنفُذُ أَمرُهُم، وَيُقالُ "ساسَة"
فَأُفَّ مِنَ الحَياةِ، وَأُفَّ مِنّي
وَمِن زَمَنٍ رِئاسَتُهُ خَساسَة!
أبُو العَلاءِ المَعَرِّي
أرحني بها وسْط الجبين، شَهِيَّةً
لها لمعانٌ كالشِّهابِ المُذيَّلِ..
أرحني بها، إنَّ الحَياةَ ذَمِيمةٌ
فإن قُلتُ أجِّلنِي غَداً، لا تُؤَجِّلِ!
أرحني بها، تَجْلُ الكُروبَ جميعَها
ألا كُلُّ كربِ بالمنيةِ ينجلي
فما حاجةٌ ليْ بعدُ أَرجُو حُصولَها
ولا حاجةٌ آسَى إذا لَمْ تُحصَّلِ
حَياتِي ومَوتِي يُتعِبانِ العِدى فما
عَليَّ سِوى أخذِ السَّبيلِ المُرِيحِ..
لها لمعانٌ كالشِّهابِ المُذيَّلِ..
أرحني بها، إنَّ الحَياةَ ذَمِيمةٌ
فإن قُلتُ أجِّلنِي غَداً، لا تُؤَجِّلِ!
أرحني بها، تَجْلُ الكُروبَ جميعَها
ألا كُلُّ كربِ بالمنيةِ ينجلي
فما حاجةٌ ليْ بعدُ أَرجُو حُصولَها
ولا حاجةٌ آسَى إذا لَمْ تُحصَّلِ
حَياتِي ومَوتِي يُتعِبانِ العِدى فما
عَليَّ سِوى أخذِ السَّبيلِ المُرِيحِ..
"العزلة مفيدة للإنسان الذكي مرتين، أولاً؛ تسمح له بالتواجد مع نفسه، ثانيا؛ تمنعه من التواجد مع الآخرين، وهي ميزة كبيرة؛ نظرًا لكمية القيود والإزعاج بل وحتى الخطر في أي اتصال بالعالم، لأن راحتنا مستحيلة دون قدر كبير من العزلة، وذلك لأن معظم العلاقات البشرية سطحية، بل ضارّة"
Schopenhauer | Counsels and Maxims
Schopenhauer | Counsels and Maxims