قريش الزمن الحاضر
...
في أيامنا هذه، صرنا نمثّل دور كفار قريش حرفيا، وقت حصار المسلمين في (الشِّعب).
فينا قلة قليلة تحاول كسر الحصار، والبقية إما خائفون أو حاقدون.
قد كان كفار قريش خائفين من زوال سلطتهم وجاههم وسطوتهم ومالهم لو تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا حاقدين عليه لأنه استطاع امتلاك النفوس بلا مال ولا سلطان، وحاقدين عليهم لأنّهم -رغم قيد العبودية المادّية- تحرّروا وانعتقت أرواحهم لعبودية الخالق وحده.
اليوم، نحن الذين نحيط أهل الشِعب، نتصرف مثل كفار قريش: نخاف زوال متاع الدنيا، أو التعرّض لظلمِ وبطشِ من هم أقوى، ونحقد أيضا.. نحقد على أناس اختاروا أن يتكلموا ونحن سكتنا، واختاروا أن يقاتلوا ونحن خنعنا، اختاروا أن يدوسوا الدنيا بما فيها ليصعدوا إلى السماء، ونحن متعلقون بالدنيا فداسونا ضمن ما داسوا..
لقد اخترنا أن نكون مداساً، ثم حقدنا على النعال!!
لكن ذنبنا أقبح من ذنب كفار قريش: فقد كانوا كفرة ابتداء، أما نحن.. فكفرنا بعد إيمان.
وكانوا أعزّة قبلا وخافوا على عزهم، أما نحن.. فكنا مسخرة من قبل ولا أدري على أي شيء نخاف!
من العجيب أن يخاف الذليل أن يفقد بقايا الذلّ، وأن يخشى العبد قرب انعتاقه فيقيّد نفسه ومالكُه غافل وضعيف لا يقوى على ردعه ولا إمساكه.
لكن هذا كله حدث قبلا في سنن من قبلنا، وسيحدث حتى تقوم الساعة.
لسنا بدَعاً بين الخلائق ولا شيء كائن أو سيكون لم يُقصَص علينا مثيله، وهذا من كرم الله الودود اللطيف الخبير. لقد عرض لنا الأسئلة والإجابات كلّها، ولم يترك لنا حجّة أو معذرة، ولكلّ سؤال ألف إجابة صحيحة، وواحدة خاطئة، إلا أنّنا نصرّ على الاندهاش والتفاجؤ وادّعاء أنّ الأسئلة صعبة، وأنها لم تكن ضمن (المنهج) الذي درسناه، وأنّنا لو رسبنا فليس هذا ذنبنا، بل هو القضاء والقدر!
لنا أن نختار أن نكون ظهيراً لأهل الحقّ بالنفس، فإن لم يكن متاحاً فبالمال ندفعه إليهم، فإن لم نجد طريقا، فبالمال نمنعه عن عدوّنا وعدوّهم، فإن فعلنا، وما زالت شوكة الطغيان أقوى، كنّا مع كلمة الحقّ حيث كانتْ، فإن جبُنّا حتى عن هذه، فلنمسك عن أن نقول آمين للمجرمين!
وليلزم المربّون ثغور التربية، فنحن الذين وُكّلنا بالزرع، والأبناء سيحصدون، ومن يرضى لابنه أن يحصد علقماً وزقّوما؟!
وكلّ هذا نشفعه بدعاءين: دعاء لهم بالنصر والثبات والتمكين، ودعاء لنا.. أن يجعلنا الله نصرة وعوناً لهم، وأن يسخّرنا لدينه، وإعلاء كلمته، وأن يثبّتنا على الطريق ولا يبتلنا بضياع الوجهة، وبرود الهمّة، وعجز الثقات.
٢٥محرم١٤٤٧
20July2025
#يحدث_الآن
...
في أيامنا هذه، صرنا نمثّل دور كفار قريش حرفيا، وقت حصار المسلمين في (الشِّعب).
فينا قلة قليلة تحاول كسر الحصار، والبقية إما خائفون أو حاقدون.
قد كان كفار قريش خائفين من زوال سلطتهم وجاههم وسطوتهم ومالهم لو تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا حاقدين عليه لأنه استطاع امتلاك النفوس بلا مال ولا سلطان، وحاقدين عليهم لأنّهم -رغم قيد العبودية المادّية- تحرّروا وانعتقت أرواحهم لعبودية الخالق وحده.
اليوم، نحن الذين نحيط أهل الشِعب، نتصرف مثل كفار قريش: نخاف زوال متاع الدنيا، أو التعرّض لظلمِ وبطشِ من هم أقوى، ونحقد أيضا.. نحقد على أناس اختاروا أن يتكلموا ونحن سكتنا، واختاروا أن يقاتلوا ونحن خنعنا، اختاروا أن يدوسوا الدنيا بما فيها ليصعدوا إلى السماء، ونحن متعلقون بالدنيا فداسونا ضمن ما داسوا..
لقد اخترنا أن نكون مداساً، ثم حقدنا على النعال!!
لكن ذنبنا أقبح من ذنب كفار قريش: فقد كانوا كفرة ابتداء، أما نحن.. فكفرنا بعد إيمان.
وكانوا أعزّة قبلا وخافوا على عزهم، أما نحن.. فكنا مسخرة من قبل ولا أدري على أي شيء نخاف!
من العجيب أن يخاف الذليل أن يفقد بقايا الذلّ، وأن يخشى العبد قرب انعتاقه فيقيّد نفسه ومالكُه غافل وضعيف لا يقوى على ردعه ولا إمساكه.
لكن هذا كله حدث قبلا في سنن من قبلنا، وسيحدث حتى تقوم الساعة.
لسنا بدَعاً بين الخلائق ولا شيء كائن أو سيكون لم يُقصَص علينا مثيله، وهذا من كرم الله الودود اللطيف الخبير. لقد عرض لنا الأسئلة والإجابات كلّها، ولم يترك لنا حجّة أو معذرة، ولكلّ سؤال ألف إجابة صحيحة، وواحدة خاطئة، إلا أنّنا نصرّ على الاندهاش والتفاجؤ وادّعاء أنّ الأسئلة صعبة، وأنها لم تكن ضمن (المنهج) الذي درسناه، وأنّنا لو رسبنا فليس هذا ذنبنا، بل هو القضاء والقدر!
لنا أن نختار أن نكون ظهيراً لأهل الحقّ بالنفس، فإن لم يكن متاحاً فبالمال ندفعه إليهم، فإن لم نجد طريقا، فبالمال نمنعه عن عدوّنا وعدوّهم، فإن فعلنا، وما زالت شوكة الطغيان أقوى، كنّا مع كلمة الحقّ حيث كانتْ، فإن جبُنّا حتى عن هذه، فلنمسك عن أن نقول آمين للمجرمين!
وليلزم المربّون ثغور التربية، فنحن الذين وُكّلنا بالزرع، والأبناء سيحصدون، ومن يرضى لابنه أن يحصد علقماً وزقّوما؟!
وكلّ هذا نشفعه بدعاءين: دعاء لهم بالنصر والثبات والتمكين، ودعاء لنا.. أن يجعلنا الله نصرة وعوناً لهم، وأن يسخّرنا لدينه، وإعلاء كلمته، وأن يثبّتنا على الطريق ولا يبتلنا بضياع الوجهة، وبرود الهمّة، وعجز الثقات.
٢٥محرم١٤٤٧
20July2025
#يحدث_الآن
👍2
بعد ثمانية عشر عاما في هامبورغ، ما زال قلبي يخفق رهبة وإجلالا لجمال خلق الله في أشجار هذه المدينة. لا أملّ تأمّلها في الصيف عندما تلعب مع الشمس لعبة النور والظلال. وفي الخريف حين تتلوّن أوراقها، فتمسك بعضها وتسقط الأخرى، حتى إذا اقترب الشتاء، نفضتْها كلّها وتخفّفتْ، لتعلو جذوعها أكثر وأكثر. ثم يأتي الربيع، وأراقب كلّ يوم كيف تتبرعم الأوراق مجدّداً، وأنا أعلم يقيناً أنّي سأصحو ذات صباح لأجدها -فجأةـ تفتّحتْ.
منذ ثمانية عشر عاما، ما زلتُ أفاجأ وأنبهر بكلّ تغيير في كلّ فصل يمرّ بهذه الأشجار، وألتقط كومة من الصور، وأنا أتخيّل أنّ من يرى الصورة سيراها بعيني، وانبهار نفسي التي لا تملّ تكرار: سبحان الله.
هذا.. وما زال زوجي يقف صابراً منتظراً أن أنتهي أنا من ضبط الزاوية، وانتقاء المشهد وتأمّله، وهو يقول بعينيه دون كلام: ما شبعتِ شجر ومطر؟
فأردّ عليه في نفسي دون كلام أيضاً: لا، خلق الله المتجدّد لا يتكرّر، لا ورقة تشبه أختها ولا الشجرة هي نفسها تشبه نفسها قبل يومين.. قبل عامين. ولا نحن.
منذ ثمانية عشر عاما، ما زلتُ أفاجأ وأنبهر بكلّ تغيير في كلّ فصل يمرّ بهذه الأشجار، وألتقط كومة من الصور، وأنا أتخيّل أنّ من يرى الصورة سيراها بعيني، وانبهار نفسي التي لا تملّ تكرار: سبحان الله.
هذا.. وما زال زوجي يقف صابراً منتظراً أن أنتهي أنا من ضبط الزاوية، وانتقاء المشهد وتأمّله، وهو يقول بعينيه دون كلام: ما شبعتِ شجر ومطر؟
فأردّ عليه في نفسي دون كلام أيضاً: لا، خلق الله المتجدّد لا يتكرّر، لا ورقة تشبه أختها ولا الشجرة هي نفسها تشبه نفسها قبل يومين.. قبل عامين. ولا نحن.
❤12
الأصدقاء في كوكب التربية.
أعرف أنّ الكوكب اليوم مليء بالتربويّين والمتخصّصين والعالمين بنفسيات الأطفال، والباحثين والباحثات والأطباء والطبيبات، وكل هؤلاء الذين صار الأهل يتبعونهم في تفاصيل التفاصيل حتى مات لديهم الحِسّ الوالديّ. وأنا لستُ خبيرة ولا تربويّة ولا أيّ شيء، مثلي كثير من الأمّهات، وكلّما وجدتُ شيئاً حسناً في أبنائي، حمدتُ الله أن وفّقنا لهذا، ولو وجدتُ ما يثقل قلبي، لم أعد أكثر اللوم، بل أقول فقط حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. والحمد لله أن كان هذا الأمر البسيط، أو المرض العارض، وهو بكلّ تأكيد دفع عنّا همّا أثقل، وأبعد عنا مرضاً أثقل. وإنما يجدنا ابتعدنا فيقرّبنا له.
وهذا لا يتنافى أبدا مع التربية، لأن بعض الناس يعتقد أن الدعاء والاعتماد على الله والانتباه على أبنائنا يكفي، ولا يخصّنا ولا يصحّ أن نتدخّل في أبناء غيرنا. وهذه المصيبة تنخر في مجتمعنا بشكل غير مسبوق، وأنا أقصد بهذا المجتمع المسلم أينما كان. لا يمكن للأبناء أن ينشؤوا على الصلاح ويبقوا ويثبتوا عليه وحدهم. لا بدّ لهم من صحبة تتحرّك في نفس الإطار. ولذلك أعجب كلّ العجب من الفتاة المحجّبة التي تمشي بصحبة صديقتها غير المسلمة، وهذه تتسربل بعباءة، وتلك تلبس شورتاً لا يستر حتى لباسها الداخليّ! إنّ اختيار الفتاة أن تتمشى في الشارع مع فتاة بهذا المظهر يعني ببساطة أنها لا تفهم قيمة ولا غرض حجابها. وهي معرّضة بشكل مضاعف لتركه، والتنازل عنه مع الوقت، إذا استمرت صحبتها مع تلك.
الصديق هو الشخص الأكثر تأثيرا في حياة الناشئ. لا الأهل ولا الأقارب ولا المعلمون، بل الأصدقاء. تريد أن تحافظ على عقيدة أبنائك؟ ليس بالدروس ولا بتحفيظ القرآن، بل بالصحبة الصالحة.
تريد أن يلتزموا العبادات المفروضة من أنفسهم؟ أخرجهم مع مجموعة متنوعة ملتزمة، واترك لهم أن يختاروا من يرتاحون له.
إذا وجدت ابنك متعلقا بصديق واحد، ولم يكن له حسّ اجتماعي منفتح على التعارف، فلا تتضايق، بشرط أن يكون هذا الصديق على نفس المنهج ونفس خط ابنك. ويسّر لهما قضاء وقت أكبر في أنشطة مشتركة معاً، ولو لم تكن على وفق (نفسيّ) مع أهل صديقه، طالما منهجيته وفكره متّفقان مع ما ترغبه لابنك.
لم أر أهلا يشتكون من أبنائهم وخصوصا هنا، إلا وعرفت منهم أن أبناءهم وحيدون ليس لديهم صديق مقرب، أنا نفسي عانيت من هذا مع بنتي الأولى حتى تغيرت الأحوال إلى الأفضل بفضل الله. وحين أتقرب من الأهل أجدهم لا يرغبون في تكوين مجتمع جيد لأطفالهم ولا يروقهم أي أحد، وخصوصا المجتمع السوري للأسف.. من القليل والنادر أن يتفقوا على مصلحة الأبناء، ولكنهم يتفقون جدا على مسائل البسط والكيف!
وقد يتفق الأهل مع أناس من دين آخر، في مرحلة محددة من طفولة الأبناء، ثم ينفصلون ويبحثون لهم عن أصدقاء آخرين، وهذا يختلف من طفل لآخر. فما ينطبق على طفولة أحدهم في العائلة، ليس بالضرورة أبدا أن ينطبق على أخيه. وقد يسعد طفل بصحبة أبناء عائلة ما، بينما أخوه لا يطيقهم، وهنا نجد الأهل محتارين رغم أن الحل سهل. وبعضهم يترك الطفل النافر على راحته، وهكذا يصير منعزلا عن العائلة وينسحب في تيار لا دينيّ وأفكار عجيبة، أو بالعكس، يصير مغاليا ومتطرفا ومتشدّدا لأنه يعتبر أن الصحبة التي تعجب أهله، متفلّتة.
اليوم كنت في حديث مع أمهات ألمانيات (بلا دين)، عن فكرة إرسال الطفل إلى الروضة وهو دون الثالثة أو الرابعة من العمر. قالت إحداهن ولديها ابنة لم تبلغ الثانية بعد: إن الأمهات يقلن لها أنت محظوظة لأنها يمكن أن تذهب للروضة الآن، لماذا لا ترسلينها؟ فترد عليهم بأنها لا تريد إرسالها لأنها لا تحتاج، ما زالت ابنتها صغيرة وهي سعيدة بوجودها معها في البيت، فينظرن لها بدهشة: ولكن هذا عمل كثير مع طفلين (الصبي عمره ٣ ونصف)، كيف تحتملين ذلك؟! فتقول: أعرف أنه عمل كثير، أنا لم أصح من النوم فجأة لأجدهما هناك! أنا أعرف هذا من قبل أن يأتيا للعالم. علّقت الأم الأخرى وابناها شابّان في العشرينات: أعتقد أن الأهل في هذه الأيام يتصرفون وكأنهم لا يعون أن الوالدية هي (عقد عمل) مدى الحياة، لا يمكنك أن تفسخه مطلقا متى وقّعته، وبعض الأمهات يرسلن الطفل للروضة بعمر السنة، وهي تظن أنها بهذا قد نالت حريتها من ذلك العقد.
نعم، هاتان بلا دين يعلمن ذلك، فلماذا لا تعي الأم المسلمة هذا؟!|
وعلى سيرة التربية: يقول المختصّون إن الملل ضروري للطفل، وربما هذه من الأشياء القليلة التي أتفق فيها معهم، بالعلامة.. (مالك) نام من الملل وأنا أكتب، بعد ما نخر راسي بالنقّ والزنّ لأنّه لا يريد اللعب بألعابه، بل بأعصابي 🙂 وأنا لبست سمّاعاتي وتركته يملّ ويحكي حتى نام في سلام.
أعرف أنّ الكوكب اليوم مليء بالتربويّين والمتخصّصين والعالمين بنفسيات الأطفال، والباحثين والباحثات والأطباء والطبيبات، وكل هؤلاء الذين صار الأهل يتبعونهم في تفاصيل التفاصيل حتى مات لديهم الحِسّ الوالديّ. وأنا لستُ خبيرة ولا تربويّة ولا أيّ شيء، مثلي كثير من الأمّهات، وكلّما وجدتُ شيئاً حسناً في أبنائي، حمدتُ الله أن وفّقنا لهذا، ولو وجدتُ ما يثقل قلبي، لم أعد أكثر اللوم، بل أقول فقط حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. والحمد لله أن كان هذا الأمر البسيط، أو المرض العارض، وهو بكلّ تأكيد دفع عنّا همّا أثقل، وأبعد عنا مرضاً أثقل. وإنما يجدنا ابتعدنا فيقرّبنا له.
وهذا لا يتنافى أبدا مع التربية، لأن بعض الناس يعتقد أن الدعاء والاعتماد على الله والانتباه على أبنائنا يكفي، ولا يخصّنا ولا يصحّ أن نتدخّل في أبناء غيرنا. وهذه المصيبة تنخر في مجتمعنا بشكل غير مسبوق، وأنا أقصد بهذا المجتمع المسلم أينما كان. لا يمكن للأبناء أن ينشؤوا على الصلاح ويبقوا ويثبتوا عليه وحدهم. لا بدّ لهم من صحبة تتحرّك في نفس الإطار. ولذلك أعجب كلّ العجب من الفتاة المحجّبة التي تمشي بصحبة صديقتها غير المسلمة، وهذه تتسربل بعباءة، وتلك تلبس شورتاً لا يستر حتى لباسها الداخليّ! إنّ اختيار الفتاة أن تتمشى في الشارع مع فتاة بهذا المظهر يعني ببساطة أنها لا تفهم قيمة ولا غرض حجابها. وهي معرّضة بشكل مضاعف لتركه، والتنازل عنه مع الوقت، إذا استمرت صحبتها مع تلك.
الصديق هو الشخص الأكثر تأثيرا في حياة الناشئ. لا الأهل ولا الأقارب ولا المعلمون، بل الأصدقاء. تريد أن تحافظ على عقيدة أبنائك؟ ليس بالدروس ولا بتحفيظ القرآن، بل بالصحبة الصالحة.
تريد أن يلتزموا العبادات المفروضة من أنفسهم؟ أخرجهم مع مجموعة متنوعة ملتزمة، واترك لهم أن يختاروا من يرتاحون له.
إذا وجدت ابنك متعلقا بصديق واحد، ولم يكن له حسّ اجتماعي منفتح على التعارف، فلا تتضايق، بشرط أن يكون هذا الصديق على نفس المنهج ونفس خط ابنك. ويسّر لهما قضاء وقت أكبر في أنشطة مشتركة معاً، ولو لم تكن على وفق (نفسيّ) مع أهل صديقه، طالما منهجيته وفكره متّفقان مع ما ترغبه لابنك.
لم أر أهلا يشتكون من أبنائهم وخصوصا هنا، إلا وعرفت منهم أن أبناءهم وحيدون ليس لديهم صديق مقرب، أنا نفسي عانيت من هذا مع بنتي الأولى حتى تغيرت الأحوال إلى الأفضل بفضل الله. وحين أتقرب من الأهل أجدهم لا يرغبون في تكوين مجتمع جيد لأطفالهم ولا يروقهم أي أحد، وخصوصا المجتمع السوري للأسف.. من القليل والنادر أن يتفقوا على مصلحة الأبناء، ولكنهم يتفقون جدا على مسائل البسط والكيف!
وقد يتفق الأهل مع أناس من دين آخر، في مرحلة محددة من طفولة الأبناء، ثم ينفصلون ويبحثون لهم عن أصدقاء آخرين، وهذا يختلف من طفل لآخر. فما ينطبق على طفولة أحدهم في العائلة، ليس بالضرورة أبدا أن ينطبق على أخيه. وقد يسعد طفل بصحبة أبناء عائلة ما، بينما أخوه لا يطيقهم، وهنا نجد الأهل محتارين رغم أن الحل سهل. وبعضهم يترك الطفل النافر على راحته، وهكذا يصير منعزلا عن العائلة وينسحب في تيار لا دينيّ وأفكار عجيبة، أو بالعكس، يصير مغاليا ومتطرفا ومتشدّدا لأنه يعتبر أن الصحبة التي تعجب أهله، متفلّتة.
اليوم كنت في حديث مع أمهات ألمانيات (بلا دين)، عن فكرة إرسال الطفل إلى الروضة وهو دون الثالثة أو الرابعة من العمر. قالت إحداهن ولديها ابنة لم تبلغ الثانية بعد: إن الأمهات يقلن لها أنت محظوظة لأنها يمكن أن تذهب للروضة الآن، لماذا لا ترسلينها؟ فترد عليهم بأنها لا تريد إرسالها لأنها لا تحتاج، ما زالت ابنتها صغيرة وهي سعيدة بوجودها معها في البيت، فينظرن لها بدهشة: ولكن هذا عمل كثير مع طفلين (الصبي عمره ٣ ونصف)، كيف تحتملين ذلك؟! فتقول: أعرف أنه عمل كثير، أنا لم أصح من النوم فجأة لأجدهما هناك! أنا أعرف هذا من قبل أن يأتيا للعالم. علّقت الأم الأخرى وابناها شابّان في العشرينات: أعتقد أن الأهل في هذه الأيام يتصرفون وكأنهم لا يعون أن الوالدية هي (عقد عمل) مدى الحياة، لا يمكنك أن تفسخه مطلقا متى وقّعته، وبعض الأمهات يرسلن الطفل للروضة بعمر السنة، وهي تظن أنها بهذا قد نالت حريتها من ذلك العقد.
نعم، هاتان بلا دين يعلمن ذلك، فلماذا لا تعي الأم المسلمة هذا؟!|
وعلى سيرة التربية: يقول المختصّون إن الملل ضروري للطفل، وربما هذه من الأشياء القليلة التي أتفق فيها معهم، بالعلامة.. (مالك) نام من الملل وأنا أكتب، بعد ما نخر راسي بالنقّ والزنّ لأنّه لا يريد اللعب بألعابه، بل بأعصابي 🙂 وأنا لبست سمّاعاتي وتركته يملّ ويحكي حتى نام في سلام.
❤3
بعض الأمّهات تسألني: ما بتملّي طول الوقت في البيت وما عندك وظيفة؟
أولا: أنا لست طيلة الوقت في البيت، كوني غير موظفة لا يعني أني في البيت أو في السوق وكأنه لا خيارات.
ثانيا: الملل شعور نفسي ناتج عن عدم وجود أفكار، والأم لا يمكن أن يخلو رأسها من التفكير! لذلك أعتقد أن التعبير الأدق هو النزق أو السأم من الفكرة المكررة ذاتها.
ثالثا: غير موظفة لا يعني أني لا أعمل ولا أدرس.
رابعا وأخيرا: إذا كان يخيل لك أني أملك الوقت لأجلس وأتأمل الشجر والحيطان، أو أنكش النكد والمشاكل من تحت أظافري، لأنّي (ملّيت)، فأخبرك إني وصلت ذلك العمر السعيد: بمجرد أن أجد فرصة الجلوس، نمت، وممكن أنام عالواقف في بعض الأيام من كثر (الملل) من الرقاد.. يعني تغيير شكل.
الحمد لله على الصحة والعافية، والصحبة الصالحة المعينة التي لولا أنّ الله منّ علينا بها، لكانت الحياة قاتلة، ولعشنا في خوف دائم على أبنائنا ولم نجد لحظة صفاء أو متعة.
25 سبتمبر 2025م
3 ربيع الآخر 1447هـ 🌙
أولا: أنا لست طيلة الوقت في البيت، كوني غير موظفة لا يعني أني في البيت أو في السوق وكأنه لا خيارات.
ثانيا: الملل شعور نفسي ناتج عن عدم وجود أفكار، والأم لا يمكن أن يخلو رأسها من التفكير! لذلك أعتقد أن التعبير الأدق هو النزق أو السأم من الفكرة المكررة ذاتها.
ثالثا: غير موظفة لا يعني أني لا أعمل ولا أدرس.
رابعا وأخيرا: إذا كان يخيل لك أني أملك الوقت لأجلس وأتأمل الشجر والحيطان، أو أنكش النكد والمشاكل من تحت أظافري، لأنّي (ملّيت)، فأخبرك إني وصلت ذلك العمر السعيد: بمجرد أن أجد فرصة الجلوس، نمت، وممكن أنام عالواقف في بعض الأيام من كثر (الملل) من الرقاد.. يعني تغيير شكل.
الحمد لله على الصحة والعافية، والصحبة الصالحة المعينة التي لولا أنّ الله منّ علينا بها، لكانت الحياة قاتلة، ولعشنا في خوف دائم على أبنائنا ولم نجد لحظة صفاء أو متعة.
25 سبتمبر 2025م
3 ربيع الآخر 1447هـ 🌙
❤5😁1
شعبك يا غزّة عاهَد لو مهما صار
صامد في المحنة صامد، باذن الجبّار*
...
صار بوسعكم اليوم أن تحزنوا وتبكوا في هدوء على من فقدتم. صار لكم أن تجلسوا أمام الخراب ترقبونه في صمت. صار بمقدوركم أن تصلّوا صلواتكم في سكينة، وتنظروا في وجوه بعضكم لتروها حقّاً كيف تغيّرت في
عامين فحسب.
....
جبركم الله، أعزّكم الله، نصركم الله، وتقبّل من رحل منكم في الشهداء، وأفرغ على قلوب الباقين منكم صبرا.
....
لا كُسِرت لكم شوكة، ولا نُكّست لكم راية.
صامد في المحنة صامد، باذن الجبّار*
...
صار بوسعكم اليوم أن تحزنوا وتبكوا في هدوء على من فقدتم. صار لكم أن تجلسوا أمام الخراب ترقبونه في صمت. صار بمقدوركم أن تصلّوا صلواتكم في سكينة، وتنظروا في وجوه بعضكم لتروها حقّاً كيف تغيّرت في
عامين فحسب.
....
جبركم الله، أعزّكم الله، نصركم الله، وتقبّل من رحل منكم في الشهداء، وأفرغ على قلوب الباقين منكم صبرا.
....
لا كُسِرت لكم شوكة، ولا نُكّست لكم راية.
❤3
مخزن الأشياء الصغيرة pinned «استفزاز | خاطرة فتحتُ دفتري العجيب (بتاع كلّه) لأدوّن فيه، فقلبته من اليمين، ثم قلبته من اليسار، ولم أعرف من أين أبدأ وكيف أكتب ولا أين انتهيت. ربّما علي أن أتبع الحلّ الأخير وهو أن أقلبه رأساً على عقب! كما دماغي في آخر فترة. أشعر بالاستفزاز والغيظ من جميع…»
مخزن الأشياء الصغيرة pinned «الحمد لله .. سوريا انعتقت من عبودية الطاغية إلى عبودية الله وحده لا شريك له.»
مخزن الأشياء الصغيرة pinned «محصّل الذكريات https://t1p.de/n0qp3 .... هل تتخيّل إنّي خرجتُ من البيت كله لأكتب هذا عنك؟ ولم يكن أحدّ سواي فيه. ذهبتُ بدرّاجتي الهوائية إلى مكان جميل أعرفه، ساحةٌ واسعة نصف ظليلةٍ أمام مقهى جميع روّاده من الألمان، فضوليون ولكن (من بعيد لبعيد). أوقفتُ الدراجة…»
مخزن الأشياء الصغيرة pinned «* طبيب عيون* كتبتها: جمان عكل. حين جلستْ على كرسيّ الفحص، خطرت في بالها كلّ الاحتمالات: سيقول الطبيب إن مشكلة عينيها الإرهاق بسبب التعرّض الطويل للشاشات. أو هي النظارات غير الملائمة لدرجة الضعف، وربّما تحتاج نظّارة قراءة وقد جاوزتْ الأربعين بقليل. لعلّه…»
لا أظن قلبي بكى منذ زمن بعيد كما بكى أمس، حين ظهر الملثم ينعى الملثم وصحبته!
لم يكن بكاء عين، بل وجعاً عميقاً، ليس على من رحل، ولا على من بقي.. بل علينا وعلى كلّ من تفرّج وما زال يتفرّج. ما أقبح موقع المشاهِد وما أخزاه وأقساه.
يتزامن هذا مع عثوري على صفحة معتقل سابق | ناجٍ من صيدنايا، يحكي فيها (أخفّ) الذكريات لأنه لا يريد أن يفجع قلوب أمّهات الشهداء.
وتذكّرتُ هذا المقطع من القصة التي كتبتها قبل أعوام (لقوه):
| يوم.. يا يوم (أمّي).. تردّدتْ الكلمة تلسع قلبها. ترى كم مرّة صاح إبراهيم متألّما في عذابه (آآه يا يوم)؟. ترى كم مرّة ناداها في ليل المعتقل ولم تسمعه؟ وهذا المسجّى.. لو ما كان هو.. فلا بدّ أن له أمّاً تفتّش عنه. |
كم شاباً صاح (يووم) قبل يغيب عن عالمنا للأبد، وأمّه تمنّي النفس أنه ما زال حيًّا وقد نجا؟ ولا تدري أنّ نجاته كانت موته من أوّل ضربة!! أنّ الرحمة الإلهية تجلّت في: مات يا خالة بنفس يوم اعتقاله، والله ربنا بحبّه!
كم بطلاً رحل عن عالمنا وأراضينا لم نحفظ لهم اسماً، ولا بلّغنا عنهم بطولة.. لأنّنا أبطأ وأكسل من أن نفعل.
حياة التفاهة كأنها رمال متحركة نغوص فيها حتى الأعناق، النجاة منها شبه مستحيلة. حياة عميقة من الترف القاتل الذي يجعلنا نصارع التربية مع أبنائنا مصارعة، والمذهل حدّ الأسى.. أنّ كلّ من حولنا يرانا (قساة).
لأوّل مرّة من زمن بعيد بعيد، أشعر أنّي لم أعد أنتمي لأيّ جزء على هذه الأرض.. أختنق فيها على رحابتها وسعتها.
بودّي لو أجلس على حافّة الكوكب وحدي، أؤرجح ساقيّ في الفضاء، وأستمع للصمت، وصوت أنفاسي.. فقط.
لم يكن بكاء عين، بل وجعاً عميقاً، ليس على من رحل، ولا على من بقي.. بل علينا وعلى كلّ من تفرّج وما زال يتفرّج. ما أقبح موقع المشاهِد وما أخزاه وأقساه.
يتزامن هذا مع عثوري على صفحة معتقل سابق | ناجٍ من صيدنايا، يحكي فيها (أخفّ) الذكريات لأنه لا يريد أن يفجع قلوب أمّهات الشهداء.
وتذكّرتُ هذا المقطع من القصة التي كتبتها قبل أعوام (لقوه):
| يوم.. يا يوم (أمّي).. تردّدتْ الكلمة تلسع قلبها. ترى كم مرّة صاح إبراهيم متألّما في عذابه (آآه يا يوم)؟. ترى كم مرّة ناداها في ليل المعتقل ولم تسمعه؟ وهذا المسجّى.. لو ما كان هو.. فلا بدّ أن له أمّاً تفتّش عنه. |
كم شاباً صاح (يووم) قبل يغيب عن عالمنا للأبد، وأمّه تمنّي النفس أنه ما زال حيًّا وقد نجا؟ ولا تدري أنّ نجاته كانت موته من أوّل ضربة!! أنّ الرحمة الإلهية تجلّت في: مات يا خالة بنفس يوم اعتقاله، والله ربنا بحبّه!
كم بطلاً رحل عن عالمنا وأراضينا لم نحفظ لهم اسماً، ولا بلّغنا عنهم بطولة.. لأنّنا أبطأ وأكسل من أن نفعل.
حياة التفاهة كأنها رمال متحركة نغوص فيها حتى الأعناق، النجاة منها شبه مستحيلة. حياة عميقة من الترف القاتل الذي يجعلنا نصارع التربية مع أبنائنا مصارعة، والمذهل حدّ الأسى.. أنّ كلّ من حولنا يرانا (قساة).
لأوّل مرّة من زمن بعيد بعيد، أشعر أنّي لم أعد أنتمي لأيّ جزء على هذه الأرض.. أختنق فيها على رحابتها وسعتها.
بودّي لو أجلس على حافّة الكوكب وحدي، أؤرجح ساقيّ في الفضاء، وأستمع للصمت، وصوت أنفاسي.. فقط.
❤4
مخزن الأشياء الصغيرة pinned «لا أظن قلبي بكى منذ زمن بعيد كما بكى أمس، حين ظهر الملثم ينعى الملثم وصحبته! لم يكن بكاء عين، بل وجعاً عميقاً، ليس على من رحل، ولا على من بقي.. بل علينا وعلى كلّ من تفرّج وما زال يتفرّج. ما أقبح موقع المشاهِد وما أخزاه وأقساه. يتزامن هذا مع عثوري على صفحة…»
فمن يأتيكم بماء معين.
...
ثلاث آيات تلخص (رحلة الهداية) وتصورها بشكل رمزي يبدو بسيطا وسهلا، لكنه الإعجاز عينه.
أرأيت لو أنك أردت الوضوء في بيتك، فذهبت وفتحت الصنبور فلم تنزل قطرة، احترت ورحت تبحث عن الأسباب: كل شيء في البيت سليم، لكن عداد الماء يخبرك ألا ماء يدخل بيتك. وبعد ساعات من البحث عن (مصدر الخلل)، تكتشف أن المصيبة عامة على جميع من حولك، وأنّ البلدية نفسها لا تعرف أين ذهب كلّ الماء، وكأنّه غار فجأة في أعماق الأرض!
فكر في حجم هذه الكارثة: مدينتك بأكملها تعيش على تمديد مائي، يسحب الماء عبر أنانيب طويلة من خزان واحد، وهذا الخزان يسحب الماء من مصادر أخرى، وكلها خلت من الماء في غمضة عين، من المصدر إلى الصنبور. ولا يوجد أي ماء سطحيّ يمكنك أن تحصل عليه، ولا قطرة.
تخيّل (المقتلة) التي ستحدث، الفوضى العامة، الجنون، سفك الدماء لأجل قطرة ماء عذبة واحدة تُشرَب، و.. التأثير النفسي الذي سيصل مرحلة الكفر.
هل تخيلت؟
الآن، استبدل (الماء المَعين) الظاهر القريب الذي تناله كل يوم بلا أدنى تفكير في قيمته وبلا أي تعب في تحصيله، بهداية الله لك.
إنك في كل يوم تصحو مسلما مَهديّاً من ربّ العالمين لا حول لك ولا قوة في تحصيل تلك الهداية، ولا تتخيل حالك لحظة دونَها! كأنّها حقّ مضمون مكتسب لا يمكن أن يُسلب منك.
لكنه ممكن.. آيات سورة الملك تقول إن هذا ممكن جدا في غمضة عين. بل وتبدأ من النتيجة التي خوطب بها الكفار في نهاية السورة: قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الماء الظاهر سهل المنال، وجعله غائراً تبتلعه الأرض ولا يمكنكم الوصول إليه.. فما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الهدى الذي تكفرون به، وتفرّطون فيه، وتتكبّرون عليه، ثمّ جئتم يوم القيامة ورأيتم جهنّم وهي تتميّز وتتفرّق وتتقطّع من الغيظ عليكم، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن عسّر الله عليكم هذا الرزق الذي تنالونه سهلا، وجعل أرضكم وعرة صعبة عسرة، أو متحرّكة كالموج تضطرب بكم ولا تستقرّ ولا تهدأ على حال، فلا يقوم لكم بناء ولا تسير بكم راحلة، أو جعل السماء تمطركم بالحصى والرمل بدلا من الماء، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم لو أنّ الله جعل أسراب الطيور التي تبسط أجنحتها وتقبضها في حركة موزونة منتظمة، تهوي على رؤوسكم وتتخبّط فوقكم في كلّ مرة تحاول الطيران فيها، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم كلّ جندٍ قويّ عتيد تظنّونه لا يُغلب، لو أراد الله أن تُغلبوا وتهلكوا.. ما أنتم فاعلون؟
لا يقدرون على شيء، وكذا أنت، نحن.. لا نقدر على شيء لولا أن هدانا الله. فماذا أنت فاعل كي لا يحرمك الله هذه النعمة؟
تخيّل مصيبتك: أن تُحرم الهدى، ولا تدرك ما أنتَ محروم منه. هل ترى الطغاة والمجادلين والمعاندين من حولك، هل تجدهم قلقين باحثين عن الخير أو الحقّ؟ أبداً، لأنّهم حين أعرَضوا عن نعمة الله وقد عرفوا بها.. حتماً عرفوا بها، جاءهم العقاب العاجل في الدنيا، أن يُحرموا حتى البحث عن الهداية!
ما أوجع هذه المصيبة.. أن يراكَ من حولك فيدعون لك: الله يهديك.. فتصرخ بهم: وأنا اش فيني؟!
مصيبتك ألا تدرك حجم مصيبتك، مرضكَ ألا تعرف أنَكَ مريض، بينما أنتَ تُنهش وتُؤكل، ومن حولك يتقطّعون أسفاً عليك، يمدّون لكَ أيديهم بالنجاة أن تعال، وأنتَ تشيح بوجهكِ في كِبر وتردّد: أنا أعرف ما أفعل!
...
في كلّ يوم وأنتَ تستخدم الماء عشرات المرّات، تذكّر: بين يديك نبعٌ من هداية الله لك، بين يديك قرآن متى تناولتَه شربتَ منه دون مقابل، ودون أن ينضب، ولا شيء يمنعك عنه ويحول بينك وبينه إلا نفسك.. والموت. فماذا لو جاءك وأنتَ عطشٌ ظامئ لكنّك معرضٌ عن الشرب، لكِبرِك وعنادك وسفهِك.. فما أنتَ فاعل؟!
الجمعة ٢٠ رجب ١٤٤٧
٩يناير ٢٠٢٦
...
ثلاث آيات تلخص (رحلة الهداية) وتصورها بشكل رمزي يبدو بسيطا وسهلا، لكنه الإعجاز عينه.
أرأيت لو أنك أردت الوضوء في بيتك، فذهبت وفتحت الصنبور فلم تنزل قطرة، احترت ورحت تبحث عن الأسباب: كل شيء في البيت سليم، لكن عداد الماء يخبرك ألا ماء يدخل بيتك. وبعد ساعات من البحث عن (مصدر الخلل)، تكتشف أن المصيبة عامة على جميع من حولك، وأنّ البلدية نفسها لا تعرف أين ذهب كلّ الماء، وكأنّه غار فجأة في أعماق الأرض!
فكر في حجم هذه الكارثة: مدينتك بأكملها تعيش على تمديد مائي، يسحب الماء عبر أنانيب طويلة من خزان واحد، وهذا الخزان يسحب الماء من مصادر أخرى، وكلها خلت من الماء في غمضة عين، من المصدر إلى الصنبور. ولا يوجد أي ماء سطحيّ يمكنك أن تحصل عليه، ولا قطرة.
تخيّل (المقتلة) التي ستحدث، الفوضى العامة، الجنون، سفك الدماء لأجل قطرة ماء عذبة واحدة تُشرَب، و.. التأثير النفسي الذي سيصل مرحلة الكفر.
هل تخيلت؟
الآن، استبدل (الماء المَعين) الظاهر القريب الذي تناله كل يوم بلا أدنى تفكير في قيمته وبلا أي تعب في تحصيله، بهداية الله لك.
إنك في كل يوم تصحو مسلما مَهديّاً من ربّ العالمين لا حول لك ولا قوة في تحصيل تلك الهداية، ولا تتخيل حالك لحظة دونَها! كأنّها حقّ مضمون مكتسب لا يمكن أن يُسلب منك.
لكنه ممكن.. آيات سورة الملك تقول إن هذا ممكن جدا في غمضة عين. بل وتبدأ من النتيجة التي خوطب بها الكفار في نهاية السورة: قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الماء الظاهر سهل المنال، وجعله غائراً تبتلعه الأرض ولا يمكنكم الوصول إليه.. فما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الهدى الذي تكفرون به، وتفرّطون فيه، وتتكبّرون عليه، ثمّ جئتم يوم القيامة ورأيتم جهنّم وهي تتميّز وتتفرّق وتتقطّع من الغيظ عليكم، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن عسّر الله عليكم هذا الرزق الذي تنالونه سهلا، وجعل أرضكم وعرة صعبة عسرة، أو متحرّكة كالموج تضطرب بكم ولا تستقرّ ولا تهدأ على حال، فلا يقوم لكم بناء ولا تسير بكم راحلة، أو جعل السماء تمطركم بالحصى والرمل بدلا من الماء، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم لو أنّ الله جعل أسراب الطيور التي تبسط أجنحتها وتقبضها في حركة موزونة منتظمة، تهوي على رؤوسكم وتتخبّط فوقكم في كلّ مرة تحاول الطيران فيها، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم كلّ جندٍ قويّ عتيد تظنّونه لا يُغلب، لو أراد الله أن تُغلبوا وتهلكوا.. ما أنتم فاعلون؟
لا يقدرون على شيء، وكذا أنت، نحن.. لا نقدر على شيء لولا أن هدانا الله. فماذا أنت فاعل كي لا يحرمك الله هذه النعمة؟
تخيّل مصيبتك: أن تُحرم الهدى، ولا تدرك ما أنتَ محروم منه. هل ترى الطغاة والمجادلين والمعاندين من حولك، هل تجدهم قلقين باحثين عن الخير أو الحقّ؟ أبداً، لأنّهم حين أعرَضوا عن نعمة الله وقد عرفوا بها.. حتماً عرفوا بها، جاءهم العقاب العاجل في الدنيا، أن يُحرموا حتى البحث عن الهداية!
ما أوجع هذه المصيبة.. أن يراكَ من حولك فيدعون لك: الله يهديك.. فتصرخ بهم: وأنا اش فيني؟!
مصيبتك ألا تدرك حجم مصيبتك، مرضكَ ألا تعرف أنَكَ مريض، بينما أنتَ تُنهش وتُؤكل، ومن حولك يتقطّعون أسفاً عليك، يمدّون لكَ أيديهم بالنجاة أن تعال، وأنتَ تشيح بوجهكِ في كِبر وتردّد: أنا أعرف ما أفعل!
...
في كلّ يوم وأنتَ تستخدم الماء عشرات المرّات، تذكّر: بين يديك نبعٌ من هداية الله لك، بين يديك قرآن متى تناولتَه شربتَ منه دون مقابل، ودون أن ينضب، ولا شيء يمنعك عنه ويحول بينك وبينه إلا نفسك.. والموت. فماذا لو جاءك وأنتَ عطشٌ ظامئ لكنّك معرضٌ عن الشرب، لكِبرِك وعنادك وسفهِك.. فما أنتَ فاعل؟!
الجمعة ٢٠ رجب ١٤٤٧
٩يناير ٢٠٢٦