إنّ فعل الشرك في الألوهية راجع لنقص وفساد في الربوبية، ولابد.
والشرك في العبادة لأجل اعتقاد أن المعبودين شركاء في التصرف في الكون وتدبيره، من أفسد أنواع اعتقادات المشركين في التاريخ، فهو أردأ من شرك أغلب العرب الذين كانوا يعتقدون في معبوداتهم الشفاعة لدى الله، سواء لمنزلتها لديه، أو لأنها كالحُجَّاب لديه. وكانوا ينفون عنها التدبير والتصرف كما نقل عنهم القرآن صريحًا. ولذا كثُر في القرآن نفي هذه الشفاعة الشركية، وكثر الاحتجاج على نفيها بنفي الربوبية عن أصحابها، وأنه لا شرك لهم في السماوات. وذلك أن الشفاعة الصحيحة المقبولة موقوفة على الإذن، ولا معرفة بالإذن إلا بالسمع، ولما لم يكن للمشركين سلطان أو كتاب منير بأن الله أذن بهذا، كان الاحتمال الآخر أن يكون لهؤلاء الشفعاء من الحق على الله ما لا يحتاجون فيه إلى الإذن، وهذا هو الشرك في الربوبية، في السماوات والأرض. وقد حج الله المشركين بهذه القسمة الحاصرة في موضعين في كتابه، في سورة فاطر وسورة الأحقاف.
والشرك في العبادة لأجل اعتقاد أن المعبودين شركاء في التصرف في الكون وتدبيره، قديمٌ، عرفه الفلاسفة اليونان، وقد أخذوه عن الصابئة الحرانيين، والصابئة كانوا يعبدون الكواكب، ويعتقدون فيها أنها مدبرات العالم، وتأثر بهم بعض مشركي العرب، وجعله أكثرهم في الملائكة، ثم أخذه من الفلاسفة النصارى، وقد كان بولس عليمًا بالفلسفة، ولذا أشار القرآن أنهم - أي النصارى - يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، ثم تسرب ذلك للمتفلسفة الإسلاميين، وجعلوه فيما أسموه العقول من المجردات، وزعموا أن القرآن سماها الملائكة، وجعلوها وسائط في الفيض، ولذا قالوا بالطلسمات ومخاطبة النجوم، ثم استُضعف لهم بعض أئمة المتكلمين فانتحله وكتب في مخاطبة النجوم، والطلسمات والعياذ بالله، وقال به كثير من عرفاء الإمامية في أئمتهم فجعلوهم وسائط الفيض في الكون وقالوا إن ولايتهم على الكون تكوينية في كل ذرة من ذراته، وقال به كثير من عرفاء الصوفية وجعلوه في الحقيقة المحمدية، ثم في القطب والأبدال والنجباء وغيرهم من دولة أهل الله المتصرفين في الكون، وهلمّ جرًّا. فشابهوا هؤلاء في هذا البلاء.
فإذا عرفت ذلك كلَّه، قلتَ: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا قال: لتتبعنّ سنن من كان قبلكم اليهود والنصارى، فهذا من دلائل نبوته. ولذلك ألح الشيخ في الإخنائية على وصف فعل أصحاب الاستغاثات بالمقبورين بأنه من فعل عبدة الصُّلبان.
نعم قام في علماء الصوفية وغيرهم من أنكر هذا، فمعاذ الله أن تجتمع الأمة على منكر، والمطلوب الأخذ بقول من أنكر من المصلحين، وعدم الاحتجاج بكثرة المنظّرين من الصوفية والفاعلين من العوام، على وزان حجة الأخذ بالأكثر التي تُلاك، وذلك الجنس كجنس من قام ينكر على المتكلمين، ومن قام ينكر على الفقهاء، قديمًا وحديثًا، كله باب واحد. ومن أعظم هؤلاء قيامًا شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد واجه هؤلاء الممخرقين والمدعين وناظرهم علنًا وفضحهم، بعدما كان عامة الفقهاء في عصره مستضعفين لهم، كما كانوا من بعد.
=حين تدرك هذا السياق الكلي، تدرك قصور نظر كثير من الغافلين الذين يبحثون هذه المسألة ظانين أن الأمر مقصور على صرف الاستغاثة إلى أنها في حقيقتها مجرد طلب الدعاء من الميت، أو أنه طلب من الميت فيما يقدر عليه وهو الدعاء، وليس فيما يقدر عليه الذي هو الفعل والتصرف والجعل والنقض والإبرام والتحويل والصرف وغير ذلك مما هو مذكور تفصيلًا في كتبهم، وقد يقول بعضهم إنه يفعله بإذن الله، وليس مرادهم الإذن الجزئي الذي يشفع به رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الشفاعة العظمى، وإنما مرادهم التفويض وإطلاق اليد في التصريف، فأنَّى يُصرفون.
هذا الانحراف حاصل عند كثير، بل أكثر، العارفين المحققين للتصوف، فكيف بالعامة الذين لا يحققون اعتقادًا ما أصلًا، بل نص المتكلمون أن جمهور العامة يعتقدون في الطبع والقوة المودعة، وكيف وحالهم وقالهم الاعتماد والتوكل على هؤلاء الأولياء ظاهرًا وباطنًا معتقدين فيهم اعتقادًا عامّا في الحجابة والتصرف والتدبير.
فيغفل عامة هؤلاء عن سياق عام كلي واقع، ثم يقول: هذا طلب دعاء من الميت، وأنا لا أثبت تأثيرًا للعبد ولا فعلًا أصلًا. كثَّر الله خيرَك. ومن عجَبٍٍ أنه يشارك في هذا التناصر الاتحادي والخرافي الذي يعتقد اعتقادًا في تدبير الأولياء للعالم أصلًا، فأين هو مِن نفي الفعل والتأثير والعلة والقوة المودعة؟! ومن هنا تعرف أن اجتماعهم اجتماعٌ على الهوى، وذلك لأن اختلاف المنطلقات والمقدمات والتأسيس الكلي للمسألة - التي منها كفر، ومنها بدعة بينهم -، لمجرد الاتفاق في النتائج - أو مجرد التسويغ في النتائج، فإن عامة هؤلاء لا يرضون بتحريم الاستغاثة أصلا بل هي عندهم مستحبة أكيدة، بل في عهود كثير منهم وتسليكهم ما يقارب أنها واجبة أصلًًا - ليس إلا اعتصابا على هوى، ومغايظة لمخالِف مشترك.
والشرك في العبادة لأجل اعتقاد أن المعبودين شركاء في التصرف في الكون وتدبيره، من أفسد أنواع اعتقادات المشركين في التاريخ، فهو أردأ من شرك أغلب العرب الذين كانوا يعتقدون في معبوداتهم الشفاعة لدى الله، سواء لمنزلتها لديه، أو لأنها كالحُجَّاب لديه. وكانوا ينفون عنها التدبير والتصرف كما نقل عنهم القرآن صريحًا. ولذا كثُر في القرآن نفي هذه الشفاعة الشركية، وكثر الاحتجاج على نفيها بنفي الربوبية عن أصحابها، وأنه لا شرك لهم في السماوات. وذلك أن الشفاعة الصحيحة المقبولة موقوفة على الإذن، ولا معرفة بالإذن إلا بالسمع، ولما لم يكن للمشركين سلطان أو كتاب منير بأن الله أذن بهذا، كان الاحتمال الآخر أن يكون لهؤلاء الشفعاء من الحق على الله ما لا يحتاجون فيه إلى الإذن، وهذا هو الشرك في الربوبية، في السماوات والأرض. وقد حج الله المشركين بهذه القسمة الحاصرة في موضعين في كتابه، في سورة فاطر وسورة الأحقاف.
والشرك في العبادة لأجل اعتقاد أن المعبودين شركاء في التصرف في الكون وتدبيره، قديمٌ، عرفه الفلاسفة اليونان، وقد أخذوه عن الصابئة الحرانيين، والصابئة كانوا يعبدون الكواكب، ويعتقدون فيها أنها مدبرات العالم، وتأثر بهم بعض مشركي العرب، وجعله أكثرهم في الملائكة، ثم أخذه من الفلاسفة النصارى، وقد كان بولس عليمًا بالفلسفة، ولذا أشار القرآن أنهم - أي النصارى - يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، ثم تسرب ذلك للمتفلسفة الإسلاميين، وجعلوه فيما أسموه العقول من المجردات، وزعموا أن القرآن سماها الملائكة، وجعلوها وسائط في الفيض، ولذا قالوا بالطلسمات ومخاطبة النجوم، ثم استُضعف لهم بعض أئمة المتكلمين فانتحله وكتب في مخاطبة النجوم، والطلسمات والعياذ بالله، وقال به كثير من عرفاء الإمامية في أئمتهم فجعلوهم وسائط الفيض في الكون وقالوا إن ولايتهم على الكون تكوينية في كل ذرة من ذراته، وقال به كثير من عرفاء الصوفية وجعلوه في الحقيقة المحمدية، ثم في القطب والأبدال والنجباء وغيرهم من دولة أهل الله المتصرفين في الكون، وهلمّ جرًّا. فشابهوا هؤلاء في هذا البلاء.
فإذا عرفت ذلك كلَّه، قلتَ: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا قال: لتتبعنّ سنن من كان قبلكم اليهود والنصارى، فهذا من دلائل نبوته. ولذلك ألح الشيخ في الإخنائية على وصف فعل أصحاب الاستغاثات بالمقبورين بأنه من فعل عبدة الصُّلبان.
نعم قام في علماء الصوفية وغيرهم من أنكر هذا، فمعاذ الله أن تجتمع الأمة على منكر، والمطلوب الأخذ بقول من أنكر من المصلحين، وعدم الاحتجاج بكثرة المنظّرين من الصوفية والفاعلين من العوام، على وزان حجة الأخذ بالأكثر التي تُلاك، وذلك الجنس كجنس من قام ينكر على المتكلمين، ومن قام ينكر على الفقهاء، قديمًا وحديثًا، كله باب واحد. ومن أعظم هؤلاء قيامًا شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد واجه هؤلاء الممخرقين والمدعين وناظرهم علنًا وفضحهم، بعدما كان عامة الفقهاء في عصره مستضعفين لهم، كما كانوا من بعد.
=حين تدرك هذا السياق الكلي، تدرك قصور نظر كثير من الغافلين الذين يبحثون هذه المسألة ظانين أن الأمر مقصور على صرف الاستغاثة إلى أنها في حقيقتها مجرد طلب الدعاء من الميت، أو أنه طلب من الميت فيما يقدر عليه وهو الدعاء، وليس فيما يقدر عليه الذي هو الفعل والتصرف والجعل والنقض والإبرام والتحويل والصرف وغير ذلك مما هو مذكور تفصيلًا في كتبهم، وقد يقول بعضهم إنه يفعله بإذن الله، وليس مرادهم الإذن الجزئي الذي يشفع به رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الشفاعة العظمى، وإنما مرادهم التفويض وإطلاق اليد في التصريف، فأنَّى يُصرفون.
هذا الانحراف حاصل عند كثير، بل أكثر، العارفين المحققين للتصوف، فكيف بالعامة الذين لا يحققون اعتقادًا ما أصلًا، بل نص المتكلمون أن جمهور العامة يعتقدون في الطبع والقوة المودعة، وكيف وحالهم وقالهم الاعتماد والتوكل على هؤلاء الأولياء ظاهرًا وباطنًا معتقدين فيهم اعتقادًا عامّا في الحجابة والتصرف والتدبير.
فيغفل عامة هؤلاء عن سياق عام كلي واقع، ثم يقول: هذا طلب دعاء من الميت، وأنا لا أثبت تأثيرًا للعبد ولا فعلًا أصلًا. كثَّر الله خيرَك. ومن عجَبٍٍ أنه يشارك في هذا التناصر الاتحادي والخرافي الذي يعتقد اعتقادًا في تدبير الأولياء للعالم أصلًا، فأين هو مِن نفي الفعل والتأثير والعلة والقوة المودعة؟! ومن هنا تعرف أن اجتماعهم اجتماعٌ على الهوى، وذلك لأن اختلاف المنطلقات والمقدمات والتأسيس الكلي للمسألة - التي منها كفر، ومنها بدعة بينهم -، لمجرد الاتفاق في النتائج - أو مجرد التسويغ في النتائج، فإن عامة هؤلاء لا يرضون بتحريم الاستغاثة أصلا بل هي عندهم مستحبة أكيدة، بل في عهود كثير منهم وتسليكهم ما يقارب أنها واجبة أصلًًا - ليس إلا اعتصابا على هوى، ومغايظة لمخالِف مشترك.
فالذي ينافح عن الاستغاثة، وفق تصور معين له، ويرى أنها ليست شركًا، ويضرب لها الأمثال والأقيسة على طريقة أهل البدع الذين كان أحمد يذمهم بالمقاييس المعارضة للسمع، ثم لما قوبل باستنكار العامة بفطرتهم اضطر أن يقول بالمنع سدا للذريعة لتعدد الاحتمال، ثم يقول بالتحريم، ثم يُلِحّ على أنه يقول بالتحريم، ويقول إنما قمتُ وقعدت في المسألة لأجل أن فيها دفاعا عن المسلمين بنفي الشرك عنهم، رغم أن القول بالشرك ليس قولا عاميًّا بل قول مجتهدين من خواص المحققين، وليست من وظيفتك الإنكار على مجتهد، ولكن مع ذلك كله، أقول:
لو كنتَ حريصا على المسلمين، كل المسلمين، لعلمتَ أن عامة من تخاطبهم هم واقعون فيما تتفق أنت مع مخالفيك أنه شرك، أو بدعة مغلظة جدًّا في الإكفار بها عندك قولان، فأي الفريقين أولى بالتحذير والجهر والتغليظ عند من عرف الفقه؟ الإنكار على من قلد قول مجتهد في مسألة فيها مناط كفري متفق عليه واقع في كثير أو أكثر من يقول - علماء وعوام - بالقول الذي تدافع عنه أنه ليس بشرك؟! ولكن المقدّم هنا المغايظة والمناكفة.
واعلم أنه لا يكفي في التنصل من هذه التبعة أن تقول: أنا بينت الشروط والقيود التي بها أبيح وبها أمنع وبها أصف الفعل بالشرك من عدمه؛ لأن الفقيه إذا أفتى في واقعٍ مشخَّص يجب أن يكون بصيرا بالمناط الذي يحققه، لا أن يكون مغفلًا، أو متبعا لهواه بالحب والكره، ومن أفتى بضوابط لمن يعلم أنه لا يلتزم بالضوابط فلا يجوز له أن يفتي أصلًا، فإذا جاء القاتل يقول: إذا قتلت بالمثقل أعليّ حد فقلتَ: ليس عليه حد عند أبي حنيفة، ولكنه حرام، فأنت قاتلٌ مثله، وذلك فضلا عمن يُنزِل كلامه على ما ظاهره الواضح مخالفٌ لما يشترطه، فهذا كمفت يفتي بإباحة التدخين لقوم يدخنون الحشيش، فهذا لص، ليس بمفتٍ. فإن كان يلزمه أن يبين الحكم من حيث هو هو لديه، وبقيوده مرة، فإنه يلزمه أن يفتي في الواقع أكثر كثيرًا بما لا يقارن، فيكون خطابه نحو: هذا شرك (بإطلاق الفتوى، ونظائر هذا في السمع وفي الفقه كثيرة) لأن العبرة بالغالب، أو يقول عامته شرك، وما سلم من الشرك فهو حرام، والحرام يعني أنه لا يجوز ويأثم صاحبه، وهكذا، فالنهي عنه ليس تبرعًا، ولا تلطفًا، ولا تبرئة.
عمرو بسيوني
لو كنتَ حريصا على المسلمين، كل المسلمين، لعلمتَ أن عامة من تخاطبهم هم واقعون فيما تتفق أنت مع مخالفيك أنه شرك، أو بدعة مغلظة جدًّا في الإكفار بها عندك قولان، فأي الفريقين أولى بالتحذير والجهر والتغليظ عند من عرف الفقه؟ الإنكار على من قلد قول مجتهد في مسألة فيها مناط كفري متفق عليه واقع في كثير أو أكثر من يقول - علماء وعوام - بالقول الذي تدافع عنه أنه ليس بشرك؟! ولكن المقدّم هنا المغايظة والمناكفة.
واعلم أنه لا يكفي في التنصل من هذه التبعة أن تقول: أنا بينت الشروط والقيود التي بها أبيح وبها أمنع وبها أصف الفعل بالشرك من عدمه؛ لأن الفقيه إذا أفتى في واقعٍ مشخَّص يجب أن يكون بصيرا بالمناط الذي يحققه، لا أن يكون مغفلًا، أو متبعا لهواه بالحب والكره، ومن أفتى بضوابط لمن يعلم أنه لا يلتزم بالضوابط فلا يجوز له أن يفتي أصلًا، فإذا جاء القاتل يقول: إذا قتلت بالمثقل أعليّ حد فقلتَ: ليس عليه حد عند أبي حنيفة، ولكنه حرام، فأنت قاتلٌ مثله، وذلك فضلا عمن يُنزِل كلامه على ما ظاهره الواضح مخالفٌ لما يشترطه، فهذا كمفت يفتي بإباحة التدخين لقوم يدخنون الحشيش، فهذا لص، ليس بمفتٍ. فإن كان يلزمه أن يبين الحكم من حيث هو هو لديه، وبقيوده مرة، فإنه يلزمه أن يفتي في الواقع أكثر كثيرًا بما لا يقارن، فيكون خطابه نحو: هذا شرك (بإطلاق الفتوى، ونظائر هذا في السمع وفي الفقه كثيرة) لأن العبرة بالغالب، أو يقول عامته شرك، وما سلم من الشرك فهو حرام، والحرام يعني أنه لا يجوز ويأثم صاحبه، وهكذا، فالنهي عنه ليس تبرعًا، ولا تلطفًا، ولا تبرئة.
عمرو بسيوني
