نحن و العالم
68 subscribers
428 photos
9 videos
72 files
43 links
قناة تهتم بالتطور الفكري و الاداري عبرالتأريخ
Download Telegram
(TRAVELES IN AFRICA - JUNKER 1 - P 401)
وتصور لنا كتابات غردون والأوروبيين الآخرين لقاء غردون لسليمان الزبير في دارا وسط أنصاره بأنه دليل على شجاعة وجراءة غردون لكنها تتجاهل حقيقة أن سليمان الزبير وقادة جيش أبيه وأقاربه ما كان بإمكانهم التهجم على غردون أو اتخاذ قرار بالحرب بكل هذه السهولة والزبير رحمة رهينة بمصر.
كان وجود الزبير رحمة بمصر بكل تأكيد خير ضامن لسلامة غردون وهو يتحرك وسط أنصار الزبير باشا في السودان .
بعدها قرر غردون اللحاق بسليمان الزبير في شكا في جنوب دارفور بحسبانها عرين تجار الرقيق ومركز قوة سليمان الزبير باشا ، وكان غردون يعلم أن الزبير باشا في مصر قد طلب منه التوجه في هذا الوقت إلى إستانبول للمشاركة في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل وهي الحرب الروسية التركية
(CHARLES GEORGE GORDON - PAGE 133 )
وفي تقديري فإن إرسال الزبير باشا رحمة في ذلك التوقيت للمشاركة في الحرب الروسية التركية قصد منه إبعاده عن أية اتصالات أو إمكانية لتلقي الأخبار من السودان في الفترة التي كان يتم فيها تهيئة العوامل والأسباب التي ستدفع ابنه سليمان لثورة لا أشك أنها كانت مطلوبة .
عاد سليمان الزبير إلى شكا ، وفي 9 سبتمبر 1877م غادر غردون دارا نحو شكا ، وفي 11 سبتمبر 1877م وبينما كان غردون في الطريق من دارا إلى شكا كتب عن وجود 6 ألف تاجر رقيق في بحر الغزال !!
كتب غردون عن مفاوضاته التي دارت مع ابن الزبير في دارا قائلا : (( ذهبت إلى معسكر تجار الرقيق برفقة خمسة عشر رجلا فقط ، وكانوا أربعة آلاف , وأخبرتهم أنني قادر على تحطيمهم إذا ما قرروا أن يثوروا ، وعليهم تسليم أسلحتهم مقابل تعويض مالي ، وبعد أيام من التردد قرروا التسليم وأنا ذاهب الآن إلى شكا عرينهم ، وأشكر الرب أن أعطاني القوة للتغلب على مناوراتهم ، وأعلم أن هناك ستة آلاف آخرين من تجار الرقيق تابعين لهؤلاء جنوبا لن يكون أمامهم سوى الاستسلام إذا علموا أن قادتهم في شكا قد سلموا ، وقد لا تعلم صعوبة التعامل مع هذا العدد من المسلحين ولكن قمت بتفريقهم هنا وهناك وبمرور الوقت سأتخلص منهم .
هل كان علي أن أقوم بقتلهم جميعا ؟ ألم تكن تجارة الرقيق مسموحا بها يوما عندنا وكانت السفن المحملة بالرقيق تأتي إلى ميناء بريستول ؟ ))
وصل غردون إلى شكا يوم 15 سبتمبر وفي 17 سبتمبر كتب لأخته عن الصعوبات العملية والمنطقية في مكافحة الرق ، ونورد فقرات من هذه الرسالة الطويلة التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن سياسية ومنهج حكمدار السوداني البريطاني الجنسية الاسكتلندي العرق المصري توظيفا وراتبا غردون باشا في مكافحة الرق لم تكن لها علاقة من قريب أو من بعيد بما كان يؤمن به حقيقة.
• عندما قررت حكومة جلالته تحريم الرق سنة 1834م جهزت لهذا القرار قوات لا تقاوم من أسطول ومعدات وغيرها، أما أنا فلا يتوفر لي شيء من ذلك بل إن القوات التي تحت إمرتي معادية في باطن الأمر أو أن الأمر لديها في خانة اللامبالاة.
• حتى لو تم توقيف غارات الحصول على الرقيق فإن العلاقات التي تأسست لن تنتهي مهما كانت الحكومة قوية ونزيهة ، بالطبع لن يكون هناك أرقاء جدد ، ولكن الموجودين الآن سيظلون كما هم ونسلهم كذلك ، بل إن بعضا من تجار الرقيق الحاليين كانوا أرقاء في الماضي.
• سألت أحد الرجال في قافلة عن عدد من النسوة قائلا: تبع من هم ؟ قال : هن زوجاتي . هل بإمكاني والحال كذلك أن أنتزع منه امرأة يزعم أنها زوجته ؟ كيف لي أن أثبت أنها ليست كذلك ؟ وإذا انتزعتها منه، ماذا سأفعل بها ؟ ويقول آخر: هؤلاء الصبية الثلاث هم أبنائي، كيف يمكنني إثبات عدم وجود هذه العلاقة ؟
• قبلت قافلة تتكون من تاجر ورقيق عددهم حوالي ستون رجلا وامرأة مقيدين، ماذا أفعل مع التاجر ؟ إنه لم يقم باصطيادهم من مناطقهم بل اشتراهم من شكا ، ماذا أفعل ؟ هل هو ملوم ؟ هل أقوم بمصادرة الرقيق منه ؟ كيف وأنا جاهز للعناية بهم ؟ هل أنا قادر على إطعامهم ؟ والحال كذلك فسيكون فعلا بعيدا عن الرحمة انتزاعهم من التاجر. على أية حال كل ما استطعت فعله هو أن أمرت التاجر بفك قيودهم وتركتهم معه.
• هناك معضلة في مسألة تجارة الرقيق : إن السياسات الطاردة للحكومة المصرية دفعت سكان دنقلا والنوبة (شمال السودان ) للهجرة بأعداد كبيرة إلى بلاد الزنوج حيث وجدوا أنفسهم خارج سلطة الحكومة والضرائب ، وهناك الآن ما يقارب العشرين أو الثلاثين ألفا منهم في ( يقصد أن عدد الجلابة في بحر الغزال يقارب 30 ألفا) وهم بغض النظر عن عملهم في صيد الرقيق فهم شجعان أكثر تحضرا من عرب مصر السفلى.
• أوجه سؤالي لمن يمارسون الضغوط في مسألة منع تجارة الرقيق عن خطتهم لتنفيذ ذلك ؟
• إذا اطلعت على مداولات البرلمان بخصوص ساحل الذهب ستجد أن هناك خطة وضعت مسبقا من السكرتير الاستعماري للحكومة، والآن أطلب من هؤلاء الذين يمارسون الضغط أن يقترحوا علي خططهم بعد دراسة المسألة.
• إن هذه المسألة تتطلب بحثا كبيرا لفترة من الوقت أكثر.
• لقد أعطاني صاحب السمو ( يقصد الخديوي إسماعيل ) تعليماته الإيجابية فيما يتعلق بالرقيق إلى مدير كردفان ، والآن أنظروا كيف يتم التجاوب مع هذه الأوامر بوجود عصابة المسترقين من حولي ( يقصد أن كل من حوله متواطئ لاستمرار تجارة الرقيق) . في الحقيقة فإن المدير لا يعلم ماذا يفعل بالرقيق الذين يتم تحريرهم كما هو حالي الآن وبالتالي فهو يفضل أن يتغاضى عن المسألة.
(GORDON LETTERS TO HIS SISTER - PAGE 151 -154)
ماذا تعني هذه الأفكار والآراء ؟ تعني أن غردون حكمدار للسودان لم تكن لديه خطة علمية ومنهج علمي لمكافحة تجارة الرقيق ، فلكي تكافح مثل هذه الممارسة الراسخة المعقدة التبعات لا يكفي أن تقوم بفصل الرقيق من سادتهم حيثما كان وأينما كان وكيفما اتفق ثم تقول لهم أذهبوا فأنتم أحرار ، كما سيفعل رومولو جيسي لاحقا خلال حروبه ضد سليمان الزبير باشا في بحر الغزال ودارفور ليظهر نفسه بمظهر المخلص النبيل ، فمثل ذلك التصرف لم يكن يعني سوى إلقاء الرقيق المحررين عشوائيا إلى غياهب الضياع والفاقة ، وكان هذا هو المطلوب كما سنرى.
29 سبتمبر 1877م من دارفور - شكا - غردون يتحدث مرة أخرى عن صعوبات مكافحة الرق في دارفور
إن المشكلة التي كان غردون يواجهها في دارفور فور وصوله حكمدارا للسودان لم تكن أبدا مشكلة تجارة الرقيق بل كانت ثورة سلطان الظل الثائر هارون ، إلا أنه من الواضح أن غردون كان يهيئ المبررات لسحق الثورة باستخدام القوة المسلحة أيضا تحت ذريعة مكافحة الرق.
على أية حال ، وصل غردون إلى شكا ، وقام بترضية شكلية لسليمان الزبير باشا وأعطاه رتبة بك وقام بتعيينه مديرا على بحر الغزال ، وهي وظيفة لا تعادل ما كان عليه سليمان الزبير من ملك وتجارة مع والده ولا يكفي ذلك لإزالة الغبن عن نفسه بكل تأكيد.
وعاد سليمان الزبير بعدها إلى عاصمته ديم الزبير في بحر الغزال فوجد إدريس ابتر الدنقلاوي وكيل والده قد استغل فترة الأربع سنوات ببقائه منفردا واستبد بالناس فأراد سليمان بن الزبير محاكمته ففر للخرطوم مشتكيا لغردون وادعى أن سليمان يريد الاستقلال ببحر الغزال ، وفورا قام غردون بمنح إدريس ابتر لقب بك وعينه مديرا على بحر الغزال ورفض سليمان هذا التعيين وقام بمهاجمتهم وقتل أخ إدريس ابتر فاستنجد إدريس ابتر بالخرطوم (تاريخ السودان – نعوم شقير ص 297)
في تقديري أن هذه الحادثة وطريقة تعيين إدريس أبتر في نفس الوظيفة التي تم فيها تعيين سليمان الزبير قبل فترة وجيزة تكفي لإثبات أن غردون كان يسعى لإذلال سليمان الزبير وتهييجه.
نتوقف هنا لحظة لإلقاء نظرة على الإستراتيجية البريطانية بعيدة المدى فيما يتعلق بمناطق نفوذها في أفريقيا .
ففي سبتمبر 1877م أعلن رئيس الوزراء البريطاني غلادستون الخطة البريطانية للسيطرة على أفريقيا من الإسكندرية حتى رأي الرجاء الصالح ، وكان ذلك قبل 5 سنوات من احتلال مصر عسكريا سنة 1882م ، وفي الواقع كان الطريق لذلك الاحتلال يتم تمهيده أكثر وأكثر ، فقوى التمويل الدولية كانت قد أطبقت بخناقها على مصر من خلال الديون والوزارة المختلطة والمحاكم المختلطة وامتيازات الأجانب .
وكانت نفس قوى التمويل الدولية تتابع في نفس الوقت رحلة المستكشف هنري مورتون ستانلي في الكونغو حيث نشرت له صحيفة الديلي تلغراف في 12 نوفمبر 1877م مقالا عن الأهمية السياسية والاقتصادية للسيطرة على مجرى نهر الكونغو قال فيه :
وأشار ستانلي إلى أن جميع المحطات الساحلية في أفريقيا قد وصلتها الشركات التجارية ما عدا في شرق أفريقيا حيث الوجود العربي والهندي يحتل تلك المنطقة (ج1 ص 19)
وعليه فإن ما تبقى للاستكشاف والاستغلال التجاري في أفريقيا هو أحواض الأنهار الكبرى : النيل والنيجر والكنغو وشاري (ج1 ص 19)
وعدد السكان الذين ستخدمهم خطوط السكة حديد عام 1877م (ج1 ص20)
( THE CONGO FOUNDING OF ITS FREE STATE1 ص 16)
ظل ستانلي يرسل هذه التقارير الواعدة إلى صحف أوروبا وظلت قوى التمويل الدولية تتابع هنري مورتون ستانلي إلى حين عودته إلى أوروبا للاجتماع به للبدء في مشروع استعمار الكونغو ، أما في السودان فقد كانت هذه القوى موجودة من خلال حكومة الخديوي إسماعيل الغارقة في الديون الفاقدة للسيادة وقد تم تنصيب غردون حكمدارا ، وعليه كانت المهمة في السودان وما تقتضيه من مواجهات وحروب أسهل وأقصر طريقا مما سيحدث في الكونغو بعد 13 عاما من القتال ضد سليمان الزبير.
في آخر العام في 26 ديسمبر 1877م وصل الإيطالي رومولو جيسي الخرطوم حاملا خطابات تزكية لغردون ، ولم يكن رومولو جيسي بحاجة لمثل هذه الخطابات ، خاصة وأن رومولو جيسي كان قد عمل قبل سنة واحدة فقط مع غردون في استكشافات الاستوائية بل كانت المعرفة بينهما تمتد إلى أكثر من ذلك إلى سنوات حرب القرم 1854م حين كان غردون ضابطا صغيرا حديث التخرج وتعرف حينها على رومولو جيسي الذي كان يعمل مترجما للقوات البريطانية.
ونلقي مزيدا من الضوء على الأهداف التجارية لرحلة رومولو جيسي الثانية.
ففي ديسمبر 1877م ومن الخرطوم كتب جيسي عن الأهداف التجارية لرحلته فقال عن فرص تجارة للشركات الإيطالية : ( سأبذل كل ما في وسعي للبحث عن الفرص الممكنة لشركة كارلو إيربا في ميلان ، وآمل أن أتمكن من عقد صفقات لصالحها بأفضل الشروط وعلي أن أسعى حتى لا يظل رأس المال مجمدا . لقد أخبروني أنه في كركوج ( حيث من المفترض أن أمر ) توجد كميات كبيرة من التمر هندي وحالما أصل فسأقوم بإرسال عينات إلى إيطاليا خاصة وأن الملاحة النهرية من هناك حتى الخرطوم لا توجهها عوائق بينما الطريق التجاري من كردفان أكثر خطورة وقد عانى الكثير من التجار من الخسائر فيه. آمل أن تفوضني شركة إيربا رعاية مصالحها ولتأسيس ممثلية لها هنا ، وأملي الوحيد أن نتمكن نحن الإيطاليين من الحصول على مواد خام من أفريقيا لصناعاتنا . إن كل الممثليات التجارية هنا تربح كثيرا فلماذا لا نفعل نحن نفس الشيء ؟ ( سبع سنوات في السودان – جيسي ص 146 )
هذه هي يوميات الرجل الذي سيعهد إليه بعد عام من الآن مطاردة وتحطيم طبقة الجلابة (التجار) الشماليين في بحر الغزال ودارفور ، جاء إلى السودان مستكشفا في المرة الأولى وعمل مع غردون لمصلحة الجمعيات الجغرافية الأوروبية على حساب الخزينة المصرية في مشروع لو استغلت كل الموارد العسكرية والمالية التي خصصت له لفتحت كل منطقة البحيرات ولضمت إلى الإمبراطورية المصرية ، ثم ها هو يأتي هذه المرة باحثا عن الفرص التجارية للبيوتات التجارية والمصانع الإيطالية
وقال أيضا :لو لم أخسر في ضياع أغراضي لما ترددت في شراء شحنة كاملة من التمر هندي والمطاط الهندي INDIAN RUBBER وإرسالها لإيطاليا ، وأنا مقتنع أن التجارة في هذه المواد متاح مباشرة من هذه المناطق إلى إيطاليا ( جيسي - سبع سنوات في السودان- ص 149)
ولا يملك المرء إلا أن يعترف بأن رومولو جيسي كان ذا عقلية تجارية قادرة على رصد فرص التجارة ، فالمطاط الهندي الذي تحدث عن وجوده في منطقة كرجوج على النيل الأزرق سيكون من أهم صادرات الكنغو بعد سنوات قليلة حين يكتمل تأسيس مشروع دولة الكنغو الحرة والتي سيكون رائدها هنري مورتون ستانلي المتوجه إلى أوروبا عائدا من رحلته الاستكشافية في الكونغو ، وسنرى كيف أنه وفور وصوله سيحضر إليه مندوبو الملك ليوبولد ملك بلجيكيا ليوجها له الدعوة لمقابلة الملك في بروكسل بأسرع ما تيسر
مذبحة عنبر جودة : صورة بشعة لحكام السودان
مذبحة عنبر جودة 16 -18 فبراير 1956 ، هى واحدة من ابشع االجرائم التى ارتكبتها الحكومات السودانية المتعاقبة على الحكم فى فترة مابعد الاستقلال ، بل هى ضربة البداية المميتة بحق مواطن هذا البلد المغلوب على امره ، ظلت لعنة تطارد حكام هذا البلد وحكوماته المتعاقبة ، اذ انها انتهت لإغلاق الملف دون محاسبة وكل الذى حدث ان تقدم اسماعيل الازهرى بإستقالة حكومته وهى اول حكومة وطنية بعد الاستقالال .
تتلخص وقائع الماساة البشعة والتى المت باهل منطقة جودة جنوب كوستى فى الآتى :
جودة مشروع زراعى يتبع لشركة ابوالعلا ومزارعيه هم اهل المنطقة ولكل نصيبه من عائدات الانتاج وفقا لإتفاقات محددة بين الاطراف المتشاركة . فى الثلاثة اعوام الاخيرة التى سبقت الكارثة لم يقبض المزارعون حقوقهم المشروعة ، وكل الذى فعلوه هو ان طالبوا الإدارة بصرف مستحقاتهم وقد تجمعوا من كل القرى التابعة للمشروع ، ارسلت الحكومة قوة منالشرطة بقيادة صول مع محاولة للوصول لحل ، تطور التجمهر الى ملاسنات تارة وتهدئة تارة اخرى ، غير ان الامر تطور بسرعة كبيرة الى اشتباك بين الشرطة والمزارعيين سقط فيه قتلى من الجانيب بما فيهم قائد قوة الشرطة .
حين وصلت اخبارالاشتباكات القتلى الى كوستى ، سارعت الجهات الحكومية بإرسال قوة كبيرة تتبعها مجموعة من الشاحنات الثقيلة (قندرانات) ، بعد وصول القوة لموقع الحدث القت القبض على مجموعات كبيرة من المزارعين تم حصرعددهم بمايزيد عن ثلاثمائة . تم الزج بهم على ظهور الشاحنات تحت حراسة نيران اسلحة فتاكة ، فى اليوم التالى 17 فبرائروعند العاشرة ليلا وقفت الشاحنات فى داخل حامية كوستى ، تم انزال الشحنة البشرية امام مخزن للمبيدات الحشرية (جمكسين ) تم دفعهم للدخول بقوة السلاح ، اكتظ بهم ذلك المستودع بل تكدسوا وتلاصقوا بمالايدع حتى مجالا للتنفس وليس هناك فتحات لدخول الهواء ، لم تستجيب قوة الحراسة لمناداتهم بالإستغاثة ، بعد مرور ساعتين بدأت الانفاس تخمد ، عند الصباح مات الجميع عدا ثلاثة وضعوا انوفهم عند فتحات صغيرة فى حائط الزنك ، احد الناجين قال : انه ظل يطرق الزنك بيده وعمل الحارث على زجره بأن خرق الجدار بالسنك ( سكين فى مقدمة البدقية) الشى الذى مكنه من وضع انفه على الفتحة .
فى صباح 18 فبرائر1956 امرت السلطات بحفر مقبرة جماعية كبيرة وتم تجريد الجثامين من الملابس والاحذية ثم رموابهم فى تلك الحفرة ومن ثم اهالوا عليهم التراب وانتهى كل شى . بجانب مرقدهم الاخير تم حرق ملابسهم واحذيتهم الجلدية (مراكيب) قال شهود عيان ان النيران طلت تلتهمها لمدة ثلاثة ايام بلياليها .
الناجين الثلاثة رووا حكايات مرعبة عن اللحظات الاخيرة لرفاقم احدهم مازال حي يرزق بمدينة ربك .
انها غضبة مسؤول كبير لقريب له قتل ، بل هى لحظة الثأر والانتقام الرهيب .
مابين حكومة الحزبين الكبيرين والتاجر الاول فى السودان ، مالك مشروع جودة فى ذلك الزمن تتكدس سجلات ووقائع تلك المذبحة الرهيبة ، وفى الدار الكبيرة فى شارع الموردة بام درمان والتى تعود ملكيتها فى الاصل لاسرة مالك مشروع جودة يكمن سر آخر ، فقد تحولت فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى الى مقر لحزب لطالما رفع اهل جودة رايات الولاء له .
انها ربما تكون من الاحداث والمآسى الغامضة فى تاريخ هذا البلد وربما صفقة فى بلد يعشق البعض من اهلها عبادة الافراد وقد تكون علاقة الحب القوية بين السادة والعبيد ، وربما صفقة ،قانون التعويض فيها : ذراع فى الارض بذراع فى الجنة ، وقد تكون من الحق المقدس لورثة السيادة . اشياء اخرى كثيرة تدور فى الاذهان ربما سبب منها !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!؟.
ظلت جودة لعنة تطارد حكام السودان وحكوماته المتعاقبة . مضت دون محاسبة ، ومالم يفتح ملفها ويرد الحق لاهله فإن الذنب يظل ينهش جسد هذا البلد . وعلى قدر اعمالكم تحاسبون .
معا لرد الحقوق لاهلها لاجل وطن معافى لا علو فيه لأحد
Stephanie F. Beswick استفني. ف. بيزويك
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة
هذ هو الجزء الثاني من ترجمة وتلخيص لمقال عن حادثة عنبر جودة للدكتورة س. ف. بيزويك أستاذة التاريخ المشاركة بجامعة بول بولاية انديانا في الولايات المتحدة، وهي متخصصة في تاريخ الشرق الأوسط وأفريقيا والنساء الأفريقيات والإمبريالية البريطانية. ولم نشأ ترجمة عنوان المقال حرفيا لطوله، ولخطله الذي لا يخفى إذ أنه يقرر في العنوان أن الذي قتل المعتقلين "البقارة" هم رجال الشرطة " الشايقية"! هكذا ... قولا واحدا!
تناول بعض الكتاب تلك الحادثة في بعض المنتديات الإسفيرية السودانية، ولكن لا علم لي بأي دراسات تاريخية جادة عن "حادثة عنبر جودة" بأقلام مؤرخين سودانيين من المهنيين أو الهواة، ولكن خلدت تلك الحادثة قصيدة الشاعر الراحل صلاح أحمد إبراهيم الشهيرة والتي تصف ما حدث لعمال مشروع زراعي خاص يقع على النيل الأبيض بالقرب من كوستي أعلنوا الاضراب عن العمل ورفضوا تسليم المحصول لصاحب المشروع فقامت الشرطة بحبسهم في غرف ضيقة سيئة التهوية فقضوا اختناقا. وهناك أيضا مسرحية د. عبد الله علي إبراهيم المعنونة "تصريح لمزارع من جودة" والتي نشرها عام 1991م نادي المسرح السوداني. وأتى الشاعر الراحل محجوب شريف أيضا على ذكر "عنبر جودة" في بيت في قصيدته "مهر الدم". وعلمت مؤخرا من خبير أن للأستاذ حسن العبيد مدني كتابا توثيقيا عن تفاصيل تلك الحادثة ومن كتبوا عنها صدر في عام 2008م.
المترجم
جاء في شهادة المفتش الزراعي بيزوك أنه:
"كان ينبغي على شركة عبد المنعم محمد أن تدفع للمزارعين نصيبا مجزيا من الأرباح، إلا أنها لم تفعل، ولم يعط المزارعون حقهم حتى بعد أن جف عرقهم، وبعد مرور وقت طويل على بيع القطن الذي زرعوه. وكانت تلك الشركة قد استثمرت عائد بيع أقطانها في إنشاء مصانع جديدة لمعاصر الزيت من السمسم والفول السوداني وبذرة القطن، ولم يبق عندها ما تعطيه للمزارعين نظير عملهم. ولم يكن أمام المزارعين إزاء ذلك الوضع سوى الاحتجاج".
وفي غضون تلك الأحداث، قامت في الجزيرة حركة إحتجاجية ضخمة إنتهت بإعلان إضراب عام في المشروع ضد الحكومة السودانية. وفي ظل تلك الأجواء الإحتجاجية ساد شعور عند مزارعي جودة بأنهم لن ينالوا حقوقهم من مالك المشروع. ورفض المزارعون الإستمرار في لقط القطن أو تسليم ما تم لقطه منه حتى تتم تسوية مستحقاتهم للسنوات الثلاث الماضية. وكان مما زاد من حدة تلك المطالب أن أسعار القطن في عامهم المنصرم كانت متدنية جدا، وكان المزارعون في حالة مزرية من الفقر والعوز، وكانوا يسعون لزيادة نصيبهم من عائد القطن، خاصة بعد تحسن أسعاره في العام التالي. ومع مرور الأيام بدأ المزارعون في تهديدنا.
كنا نجد ومنذ بداية يناير وحتى فبراير (1956م) ملصقات ومنشورات عديدة في كل أنحاء المشروع تدعو المزارعين للثورة، ووردت فيها عبارات مثل " يا جماهير المزارعين... حطمواأغلال من اضطهدوكم..." وقبل يومين من قيام الإِضْرَابُتضاعفت موجات البيانات والمنشورات المكتوبة بخط اليد والتي علقت على الأعمدة وعلى القنوات. جاء في تلك المنشورات تحذيرات شخصية ليجاء فيها عبارات من شاكلة: " يومك جا يا بيزوك". واكتفت الحكومة بإلقاء باللوم لتلك الإضرابات على الشيوعيين دون أن تفكر في حل عملي لمشاكل المزارعين."
ومع إزدياد حدة تطور الاحداث قامت الشرطة بتفريق المتظاهرين وفض الإضراب في شمال الجزيرة عن طريق التهديد واعتقال قادة الإضراب الذين كانوا يسعون لقيام إضرابات مماثلة في جنوب الجزيرة أيضا، وملاحقتهم في كل المشاريع لأسابيع عديدة حتى وصلوا مشروع جودة، والتي كانت آخر مشروع في جنوب الجزيرة، حيث جرت فيه معركة المضربين الأخيرة. ففي أواخر فبراير من عام 1956م واجه المضربون رجال الشرطة، إلا أن الصحافة في تلك الأيام لم تغط تفاصيل تلك المواجهة لأن مالك المشروع (عبد الحافظ عبد المنعم) كان قد منع مفتشه الزراعي بيزوك من أن يخبر أحدا في السودان بما جرى. وهنا يدلي الرجل– ولأول مرة- بشهادته فيما حدث في جودة.
معركة جودة
"في صباح يوم 20 فبراير 1956م كنت جالسا في مكتبي حين تلقيت مكالمة هاتفية من الجبلين تفيد بأن ناظر الخط في طريقه إلينا ومعه رجال شرطة بغرض الحديث إلى المضربين وتسوية مشاكلهم ومنع قيام الإضراب. يجب القول هنا بأنه وإلى ذلك التاريخ كان المزارعون قد توفقوا عن لقط القطن منذ بداية الشهر الماضي. وحضر الناظر وفي معيته رجال شرطة مسلحين بالبنادق، بينما توجهت سيارة نقل (لوري) وبها رجل شرطة وأربعة رجال آخرين إلى وسط المشروع حيث يجمع القطن ليرحل، وحيث تجمع المزارعون المحتجون وهم مسلحين بالحراب والفئوس. وتجمع في ذات المكان عدد من أناس كثر أتوا من مناطق مختلفة من الجزيرة، ولا يعلم أحدا على وجه الدقة من أين أتوا، غير أنه كان من الواضح أن الغرض الأساس لذلك الجمع من الناس هو منع أي أحد من العمال من أنيجمع أو يحمل القطن لخارج المشروع.

لم أكن خائفا أو قلقا أبدا، غير أن تلك الملصقات والمنشورات كانت قد أثارت الخوف والهلع في نفوس المفتشين والعاملين الآخرين في المشروع. وفجأة أتى اللوري الذي كان يقل الرجال الأربعة الذين رافقوا رجل الشرطة لمقابلة المحتجين، وهم يصيحون قائلين بأن المضربين قتلوا شرطي الناظر وقطعوه إربا إربا. وعلى الفور اتصل الناظر هاتفيا طالبا مددا من رجال الشرطة المسلحين، فوصل بعد وقت وجيز نحو عشرين أو ثلاثين شرطيا مدججين بالسلاح. لابد أنهم كانوا في منطقة الجبلين وما حولها. وتوجهوا من فورهم نحو منطقة تجمع المضربين وبدأوا في إطلاق النار على الجمع دون تمييز. كان رجال الشرطةأولئك من الشايقية، وكان المحتجون من البقارة (لم تذكر المؤلفة كيف تأتي للمفتش الزراعي التحقق من ذلك. المترجم) وهم يحملونفئوسا وحجارة وبنادق عتيقة (ذكرت المؤلفة أن تلك ربما كانت بنادق قديمة هربت من أثيوبيا في الثلاثينيات حين كان أفراد قبيلتي النزّى والوقداب يعملون في تجارة الأسلحة والرقيق. المترجم). سقط في تلك المواجهة بين رجال الشرطة والمضربين نحو أربعين شخصا.
بعد مضي بعض الوقت عاد رجال الشرطة إلى مكاتبنا وهم يقولون أنهم قد أفلحوا في "تسوية الأمر". وعلمنا أنهم فقدوا رجلين أو ثلاثة، ولم يذكروا عدد القتلى من المضربين، ولكنه كان عددا كبيرا. وأتذكر أن رجال الشرطة كانوا من الشايقية لأن ذلك سيكتسب أهمية في ما تلى من أحداث.
وفي صباح اليوم التالي توجه كثير من رجال الشرطة الذين أتوا لجودة شرقا إلى النيل الأزرق، وتوجهت أنا بمفردي لموقع المعركة لجلب ما قد يكون قد جمع من القطن، إذ كان المفتشان الآخران قد لاذا بالفرار. لم تكن الحكومة تعلم تماما عدد من سقط في معركة الأمس، وبالفعل كان العدد كبيرا رغم أن كثيرا من الجثث كانت قد أزيلت من مكان الواقعة قبل حضور السلطات (سجلت المؤلفة في ثبت المراجع أن الحكومة كانت قد أصدرت بيانا عن الحادث قالت فيه أن ثلاثة من رجال الشرطة قد سقطوا وأن ثلاثة آخرين أصيبوا في الأحداث. وكان من المتعذر إحصاء عدد من قتلوا أو أصيبوا من المضربين إذ أن كثيرا منهم كانوا قد فروا في إتجاه الحقول المجاورة. ولكن أعلن فيما بعد أن 150 مزارعا قد قتلوا وأصيب أكثر من 500 منهم. المترجم).
وفي الصباح الباكرلليوم التالي للمعركة سمعنا أصواتا عالية لثلاثة سيارات نقل من على بعد أميال. وتوقفت تلك السيارات بميدان واسع كان يستخدم مهبطا لطائرات الرش، ونزل منها عدد كبير من رجال الشرطة الشايقية قاموا وعلى الفور بإعتقال كل من كان موجودا في تلك المنطقة، والذين كان عددهم أقل مما كان موجودا بالأمس، وكانوا كلهم من رجال ونساءالنزّىوالوقداب الذين يقطنون تلك المنطقة وليسوا كلهم من مزارعي المشروع. وأمرتهم الشرطة بالجلوس أرضا في ذلك الميدان لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة. وكان على رأس تلك الفرقة المهاجمة قاض باكستاني كانت مهمته تنحصر في فحص وثائق الاتحاد والاشراف على ترحيل كل المعتقلين إلى كوستي حيث سيتم التحقيق معهم.
قال بيزوك عن ذلك:
"شاهدنا ما كان يجري من شرفة دارنا ... كنا ننظر إلى نحو ستمائة شخص جالسين حول منزلنا فيما بدا لنا منظرا بالغ الغرابة. وكنا نقول بأن الشرطة لو اعتقلت المضربين في غضون ساعات المعركة بالأمس لكان تحت قبضتها كل من دبروا ذلك الإضراب، بيد أنهم أضاعوا الفرصة بتأجيل الأمر إلى اليوم التالي".
وكانت ستيلا زوجة بيزوك قلقة على صحة النساء المعتقلات تحت أشعة الشمس، وترى أنهن برئيات ولا دخل لهن في ما جرى من اضطراباتفألحت على زوجها كي يذهب إلى القاضي الباكستاني ويقنعه بأن لا دخل لهؤلاء النسوة بما جرى أو يجري في المنطقة، وأنها تشهد بأن كثيرا من المعتقلين كانوا بالقرب من منزلها أثناء معركة الأمس. وطلب منها القاضي أن تحدد له هؤلاء ففعلت بأن وضعت يدها على عدد كبير من رجال النزّى فأطلق القاضي سراحهم فورا، وبذا أنقذت حياتهم.
جاء في شهادة بيزوك ما يلي:
"وفي حوالي الرابعة عصرا أطلق سراح كل النسوة المعتقلات، بينما أمر القاضي بترحيل 278 رجلا (كان من بينهم رجل عجوز يبيع بيض الدجاج في المنطقة!) إلى كوستي التي تبعد مئة ميلا في سيارات نقل كنا نستخدمها في نقل القطن".
مجزرة كوستي
عثر في صباح اليوم التالي على جثث 194 من البقارة المعتقلين في سجن بكوستي. إن أحد أغراض هذا المقال المهمة هو إثبات أن حادثة جودة لم تكن حادثة عرضية كما زعمت الحكومة. وتبين كثيرا من الروايات المروعة المنشورة عن مصير أولئك الرجال وبوضوح أن رجال الشرطة الشايقية قد مارسوا ضدهم انتقاما بشعا بسبب مقتل زملائهم في جودة. فقد حبسوا 281 رجلا في عنبر واحد مغلق الأبواب والنوافذ، ولم يستخدم منذ ثلاثة أشهر مضت، قيل أن مساحته لا تتجاوز 120 مترا مربعا (12x 10 أمتار). وكانت درجة الحرارة في كوستى في ذلك اليوم 104 درجة فهرنهايت (40 درجة مئوية). ولم يستجب رجال الشرطة لنداءات واستغاثات المسجونين، بل سخروا منها وتهكموا عليها. وقضى بعضهم نحبه وهم في حالة صراخ هيستيري، بينما تكومت أجساد الكثيرين منهم فوق بعضها طوال الليل. وأوضحت الجروح التي وجدت لاحقا في أيدي وأرجل المسجونين، والدماء التي سالت على الجدران عنف المحاولات اليائسة والمحمومة التي قام بها بعضهم للوصول إلى نسمة هواء قبل أن ينهاروا من قلة الهواء وفرط الحر.
نجا ثلاثة من المسجونين من الموت، وروى هؤلاء أن رجال الشرطة كان يقولون لهم ردا على صيحات استغاثتهم بأن الموت أفضل لهم.
كان المسجونون يحاولون كسر النوافذ طلبا للهواء، غير أن رجال الشرطة ظنوا أن تلك كانت محاولة للهرب فأطلقوا الأعيرة النارية على النوافذ. وشهد أحد الناجين بأن المعتقلين كانوا قد أحدثوا في البدء ضجةإحتجاجية عالية عندإدخالهم لذلك العنبر لم يأبه لها رجال الشرطة والذين أمروهم بالسكوت. ومع مرور الوقت واشتداد الحر وتناقص الهواء وحدوث الاختناق بدأ المعتقلون يناشدون الشرطة أن يعطوهم بعض الماء، إلا أن مطلبهم قوبل بالتجاهل التام. ونحو منتصف الليل بدأ الكثيرون في الانهيار فأضطر بعضهم لخلع ملابسهم ووقف قليل منهم على أجساد زملائهم طلبا لنسمة هواء. وجاء في شهادة ذلك الناجي أنه نجح في خرق أحد النوافذ وأفلح في الخروج من العنبر فأطلقت عليه الشرطة أعيرة نارية. لم ينج من تلك المجزرة غير 93 فردا. وذكر أحد الأطباء الذين شاهدوا ما حدث للمعتقلين بأنه كان يصعب التفريق بين الأحياء والأموات في ذلك الجمع البائس من المعتقلين المحشورين في ذلك العنبر الضيق (وردت تلك الشهادة في صحيفتي "هيرالد" و"سيدني مورنق هيرالد" الاستراليتين في يوم 24 و25 فبراير 1956م).
وكان أخذ رجال الشرطة للقانون في أيديهم وتحويلهم قوة الشرطة ل "قوة ارهابية" هو أحد المسائل المركزية في البلاد حتى في السنوات التي سبقت الاستقلال، وظلت كذلك لعقود بعده.
وصرح علي عبد الرحمن وزير الداخلية حينها معلقا على الأحداث التي وقعت في الجنوب بأن "هنالك الكثير من الاحتكاك بين الشرطة والإدارة"، وصرح آخر بأن الشرطة في الأقاليم تعد نفسها محاسبة فقط من قبل قائدها في الخرطوم، وأن السودان قد يتحول إلى "دولة بوليسية"، خاصة في المناطق الأقل نموا وتطورا، حيث تسود الأمية والتخلف وقلة التدريب في أوساط رجال الشرطة، خاصة في جنوب السودان، والذي يجاور مشروع جودة. ولعل رجال الشرطة (الشايقية) الذين اعتقلوا المزارعين البقارة كانوا يظنون أن بمقدورهم فرض ما يرونه من عقوبة على هؤلاء الناس دون مساءلة من حاكم الإقليم. وأوردت ثلاثة من صحف الخرطوم عقب تلك الحادثة نبأ اجتماع لقادة النقابات في الخرطوم دعوا فيه لإنهاء إجراءات الشرطة التعسفية.
ربما كان للتنافس العرقي بين الشايقية والبقارة يد في ما حدث في جودة. فالسياسة في السودان كما ذكرنا من قبل كانت تقوم على حزبين كبيرين تدعمهما طائفة الأنصار (وغالب أفرادها من البقارة) وطائفة الختمية (وغالب أفرادها من من الشايقية، وهم الفئة الأكثر في قوة الشرطة). وكان رئيس الوزراء ووزير داخليته من الختمية كذلك. وللصراع بين الطائفتين واتباعهما جذورا تاريخية معروفة تمتد إلى القرن التاسع عشر.
لم تدع الحكومة فرصة الأوضاع الأمنية المتفجرة بالبلاد من قتل في كوستي ومظاهرات تلت ذلك الحادث تمر دون إستغلال، فقامت باعتقال عدد من قادة النقابات المحتجة والتجمعات السياسية (مثل بعض زعماء الجبهة المعادية للاستعمار) والنقابات المهنية المعارضة، وبعض النواب البرلمانيين، وحكمت على من نجا من الموت في عنبر جودة بثمانية عشر شهرا سجنا. وأفلحت تلك الاجراءت في صد المتظاهرين عن النزول للشوارع أو عن الاحتجاج على ممارسات الشرطة.
حفل التقرير الذي وزعته الحكومة في محاولتها تبرير وتفسير ما جرى في جودة وكوستي بكثير من الأخطاء. فقد جاء فيه أنه كان يظن أن هؤلاء المزارعين ربما كانوا قد أصيبوا بنوع من العدوى أو الخمج (infection) في أثناء هربهم... وأن الحادث قد يكون قد حدث نتيجة إهمال من قبل عناصر تفتقر إلى الخبرة... وأن الحادث كان نتيجة لمؤامرة دبرها الشيوعيون وأذنابهم من العناصر المخربة الخ الخ.