ضوء صغير بين ظلامين.
755 subscribers
1.19K photos
174 videos
7 files
310 links
-
مُطلاً من على حافة الجرف.
Download Telegram
‏لماذا حينما ندخل بيوت الطين
‏رغم صغرها وقرب جدرانها
‏نشعر بالانشراح وكأننا نتنفس ملء صدورنا؟
‏هل هو حنين الطين للطين؟
الكتابة كيف تكون وسيلة للخلود؟

في رسالةٍ كتبها رجل بعيد، لا أعرفه ولا يعرفني، كان يتنبأ بموته بهدوءٍ عجيب، ويعلنها بكل طمأنينة: أنه راضٍ وسعيد بما ستؤول إليه الأيام.
في كل صورةٍ أو مقطعٍ صوّره كصحفيٍّ في ساحة حرب طويلة، كان لا يُخفي أمنيته ولا دعاءه أن يكون موته بشكلٍ واحدٍ فقط يرضيه: أن يموت شهيدًا.

منذ شاهدتُ أمنيته تتحقق أمام العالم، وأنا أتساءل:
هل لوجوه الشهداء علامة منذ قدومهم إلى الحياة؟
ربما لمحة، أو إشراقة، أو شعور خفي يجعل الآخرين ينظرون إليهم وكأنهم كائنات ملائكية، رُزقوا سماحةً وقبولًا من الله.

أتذكر ملامحه جيّدًا، ابتسامته، صوته،
وأتذكر أيضًا كيف غابت بعد موته.
كيف تسلّل الموت إلى وجهه حتى صار صمته فاجعةً لي.
شعرتُ كأنه فرد من عائلتي، وبكيت لأيام.

وكلما ظهر لي مقطع له أثناء بحثي في مواقع التواصل، شعرت بغصّةٍ تعتصر حلقي.
تغيّر شيء داخلي لا أستطيع تفسيره.
حاولت الكتابة عنه، لكن الكلمات لم تغثني ولم تمطر علي لأسقي هذا العطش.

ومنذ ذلك اليوم، بدأتُ أتأمل وجوه الناس من حولي بطريقةٍ أخرى.
كأنني أبحث عن شيءٍ مجهول،
أستبصره، أختبره، أتعرف من خلاله على نظرتهم إلى الحياة،
على طريقتهم في معاملة الآخرين،
على الكيفية التي تظهر بها مشاعرهم في ملامحهم.

وفي حالات كثيرة، نجحت التجربة.
لكنني -في الوقت نفسه- ارتعبت.
أن تدرك ما يحاول الآخر إخفاءه أمر غريب ومخيف.

ومع ذلك، أؤمن أن الكتابة هي وسيلتنا الوحيدة لفهم هذا الأمر،
ولهذا أحاول بهذه الكلمات أن أفهم، أن أفسّر، وأن أستعيد توازني الذي فقدته في وجوه العابرين.
‏وَمَا كُنْتُ فِي زَيْفِ الحَيَاةِ بِطَامِعٍ
‏وَمَا عِشْتُ عُمْرِي لِلْأنَامِ ذَليلا

‏نَأَيْتُ بِنَفْسِي عَنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ
‏وَلَمْ أتَّخِذْ غَيْرَ الجَمِيلِ خَلِيلا

‏وَعَاشَرْتُ مَنْ عَاشَرْتُ لِينًا وَعِفَّةً
‏وَمَا كُنْتُ إِنْ شَحَّ الزَّمَانُ بَخِيلا

‏أُحِبُّ سُمُوَّ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ خِسَّةٍ
‏وَلِلْخَيْرِ أَسْعَى مَا اسْتَطَعْتُ سَبِيلا

‏مهدي سميطان
‏ٖ
عبدالوهاب المسيري هذا الإنسان السابق لزمانه تحدى نفسه على كتابة مقالة عن موت عدوه وبدلًا من أن يكتب عن موت هذا العدو؛ كتب عن الإشكالية نفسها وجعلها هي موضوع المقال يقول:
"أمام الميلاد والموت تسقط كل الأقنعة، ويقف الإنسان ليرى إنسانيته وإنسانية الآخرين، وليؤكد تضامنه الشامل معهم ضد ما هو غير إنساني. وحينما وصلني نبأ موت بن جوريون، حاولت قدر استطاعتي أن أسقط كل الأقنعة لأجابه الموت حتى ولو كان موت عدوي، ولكني اكتشفت أن قناعتي هذه المرة هو وجهي ذاته. وحينما سألت نفسي عن السبب، وجدت أنني لا يمكنني أن أفكر في موت بن جوريون إلا كعربي - مصري، لأنه قضى حياته كلها منكرًا عليّ إنسانيتي بل ووجودي ذاته."
في نموذج "الإنسان السر" الذي أسماه عبدالوهاب المسيري وهو نموذج من النماذج التي أبدع المسيري بعبقريته في تفسيرها؛ وضع الفلسطيني نموذجٍ واقعي له فيذكر بأن أهم الأمثلة على أبداع هذا "الإنسان السر" ما قرأه في إحدى الصحف عن شكل من أشكال المقاومة التي ابتدعها الفلسطينيون قبل الانتفاضة. فمن المعروف أن القوات الإسرائيلية كانت تحظر على الفلسطينين رفع العلم الفلسطيني، وتقبض على أي فلسطيني يفعل ذلك، فكان الفلسطينيون في غزة، حينما تمر عليهم قافلة عسكرية إسرائيلية، يأتون ببطيخة ويقطعونها ويرفعون نصفها. وألوان البطيخة هي ذاتها ألوان العلم الفلسطيني (أخضر وأحمر وأسود). ولم يكن بمقدور القوات الإسرائيلية أن تقبض على الفلسطيني بتهمة قطع البطيخ وإلا أصبحت أضحوكة العالم، رغم أن عملية قطع البطيخ أكثر عمقًا في رمزيتها النضالية من مجرد رفع للعلم (فالسكين الذي يقطع يُذكر الجندي الإسرائيلي بما لا يحب). وقد ذكر بعدها بأن البطيخة المقطوعة هي أول سلاح في التاريخ يقاوم به الإنسان ثم يأكله بعد ذلك، فهو سلاح يمكن تدويره!

ويا للعجب بعد هذا التحليل الذي نُشر في ثمانينات القرن الماضي يعيد الفلسطيني تفعيل هذا الفعل بعد أربعين عامًا، ليجدد مقاومته ورفضه للاحتلال!
مدارج السالكين 📚
بين منازل "إيّاك تعبدُ وإِياكَ نستعينُ"
لابن قيم الجوزية.
كتاب يدعو للإقبال على القرآن وتفهمّه وتدبّره واستخراج الكنوز منه، و صرف العناية إليه.
فالحقيقة والطريقة كلها لا تقتبس إلا من مشكاته.
وفي هذا الكتاب خاصة لفاتحة الكتاب وأم القرآن، وعلى ما اشتملت عليه من المطالب العالية، والتوصية بالحق والصبر عليه، والتواصي بهما.
وعلى محاولات ابن القيم في الرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال، وعلى الفرق بين وسائلها وغاياتها، ومواهبها وكسبياتها، وبيان أنه لا يقوم غير هذه السورة مقامها ولا يسدُ مسدّها؛ ولذلك لم ينزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها.
العربيُّ يُبكيه اكتمالُ البدر، ونوحُ حمامة، وحنينُ ناقة، وهبوبُ الصَّبا، وسنا البرق، وحفيفُ شجر الخابور، ورؤية سُهيل، ومطرُ الوسميِّ، وحادٍ حَدا، ودارٌ سكنها ثم زال عنها فمرَّ بها بعد حين ..

‏وآيةٌ من كتاب الله، وبيتُ شِعرٍ مجهول النّسبة ..

‏ثم هم يقولون: أعرابٌ غِلاظ!

‏- الشاعر عبدالله العتيبي
صَبورٌ وَلو لَم تَبقَ مِنّي بَقِيَّةٌ
قَؤولٌ وَلَو أَنَّ السُيوفَ جَوابُ
وَقورٌ وَأَحداثُ الزَمانِ تَنوشُني
وَلِلمَوتِ حَولي جيئَةٌ وَذَهابُ
وَأَلحَظُ أَحوالَ الزَمانِ بِمُقلَةٍ
بِها الصُدقُ صِدقٌ وَالكِذابُ كِذابُ
بِمَن يَثِقُ الإِنسانُ فيما يَنوبُهُ
وَمِن أَينَ لِلحُرِّ الكَريمِ صِحابُ
وَقَد صارَ هَذا الناسُ إِلّا أَقَلَّهُم
ذِئاباً عَلى أَجسادِهِنَّ ثِيابُ
تَغابَيتُ عَن قَومي فَظَنّوا غَباوَتي
بِمَفرِقِ أَغبانا حَصىً وَتُرابُ
وَلَو عَرَفوني حَقَّ مَعرِفَتي بِهِم
إِذاً عَلِموا أَنّي شَهِدتُ وَغابوا
وَما كُلُّ فَعّالٍ يُجازى بِفِعلِهِ
وَلا كُلُّ قَوّالٍ لَدَيَّ يُجابُ
وَرُبَّ كَلامٍ مَرَّ فَوقَ مَسامِعي
كَما طَنَّ في لَوحِ الهَجيرِ ذُبابُ
إِلى اللَهِ أَشكو أَنَّنا بِمَنازِلٍ
تَحَكَّمُ في آسادِهِنَّ كِلابُ

- أبو فراس الحمداني.
مراجعة فيلم المنفصل | Detachment

يبدأ الفيلم بتعيين البطل مدرسًا موقّتًا في مدرسة ذات سمعة سيئة وبدرجات متدنية -الأمر الذي يؤثّر حتى على عقارات المنطقة- :/
“السيد بارث” وحيد، ويحمل ألمًا يلازمه منذ الصغر بسبب “غياب المرشد في حياته”. فقد انتحرت والدته عندما كان صغيرًا، ثم تحمّل مسؤولية جده بعد إصابته بالزهايمر.

يُدرّس مادة الأدب الإنجليزي، ولديه قاعدة واحدة فقط:
“إن لم ترغبوا في البقاء داخل الفصل… فلا تأتوا.”

في أول حصة، يطلب من التلاميذ أن يتخيّلوا موتهم، وأن يكتبوا عمّا سيقوله الأصدقاء والأهل في جنائزهم.
ثم يتساءل “السيد بارث” عند رؤيته لحالة الطلاب:
“الطلاب لا يبدون أي اهتمام، ويشعرون بالملل طوال الوقت… فكيف يمكن ترويضهم بأدب تقليدي إن لم يؤمنوا بأن ما لديك يحمل قيمة تستحق أن تُسمع؟”

يحاول أن يكون قريبًا، فيُفهم بشكل خاطئ.
ويحمل مسؤولية، فيُستغل.

يستعرض الفيلم أيضًا تلك الفجوة بين المدرسة والأهالي؛ لا أحد يفهم الآخر، وكل جهة تدفع بالمشكلة نحو الطرف المقابل.

كما يمرّ الفيلم على سوء الفهم الذي يطال معظم علاقاتنا: مع العائلة، والأصدقاء، وفي العمل… وكيف يرتبط هذا الفهم بشكل وثيق بقدرة كل طرف على إدراك احتياجه للآخر.

فيلم ذو قيمة عالية، ولحسن الحظ شاهدته في وقت أفكّر فيه كثيرًا بالتعليم، وبالأساليب، وبالجيل الذي افترسته المادية والاستهلاكية.
أرى أن خلاصة تجربة المسيري الفكرية تتمثل في ما قاله نهاية كتابه رحلتي الفكرية إذ يقول:
حينما أتأمل حياتي ككل (الذاتية والموضوعية، الخاصة والعامة) أجد أن أهم ما فيها هو وجود عناصر عديدة أدّت إلى اكتشافي أن الحياة الإنسانية مركبة ومفعمة بالأسرار والثنائيات والتنوع، وليست بسيطة أو سطحية أو أحادية، وأن الإنسان كائن فريد في العالم الطبيعي / المادي.
لماذا في القصص والروايات نفهم الناس أكثر من فهمنا لهم بالواقع؟ حتى أن شخصية شريرة مثل راسكولينف في الجريمة والعقاب جعلت البعض يتعاطف معه ويفهم دوافعه!
أتذكر بأن علي عزت بيغوفيتش كتب في مذكراته: "أن الأدب يعرفنا على روح البطل، وفي الحياة نتعرف على الناس".
"ما الذي يميز الكاتب الأصيل؟ قبل كل شيء القدرة على الملاحظة.
هناك أناس يعيشون الحياة، وكأنهم يعبرونها مغمضين. الكاتب الأصيل هو تناقض خالص: حساس مثل الصورة الخام."
- علي عزت بيغوفيتش
كتاب (رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر) للمفكر الراحل عبدالوهاب المسيري.
كتاب سيرة غير ذاتية وغير موضوعية، كتب المسيري فيها من العام إلى الخاص، رغبةً منه في أن يكون الكتاب طريقًا واضحًا يُلهم أجيالًا من الشباب بأفكاره الأساسية ومنهجه في التعلّم والتطوّر والتحليل.

فهو رجل آمن بأنه استحدث طريقة جديدة في تطوير مناهج وأدوات التحليل والتفسير والبرهنة.

يتضح من خلال القراءة وتناوله للموضوعات العامة وطرق تحليله وتفسيره لها أشياء كثيرة من شخصيته، منها دوافعه الداخلية التي بالضرورة أسقطها على أقواله وأفعاله.

ولعل أهم ما ستخرج به من أفكار واستنتاجات لفكر هذا الرجل اكتشافه للحياة الإنسانية بشكلها المركب والمفعم بالأسرار والثنائيات والتنوّع، وأنها ليست بسيطة أو سطحية أو أحادية، وأن الإنسان كائن فريد في العالم الطبيعي/المادي.

كتاب أشبه ما يكون بمنهج للعيش، تعود له بين الفينة والأخرى لتُذكر نفسك بطرق عيش حياة مستقيمة، تأملية، تفكّرية.

عاش معي هذا الكتاب لمدة شهرين، ولم أستثقله إطلاقًا، حتى إن بعض الفصول أُعيد تكرارها والعودة إليها مرارًا.

ومن خلال المسيري عرفت أنني أتبنّى معه نموذج الرفض للموضوعية المتلقّية والمعلوماتية الفجّة!
لكني لم أكن مدركة بشكل كامل، ولا أفهم هذا الأمر بصورته الصحيحة.

تذكرت قراءتي لفيلم "باربي" وهو يضرب مثال "عرائس باربي" على كون العالم يصنع مؤامرة ضد الأطفال بهدف تحويلهم إلى شخصيات استهلاكية.

وتذكّرت نصوصًا طويلة كتبتها عن التأمل والتفكّر، لكن من خلال فصل "داء التأمل" فهمت ما لم أفهمه، ولم أصل إليه سابقًا.

كتاب عظيم جدًا، ولو كنت أملك زمام القرار لجعلته يُدرَّس في مناهج المدارس.
إن فرضية الأخلاق هي الحرية، وفرضية كل علم هي الميكانيكية، كيف يمكن إذن أن يصبحا ممكنين في الوقت نفسه هذان العلمان اللذان تلغي مقدمة كل منهما الأخرى؟
الجواب الوحيد الممكن أنه يوجد عالمان مختلفان، نقيم فيهما في الوقت نفسه.

- كتاب هروبي إلى الحرية، علي عزت بيغوفتش.📖
في رسالة ليلى ابنة المفكر علي عزت بيغوفيتش لوالدها حينما كان في السجن تقول:
"حياتنا تمضي كما لو أن قوة ما من خارجنا تدفعها، نطبخ ونأكل، نعمل ونذهب إلى النزهات، فهذا ضروري، وخصوصًا عندما يكون هناك صغار لابد من اختراع القصص والضحك، والتخيل، وإلى جانب ذلك الإجابة عن العديد من الأسئلة المطروحة."

تعليقي على هذه الرسالة الحزينة:
حين يمر أحد الأقارب بحالة حزن أو مرض أو تعب، نتثاقل تلك اللحظات العابرة السعيدة التي تمر بنا؛ نشعر بالذنب وإن كنا لا نظهره، نغص بأفراحنا ونتذكر حزنهم ومعاناتهم وشعورهم الدقيق حيال ذلك..
وهذا حالنا مع أهلنا في غزة في ظل كل ما يمرونا به، اللهم ألطف بهم.
رواية الجوع – لكنوت هامسون

الجوع هنا ليس نقصَ طعام، بل حالة وجودية تُغيّر علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم.
رحلة كاتب فقير، ذو كبرياء لا يختفي حتى مع حالة الجوع القصوى التي توشك في كل مرة على أن تقتله. تفاصيل مأساوية، مفزعة، لحالة جوع إنسان يبحث عن قطعة خبز صغيرة تسد رمقه!
الحياة في أسوأ حالاتها؛ كأن كل البشر أصبحوا فجأةً وحوشًا، كل همّهم ألّا يقترب هذا الفقير المقزز ذو الأثياب البالية منهم.
في أشد حالات جوعه، يستعين بخشبة صغيرة يضعها تحت لسانه، ويشعر بعدها بالتحسّن. هذه التفصيلة الصغيرة في الرواية تكرّرت لأكثر من مرة، وسبّبت لي الرعب.
وبقيت تتردد في ذهني لوقت طويل.
كنوت هامسون كاتب مذهل بشكل عبقري وحقيقي.
كان يصف تأثير هذه الحالة المأساوية على الإنسان: كيف يصارع للبقاء، كيف يحتفظ بما تبقّى له من كبرياء، دون أن يمد يده ليطلب الطعام من أحد. حالة هذيان، شعور هائل بنبذ العالم بأجمعه لك، حيرة وجمود عما سيكون عليه الحال غدًا. يلجأ للكذب كثيرًا، ينسج الكثير من الحكايات التي تجعله يحاول أن يُشعر من يكلمه من المارة بأنه على ما يرام، غير أن حالة جسده تحول دون ذلك.
ربما أكثر ما أغضبني مرات، ومرات شعرت معه بالشفقة، أن البطل في كل معترك صعب، كأن في اللحظة نفسها يتأمل آمالًا طائلة ويبني عليها آمالًا وتخيّلات يصدقها، ثم بعد أن يصطدم بالواقع يحزن ويتساءل: لماذا تفعل الحياة معه كذا وكذا؟
ولا يتعظ بعد ذلك! ولا يقلّل من هذه الآمال المستحيلة.
مثل أن يكتب مقالات وهو تحت تأثير الهذيان والمرض؛ وينتظر أن تقبلها الصحف بكل ترحيب!
ومثل أن يتخيل أنه سيصبح غنيًا، وأن حبيبته السابقة ستمر من جانبه وتشعر بالندم على تركه!
وغيرها كثير من المواقف التي تجعلني أشعر حيالها بالغضب والشفقة في آن واحدة!
وحتى فكرة أن يقاوم الجوع والبرد ويمضي في الشوارع بلا وجهة…
ففكرت معه: ما الجدوى من هذه المقاومة وهذا الكبرياء؟
ما الجدوى من الآمال الفارغة؟
لكن ربما البيت الشعري للشاعر العراقي عبدالرزاق عبدالواحد يشرح ما حصل:

“قد يأكلون لفرط الجوع أنفسهم
لكنهم من قدور الغير ما أكلوا!".
ما أحسن من قال:

"لا تُهنيني بعام ليس عامي
‏ لستُ قسيساً ولا جدي ابْنُ حامِ
‏ أنا يا هذا حنيفٌ مسلمٌ ‏
رأس عامي غرة الشهر الحرامِ"
مراجعة كتاب هروبي إلى الحرية للرئيس البوسني السابق علي عزت بيغوفيتش.📖

كتاب سيرة شخصية وفكرية كتبها الراحل علي عزت بيغوفتش في سجن فوتشا؛ حيث مكث أعوامًا طويلة، وخلّد أفكاره وخواطره، وعلق كثيرًا على ما كان يحدث في زمانه من أحداث سياسية واجتماعية، وتعليقات على كتب وروايات ومقالات قديمة وحديثة كُتبت في عهده واطلع عليها.

يقول علي عزت عن الكتاب:
«إن هذا الكتاب جاء وليد تفكيرٍ بالحرية؛ الجسدية منها والداخلية، تفكير بالحياة والمصير والناس والأحداث.. تفكير بكل ما يخطر على بال سجين خلال ألفي يوم وليلة».

جُمعت هذه الأفكار والتأملات والاعتقادات على شكل دفاتر صغيرة مكتوبة بخط دقيق وصغير يكاد لا يُقرأ، وبعضها كُتب برموز يعرفها هو وحده، وقد حوت هذه الدفاتر معظم ما كُتب في كتابه الأبرز "الإسلام بين الشرق والغرب".

وبعد خروجه من السجن وتنفسه الحرية، عمل على هذه الدفاتر وقسمها حسب الموضوعات إلى خمسة فصول.

هذه القراءة الثانية للكتاب؛ لأني بعد قراءتي لسيرة عبدالوهاب المسيري ومعرفة تأثر المسيري بعلي عزت، شغلني الفضول عما أثر به بالتحديد.
أعجبتني كثير من التأملات والتعليقات والتحليلات التي كتبها علي عزت، ورسائل بناته ورده على رسائلهن.
لكن الترجمة الركيكة للكتاب أفسدت علي الكثير.

لذلك لا أنصح بقراءة هذه النسخة من دار الفكر والتي صدرت عام ٢٠٠٢م، ربما النسخ الأحدث ترجمتها أفضل.
رواية صلاة القلق لـ محمد سميرندا.

فكرة الرواية وطريقة سردها على لسان ثماني شخصيات محورية عبقرية جدًا، لكنها فلتت من الحبكة الجيدة، ولم تُشعرني كقارئ بالتنوع، عدا تنوع الهواجس التي تطال كل شخصية.
يبدو وكأن الاشتغال على الفكرة وعلى اللغة أشغل الكاتب عن تقديم أحداث مقنعة لكل شخصية.

اللغة لافتة ومعتنى بها بشكل جيد، رغم أنها تنحى أحيانًا إلى التكلف، لكنها جميلة ومقبولة، وتُشعرك بالثراء اللغوي لدى كاتب الرواية.

هناك مواضع في الرواية فيها تطاول على الأنبياء وتحريف للقرآن، له غرضه في الرواية، لكنها جعلتني أنفر وأتثاقل
إكمال الرواية.

النهاية لم تكن مقنعة، وشيء ما مفقود خاصة أنه ربطها بأحداث حقيقية، لكنه لم يفسر وجود بعض الأحداث التي تنحاز للخيال أكثر.

لا أنصح بها؛ مليئة بالأجندة، ومحاولة تمرير بعض الأفكار التي لا تمت للدين والأخلاق بصلة.
"الذهن المصقول، والعقل الواعي، والفكر السليم، والطبع الذي لا تكلف فيه، من الأشياء التي تخلق الابداع، وتخترع النادر، وتجيء دائمًا أبدًا بالأعاجيب، ونحن ندرك -من غير شك- من حديثنا إلى الناس، ومن الاندماج في الأوساط، ومن الاصغاء إلى الأسمار والأقاصيص، من منهم يجري الذوق في عروقه، وتمتزج اللباقة به ويسيل في ألفاظه الظرف والكيس، والجمال والحسن، وخفة الروح، وبراعة المنطق، وفصاحة الأداء، وبلاغة القول، وسبك الكلام، وجودة التصوير، من غير تكلف ولا صناعة."

- تاريخ الأدب العربي لـ ابو الخشب.📖