مفهوم التوكل
1.التوكل لغة: التفويض والاعتماد على الغير، ويكون بترك الأمر لآخر وتسليمه إياه، وهو تفعل من الوكالة، مصدر توكل يتوكل، (يقال: توكل بالأمر، إذا ضمن القيام به. ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه. ووكل فلان فلاناً، إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته، أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه) (1)، ومنه: واكلوا وتواكلوا إذا ضيعوا الأمر، لاعتماد بعضهم على بعض في القيام به(2)، ومنه: الوكيل، وهو الضمين والقائم بالأمر، يقال توكل بالأمر، أي: ضمن القيام به(3).
ويقول ابن فارس: (الواو والكاف واللام: أصل صحيح يدل على اعتماد غيرك في أمرك.... والتوكل منه، وهو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك، ... وسمي الوكيل؛ لأنه يوكل إليه الأمر) (4)، ويقول ابن سيده: (وقد وكلت إليه الأمر: أسلمته إليه ووكلته إلى رأيه ولرأيه وكلاً ووكولاً تركته إليه) (5).
فمعنى التوكل في اللغة يدور حول إظهار العجز، والاعتماد على الآخر، وثقة المتوكل فيمن توكل عليه.
2.التوكل شرعاً: استصعب الغزالي تعريفه فقال: (وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد والنقل والشرع في غاية الغموض والعسر، ولا يقوى على كشف هذا الغطاء مع شدة الخفاء إلا سماسرة العلماء؛ الذين اكتحلوا من فضل الله تعالى بأنوار الحقائق، فأبصروا وتحققوا ثم نطقوا بالإعراب عما شاهدوه من حيث استنطقوا) (6).
ومن تأمل في تعاريف أهل العلم له وجدها لا تخرج عن تعاريف أهل اللغة متى خص العبد توكله بالله عز وجل، فهو مرتكز على: يقين العبد بشدة حاجته وعظيم فقره، وبكمال قدرة الله، وثقته التامة به، وتفويضه الأمر إليه، وقيامه بالأسباب المشروعة ورضاه بحكمه.
وقد تنوعت عبارات أهل العلم في تعريفه، فمنهم من فسره بجزء من حقيقته، كقول ابن عباس رضي الله عنهما: التوكل (هو: الثقة بالله) (7)، وقول شقيق بن إبراهيم: (التوكل طمأنينة القلب بموعود الله عز وجل)([8)، وقول الجنيد: (التوكل عمل القلب) (9)، وقول السقطي: (التوكل الانخلاع من الحول والقوة) (10)، وقول الهروي: (التوكل: كِلة الأمر إلى مالكه، والتعويل على وكالته) (11)، وقول الغزالي: (التوكل: عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده) (12)، وقول الجرجاني: (هو الاعتماد على الله، وعدمُ الالتفات إلى ما عداه) (13)، وقول القرشي: (التوكل ترك الإيواء إلا إلى الله) (14)، وقول بعضهم: (هو علم القلب بكفاية الرب للعبد) (15).
ومنهم من فسره بلازمه، كقول بعضهم: (حقيقة التوكل: الرضا عن الله) (16)، وقول آخرين: التوكل: (اليأس عما في أيدي الناس) (17).
ومنهم من فسره بباعثه، كقول الخريبي: (أرى التوكل حسن الظن بالله) (18).
ومنهم من فسره بشرطه، كقول إبراهيم الخواص:( التوكل: تناول السبب من الله) (19).
ومنهم عرفه بثمرته وببعض آثاره، كقول ابن مسروق: (التوكل: الاستسلام لجريان القضاء في الأحكام)(20)، وقول سهل: (التوكل: الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد) (21).
ولعل من أشهر تعاريف وتقاريب معناه الجامعة:
قول القرطبي: (قال عامة الفقهاء: إن التوكل على الله تعالى هو الثقة بالله، والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لا بد منه من الأسباب، من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة) (22).
وقول ابن قدامة: (التوكل عبارة عن اعتماد القلب على الموكل، ولا يتوكل الإنسان على غيره إلا إذا اعتقد فيه أشياء: الشفقة، والقوة، والهداية، ... وإذا ثبت في نفسك أنه لا فاعل سواه، واعتقدت مع ذلك أنه تام العلم والقدرة والرحمة، وأنه ليس وراء قدرته قدرة، ولا وراء علمه علم، ولا وراء رحمته رحمة، اتكل قلبك عليه وحده لا محالة، ولم يلتفت إلى غيره بوجه) (23).
وقول ابن القيم: (هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس، فيوجب له هذا اعتماداً عليه، وتفويضاً إليه، وطمأنينة به، وثقة به، ويقيناً بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه ملي به، ولا يكون إلا بمشيئته، شاءه الناس أم أبوه) (24).
وقوله: (التوكل عمل القلب وعبوديته، اعتماداً على الله وثقة به، والتجاء إليه، وتفويضاً إليه، ورضاً بما يقضيه له؛ لعلمه بكفايته سبحانه، وحسن اختياره لعبده إذا فوض أموره إليه، مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها) (25).
وقول ابن رجب: (وحقيقة التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكلة الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه) (26).
1.التوكل لغة: التفويض والاعتماد على الغير، ويكون بترك الأمر لآخر وتسليمه إياه، وهو تفعل من الوكالة، مصدر توكل يتوكل، (يقال: توكل بالأمر، إذا ضمن القيام به. ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه. ووكل فلان فلاناً، إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته، أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه) (1)، ومنه: واكلوا وتواكلوا إذا ضيعوا الأمر، لاعتماد بعضهم على بعض في القيام به(2)، ومنه: الوكيل، وهو الضمين والقائم بالأمر، يقال توكل بالأمر، أي: ضمن القيام به(3).
ويقول ابن فارس: (الواو والكاف واللام: أصل صحيح يدل على اعتماد غيرك في أمرك.... والتوكل منه، وهو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك، ... وسمي الوكيل؛ لأنه يوكل إليه الأمر) (4)، ويقول ابن سيده: (وقد وكلت إليه الأمر: أسلمته إليه ووكلته إلى رأيه ولرأيه وكلاً ووكولاً تركته إليه) (5).
فمعنى التوكل في اللغة يدور حول إظهار العجز، والاعتماد على الآخر، وثقة المتوكل فيمن توكل عليه.
2.التوكل شرعاً: استصعب الغزالي تعريفه فقال: (وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد والنقل والشرع في غاية الغموض والعسر، ولا يقوى على كشف هذا الغطاء مع شدة الخفاء إلا سماسرة العلماء؛ الذين اكتحلوا من فضل الله تعالى بأنوار الحقائق، فأبصروا وتحققوا ثم نطقوا بالإعراب عما شاهدوه من حيث استنطقوا) (6).
ومن تأمل في تعاريف أهل العلم له وجدها لا تخرج عن تعاريف أهل اللغة متى خص العبد توكله بالله عز وجل، فهو مرتكز على: يقين العبد بشدة حاجته وعظيم فقره، وبكمال قدرة الله، وثقته التامة به، وتفويضه الأمر إليه، وقيامه بالأسباب المشروعة ورضاه بحكمه.
وقد تنوعت عبارات أهل العلم في تعريفه، فمنهم من فسره بجزء من حقيقته، كقول ابن عباس رضي الله عنهما: التوكل (هو: الثقة بالله) (7)، وقول شقيق بن إبراهيم: (التوكل طمأنينة القلب بموعود الله عز وجل)([8)، وقول الجنيد: (التوكل عمل القلب) (9)، وقول السقطي: (التوكل الانخلاع من الحول والقوة) (10)، وقول الهروي: (التوكل: كِلة الأمر إلى مالكه، والتعويل على وكالته) (11)، وقول الغزالي: (التوكل: عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده) (12)، وقول الجرجاني: (هو الاعتماد على الله، وعدمُ الالتفات إلى ما عداه) (13)، وقول القرشي: (التوكل ترك الإيواء إلا إلى الله) (14)، وقول بعضهم: (هو علم القلب بكفاية الرب للعبد) (15).
ومنهم من فسره بلازمه، كقول بعضهم: (حقيقة التوكل: الرضا عن الله) (16)، وقول آخرين: التوكل: (اليأس عما في أيدي الناس) (17).
ومنهم من فسره بباعثه، كقول الخريبي: (أرى التوكل حسن الظن بالله) (18).
ومنهم من فسره بشرطه، كقول إبراهيم الخواص:( التوكل: تناول السبب من الله) (19).
ومنهم عرفه بثمرته وببعض آثاره، كقول ابن مسروق: (التوكل: الاستسلام لجريان القضاء في الأحكام)(20)، وقول سهل: (التوكل: الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد) (21).
ولعل من أشهر تعاريف وتقاريب معناه الجامعة:
قول القرطبي: (قال عامة الفقهاء: إن التوكل على الله تعالى هو الثقة بالله، والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لا بد منه من الأسباب، من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة) (22).
وقول ابن قدامة: (التوكل عبارة عن اعتماد القلب على الموكل، ولا يتوكل الإنسان على غيره إلا إذا اعتقد فيه أشياء: الشفقة، والقوة، والهداية، ... وإذا ثبت في نفسك أنه لا فاعل سواه، واعتقدت مع ذلك أنه تام العلم والقدرة والرحمة، وأنه ليس وراء قدرته قدرة، ولا وراء علمه علم، ولا وراء رحمته رحمة، اتكل قلبك عليه وحده لا محالة، ولم يلتفت إلى غيره بوجه) (23).
وقول ابن القيم: (هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس، فيوجب له هذا اعتماداً عليه، وتفويضاً إليه، وطمأنينة به، وثقة به، ويقيناً بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه ملي به، ولا يكون إلا بمشيئته، شاءه الناس أم أبوه) (24).
وقوله: (التوكل عمل القلب وعبوديته، اعتماداً على الله وثقة به، والتجاء إليه، وتفويضاً إليه، ورضاً بما يقضيه له؛ لعلمه بكفايته سبحانه، وحسن اختياره لعبده إذا فوض أموره إليه، مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها) (25).
وقول ابن رجب: (وحقيقة التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكلة الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه) (26).
❤5
ويقول الزبيدي: (هو: الثقة بما عند الله - تعالى - واليأس مما في أيدي الناس، ويقال: المتوكل على الله الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره، فيركن إليه وحده ولا يتوكل على غيره) (27).
وقول ابن عثيمين: التوكل (صدق الاعتماد على الله عز وجل، في جلب المنافع ودفع المضار، مع فعل الأسباب التي أمر الله بها) (28) .
وقول د. الفوزان: التوكل أن (لا يلتفت العبد بقلبه إلى غير الله عز وجل، فيكون دائماً معتمداً على الله عز وجل، مفوضاً أمره إليه في جميع شؤونه) (29)، ويقول: (التوكل على الله يكون في أمور الدين وأمور الدنيا، فأنت تعتمد على الله عز وجل في عقيدتك وتوحيدك، وتعتمد على الله في حصول حاجاتك، حتى ولو كانت حاجات دنيوية؛ كالأكل والشرب والكسوة وحصول المقاصد، ... فليس التوكل مقصوراً على أمور العقيدة وأمور التوحيد، بل وحتى أمور الدنيا وطلب الرزق لا تعتمد على غير الله في حصول أي مقصود؛ لأن الأمور بيد الله عز وجل، بيده مقاليد السموات والأرض، فيجب أن نتوكل عليه) (30).
وقول د. الدميجي: (هو: حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بربوبيته، فيوجب له اعتماداً عليه، وتفويضاً إليه، وطمأنينة به وثقة به، ويقيناً بكفاته لما توكل عليه فيه) (31).
وقول القرني: (التوكل: اعتماد القلب على الله وحده لا شريك له، وتفويض الأمر إليه سبحانه والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب المأمور بها، واعتقاد أنها لا تجلب بذاتها نفعاً ولا تدفع ضراً بل السبب والمسبب فعل الله، والكل بمشيئته فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، مع التسليم لقدر الله والرضا بما يكون والصبر عليه) (32).
وبالجملة: فروح التوكل ولبه: (تفويض الأمور كلها إلى الله، وإنزالها به طلباً واختياراً لا كرهاً واضطراراً، كتفويض الابن العاجز الضعيف كل أموره إلى أبيه، العالم بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته، وحسن ولايته وتدبيره، فهو يرى أن تدبير أبيه له وقيامه بمصالحه خير له من تدبير نفسه، فلا يجد أصلح له وأرفق به من تفويض أموره كلها إلى أبيه، فإذا وضع العبد قدمه في هذه الدرجة انتقل منها إلى درجة الرضا، وهي ثمرة التوكل وأعظمها فائدة، فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله، وباستكمال هذه الدرجات يستكمل العبد مقام التوكل، وتثبت قدمه فيه) (33).
والله الهادي
ــــــــــ
(1) النهاية في غريب الأثير: 5/ 221.
(2) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، د. أحمد مختار: 3/ 2489.
(3) انظر: النهاية في غريب الحديث: 5/ 221.
(4) مقاييس اللغة: 6/ 136.
(5) المخصص: 1/ 201.
(6) إحياء علوم الدين: 4/ 243.
(7) زاد المسير، لابن الجوزي: 1/ 320.
(8) شعب الإيمان، للبيهقي: 1215.
(9) الاستقامة، لابن تيمية: 1/ 209.
(10) التعرف لمذهب أهل التصوف، للكلاباذي: 100.
(11) مدارج السالكين، لابن القيم: 2/ 125.
(12) إحياء علوم الدين: 4/ 259.
(13) التعريفات: 70.
(14) انظر: التوكل على الله تعالى، للدميجي: 16، موسوعة العقيدة والأديان: 2/ 827.
(15) مدارج السالكين، لابن القيم: 2/ 115.
(16) طريق الهجرتين: 340.
(17) التعريفات، للجرجاني: 70.
(18) شعب الإيمان، للبيهقي، رقم: 1214.
(19) فتح الباري: 3/ 384
(20) انظر: التوكل على الله تعالى، للدميجي: 16، موسوعة العقيدة والأديان: 2/ 827.
وقول ابن عثيمين: التوكل (صدق الاعتماد على الله عز وجل، في جلب المنافع ودفع المضار، مع فعل الأسباب التي أمر الله بها) (28) .
وقول د. الفوزان: التوكل أن (لا يلتفت العبد بقلبه إلى غير الله عز وجل، فيكون دائماً معتمداً على الله عز وجل، مفوضاً أمره إليه في جميع شؤونه) (29)، ويقول: (التوكل على الله يكون في أمور الدين وأمور الدنيا، فأنت تعتمد على الله عز وجل في عقيدتك وتوحيدك، وتعتمد على الله في حصول حاجاتك، حتى ولو كانت حاجات دنيوية؛ كالأكل والشرب والكسوة وحصول المقاصد، ... فليس التوكل مقصوراً على أمور العقيدة وأمور التوحيد، بل وحتى أمور الدنيا وطلب الرزق لا تعتمد على غير الله في حصول أي مقصود؛ لأن الأمور بيد الله عز وجل، بيده مقاليد السموات والأرض، فيجب أن نتوكل عليه) (30).
وقول د. الدميجي: (هو: حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بربوبيته، فيوجب له اعتماداً عليه، وتفويضاً إليه، وطمأنينة به وثقة به، ويقيناً بكفاته لما توكل عليه فيه) (31).
وقول القرني: (التوكل: اعتماد القلب على الله وحده لا شريك له، وتفويض الأمر إليه سبحانه والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب المأمور بها، واعتقاد أنها لا تجلب بذاتها نفعاً ولا تدفع ضراً بل السبب والمسبب فعل الله، والكل بمشيئته فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، مع التسليم لقدر الله والرضا بما يكون والصبر عليه) (32).
وبالجملة: فروح التوكل ولبه: (تفويض الأمور كلها إلى الله، وإنزالها به طلباً واختياراً لا كرهاً واضطراراً، كتفويض الابن العاجز الضعيف كل أموره إلى أبيه، العالم بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته، وحسن ولايته وتدبيره، فهو يرى أن تدبير أبيه له وقيامه بمصالحه خير له من تدبير نفسه، فلا يجد أصلح له وأرفق به من تفويض أموره كلها إلى أبيه، فإذا وضع العبد قدمه في هذه الدرجة انتقل منها إلى درجة الرضا، وهي ثمرة التوكل وأعظمها فائدة، فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله، وباستكمال هذه الدرجات يستكمل العبد مقام التوكل، وتثبت قدمه فيه) (33).
والله الهادي
ــــــــــ
(1) النهاية في غريب الأثير: 5/ 221.
(2) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، د. أحمد مختار: 3/ 2489.
(3) انظر: النهاية في غريب الحديث: 5/ 221.
(4) مقاييس اللغة: 6/ 136.
(5) المخصص: 1/ 201.
(6) إحياء علوم الدين: 4/ 243.
(7) زاد المسير، لابن الجوزي: 1/ 320.
(8) شعب الإيمان، للبيهقي: 1215.
(9) الاستقامة، لابن تيمية: 1/ 209.
(10) التعرف لمذهب أهل التصوف، للكلاباذي: 100.
(11) مدارج السالكين، لابن القيم: 2/ 125.
(12) إحياء علوم الدين: 4/ 259.
(13) التعريفات: 70.
(14) انظر: التوكل على الله تعالى، للدميجي: 16، موسوعة العقيدة والأديان: 2/ 827.
(15) مدارج السالكين، لابن القيم: 2/ 115.
(16) طريق الهجرتين: 340.
(17) التعريفات، للجرجاني: 70.
(18) شعب الإيمان، للبيهقي، رقم: 1214.
(19) فتح الباري: 3/ 384
(20) انظر: التوكل على الله تعالى، للدميجي: 16، موسوعة العقيدة والأديان: 2/ 827.
❤3
(21) الرسالة القشيرية: 1/ 300.
(22) المفهم: 1/ 467.
(23) مختصر منهاج القاصدين: 332.
(24) مدارج السالكين: 1/ 103
(25) الروح: 254.
(26) جامع العلوم والحكم: 2/ 497.
(27) تاج العروس: 31/ 98.
(28) المجموع الثمين: 1/ 66.
(29) حقيقة التوكل على الله: 12.
(30) حقيقة التوكل على الله: 14.
(31) التوكل على الله تعالى: 18.
(32) التوكل على الله حقيقته منزلته وفضله خصائصه وثمراته، للقرني: 28.
(33) موسوعة فقه التوكل، للتويجري: 2/ 1857.
(22) المفهم: 1/ 467.
(23) مختصر منهاج القاصدين: 332.
(24) مدارج السالكين: 1/ 103
(25) الروح: 254.
(26) جامع العلوم والحكم: 2/ 497.
(27) تاج العروس: 31/ 98.
(28) المجموع الثمين: 1/ 66.
(29) حقيقة التوكل على الله: 12.
(30) حقيقة التوكل على الله: 14.
(31) التوكل على الله تعالى: 18.
(32) التوكل على الله حقيقته منزلته وفضله خصائصه وثمراته، للقرني: 28.
(33) موسوعة فقه التوكل، للتويجري: 2/ 1857.
❤2
حقيقة التوكل (1)
➖➖➖➖
يمكن إيضاح بعض الجوانب المتعلقة بحقيقة التوكل من خلال النقاط التالية:
1. التوكل علم القلب وعمله:
التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله، يقول ابن القيم: (أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك.
وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه.
فبهذين الأصلين يتحقق التوكل، وهما جماعه، وإن كان التوكل أدخل في عمل القلب من علمه، كما قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب، ولكن لا بد فيه من العلم، وهو إما شرط فيه، وإما جزءٌ من ماهيته)( 1).
ويقول ابن رجب: (التوكل: علم وعمل، والعلم: معرفة القلب بتوحيد الله بالنفع والضر، وعامة المؤمنين تعلم ذلك. والعمل: هو ثقة القلب بالله، وفراغه من كل ما سواه، وهذا عزيز، ويختص به خواص المؤمنين)( 2)، فلا يكون (التوكل بالعلم فقط، أي بمعرفة القلب ويقينه بأن الله هو الرازق سبحانه دون غيره، كما تفعله بعض الصوفية، ولا بالعمل واتخاذ الأسباب فقط دون العلم بأن الله إن شاء تحققت غاية الأسباب وإن لم يشأ لم تتحقق، ... فلابد من الجمع بين التوكل والسبب، أي: بين اعتماد القلب على الله والأخذ بالأسباب المأمور بها، واعتقاد أنها لا تجلب بذاتها نفعاً ولا تدفع ضراً، بل السبب والمسبب فعل الله، والكل بمشيئته)(3)، فالتوكل،(إنما يقع منهم في سلوك تلك السبيل، والتسبب به إلى المراد؛ فإن فعلوا ذلك متوكلين على الله عز وجل في أن ينجح سعيهم ويبلغهم مرادهم كانوا آتين الأمر من بابه، ومن جرد التوكل عن التسبب لما جعله الله سببا، فلم يعمل لما أمر به، ولم يأتِ الأمر من بابه)(4).
ويزيد د. الفوزان الأمر تجلية، فيقول: (وحقيقة التوكل: أن يعتمد العبد على الله سبحانه وتعالى اعتماداً صادقاً في مصالح دينه ودنياه مع فعل الأسباب المأذون فيها. فالتوكل: اعتقاد، واعتماد، وعمل.
أما الاعتقاد فهو: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والله جل وعلا هو: النافع، الضار، المعطي، المانع.
ثم بعد هذا الاعتقاد يعتمد بقلبه على ربه سبحانه، ويثق به غاية الوثوق، ثم بعد هذا يأتي الأمر الثالث وهو: أن يفعل الأسباب المأذون فيها شرعاً) (5)، فحقيقة التوكل مرتكزة على هذه الثلاث: علم القلب وعمله وإتيان الأسباب.
ويقول:(والتوكل على الله من أعمال القلوب، فهو عبادة قلبية، ... (فلا) يكون بالجوارح والأعضاء، وإنما يكون في القلب؛ مثل الخوف والخشية والرغبة والرهبة والتقوى، كلها أعمال قلبية) (6).
ويقول الحازمي- في سياق إيضاحه لحقيقة التوكل، وأنه من عبادات القلب-: (فأما بالنسبة لعبادة القلب فهي تتحصل من أصلين هما: علم وعمل: فعلمه: أن يؤمن ويعتقد أن الله سبحانه وتعالى مقدِّر الأشياء ومدبِّر الأمور كلها، وأن يوقن بكفايته سبحانه وكمال قيوميته، وأنه لا شيء مثله ولا رب سواه، ولا إله غيره، وأنه النافع الضار، وأنه الرازق دون غيره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، كل هذا من علم القلب.
وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، ورضاه بتصرفه له، فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه، ولكي يتضح ما يتعلق بعبادة القلب -سواء على نطاق العلم أو العمل- بصورة تمكِّن من فهم هذه العبادة وتطبيقها، فسأضرب مثالاً على ذلك: فلو أن مؤمناً يؤمن بالله ويعلم أنه الرازق المدبر، ويتوكل عليه في سعيه وراء لقمة العيش وتحصيل الرزق، ولكن تنتابه الشكوك والوساوس والتخوف من حصول الرزق له ومن يعول، مع أنه باذل لأسباب تحقيقه.
فهذا العبد قد حقق عبادة القلب في شقها العلمي؛ لأنه يعلم أن الله هو الرازق المدبر، ويعلم أنه هو وحده الذي يُتوكل عليه في تحصيل الرزق.
وأما شقها العملي فلم يتحقق: لأن هذا القلق والاضطراب قادح في عمل القلب، إذ أن الواجب أن يكون القلب ساكناً، واثقاً، مطمئناً بالله، معتمداً عليه.
ولكي يعلم المسلم صدق توكله على ربه وتمامه أو عدم ذلك؛ عليه أن يختبر نفسه ويسائلها دائماً: هل حقاً لا يعتمد بقلبه إلا عليه.. ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب منها وإقبال ما يكره؛ لأن اعتماده على الله وسكونه إليه قد حصنه من خوفها ورجائها؟)(7).
والله الهادي.
ــــــــــــــــــــــ
(1) طريق الهجرتين: 257.
(2) لطائف المعارف: 70.
(3) التوكل على الله حقيقته منزلته وفضله خصائصه وثمراته، للقرني: 141- 142.
(4) شعب الإيمان، للبيهقي: 2/ 289- 290.
(5) حصول المأمول: 83.
(6) حقيقة التوكل على الله: 9.
(7) التوكل على الله وآثاره التربوية: 75.
➖➖➖➖
يمكن إيضاح بعض الجوانب المتعلقة بحقيقة التوكل من خلال النقاط التالية:
1. التوكل علم القلب وعمله:
التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله، يقول ابن القيم: (أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك.
وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه.
فبهذين الأصلين يتحقق التوكل، وهما جماعه، وإن كان التوكل أدخل في عمل القلب من علمه، كما قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب، ولكن لا بد فيه من العلم، وهو إما شرط فيه، وإما جزءٌ من ماهيته)( 1).
ويقول ابن رجب: (التوكل: علم وعمل، والعلم: معرفة القلب بتوحيد الله بالنفع والضر، وعامة المؤمنين تعلم ذلك. والعمل: هو ثقة القلب بالله، وفراغه من كل ما سواه، وهذا عزيز، ويختص به خواص المؤمنين)( 2)، فلا يكون (التوكل بالعلم فقط، أي بمعرفة القلب ويقينه بأن الله هو الرازق سبحانه دون غيره، كما تفعله بعض الصوفية، ولا بالعمل واتخاذ الأسباب فقط دون العلم بأن الله إن شاء تحققت غاية الأسباب وإن لم يشأ لم تتحقق، ... فلابد من الجمع بين التوكل والسبب، أي: بين اعتماد القلب على الله والأخذ بالأسباب المأمور بها، واعتقاد أنها لا تجلب بذاتها نفعاً ولا تدفع ضراً، بل السبب والمسبب فعل الله، والكل بمشيئته)(3)، فالتوكل،(إنما يقع منهم في سلوك تلك السبيل، والتسبب به إلى المراد؛ فإن فعلوا ذلك متوكلين على الله عز وجل في أن ينجح سعيهم ويبلغهم مرادهم كانوا آتين الأمر من بابه، ومن جرد التوكل عن التسبب لما جعله الله سببا، فلم يعمل لما أمر به، ولم يأتِ الأمر من بابه)(4).
ويزيد د. الفوزان الأمر تجلية، فيقول: (وحقيقة التوكل: أن يعتمد العبد على الله سبحانه وتعالى اعتماداً صادقاً في مصالح دينه ودنياه مع فعل الأسباب المأذون فيها. فالتوكل: اعتقاد، واعتماد، وعمل.
أما الاعتقاد فهو: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والله جل وعلا هو: النافع، الضار، المعطي، المانع.
ثم بعد هذا الاعتقاد يعتمد بقلبه على ربه سبحانه، ويثق به غاية الوثوق، ثم بعد هذا يأتي الأمر الثالث وهو: أن يفعل الأسباب المأذون فيها شرعاً) (5)، فحقيقة التوكل مرتكزة على هذه الثلاث: علم القلب وعمله وإتيان الأسباب.
ويقول:(والتوكل على الله من أعمال القلوب، فهو عبادة قلبية، ... (فلا) يكون بالجوارح والأعضاء، وإنما يكون في القلب؛ مثل الخوف والخشية والرغبة والرهبة والتقوى، كلها أعمال قلبية) (6).
ويقول الحازمي- في سياق إيضاحه لحقيقة التوكل، وأنه من عبادات القلب-: (فأما بالنسبة لعبادة القلب فهي تتحصل من أصلين هما: علم وعمل: فعلمه: أن يؤمن ويعتقد أن الله سبحانه وتعالى مقدِّر الأشياء ومدبِّر الأمور كلها، وأن يوقن بكفايته سبحانه وكمال قيوميته، وأنه لا شيء مثله ولا رب سواه، ولا إله غيره، وأنه النافع الضار، وأنه الرازق دون غيره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، كل هذا من علم القلب.
وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، ورضاه بتصرفه له، فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه، ولكي يتضح ما يتعلق بعبادة القلب -سواء على نطاق العلم أو العمل- بصورة تمكِّن من فهم هذه العبادة وتطبيقها، فسأضرب مثالاً على ذلك: فلو أن مؤمناً يؤمن بالله ويعلم أنه الرازق المدبر، ويتوكل عليه في سعيه وراء لقمة العيش وتحصيل الرزق، ولكن تنتابه الشكوك والوساوس والتخوف من حصول الرزق له ومن يعول، مع أنه باذل لأسباب تحقيقه.
فهذا العبد قد حقق عبادة القلب في شقها العلمي؛ لأنه يعلم أن الله هو الرازق المدبر، ويعلم أنه هو وحده الذي يُتوكل عليه في تحصيل الرزق.
وأما شقها العملي فلم يتحقق: لأن هذا القلق والاضطراب قادح في عمل القلب، إذ أن الواجب أن يكون القلب ساكناً، واثقاً، مطمئناً بالله، معتمداً عليه.
ولكي يعلم المسلم صدق توكله على ربه وتمامه أو عدم ذلك؛ عليه أن يختبر نفسه ويسائلها دائماً: هل حقاً لا يعتمد بقلبه إلا عليه.. ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب منها وإقبال ما يكره؛ لأن اعتماده على الله وسكونه إليه قد حصنه من خوفها ورجائها؟)(7).
والله الهادي.
ــــــــــــــــــــــ
(1) طريق الهجرتين: 257.
(2) لطائف المعارف: 70.
(3) التوكل على الله حقيقته منزلته وفضله خصائصه وثمراته، للقرني: 141- 142.
(4) شعب الإيمان، للبيهقي: 2/ 289- 290.
(5) حصول المأمول: 83.
(6) حقيقة التوكل على الله: 9.
(7) التوكل على الله وآثاره التربوية: 75.
❤2
ألا من ربيعة اليوم!
مسكين هو العالِم العامل؛ حُمِّل أمانة البلاغ والبيان، وأُمر الناس بالرجوع إليه والأخذ عنه، وهو وريث النبوة في حفظ الشريعة، وإبراز محاسنها، والذبَّ عنها، والدعوة إلى تحكيمها.
ولهذا لم تكن كلمته أمراً هيناً، بل ميزاناً توزن به المواقف، وتصوب به الآراء، ولذا كان الواحد منهم إن قال، قال بحجَّة، وإن سكت، سكت بحكمة.
ولم يكن مقام التبيين عند السلف موضع جرأة، بل موضع هيبة وخشية وتوقف؛ إذ كانوا يدركون أن الكلمة في هذا الباب توقيع عن رب العالمين، لا مجرد رأي يُلقى.
ولذلك كان أحدهم يفر من الفتيا فراره من الهلكة، لا عجزاً، بل مخافة.
فهذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن -إمام أهل المدينة- يُرى يوماً يبكي، فيُسأل عن بكائه، فيقول: "رياء حاضر، وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم؛ إن أمروهم ائتمروا، وإن نهوهم انتهوا".
فبكاؤه لم يكن خوفاً على نفسه فحسب، بل على عامة تتلقى بلا تمحيص، وتتبع بلا تمييز.
ويقول لتلميذه مالك: "مثل الذي يعجل بالفتيا قبل أن يتثبت، كمثل الذي يأخذ شيئاً من الأرض لا يدري ما هو"؛ أي يتناول أمراً يجهل حقيقته، فيقع في الخبط وهو يظن أنه على بيِّنة.
ولما سُئل -وهو في مرض موته- عن الإفتاء بغير علم، قال: "لأن تموت جاهلاً خير لك من أن تقول في شيءٍ بغير علم"، وكررها تأكيداً، لا مبالغة، بل تقريراً لقاعدة تضبط هذا الباب.
ومن تأمل حال أكابر العلماء، وجد هذا الورع سمتهم الغالبة؛ ووجد خشية من كتمان الحق، وخوفاً من القول على الله بغير علم، فكانوا بين مخافتين: مخافة التقصير في قول الحق، ومخافة التجاوز والقول على الله بلا علم.
غير أن الناظر في حال كثير من المنتسبين إلى العلم اليوم -من غير تعميم- يرى خللاً بيّناً، وفتناً لا تعد؛ فقد دخل هذا الباب من ليس من أهله، وتصدر من لم يستكمل آلته، وتكلم من لم يضبط أصوله.
بل إن بعضهم صار أسير انتماءٍ أو هوى أو ضغط نفسي، فاختل ميزانه، وتبدل قوله تبعاً لهواه أو بيئته لا تبعاً للحق.
والمشكلة هنا ليست في الخطأ العارض، فذاك لا يسلم منه أحد، وإنما في التجرؤ على مقام التوقيع عن الشريعة بلا تثبت، ولا إحاطة، ولا إدراك للمآلات؛ ولا فتح مراجعة للنفس وسماع للنصح، حتى غدا القول في الدين عند بعضهم أسهل من القول في شؤون الدنيا.
وهذا كله يفرض على الحادبين ضرورة إعادة ضبط هذا الباب؛ فلا يتصدر للفتيا والتوجيه إلا من شهد له أهل الرسوخ بالعلم والورع، ولا يُقبل القول إلا ممن جمع بين الفقه بالنصوص، والفقه بالواقع، وسلامة القصد.
كما أن على أهل العلم الثقات أن يتحرروا من كل ما يقيد نظرهم أو يزاحم تجردهم؛ من انتماءات ضيقة، أو ضغوط عارضة، أو حسابات مدمرة، وأن يعيدوا بث معاني الخشية، والورع، والهيبة، والتثبت بين طلاب العلم؛ فإن هذه الأخلاق ليست تكميلاً، بل هي صلب هذا العلم وروحه.
فالعلم لا يُفسده الجهل وحده، بل قد يُفسده الهوى والجرأة عليه بغير حق.
وإن أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم ليس كثرة المتكلمين، بل صدق المتثبتين وتأنيهم في إدراك الواقع قبل التبيين؛ حتى يعرف طالب العلم متى يتكلم، ومتى يسكت، ولماذا.
فهل فينا اليوم من يستحضر بكاء ربيعة، قبل أن يستحضر قدرته على البيان؟
والله الهادي.
مسكين هو العالِم العامل؛ حُمِّل أمانة البلاغ والبيان، وأُمر الناس بالرجوع إليه والأخذ عنه، وهو وريث النبوة في حفظ الشريعة، وإبراز محاسنها، والذبَّ عنها، والدعوة إلى تحكيمها.
ولهذا لم تكن كلمته أمراً هيناً، بل ميزاناً توزن به المواقف، وتصوب به الآراء، ولذا كان الواحد منهم إن قال، قال بحجَّة، وإن سكت، سكت بحكمة.
ولم يكن مقام التبيين عند السلف موضع جرأة، بل موضع هيبة وخشية وتوقف؛ إذ كانوا يدركون أن الكلمة في هذا الباب توقيع عن رب العالمين، لا مجرد رأي يُلقى.
ولذلك كان أحدهم يفر من الفتيا فراره من الهلكة، لا عجزاً، بل مخافة.
فهذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن -إمام أهل المدينة- يُرى يوماً يبكي، فيُسأل عن بكائه، فيقول: "رياء حاضر، وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم؛ إن أمروهم ائتمروا، وإن نهوهم انتهوا".
فبكاؤه لم يكن خوفاً على نفسه فحسب، بل على عامة تتلقى بلا تمحيص، وتتبع بلا تمييز.
ويقول لتلميذه مالك: "مثل الذي يعجل بالفتيا قبل أن يتثبت، كمثل الذي يأخذ شيئاً من الأرض لا يدري ما هو"؛ أي يتناول أمراً يجهل حقيقته، فيقع في الخبط وهو يظن أنه على بيِّنة.
ولما سُئل -وهو في مرض موته- عن الإفتاء بغير علم، قال: "لأن تموت جاهلاً خير لك من أن تقول في شيءٍ بغير علم"، وكررها تأكيداً، لا مبالغة، بل تقريراً لقاعدة تضبط هذا الباب.
ومن تأمل حال أكابر العلماء، وجد هذا الورع سمتهم الغالبة؛ ووجد خشية من كتمان الحق، وخوفاً من القول على الله بغير علم، فكانوا بين مخافتين: مخافة التقصير في قول الحق، ومخافة التجاوز والقول على الله بلا علم.
غير أن الناظر في حال كثير من المنتسبين إلى العلم اليوم -من غير تعميم- يرى خللاً بيّناً، وفتناً لا تعد؛ فقد دخل هذا الباب من ليس من أهله، وتصدر من لم يستكمل آلته، وتكلم من لم يضبط أصوله.
بل إن بعضهم صار أسير انتماءٍ أو هوى أو ضغط نفسي، فاختل ميزانه، وتبدل قوله تبعاً لهواه أو بيئته لا تبعاً للحق.
والمشكلة هنا ليست في الخطأ العارض، فذاك لا يسلم منه أحد، وإنما في التجرؤ على مقام التوقيع عن الشريعة بلا تثبت، ولا إحاطة، ولا إدراك للمآلات؛ ولا فتح مراجعة للنفس وسماع للنصح، حتى غدا القول في الدين عند بعضهم أسهل من القول في شؤون الدنيا.
وهذا كله يفرض على الحادبين ضرورة إعادة ضبط هذا الباب؛ فلا يتصدر للفتيا والتوجيه إلا من شهد له أهل الرسوخ بالعلم والورع، ولا يُقبل القول إلا ممن جمع بين الفقه بالنصوص، والفقه بالواقع، وسلامة القصد.
كما أن على أهل العلم الثقات أن يتحرروا من كل ما يقيد نظرهم أو يزاحم تجردهم؛ من انتماءات ضيقة، أو ضغوط عارضة، أو حسابات مدمرة، وأن يعيدوا بث معاني الخشية، والورع، والهيبة، والتثبت بين طلاب العلم؛ فإن هذه الأخلاق ليست تكميلاً، بل هي صلب هذا العلم وروحه.
فالعلم لا يُفسده الجهل وحده، بل قد يُفسده الهوى والجرأة عليه بغير حق.
وإن أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم ليس كثرة المتكلمين، بل صدق المتثبتين وتأنيهم في إدراك الواقع قبل التبيين؛ حتى يعرف طالب العلم متى يتكلم، ومتى يسكت، ولماذا.
فهل فينا اليوم من يستحضر بكاء ربيعة، قبل أن يستحضر قدرته على البيان؟
والله الهادي.
❤4
سيرزقك الله!
يقول: تخرجت من الثانوية، والتحقت بالعمل العسكري، ومضت بي سنوات فيه حتى تزوجت، ورُزقت بفضل الله بذرية، فأصبحت أعول أسرتي الصغيرة، وأشارك في برّ والديَّ المباركين.
ثم خطر لي أن أُتمَّ دراستي الجامعية في تخصص شرعي، فتقدمت لإحدى الجامعات، فكان قبولي فيها.
عندها طلبت من جهة عملي إجازة دراسية، فرفضوا، وخيّروني بين ترك الدراسة أو تقديم الاستقالة.
فلم أتردد؛ وقدمت استقالتي، فوجدت نفسي أمام اختبار جديد: إذ قد انقطع دخلي، وأصبحت مطالباً بالإنفاق على أسرتي، والحال ميسورة.
عندها لجأت إلى الله، وفوضت أمري إليه، وقلت: سيجعل الله لي فرجاً ومخرجاً.
ثم فكرت أن أبحث عن مسجد أكون إماماً فيه؛ أُثبت به حفظي للقرآن، وأستعين بمكافأته على شؤون حياتي.
فذهبت إلى مدير الأوقاف في مدينتي، وشرحت له ظروفي، فتعاطف معي، وبحث لي عن مسجد يحتاج إلى إمام، فعينت فيه.
فرجعت إلى والديَّ أبشرهما، ففرحت والدتي، ودعت لي بالتوفيق.
أما والدي، فسألني: كم يبعد المسجد عن البيت؟
قلت: نحو خمسة عشر كيلومتراً.
فقال: يعني ثلاثين كيلو متراً ذهاباً وإياباً، في خمسة فروض؟!
ثم قال بحزم: اترك هذا المسجد… سيرزقك الله.
فحاولت أنا ووالدتي إقناعه، ولكنه أصر، وقال: لن تتعين فيه، وسيرزقك الله.
فقلت: سمعاً وطاعة.
وذهبت إلى مدير الأوقاف، واعتذرت منه، وذكرت له قرار والدي.
ومضت أيام قليلة… وإذا برسول من مدير الأوقاف يطلبني.
فذهبت إليه، فقال: قد عيناك إماماً في مسجد حيك.
قلت متعجباً: لكن فيه إمام!
فقال: قد جاءني يطلب إجازة لبعد المسجد عن بيته، فعرضت عليه مسجداً قريباً منه، فوافق، فأحللتك مكانه.
ثم قال: اذهب إلى مسجدك، واتقِ الله في جماعته.
وبعد أن خرجت من عنده وقفت لحظة أستحضر المشهد كله…
وكيف أغلقت أمامي الأبواب، ثم فُتحت من حيث لا أحتسب…
وكيف كان في طاعتي لوالدي مفتاح الفرج…
وكيف أني رأيت عياناً بياناً، صدق وعد الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق: 2-3].
فحمدت الله على واسع فضله، وعلى توفيقه لي لطاعة أبي، وعلى رزقٍ جاءني أقرب مما كنت أطلب؛ مسجد لا يبعد عني أكثر من مئة وخمسين متراً.
وهكذا…
ولذا فإذا قال لك من تظن صدقه: "سيرزقك الله"، فلا تنظر إلى ضيق الأسباب، بل انظر إلى سعة ربّ الأسباب.
والله الهادي.
يقول: تخرجت من الثانوية، والتحقت بالعمل العسكري، ومضت بي سنوات فيه حتى تزوجت، ورُزقت بفضل الله بذرية، فأصبحت أعول أسرتي الصغيرة، وأشارك في برّ والديَّ المباركين.
ثم خطر لي أن أُتمَّ دراستي الجامعية في تخصص شرعي، فتقدمت لإحدى الجامعات، فكان قبولي فيها.
عندها طلبت من جهة عملي إجازة دراسية، فرفضوا، وخيّروني بين ترك الدراسة أو تقديم الاستقالة.
فلم أتردد؛ وقدمت استقالتي، فوجدت نفسي أمام اختبار جديد: إذ قد انقطع دخلي، وأصبحت مطالباً بالإنفاق على أسرتي، والحال ميسورة.
عندها لجأت إلى الله، وفوضت أمري إليه، وقلت: سيجعل الله لي فرجاً ومخرجاً.
ثم فكرت أن أبحث عن مسجد أكون إماماً فيه؛ أُثبت به حفظي للقرآن، وأستعين بمكافأته على شؤون حياتي.
فذهبت إلى مدير الأوقاف في مدينتي، وشرحت له ظروفي، فتعاطف معي، وبحث لي عن مسجد يحتاج إلى إمام، فعينت فيه.
فرجعت إلى والديَّ أبشرهما، ففرحت والدتي، ودعت لي بالتوفيق.
أما والدي، فسألني: كم يبعد المسجد عن البيت؟
قلت: نحو خمسة عشر كيلومتراً.
فقال: يعني ثلاثين كيلو متراً ذهاباً وإياباً، في خمسة فروض؟!
ثم قال بحزم: اترك هذا المسجد… سيرزقك الله.
فحاولت أنا ووالدتي إقناعه، ولكنه أصر، وقال: لن تتعين فيه، وسيرزقك الله.
فقلت: سمعاً وطاعة.
وذهبت إلى مدير الأوقاف، واعتذرت منه، وذكرت له قرار والدي.
ومضت أيام قليلة… وإذا برسول من مدير الأوقاف يطلبني.
فذهبت إليه، فقال: قد عيناك إماماً في مسجد حيك.
قلت متعجباً: لكن فيه إمام!
فقال: قد جاءني يطلب إجازة لبعد المسجد عن بيته، فعرضت عليه مسجداً قريباً منه، فوافق، فأحللتك مكانه.
ثم قال: اذهب إلى مسجدك، واتقِ الله في جماعته.
وبعد أن خرجت من عنده وقفت لحظة أستحضر المشهد كله…
وكيف أغلقت أمامي الأبواب، ثم فُتحت من حيث لا أحتسب…
وكيف كان في طاعتي لوالدي مفتاح الفرج…
وكيف أني رأيت عياناً بياناً، صدق وعد الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق: 2-3].
فحمدت الله على واسع فضله، وعلى توفيقه لي لطاعة أبي، وعلى رزقٍ جاءني أقرب مما كنت أطلب؛ مسجد لا يبعد عني أكثر من مئة وخمسين متراً.
وهكذا…
ولذا فإذا قال لك من تظن صدقه: "سيرزقك الله"، فلا تنظر إلى ضيق الأسباب، بل انظر إلى سعة ربّ الأسباب.
والله الهادي.
❤11
حوار الأسرة ضرورة!
ليست أكثر المشكلات الأسرية ناشئةً عن خلافاتٍ حقيقية، بقدر ما هي نتيجة سوء فهمٍ تراكم، أو ظنٍّ كبر مع مرور الزمن، في ظل غياب المفاتحة والتوضيح.
وكثيرٌ من هذه المشكلات لا يبدأ من حدثٍ كبير، بل من صمتٍ صغير حال دون معالجةٍ سهلةٍ ميسورة، حتى تضخّم، وتحول إلى تباعدٍ نفسي وأزمةٍ أسرية.
وسوء الظن وقلة الثقة بين الزوجين لا ينشآن غالبًا عن قلة الحوار وحدها، بل من غياب الطمأنينة، وفتور العلاقة، وضعف بواعث المودة ومظاهر الاحترام، وقلة الصراحة المسؤولة، إلى جانب تراكم مواقف لم تُفهم على وجهها الصحيح. فإذا غاب الحوار البنّاء، تولّت الأوهام تفسير المواقف، وملأت الفراغ ظنونٌ سلبية، غالبًا ما تكون على أسوأ وجه.
ولهذا، فإنّ الحوار الدوري ليس ترفًا في الحياة الزوجية، بل هو من أدوات حفظها. لكنه ليس أيّ حوار؛ فليس كل حديثٍ إصلاحًا، ولا كل مصارحةٍ حكمة. فالحوار قد يبني، وقد يهدم، وقد يداوي، وقد يفتح جراحًا أعمق إن أسيء توقيته أو أسلوبه.
ولهذا، يقوم الحوار الناجح على جملةٍ من الأصول: اختيار الوقت المناسب، وضبط النبرة، وإحاطتها بالاحترام والمودة، وتحديد القضية، وعدم خلط المشكلات، والحرص على الفهم قبل الرد. أمّا الحوار الذي يكون في لحظة غضب، أو على هيئة محاسبة، أو استدعاءٍ للماضي، أو بدافع الانتصار للنفس، فإنه يتحوّل غالبًا إلى صراعٍ لا إلى حل.
والملاحظ في كثيرٍ من البيوت اليوم غياب المساحات الهادئة المخصصة للتفاهم، واستبدالها بانشغالٍ دائم بأمورٍ أقلّ أهمية. وهذا ليس تقصيرًا عابرًا، بل سببٌ مباشر لتراكم التوتر؛ إذ تُترك المشكلات دون تفريغٍ أو معالجة، حتى تظهر في صورة فتورٍ أو نفورٍ أو فقدان ثقة.
وفي المقابل، فإن البيوت التي تجعل للحوار حضورًا منتظمًا – ولو في أوقاتٍ يسيرة – تكون أقدر على احتواء الخلاف، وأقلّ حاجةً لتدخل الآخرين، الذين – مع حسن النية – قد يزيدون الأمر تعقيدًا بسبب العاطفة أو الانحياز.
غير أنّ من المهم التنبه إلى أن بعض المشكلات لا تُحل بالحوار أصلًا؛ فبعضها يزول بالتغافل، وبعضها يُطفأ بالعفو أو بإحسان الظن – ولو مع شيءٍ من الكلفة – وبعضها يحتاج إلى تأجيلٍ حتى تهدأ النفوس، وبعضها يكفي فيه التلميح دون التصريح، والإشارة دون العبارة. فالإصرار على فتح كل ملف، ومناقشة كل شيء، في كل وقت، قد يفسد أكثر مما يصلح.
فالحكمة لا تقوم على كشف كل شيء، ولا على محاسبة كل خطأ، بل على قدرٍ من التجاوز المقصود، وحسن التقدير لما يُقال وما يُترك.
وأخطر ما يفسد البيوت ليس وجود الخلاف، بل سوء إدارته، وتحويله من خطأٍ عارض إلى قصد إساءة؛ فكم من بيوتٍ لم تهدمها المشكلات، ولكن هدمها الصمت الطويل، أو الحوار الخاطئ، أو الإصرار على الانتصار للنفس.
والعلاقة الناجحة ليست التي تخلو من الاختلاف – إذ لا حياة بلا اختلاف – بل التي تعرف كيف تعود بعده أقوى، وأدفأ، وأعمق.
ولهذا، فإن من الحكمة أن يُجعل للحوار موضعه، وللتغافل موضعه، وللصمت موضعه؛ وأن تُدار الحياة الزوجية بميزانٍ دقيق يجمع بين الصراحة والرفق، وبين المعالجة والتجاوز والإعذار.
فليس المطلوب أن ينتصر أحد، بل أن تبقى العلاقة، وأن تترسخ الثقة، ويستقر الاحترام، ويكون حسن الظن هو الأصل، والمودة هي السائدة.
والله الهادي.
ليست أكثر المشكلات الأسرية ناشئةً عن خلافاتٍ حقيقية، بقدر ما هي نتيجة سوء فهمٍ تراكم، أو ظنٍّ كبر مع مرور الزمن، في ظل غياب المفاتحة والتوضيح.
وكثيرٌ من هذه المشكلات لا يبدأ من حدثٍ كبير، بل من صمتٍ صغير حال دون معالجةٍ سهلةٍ ميسورة، حتى تضخّم، وتحول إلى تباعدٍ نفسي وأزمةٍ أسرية.
وسوء الظن وقلة الثقة بين الزوجين لا ينشآن غالبًا عن قلة الحوار وحدها، بل من غياب الطمأنينة، وفتور العلاقة، وضعف بواعث المودة ومظاهر الاحترام، وقلة الصراحة المسؤولة، إلى جانب تراكم مواقف لم تُفهم على وجهها الصحيح. فإذا غاب الحوار البنّاء، تولّت الأوهام تفسير المواقف، وملأت الفراغ ظنونٌ سلبية، غالبًا ما تكون على أسوأ وجه.
ولهذا، فإنّ الحوار الدوري ليس ترفًا في الحياة الزوجية، بل هو من أدوات حفظها. لكنه ليس أيّ حوار؛ فليس كل حديثٍ إصلاحًا، ولا كل مصارحةٍ حكمة. فالحوار قد يبني، وقد يهدم، وقد يداوي، وقد يفتح جراحًا أعمق إن أسيء توقيته أو أسلوبه.
ولهذا، يقوم الحوار الناجح على جملةٍ من الأصول: اختيار الوقت المناسب، وضبط النبرة، وإحاطتها بالاحترام والمودة، وتحديد القضية، وعدم خلط المشكلات، والحرص على الفهم قبل الرد. أمّا الحوار الذي يكون في لحظة غضب، أو على هيئة محاسبة، أو استدعاءٍ للماضي، أو بدافع الانتصار للنفس، فإنه يتحوّل غالبًا إلى صراعٍ لا إلى حل.
والملاحظ في كثيرٍ من البيوت اليوم غياب المساحات الهادئة المخصصة للتفاهم، واستبدالها بانشغالٍ دائم بأمورٍ أقلّ أهمية. وهذا ليس تقصيرًا عابرًا، بل سببٌ مباشر لتراكم التوتر؛ إذ تُترك المشكلات دون تفريغٍ أو معالجة، حتى تظهر في صورة فتورٍ أو نفورٍ أو فقدان ثقة.
وفي المقابل، فإن البيوت التي تجعل للحوار حضورًا منتظمًا – ولو في أوقاتٍ يسيرة – تكون أقدر على احتواء الخلاف، وأقلّ حاجةً لتدخل الآخرين، الذين – مع حسن النية – قد يزيدون الأمر تعقيدًا بسبب العاطفة أو الانحياز.
غير أنّ من المهم التنبه إلى أن بعض المشكلات لا تُحل بالحوار أصلًا؛ فبعضها يزول بالتغافل، وبعضها يُطفأ بالعفو أو بإحسان الظن – ولو مع شيءٍ من الكلفة – وبعضها يحتاج إلى تأجيلٍ حتى تهدأ النفوس، وبعضها يكفي فيه التلميح دون التصريح، والإشارة دون العبارة. فالإصرار على فتح كل ملف، ومناقشة كل شيء، في كل وقت، قد يفسد أكثر مما يصلح.
فالحكمة لا تقوم على كشف كل شيء، ولا على محاسبة كل خطأ، بل على قدرٍ من التجاوز المقصود، وحسن التقدير لما يُقال وما يُترك.
وأخطر ما يفسد البيوت ليس وجود الخلاف، بل سوء إدارته، وتحويله من خطأٍ عارض إلى قصد إساءة؛ فكم من بيوتٍ لم تهدمها المشكلات، ولكن هدمها الصمت الطويل، أو الحوار الخاطئ، أو الإصرار على الانتصار للنفس.
والعلاقة الناجحة ليست التي تخلو من الاختلاف – إذ لا حياة بلا اختلاف – بل التي تعرف كيف تعود بعده أقوى، وأدفأ، وأعمق.
ولهذا، فإن من الحكمة أن يُجعل للحوار موضعه، وللتغافل موضعه، وللصمت موضعه؛ وأن تُدار الحياة الزوجية بميزانٍ دقيق يجمع بين الصراحة والرفق، وبين المعالجة والتجاوز والإعذار.
فليس المطلوب أن ينتصر أحد، بل أن تبقى العلاقة، وأن تترسخ الثقة، ويستقر الاحترام، ويكون حسن الظن هو الأصل، والمودة هي السائدة.
والله الهادي.
❤7👍1
قال: احمدِ الله!
قلتُ لصديقي المسافر إلى أمريكا الجنوبية: أوصِني.
فقال: احمدِ الله كثيرًا، ثم احمدِ الله كثيرًا، على النعمة التي أنت فيها.
ثم سكت قليلًا، وقال: المرء في بلاد المسلمين – مهما ضاق عليه العيش، أو اشتدّت عليه الظروف، أو وجد من الغلاء والتضييق – لا يزال محاطًا بما يذكّره بالله؛ فهو يسمع الأذان، ويرى المساجد، ويجد أثر الإسلام في وجوه الناس، ويسمع من يوقظه بكلمةٍ عابرة: يا أخي صلِّ على النبي، ويرى الحجاب والحياء، ويقابل من يذكّره بالآخرة، ولو من غير قصد.
ثم قال: أما هناك، فقد يجد المرء مالًا، وسعةً، وربما نوعًا من الحرية، وقد يقلّ ما يراه من بعض صور التمييز، ولكنه يفقد المعين على الثبات.
فمظاهر الدين الحق نادرة، والمعين على الطاعة بعيد أو مفقود، والبيئة العامة لا تعين على الطاعة، بل تُترك لنفسك، وكثيرًا ما تدفعك إلى غير الخير.
ثم قال: وأخطر ما هناك اعتياد المعصية، وإن كبرت؛ ففي البداية ينكرها القلب، ثم مع مرور الزمن وكثرة المعايشة يخف إنكاره لها، حتى تهون عليه ويعتادها، إن لم يقع فيها من حيث لم يكن يظن.
فالبيئة هناك تسحب من الإنسان أسباب الثبات خطوةً خطوة؛ فكم من مستقيمٍ تغيّر، وكم من ذاكرٍ غفل، وكم من مطيعٍ تهاون أو فتر، وكم من بيوتٍ تفككت، لغياب من يعلّم أولادها ويرشدهم، في مجتمعٍ يخيم عليه الجهل والضياع.
ثم نظر إليّ وقال: أنتم هنا – مع ما في بلداننا الإسلامية من تقصير وغفلة – تعيشون في نعمٍ عظيمة؛ فأبواب الطاعة فيها مشرعة، والمعصية فيها مستقبحة، والتذكير فيها حاضر، وسبل التعلم متوفرة.
لكنكم ألفتم هذه النعم، حتى صارت في أعينكم أمرًا عاديًا.
ثم قال كلمته التي بقيت عالقة في ذهني: ألا إن أخطر ما في النعمة أنك تغرق فيها حتى إنك لا تراها.
فهل يا ترى نحمد الله حقًّا؟ وهل يا ترى نعي ما نحن فيه؟ وهل ترانا نحفظه قبل أن نُبتلى بفقده؟
والله الهادي.
قلتُ لصديقي المسافر إلى أمريكا الجنوبية: أوصِني.
فقال: احمدِ الله كثيرًا، ثم احمدِ الله كثيرًا، على النعمة التي أنت فيها.
ثم سكت قليلًا، وقال: المرء في بلاد المسلمين – مهما ضاق عليه العيش، أو اشتدّت عليه الظروف، أو وجد من الغلاء والتضييق – لا يزال محاطًا بما يذكّره بالله؛ فهو يسمع الأذان، ويرى المساجد، ويجد أثر الإسلام في وجوه الناس، ويسمع من يوقظه بكلمةٍ عابرة: يا أخي صلِّ على النبي، ويرى الحجاب والحياء، ويقابل من يذكّره بالآخرة، ولو من غير قصد.
ثم قال: أما هناك، فقد يجد المرء مالًا، وسعةً، وربما نوعًا من الحرية، وقد يقلّ ما يراه من بعض صور التمييز، ولكنه يفقد المعين على الثبات.
فمظاهر الدين الحق نادرة، والمعين على الطاعة بعيد أو مفقود، والبيئة العامة لا تعين على الطاعة، بل تُترك لنفسك، وكثيرًا ما تدفعك إلى غير الخير.
ثم قال: وأخطر ما هناك اعتياد المعصية، وإن كبرت؛ ففي البداية ينكرها القلب، ثم مع مرور الزمن وكثرة المعايشة يخف إنكاره لها، حتى تهون عليه ويعتادها، إن لم يقع فيها من حيث لم يكن يظن.
فالبيئة هناك تسحب من الإنسان أسباب الثبات خطوةً خطوة؛ فكم من مستقيمٍ تغيّر، وكم من ذاكرٍ غفل، وكم من مطيعٍ تهاون أو فتر، وكم من بيوتٍ تفككت، لغياب من يعلّم أولادها ويرشدهم، في مجتمعٍ يخيم عليه الجهل والضياع.
ثم نظر إليّ وقال: أنتم هنا – مع ما في بلداننا الإسلامية من تقصير وغفلة – تعيشون في نعمٍ عظيمة؛ فأبواب الطاعة فيها مشرعة، والمعصية فيها مستقبحة، والتذكير فيها حاضر، وسبل التعلم متوفرة.
لكنكم ألفتم هذه النعم، حتى صارت في أعينكم أمرًا عاديًا.
ثم قال كلمته التي بقيت عالقة في ذهني: ألا إن أخطر ما في النعمة أنك تغرق فيها حتى إنك لا تراها.
فهل يا ترى نحمد الله حقًّا؟ وهل يا ترى نعي ما نحن فيه؟ وهل ترانا نحفظه قبل أن نُبتلى بفقده؟
والله الهادي.
❤10👍1
حتى تستقر الأسرة!
قال: ليست أكثر المشكلات الأسرية ناشئة عن قلة حب، ولا عن انعدام مودة، بل كثير منها يعود إلى خللٍ خفي، متمثل في أن كل طرف يعطي بجد، ولكن بطريقته، لا بطريقة يفهمها الطرف الآخر ويودها وتحقق له احتياجه.
إضافة إلى أن اختزال الواجب تجاه الطرف الآخر في جانب واحد يزيد هذا الخلل عمقاً واتساعاً.
فكثير من الأزواج يرى أن واجبه يتمثل في توفير السكن والنفقة، وأنه متى قام بذلك فقد أدّى ما عليه تجاه زوجته، ويستغرب بعد ذلك من فتورها أو شكواها، لأنه -في نظره- لم يقصّر بشيء.
غير أنه يغفل أن المرأة لا تقيس الحب بما يُقدَّم لها فقط؛ بل وبما تشعر به ويحقق احتياجها، فهي تحتاج إلى اهتمامٍ يُقال ويُرى، ولا يُفهم فقط ضمناً: كأن يُثني عليها إن تجمّلت، وأن يشكرها إن أحسنت، وأن يقترب منها ويستفسر عن حالها إن سكتت، وأن يتعاطف معها إن ضعفت، وأن يخفف عنها بعض أعبائها، وأن يشعرها أنها محلّ عناية وغلاء واهتمام، لا مجرد شريك في بيت.
كما أن مشاعر الأمومة عندها مرتفعة؛ فهي ترى في أولادها امتداداً لقلبها، فطريقة تعامله معهم تنعكس مباشرة على شعورها نحوه؛ فالإحسان إليهم إحسان إليها، والشدة عليهم أو زجرهم أمامها جرح لها.
وفي المقابل، ترى كثير من النساء أن قيامها بشؤون المنزل، ومتابعتها لشؤون الأبناء، كافٍ في
أداء واجبها، وتستغرب من مطالبة زوجها لها بأكثر من ذلك.
غير أنها قد لا تدرك أن الرجل لا يقرأ الأفعال والمواقف كما تقرؤها هي، بل يقرأ ما وراءها؛ فهو يحتاج إلى التقدير ليشعر بقيمته، ويحتاج إلى الاحترام ليطمئن لمكانته واحارامه، وقد يفسّر جفاف عبارتها أو عدم ترحيبها عند عند ولوجه للمنزل، أو الفتور في العلاقة بينهما، على أنه تقليل منه وحط من مكانته، حتى وإن لم تقصد المرأة ذلك.
كما أن العلاقة الحميمية عند كثير من الرجال ليست بمجرد حاجة عابرة، بل هي من أهم وسائل الشعور بالقرب والقبول، وإهمالها لا يُفهم عنده على أنه انشغال، بل على أنه بعد وجفاء.
وهنا يقع الخلل: فكل طرف يقدّم ما يراه مهماً، ويغفل عما يحتاجه الآخر، وعندها تنشأ بين الزوجين فجوة صامتة: فالزوج يشعر بأنه يعطي ولا يُقدَّر، وهي تشعر بأنها تبذل ولا أحد يفهمها ويقدر جهدها.
ومع الوقت، قد تنهدم الأسرة، بل وقد يرهقها الشعور المتكرر بعدم التقدير أو الاهتمام.
ولهذا، فإن استقرار الأسرة لا يقوم على أداء الواجبات فقط، بل على فهم الاحتياجات؛ وأن يفعل أحد الطرفين ما يصل إلى الطرف الآخر على أنه عناية ومحبة واهتمام.
ولذا فالزوج العاقل، والزوجة العاقلة، هما من يتحسسان احتياجات الطرف الآخر، ويتعلّمان "لغة" بعضهما: ما الذي يُحب؟، وكيف يشعر؟، وماذا يؤذيه؟ وما الذي يطمئنه؟، فالبيوت لا تُبنى بما يُقدَّم فيها فقط، بل بعمق التفاهم والتكامل بين الزوجين.
وليس المطلوب أن ينتصر أحد، بل أن يبقى الود، ويتجذر، وتستقر القلوب، وتدوم الرحمة.
والله الهادي.
قال: ليست أكثر المشكلات الأسرية ناشئة عن قلة حب، ولا عن انعدام مودة، بل كثير منها يعود إلى خللٍ خفي، متمثل في أن كل طرف يعطي بجد، ولكن بطريقته، لا بطريقة يفهمها الطرف الآخر ويودها وتحقق له احتياجه.
إضافة إلى أن اختزال الواجب تجاه الطرف الآخر في جانب واحد يزيد هذا الخلل عمقاً واتساعاً.
فكثير من الأزواج يرى أن واجبه يتمثل في توفير السكن والنفقة، وأنه متى قام بذلك فقد أدّى ما عليه تجاه زوجته، ويستغرب بعد ذلك من فتورها أو شكواها، لأنه -في نظره- لم يقصّر بشيء.
غير أنه يغفل أن المرأة لا تقيس الحب بما يُقدَّم لها فقط؛ بل وبما تشعر به ويحقق احتياجها، فهي تحتاج إلى اهتمامٍ يُقال ويُرى، ولا يُفهم فقط ضمناً: كأن يُثني عليها إن تجمّلت، وأن يشكرها إن أحسنت، وأن يقترب منها ويستفسر عن حالها إن سكتت، وأن يتعاطف معها إن ضعفت، وأن يخفف عنها بعض أعبائها، وأن يشعرها أنها محلّ عناية وغلاء واهتمام، لا مجرد شريك في بيت.
كما أن مشاعر الأمومة عندها مرتفعة؛ فهي ترى في أولادها امتداداً لقلبها، فطريقة تعامله معهم تنعكس مباشرة على شعورها نحوه؛ فالإحسان إليهم إحسان إليها، والشدة عليهم أو زجرهم أمامها جرح لها.
وفي المقابل، ترى كثير من النساء أن قيامها بشؤون المنزل، ومتابعتها لشؤون الأبناء، كافٍ في
أداء واجبها، وتستغرب من مطالبة زوجها لها بأكثر من ذلك.
غير أنها قد لا تدرك أن الرجل لا يقرأ الأفعال والمواقف كما تقرؤها هي، بل يقرأ ما وراءها؛ فهو يحتاج إلى التقدير ليشعر بقيمته، ويحتاج إلى الاحترام ليطمئن لمكانته واحارامه، وقد يفسّر جفاف عبارتها أو عدم ترحيبها عند عند ولوجه للمنزل، أو الفتور في العلاقة بينهما، على أنه تقليل منه وحط من مكانته، حتى وإن لم تقصد المرأة ذلك.
كما أن العلاقة الحميمية عند كثير من الرجال ليست بمجرد حاجة عابرة، بل هي من أهم وسائل الشعور بالقرب والقبول، وإهمالها لا يُفهم عنده على أنه انشغال، بل على أنه بعد وجفاء.
وهنا يقع الخلل: فكل طرف يقدّم ما يراه مهماً، ويغفل عما يحتاجه الآخر، وعندها تنشأ بين الزوجين فجوة صامتة: فالزوج يشعر بأنه يعطي ولا يُقدَّر، وهي تشعر بأنها تبذل ولا أحد يفهمها ويقدر جهدها.
ومع الوقت، قد تنهدم الأسرة، بل وقد يرهقها الشعور المتكرر بعدم التقدير أو الاهتمام.
ولهذا، فإن استقرار الأسرة لا يقوم على أداء الواجبات فقط، بل على فهم الاحتياجات؛ وأن يفعل أحد الطرفين ما يصل إلى الطرف الآخر على أنه عناية ومحبة واهتمام.
ولذا فالزوج العاقل، والزوجة العاقلة، هما من يتحسسان احتياجات الطرف الآخر، ويتعلّمان "لغة" بعضهما: ما الذي يُحب؟، وكيف يشعر؟، وماذا يؤذيه؟ وما الذي يطمئنه؟، فالبيوت لا تُبنى بما يُقدَّم فيها فقط، بل بعمق التفاهم والتكامل بين الزوجين.
وليس المطلوب أن ينتصر أحد، بل أن يبقى الود، ويتجذر، وتستقر القلوب، وتدوم الرحمة.
والله الهادي.
❤4👍1
العربية مسؤولية!
احتَرْتُ في عنوان هذه المقالة: أأسميها “العربية نعمة”، أم “العربية مسؤولية”؟
ثم بدا لي أن الحيرة في بادي الرأي، أما الحقيقة فهي واحدة: فهي نعمة عظيمة، وفي المقابل فهي من أثقل المسؤوليات.
فمن نطق بالعربية، فقد فُتح له بابٌ لا يُفتح لغيره بسهولة؛ باب فهم كتاب الله مباشرة، وتدبّر معانيه بيسر، والوقوف على دلالات ألفاظه، واستحضار سياقاته، دون واسطةٍ ولا ترجمان.
وأمكنه أن يقرأ حديث النبي ﷺ وسيرته، فيفهمها كما قيلت، لا كما تُرجمت، ويذوق من معانيها ما لا يصل إليه غيره إلا بعد جهدٍ ومكابدة.
وهنا موطن الفارق: فغير الناطق بالعربية يجتهد ليصل، والناطق بها يُعطى ليقوم بمسؤوليته الملقاة على عاتقه بجدٍّ وعلو همّة.
فالأول يُعذر بعجزه، والثاني يُلام على تفريطه.
والأول يقف طويلًا عند الآية، يتهجّى ألفاظها، ثم يعود إلى تفسيرها ليقترب من معناها،
والثاني يمرّ عليها في لحظات، تلاوةً وفهمًا، ثم يمضي إلى غيرها؛ فأيّ الفريقين أولى بالحجّة؟
إن العربية ليست قدرةً على النطق فحسب، بل قدرةٌ على الفهم والتدبّر، والعيش في ظلال القرآن، وهذه القدرة تكليفٌ ثقيل.
ففيها تكليف أن تفهم النص كما أُريد له أن يُفهم، لا كما تميل إليه أهواء النفوس.
وتكليف أن تحمل المعنى، فتعمل به وتبلّغه للناس، لا أن تكتفي بحفظ اللفظ وتعليمه فقط.
وتكليف أن تردّ عن الوحي شبهات المبطلين، ودعاوى المغرضين، وتخيلات الجاهلين، وما أُلصق به من تحريفٍ أو سوء فهم.
فالمسألة ليست: هل تعرف العربية؟ بل: ماذا صنعت بتلك المعرفة؟ وهل قرّبتك من القرآن الكريم، وفتحت لك أبواب التدبّر، وجعلتك أقرب إلى الاهتداء والعمل؟ أم أنك تمرّ على الآيات كما يمرّ المتلهّي عن القرآن، فلا تكاد تتلوه، وإن تلوتَه فلا تكاد تفهم منه إلا القليل؟
ولا ريب أن من أعظم الخلل أن يُحرم الإنسان من القرب من القرآن تلاوةً وفهمًا وعملا، وإن لم تتيسر له وسيلته ابتداءً، وأعظم منه أن تتيسر له سبل التلاوة، ويُؤتَى وسيلة الفهم، ثم يُعرض، ولا يبالي: أتلا أم لم يتلُ، وتدبّر أم لم يتدبّر.
وبالتأكيد، فإن العربية لمن أجاد نطقها إمّا أن تكون له طريقًا إلى الهداية، ومفتاحًا للعيش في آفاق أنوار الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وإمّا أن تكون عليه حجة.
وتلك هي القصة: نعمةٌ عظيمة، إن شُكرت زادت، وإن أُهملت ثقلت، وإن ضُيّعت انقلبت مسؤوليةً يُسأل عنها يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون.
والله الهادي.
احتَرْتُ في عنوان هذه المقالة: أأسميها “العربية نعمة”، أم “العربية مسؤولية”؟
ثم بدا لي أن الحيرة في بادي الرأي، أما الحقيقة فهي واحدة: فهي نعمة عظيمة، وفي المقابل فهي من أثقل المسؤوليات.
فمن نطق بالعربية، فقد فُتح له بابٌ لا يُفتح لغيره بسهولة؛ باب فهم كتاب الله مباشرة، وتدبّر معانيه بيسر، والوقوف على دلالات ألفاظه، واستحضار سياقاته، دون واسطةٍ ولا ترجمان.
وأمكنه أن يقرأ حديث النبي ﷺ وسيرته، فيفهمها كما قيلت، لا كما تُرجمت، ويذوق من معانيها ما لا يصل إليه غيره إلا بعد جهدٍ ومكابدة.
وهنا موطن الفارق: فغير الناطق بالعربية يجتهد ليصل، والناطق بها يُعطى ليقوم بمسؤوليته الملقاة على عاتقه بجدٍّ وعلو همّة.
فالأول يُعذر بعجزه، والثاني يُلام على تفريطه.
والأول يقف طويلًا عند الآية، يتهجّى ألفاظها، ثم يعود إلى تفسيرها ليقترب من معناها،
والثاني يمرّ عليها في لحظات، تلاوةً وفهمًا، ثم يمضي إلى غيرها؛ فأيّ الفريقين أولى بالحجّة؟
إن العربية ليست قدرةً على النطق فحسب، بل قدرةٌ على الفهم والتدبّر، والعيش في ظلال القرآن، وهذه القدرة تكليفٌ ثقيل.
ففيها تكليف أن تفهم النص كما أُريد له أن يُفهم، لا كما تميل إليه أهواء النفوس.
وتكليف أن تحمل المعنى، فتعمل به وتبلّغه للناس، لا أن تكتفي بحفظ اللفظ وتعليمه فقط.
وتكليف أن تردّ عن الوحي شبهات المبطلين، ودعاوى المغرضين، وتخيلات الجاهلين، وما أُلصق به من تحريفٍ أو سوء فهم.
فالمسألة ليست: هل تعرف العربية؟ بل: ماذا صنعت بتلك المعرفة؟ وهل قرّبتك من القرآن الكريم، وفتحت لك أبواب التدبّر، وجعلتك أقرب إلى الاهتداء والعمل؟ أم أنك تمرّ على الآيات كما يمرّ المتلهّي عن القرآن، فلا تكاد تتلوه، وإن تلوتَه فلا تكاد تفهم منه إلا القليل؟
ولا ريب أن من أعظم الخلل أن يُحرم الإنسان من القرب من القرآن تلاوةً وفهمًا وعملا، وإن لم تتيسر له وسيلته ابتداءً، وأعظم منه أن تتيسر له سبل التلاوة، ويُؤتَى وسيلة الفهم، ثم يُعرض، ولا يبالي: أتلا أم لم يتلُ، وتدبّر أم لم يتدبّر.
وبالتأكيد، فإن العربية لمن أجاد نطقها إمّا أن تكون له طريقًا إلى الهداية، ومفتاحًا للعيش في آفاق أنوار الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وإمّا أن تكون عليه حجة.
وتلك هي القصة: نعمةٌ عظيمة، إن شُكرت زادت، وإن أُهملت ثقلت، وإن ضُيّعت انقلبت مسؤوليةً يُسأل عنها يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون.
والله الهادي.
❤6💯1
لا تختره لفتاتك
لا يعلم كثير من الآباء أن نسبةً كبيرة من المشكلات الأسرية، التي تقود إلى توتراتٍ دائمة قد تصل إلى حدّ الفراق، مردّها إلى بخل الأزواج.
وذلك أن الأب – في أحيانٍ كثيرة – وهو يختار زوجًا لابنته، يحرص على مراعاة جوانب الاستقامة، والمستوى الدراسي، والحالة المادية، والقدرة على فتح منزل، وسمعة أسرة المتقدم واستقرارها. وهي – بلا شك – جوانب مهمة لا يُستغنى عنها.
غير أنه يغفل – في الغالب – عن مراعاة جوانب أخرى لا تقل أهمية، كالصحة النفسية، وسعة العطاء، وروح البذل، والوفاء، وتحمل المسؤولية، والقدرة على قيادة سفينة الأسرة بحكمة وترفق واتزان.
وعند التدقيق في إشكالية البخل، يتبيّن أنها أوسع من أن تُحصر في الجانب المالي وحده؛ فالأمر أعمق وأشمل.
فالبخيل في المال، غالبًا ما يكون بخيلًا في غيره:
فهو يبخل بالابتسامة، وببذل التقدير، وبمراعاة الخاطر،
ويبخل بالمشاعر والعاطفة.
ويبخل بالوقت والرعاية والخدمة عند الحاجة.
ويدقق في ما يعطي، ويحاسب عليه أدقّ حساب.
وفي المقابل، إذا أخذ، أخذ بغير حدّ؛ فيُبالغ في مطالبه كمًّا وكيفًا، ويتصرف بروحٍ ابتزازية، تتمحور حول ذاته، وتدور حول مصالحه ورغباته.
فلا يرى الزوجة شريكةً في الحياة، بل يراها مطالبةً بالطاعة والخدمة والبذل المستمر.
بينما يرى ما يقدّمه فضلًا يُمنّ به، لا واجبًا يؤديه.
وهنا يختلّ الميزان: تشددٌ في الأخذ، وتقصيرٌ في العطاء.
فتتحول الحياة الزوجية مع مرور الوقت إلى معاناةٍ مستمرة، يشعر فيها الطرف الآخر بالاستنزاف والظلم.
لذلك، فإن على الأولياء – حرصًا على سعادة بناتهم واستقرار حياتهن– أن يولوا هذا الجانب ما يستحقه من عناية عند الاختيار.
بحيث لا يقتصر نظرهم في تقييم المتقدم للزواج على ما يملكه الرجل، بل يتعدّاه إلى كيف يُعطي، وكيف يتعامل، وكيف يتحمل مسؤولياته.
حتى لا يُكتشف الخلل بعد وقوع الفاس بالراس، وبعد فوات الأوان، وحين لا ينفع الندم.
والله الهادي.
لا يعلم كثير من الآباء أن نسبةً كبيرة من المشكلات الأسرية، التي تقود إلى توتراتٍ دائمة قد تصل إلى حدّ الفراق، مردّها إلى بخل الأزواج.
وذلك أن الأب – في أحيانٍ كثيرة – وهو يختار زوجًا لابنته، يحرص على مراعاة جوانب الاستقامة، والمستوى الدراسي، والحالة المادية، والقدرة على فتح منزل، وسمعة أسرة المتقدم واستقرارها. وهي – بلا شك – جوانب مهمة لا يُستغنى عنها.
غير أنه يغفل – في الغالب – عن مراعاة جوانب أخرى لا تقل أهمية، كالصحة النفسية، وسعة العطاء، وروح البذل، والوفاء، وتحمل المسؤولية، والقدرة على قيادة سفينة الأسرة بحكمة وترفق واتزان.
وعند التدقيق في إشكالية البخل، يتبيّن أنها أوسع من أن تُحصر في الجانب المالي وحده؛ فالأمر أعمق وأشمل.
فالبخيل في المال، غالبًا ما يكون بخيلًا في غيره:
فهو يبخل بالابتسامة، وببذل التقدير، وبمراعاة الخاطر،
ويبخل بالمشاعر والعاطفة.
ويبخل بالوقت والرعاية والخدمة عند الحاجة.
ويدقق في ما يعطي، ويحاسب عليه أدقّ حساب.
وفي المقابل، إذا أخذ، أخذ بغير حدّ؛ فيُبالغ في مطالبه كمًّا وكيفًا، ويتصرف بروحٍ ابتزازية، تتمحور حول ذاته، وتدور حول مصالحه ورغباته.
فلا يرى الزوجة شريكةً في الحياة، بل يراها مطالبةً بالطاعة والخدمة والبذل المستمر.
بينما يرى ما يقدّمه فضلًا يُمنّ به، لا واجبًا يؤديه.
وهنا يختلّ الميزان: تشددٌ في الأخذ، وتقصيرٌ في العطاء.
فتتحول الحياة الزوجية مع مرور الوقت إلى معاناةٍ مستمرة، يشعر فيها الطرف الآخر بالاستنزاف والظلم.
لذلك، فإن على الأولياء – حرصًا على سعادة بناتهم واستقرار حياتهن– أن يولوا هذا الجانب ما يستحقه من عناية عند الاختيار.
بحيث لا يقتصر نظرهم في تقييم المتقدم للزواج على ما يملكه الرجل، بل يتعدّاه إلى كيف يُعطي، وكيف يتعامل، وكيف يتحمل مسؤولياته.
حتى لا يُكتشف الخلل بعد وقوع الفاس بالراس، وبعد فوات الأوان، وحين لا ينفع الندم.
والله الهادي.
❤7