كان يُقال أنّ الله تعالى قد يأمرُ بالشيء ويَبتلي بثَقلِه، وينهى عن الشيء ويَبتَلي بشهوتِه. فإذا كُنتَ لا تعملُ من الخير إلا ما اشتَهَيتَه ولا تَتركُ من الشَّرِّ إلا ما كرِهتَه، فقد أطلَعتَ الشيطانَ على عَورَتِك وأمكَنتَه من رُمَّتِك. فأوشَكَ أنْ يَقتَحِمَ عليك فيما تُحِب من الخير فيُكَرِّهَه إليك، وفيما تكره من الشر فَيُحَبِّبَه إليك.
حَياةُ الشيطانِ تَركُ العِلم، وروحه وجَسَدُه الجَّهل، ومَعدِنُه في أهلِ الحِقد والقَساوة، ومَثواه في أهلِ الغَضَب، وعَيشُه في المُصارَمة، ورَجاؤه في الإصرارِ على الذّنوب.
رأسُ الذنوبِ الكَذِب: هو يؤسِّسُها وهو يَتَفَقَّدُها ويُثَبِّتُها. ويَتلون ثلاثةَ ألوان: بالأُمنيةِ والجُّحودِ والجَدَل. يَبدو لصاحبه بالأُمنِيَةِ الكاذبة فيما يُزَيِّنُ له من الشهواتِ فيشجِّعُه عليها بأنّ ذلك سَيَخفى. فإذا ظَهَرَ عليه قابَلَه بالجُّحودِ والمُكابَرَة، فإنْ أعياهُ ذلك خَتَمَ بالجَّدَل، فخاصَمَ عنِ الباطِلِ وَوَضَعَ له الحُجَجَ والتَمَسَ به التَّثَبُّتَ وكابَرَ به الحقَّ حتى يكونَ مُسارِعًا للضلالةِ ومُكابِرًا بالفواحِشِ.
Forwarded from Hephaestus
إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا
Indeed, mankind was created anxious
سورة المعارج -١٩-
Indeed, mankind was created anxious
سورة المعارج -١٩-
Forwarded from 0/0 (Haidar A. Fahad)
A peculiar characteristic of our times is the combination of significant scenes with insignificant actors.
The bothersome aspect of this spectacle is the association of such trivial stature with such enormous functional power. These are the men who make the masses tremble, whose decisions determine the fate of millions.
— Ernst Jünger
The bothersome aspect of this spectacle is the association of such trivial stature with such enormous functional power. These are the men who make the masses tremble, whose decisions determine the fate of millions.
— Ernst Jünger
الوراثة والبيئة (ووراثة البيئة)
لا شكّ أنّ للوراثة أثرًا بالغًا في صُنعِ الفرد نفسيًا وجسديًا. في هذا يتّفق معظمُ الناس، مع أنهم يجهلون كيفيته، إذ تُعزى الصفاتُ الجسدية وحتى النفسية في غالبِ الأحيان للجينات، فترى الكلامَ يتحوَّلُ إلى حديثٍ عن البيولوجيا البحتة معَ جهلِهم بهذا العِلم. مبدئيًا، ومع تبسيطٍ كبير، فإنّ الجينات مثلُ وصفاتٍ تُتَرجَم إلى بروتينات، والتي بذاتها تُستَخدَم لبناء أجزاءِ الجسمِ المختلفة وأداء وظائفه. لكنّ عدد الجينات (التي تُتَرجَم إلى بروتينات) يتراوح ما بين 20,000 إلى 30,000 في أفضل تقدير. قد تستنتج—مُحِقًا—أنّ هذا العدد صغيرٌ جدًا ليكون مسؤولًا عن كل صفاتِ الإنسانِ الجسديةِ، خلا النفسيةَ منها. وهنا يأتي دورُ البيئة بكل عناصرِها وتعقيداتِها لتُعين الجينات فتمنحنا صفاتنا بل وكذلك لتحدد أيًّا من الجينات ستُتَرجَم ولأيِّ درجةٍ وبأيِّ طريقة (وهو ما يسمى بالـ epigenetics). خُذ الطول مثالًا؛ مع أنّ للجيناتِ دورًا كبيرًا في تحديد الطول إلا أنّ للبيئة (بما تفرضه من غذاءٍ ونشاطٍ جسدي وأمراضٍ—وعلاجاتٍ—وتعرُّضٍ لأشعة الشمس وغيرِها) دورًا كبيرًا في ترجمةِ هذه الجينات وفي تحديد طول الفرد. لهذا فإنّ بعضَ الشعوب التي نالت الرخاء ونالَها بعض التحضر بدرجةٍ ما فتحسَّنَ غذاؤها وطِبُّها وقلَّت أمراضُها ترى أبناءَها زادوا طولًا عن آبائِهم. نفسُ الأمرِ ينطبق على الذكاء IQ إذ يكفي أنْ تُحَسِّن النظامين الغذائي والصحي في مجتمعٍ ما حتى ترى تزايدَ ذكاءِ أطفاله بمرور الوقت كما أظهَرَت ذلك التجارب والأبحاث. ثُمّ تَذَكَّر أنّ العديد من الأمراضِ الوراثية لا يظهر أثرُها ولا يَمرَضُ صاحِبُها إلا لمّا تتوفَّر عواملُ البيئةِ المناسِبة؛ حساسية القمح لا تؤثِّر كثيرًا على المريض بحد ذاتها ما دام لا يستهلك الغلوتين، وداء الباقلاء أو تكسُّر الدم (G6PD deficiency) لن يؤذي المريض ما دام لا يستهلك الفول وبعض الأدوية. باختصار: في كثيرٍ من الأحيان لا تمنح الجيناتُ إلا "قابليةً" بدرجةٍ ما لحصول بعض الصفاتِ (والأمراضِ) في الفرد. أمّا البيئة فهي عادةً العاملُ الأساسي الذي يُحدِّد وجودَ وتأثيرَ هذه الصفات.
ثُمَّ أنّ البيئةَ نفسَها تُوَرَّث، فلو ولدت أميركيًا أو هنديًا فإنّ احتماليةَ إصابتك بتشمع الكبد بسبب الكحول أعلى مما لو أنك ولدتَ في بلدٍ عربي. ولو ولدت يابانيًا، فغالبُ الظنّ أنّك لن تعاني من السمنة كما لو كنت أميركيًا. فالمرء لا يأخذُ من والديه الجيناتَ فقط، بل كذلك البيئةَ بما فيها من عاداتٍ غذائية وأمراضٍ وعلاجاتٍ وعلومٍ طبية كُلُّها توَرَّثُ عبرَ الأجيال وتستمر في المجتمعات.
لا شكّ أنّ للوراثة أثرًا بالغًا في صُنعِ الفرد نفسيًا وجسديًا. في هذا يتّفق معظمُ الناس، مع أنهم يجهلون كيفيته، إذ تُعزى الصفاتُ الجسدية وحتى النفسية في غالبِ الأحيان للجينات، فترى الكلامَ يتحوَّلُ إلى حديثٍ عن البيولوجيا البحتة معَ جهلِهم بهذا العِلم. مبدئيًا، ومع تبسيطٍ كبير، فإنّ الجينات مثلُ وصفاتٍ تُتَرجَم إلى بروتينات، والتي بذاتها تُستَخدَم لبناء أجزاءِ الجسمِ المختلفة وأداء وظائفه. لكنّ عدد الجينات (التي تُتَرجَم إلى بروتينات) يتراوح ما بين 20,000 إلى 30,000 في أفضل تقدير. قد تستنتج—مُحِقًا—أنّ هذا العدد صغيرٌ جدًا ليكون مسؤولًا عن كل صفاتِ الإنسانِ الجسديةِ، خلا النفسيةَ منها. وهنا يأتي دورُ البيئة بكل عناصرِها وتعقيداتِها لتُعين الجينات فتمنحنا صفاتنا بل وكذلك لتحدد أيًّا من الجينات ستُتَرجَم ولأيِّ درجةٍ وبأيِّ طريقة (وهو ما يسمى بالـ epigenetics). خُذ الطول مثالًا؛ مع أنّ للجيناتِ دورًا كبيرًا في تحديد الطول إلا أنّ للبيئة (بما تفرضه من غذاءٍ ونشاطٍ جسدي وأمراضٍ—وعلاجاتٍ—وتعرُّضٍ لأشعة الشمس وغيرِها) دورًا كبيرًا في ترجمةِ هذه الجينات وفي تحديد طول الفرد. لهذا فإنّ بعضَ الشعوب التي نالت الرخاء ونالَها بعض التحضر بدرجةٍ ما فتحسَّنَ غذاؤها وطِبُّها وقلَّت أمراضُها ترى أبناءَها زادوا طولًا عن آبائِهم. نفسُ الأمرِ ينطبق على الذكاء IQ إذ يكفي أنْ تُحَسِّن النظامين الغذائي والصحي في مجتمعٍ ما حتى ترى تزايدَ ذكاءِ أطفاله بمرور الوقت كما أظهَرَت ذلك التجارب والأبحاث. ثُمّ تَذَكَّر أنّ العديد من الأمراضِ الوراثية لا يظهر أثرُها ولا يَمرَضُ صاحِبُها إلا لمّا تتوفَّر عواملُ البيئةِ المناسِبة؛ حساسية القمح لا تؤثِّر كثيرًا على المريض بحد ذاتها ما دام لا يستهلك الغلوتين، وداء الباقلاء أو تكسُّر الدم (G6PD deficiency) لن يؤذي المريض ما دام لا يستهلك الفول وبعض الأدوية. باختصار: في كثيرٍ من الأحيان لا تمنح الجيناتُ إلا "قابليةً" بدرجةٍ ما لحصول بعض الصفاتِ (والأمراضِ) في الفرد. أمّا البيئة فهي عادةً العاملُ الأساسي الذي يُحدِّد وجودَ وتأثيرَ هذه الصفات.
ثُمَّ أنّ البيئةَ نفسَها تُوَرَّث، فلو ولدت أميركيًا أو هنديًا فإنّ احتماليةَ إصابتك بتشمع الكبد بسبب الكحول أعلى مما لو أنك ولدتَ في بلدٍ عربي. ولو ولدت يابانيًا، فغالبُ الظنّ أنّك لن تعاني من السمنة كما لو كنت أميركيًا. فالمرء لا يأخذُ من والديه الجيناتَ فقط، بل كذلك البيئةَ بما فيها من عاداتٍ غذائية وأمراضٍ وعلاجاتٍ وعلومٍ طبية كُلُّها توَرَّثُ عبرَ الأجيال وتستمر في المجتمعات.