مؤيّد | نَثْرُ متألِّهٍ
1.31K subscribers
398 photos
300 videos
171 files
294 links
إنّما أجمع حسن المنتثر وشرف المختار، وأخطّ منها حقيق المنتهج وأسنى الأفكار!

مراتِعُ متألِّه:

https://t.me/EmberThought

https://t.me/N7olsanal3rb

https://t.me/nhgmntaq

https://t.me/almktnz

https://t.me/fhrstbrhan

https://t.me/lsn3db
Download Telegram
مؤيّد | نَثْرُ متألِّهٍ
المشكلة أنّه منع الرّسم للجزئيّ، ثمّ هو يجيز تحديده بالإشارة الّتي هي قسمٌ من أقسام الرّسم، المجيءُ بالعوارض، وهي الجزئيّات الممثّلة لما يكون بالعرض.
هذا، ويمتنع في حدّ ذاته أن يكون رسمٌ بلا حدّ البتّة؛ إذ الرّسم معلول لما بالذّات، وما بالعرض لا يكون لشيءٍ دون ما بالذّات، فكيف وقد خصصناه بخواصّه الّتي بالذّات تستسلزم فصلًا ما لأجله كان الاختصاص العرضيّ؟

فالقول بالرّسم دون حدّه تناقضٌ لازم، وإن أنكر الرّسم، فإنّه واقعٌ فيه لا محالة.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
حديث سموّ سيّدي الأمير محمّد بن سلمان عن الرّوابط العميقة بين السّعوديّة والعراق.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
في إطلاقات (الأصل)، حسين محسن العاملي.
تخيل معي فجأةً وبغتةً باشرتَ رجلًا تقول له: "والله العظيم وأقسم بالله وبربّ العزّة اسمي مؤيّد"، أفتراه يعجب منك منكرًا لِمَ كلّ هذا الجهد في الإثبات؟

فهكذا الأمر في ابتدائك الكلام في كلّ عبارةٍ: "لقد".

ما أنقمه على أغلب الكتابة المعاصرة استعمالهم التّوكيد في أقلّ واردة!

فتراهم يقولون في كلّ ابتداء مقال وكلام: لقد لقد لقد.

و(لقد) كلمةٌ مركّبةٌ من كلمتين:

(لـ)، و(قد)، وهما حرفان يفيدان التّوكيد، الأوّل لام التّوكيد، والثّاني حرف تحقيق.

والتّوكيد لا يُجاءُ به بلا داعٍ، ولذلك في البلاغة يُجاءُ بالتّوكيد لمن تشكّك وارتاب من أمرك أو كان منكرًا أو كالمنكر منزّلًا منزلته، فنبحث في حال المخاطب أيكون خاليَ الذّهن أو مرتابًا فهو انتبه لقضيّتك وعلم بالنسبة الخبريّة ثمّ ارتاب؟ أو يكون أبعد من ذلك حتّى إنّه ليبلغ به الأمر أن أنكرها ورأى بطلانها؟!

فلهذا كان عزيزًا على الكلمة أن تُوضع بمحلّها الملائم لها، لا بأن تُستعمل بلا مراعاة لسياقها المساوق لها.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
شرف علم البلاغة على سائر العلوم العربيّة.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
"هناك أبواب لو شئنا لشرحناها، ولأسهبنا في شرحها ولكنّنا أغفلنا بعضها ليبقى للعالم ميزةً بعدي".
لو احتج مسفسط علي بأني لا أقبل اليقين العادي بماذا أجيب؟
يعني كاليقين بالتواتر أو غيره ويسند ظهره على مايستحيل عادة كالتواطئ




عدم قبول الشّيء إنّما يتعلّق بموضوعه، فالموضوعات لما اختلفت بالشّرف والأهميّة من جملة موضوعات الغايات الّتي نسعى إليها وجدنا أنفسنا نتسمّح فيها فنقبل في هذا الظّنّ ولا نقبل في هذا الظّنّ، ونظرًا لكون يقيننا قليلًا لا لإشكال بِلَوحٍ الواقع إلّا عسرة اكتسابنا بزحام المشاغل وتكاسل الأنفس ومشقّة البذل، تَسَمَّحنا بحسب أهميّة الغرض وعسرة استيقانه، وإلّا فإن شاء المرء يقينه في كلّ شيء فله ذلك، وليس محجوجًا من جهة فلسفيّة يُلحظُ فيها العلم المفصّل لما يكون الشّيء بالذّات وما له من كونٍ بالذّات، وإن كان محجوجًا وبالفلسفة من جهة أخرى، ولكنّه محجوج من جهتين:

أولاهما: تعطيل تحصيل كمالاته الّتي جرّبها قبل وجرّبها غيره ويدري هو بنحْوٍ ما أنّها حاصلة.
ثانيهما: تناقضه في كونه بالضّرورة واقعًا في هذا الظّنّ؛ إذ لا محيص عنه، وقد يملص منه بكونه إن وقع عنه وتنبّه لذلك عاد عنه، فمن لا يخطئ ولا يتناقض؟ مع أنّه وقع فيه لضرورة اكتماله، وينبغي تقديم الأولى بحسبنا على الأقلّ أولوليّة بحسبنا في جهة أخرى، فغرض اليقين والظّنّ كلّه واقع في طول اكتمالنا أصلًا، فلعلّ اكتمالنا يقع في الظّنّ أكثر من اكتمالنا في اليقين لضرورة تحصل بتفويت كمالات أهمّ إذا سعينا في اليقين.

فالأمر نهجه موكول لغايتنا والأكمل لنا من حيثُ إنّا نقصد ما تشتفي به أنفسنا وتحصل لها السّعادة القصوى، فإن شاء إلّا يقينًا في كلّ شيءٍ فليس محجوجًا من جهة طِبق الواقع، ولكنّه محجوجٌ وبالفلسفة من جهة حاجته الاكتماليّة لنفسه، وإلّا جلب نفسه عذابًا يتلذّع منه ضرمًا، حتّى يصبح من ساعةِ فقدِه رمضًا، ويفيء متنبّهًا عن تقصير تكمّله للأخذ بالظّن.

هذا كلام في ترك جنس الظّنيّات، ثمّ بعد ذلك تقع الظّنيّات مرّةً أخرى متفاوتة في طول غاياتنا وأهمّها تحصيلًا لكمالنا وخلوصًا من تناقضاتنا وهكذا.

وأمّا التّواتر فليس ظنًّا ويقينًا عاديًّا عندي، بل هو يقينيٌّ مبرهن ومبدأ برهان أيضًا؛ ذلك أنّا أخذنا في قيد ما يكون موضوعًا أمورًا عديدة، وليس هذا موكولًا للتّجربة أصلًا! بل هي قضيّة أوّليّة بدهيّة عندي، حاصلها أنّ كلّ ما استند للحسّ مباشرةً أفاد كونه بحسب مقدار الإحساس، والأخرى أنّ نقل الرّاوي بحالٍ يكون فيها مستحيل الكذب فيها مع استناد خبره لما أحسّه يكون في قوّة الحسّ، لإحساسه الشّيءَ، ولكون نقله مستحيلَ الكذب بحالٍ ما، ونغضّ الآن طرفَنا ما هذه الحال؟ فإذا كان قوله مستحيلَ الكذب من حيثُ إنّه لا يعمد إليه بل يخبر حقًّا ما وقع لعلمه فيه وإن كان متعلّق علمه كذبًا، وكان متعلّق علمه مأخوذًا بقيد اليقين، وهو الحسّ ها هنا، كان القول عن فردٍ أو نفرٍ أو قومٍ يفيد اليقين، ثمّ نحن مُعْوَزُون غاية العَوَز لفحص هذه الأحوال الّتي يمرّ بها المرء المُخبِرُ باستقراء مقسّم أو قِسَمٍ أولى واقعة في طول بعضها حتّى لا يعزب عن علمنا شيء، فنعلمَ بعدُ ما هذه الأحوال.

وعندي أنّ التّواتر ليس مقصورًا على الفرد، أو لنخرج مبحث التّواتر كلّه ولنأخذ النّقل بقولٍ أعمّ من حيثُ هو خبرٌ ما، فما فرق قول الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عن قول الجماعة في كونهما مفيدَين اليقين؟

ولهذا ليس التّواتر مقصورًا على الجماعة، أو لنأخذ الأعمّ من التّواتر في مبدأ البرهان، ولنأخذ وصفًا ما يوفّي ما يؤخذ بالخبر مفيدَ اليقين.
أثمّة من يباحثني في المنطق الأرسطيّ من نقّاده وفق المنطق الرّمزيّ؟ إن كان فليأتِ لمجموعتي: https://t.me/chatmtalh
جزءٌ من نقاشٍ حول: في فحص دعوى أنَّ أرسطو قصَّر في ترك الشّرطيّ.
.
...ألا ترى أنَّ أرسطو لم يفرد للقضية الشرطية ذكرًا على النحو الذي اصطلح عليه المتأخرون؟ فإنَّ مدار كلامه المنطقي إنَّما كان على القضية الحملية، وعلى انقسامها إلى موجبة وسالبة؛ بل إنَّ السلب نفسه لا يفهم إلَّا بالإضافة إلى الإيجاب، إذ هو رفع نسبةٍ يمكن أن تثبت. ولذلك كانت سائر ضروب التعبير القضوي لا تستمد صلاحيتها المنطقية من مجرد صورتها اللفظية، بل من وفائها بمقتضيات الحمل الذاتي.

فالقضايا التي تصاغ على صورة الاتصال أو الانفصال، وسواء أفادت الشرط، أو المعية، أو القسمة الحاصرة، أو مانعة الجمع، أو مانعة الخلو، لا تخرج في حقيقة أمرها عن كونها أنحاء من التعبير عن النسبة الواقعة بين الأطراف والبسائط. ومن ثمّ، لا بُدَّ في تعيين صدقها وكذبها من ردّ النظر إلى كيفية النسبة الحملية بين تلك الأطراف: أهي نسبة ذاتية ثابتة بحسب نفس الأمر، أم هي نسبة عارضة، أو اعتبار لفظي، أو تركيب لا يكشف عن حقيقة الشيء؟

وجوهر البحث المنطقي هو بيان مبدأ العلم، وأعني به الاقتصار على النسبة الذاتية بأحد قسميها: الإيجاب أو السلب. وأول ما يجب تقريره في هذا الباب أنَّ القضية الحملية، والحمل نفسه، ليسا مجرد تركيب لغوي تقدِّم فيه لفظًا فتجعله موضوعًا، ثم تلحق به لفظًا آخر فتجعله محمولًا عليه. بل الحمل الحقيقي يقتضي، أولًا، أن يوضع ما هو موضوع بذاته، بحيث لا يقع محمولًا إلَّا بالعرض أو بحسب اللفظ؛ ويقتضي، ثانيًا، أن يحمل ما هو محمول بذاته، أعني ما شأنه أن يقع محمولًا، ولا يصح جعله موضوعًا إلَّا بالعرض أو بحسب العبارة.

فالموضوع بالذات هو ما يكون متقرِّرًا تقرُّرًا أوليًّا، من غير أن يكون نفس مفهومه مشتملًا على نسبة شيء إلى شيء؛ بل يكون هو أول ما يطلب بيان ما له أو ما يعرض له. ويصح أن يكون ذلك على نحو مطلق في الموجودات الطبيعية، أو بحسب التجريد الذهني في الموضوعات الرياضية. وفي هذا المعنى يظهر الفرق بين حقيقة الحمل وبين مجرد إسناد لفظ إلى لفظ.

ولهذا يكون مناقضًا لأصول النظر القول بإمكان ردّ جميع القضايا الحملية إلى القضايا الشرطية؛ لأنَّ الشرطية، مهما اتسع مجال استعمالها، لا تستغني عن النسب التي تقوم عليها أطرافها، ولا تنشئ من ذاتها موضوعاتٍ ومحمولاتٍ بالذات. وكذلك يناقض تلك الأصول القول بأنَّ القضية الحملية قد يكون موضوعها مجموعةً خاليةً، أو أنَّ الجزئية لا يلزم صدقها من الكلية، أو أنَّ القضية الكلية لا تستلزم تحقق موضوعها على أي نحو، فإنَّ هذه الدعاوى إنَّما نشأت من فصل الفعل الذهني والعمل المنطقي عن مبادئهما، حتى آل الأمر إلى ما يسمى بالمنطق الصوري، حيث تُعامل الصور والرموز كأنها مستقلة عن شروط التحديد الذاتي للأشياء.

فلا عبرة، في العلم، بهذا الزخرف الاصطلاحي إذا أغفل أصل الربط والنسبة؛ إذ الأساس هو النظر فيما هو بالذات وما ليس بالذات، وفيما به تتحدد الأشياء تحديدًا أوليًّا. وهذا هو الذي يظهر، على وجه أتم، في مبحث الحد: فإنَّ الحد لا يطلب مجرد علامة لفظية تميز الشيء، بل يطلب ما به يكون الشيء هو هو، وما تقوم عليه بسائط الحمل التي يصح أن يُبنى منها البرهان.

وبالجملة، إذا روعي هذا الأصل، وضُمّن أن يكون إنشاء الربط مبنيًّا على النسب الذاتية، لم يكن لنوع الصياغة التعبيرية كبير أثر في جوهر العلم: فلتكن العبارة حملية أو شرطية أو غير ذلك من أنحاء التأليف القضوي؛ فإنَّ العبرة ليست باسم الصورة، بل بصحة المبادئ التي تنتظم فيها النسب. ومن هذه الجهة، يصح أن يقال: إنَّ أرسطو، مع أنَّه لم يذكر القضية الشرطية بالاصطلاح المتأخر، ولم يضع ما يسمى اليوم بمنطق القضايا، كان كلامه مشتملًا على ضروب من الربط بين القضايا؛ لكنَّه لم يجعل ذلك هو المقصود الأول بالذات.

وذلك لأنَّه أدرك أنَّ المنطق، بحسب جوهره وغايته الأولى، لا يشتغل بالربط بين القضايا من حيث هو ربط وحسب، وإنَّما يبحث عن مبادئ ذلك الربط: أعني النسب بين الأشياء، وما تتحدد به تحديدًا أوليًّا، أي: البسائط التي يقوم عليها الحمل. فإذا استقامت هذه المبادئ، هان ما بعدها من تنويع الصيغ، وتكثير الروابط، وتفريع ضروب الاستدلال. أما إذا اختلت، لم تنفع دقة الرموز ولا إحكام الصور.

والكلام في نقد هذه المذاهب يطول، في الجملة، لكشف ما تراكم في هذا الباب من دعاوى مضطربة وتهريج اصطلاحي امتد أثره قرونًا.
"قد يسأل سائل (...): لِمَ لم يُعلّم أرسطو في منطقه شيئًا عن الترتيبات، مع أنَّه ناقش المناهج بأقصى درجات العناية والإسهاب؟ يمكن لهذا السؤال أن يُعذّب كثيرًا نفوس أولئك الذين يعتقدون أنَّ الحكم على أرسطو بالقصور والنَّقص في أي من بحوثه خطيئة، وكأنَّه كان لزامًا عليه أن يعلم كل شيء وأن يكتب كل ما علمه.

ومع أنِّي لا أريد أن أكون دون أي بشر في الإعجاب بذكاء أرسطو، إلَّا أنِّي أعتقد مع ذلك أنَّه لم يكن بوسعه أن يعلم كل شيء ويكتب كل شيء، وأنَّه لم يبلغ من إحكام الحقيقة في كل ما كتبه درجة يستحيل معها أن يخطئ أبدًا، فقد كان بطبيعة الحال إنسانًا، لا إلهًا، ولذلك فإنَّ هذا الشك لا يمثل لي أهمية كبرى".

زاباريلا.
[في علاقة الحدّ بالبرهان] (18) في استحالة طلب سبب ما لا موضوع يكونه المحمول، وفي بيان جهة تعلق سببية كون المحمول للموضوع بفحص ما يكونه الأوسط.

من الممكن تبين الأمر بنحو أجلى وأقرب إلينا بأن ننظر في طلب (لماذا يكون الشيء)، فنحن أقرب إلى الخلط بين المعرفة بالعرض والمعرفة بالذات بكون الشيء، عندما نكون بصدد طلب ماذا يكون الشيء دون طلب لماذا يكون، وذلك أن طلب ماذا يكون يختلط عندنا بطلب معنى اللفظ، وقد نكتفي فيه بمحض التركيب الذهني، فنتكل على قدرتنا عليه لافتراض أن ما ركبناه أمر يكون حقًّا وليس بممتنع.

وأما في طلب لماذا يكون الشيء فلا نقع في ذلك؛ لأن العادة جرت بطلبه في خصوص ما وقع لنا كونه عند مواجهتنا للأشياء أنفسها، بل في تخصيص طلبه بما يكون لموضوع عند معرفة كونه له. وكيفما كان، فمن الممكن أن نبين الأمر عينه، أي ضرورة الفصل بين المعرفة بالعرض بكون الشيء والمعرفة بالذات بكونه، بحيث نمهد لتحديد كيفية قيام البرهان بالجواب على طلب ماذا يكون الشيء، بأن نعمد من جديد إلى ملاحظة طلب لماذا يكون الشيء؛ إذ من البين أننا لا نطلب لماذا يكون أي من الحدود الثلاثة في البراهين إلا في طول العلم بكون الواحد منها لموضوع بخصوصه، ولا يكفي المقدار المعلوم منها ضمن مبادئ العلم، أعني كونها أمورًا تكون على التقابل للجنس الذي تندرج تحته الحدود الأولى في البراهين؛ وذلك أنّ طلب لماذا يكون الشيء هو طلب تحديد الحد الأوسط والسبب الذي علمنا كون الحد الثالث لموضوع ما بسببه.

وإذا لم نكن على علم بعد بكون الحد الثالث لحد أول بعينه فلن يكون لدينا علم بكون سبب وحد أوسط حتى نطلب ماذا يكون هذا السبب ولماذا كان الحد الثالث؛ ولأجل ذلك قلنا من قبل أنّ طلب الكون يرجع إلى طلب كون حد أوسط، وأن طلب لماذا يكون هو طلب ماذا يكون الحد الأوسط.

وقد يقال هنا أيضًا: إنه حتى طلب كون واحد من الحدود الثلاثة لحد من الحد الأول يرجع هو الآخر إلى طلب ماذا يكون الحد الأوسط، بحيث إن كل طلب هو طلب ماذا يكون الحد الأوسط، بحجة أننا متى ما وضعنا أي حد من الحدود الأولى فسيكون لا محالة موضوعًا لواحد من متقابلين، أي إما أن يكون له هذا الحد الثالث أو مقابله، ومن ثم سيكون لدينا علم بكون حد أوسط، ولكننا لا نعلم هل هو الحد الأوسط الذي يبين كون هذا الحد الثالث له أو هو الحد الأوسط الذي يبين كون مقابله له.
ولكن من البين، من نفس ما قيل بالضبط، أن ذلك لا يسمح لنا بطلب لماذا يكون الحد الثالث؛ لأن الكون قد يكون لمقابله، فيكون أمرًا ممتنعًا لذلك الموضوع، ولا معنى لقولنا: لماذا يكون إما هذا وإما هذا؛ لأنه ليس طلب «لماذا يكون شيء ما»، بل طلب «لماذا يكون الترديد نفسه»، وهو معلوم بنفس علمنا الأولى بأن النقيضين لا يجتمعان.

ومن البين أيضًا أنه لا يمكن أن نضع أيًّا من الأمور التي تقع حدودًا ثالثة لنطلب لماذا يكون بمعزل عن أخذ موضوع بعينه من حيث شيء بعينه؛ لأن السبب يبين كون الشيء لموضوع ما لأنه ذلك الموضوع، بحيث إن الشيء يتخصص بالذات بمتقابلات في كل الموضوعات التي يكون لها بوصفها موضوعات أول له، ويمتنع في أخرى، فلا يكون شيئًا واحدًا، بل قد لا يكون أصلًا، ومن ثم لن يكون متعلق الطلب معلوم الكون علمًا بالذات بل بالعرض، وإذا ما طلبناه وهو بهذا النحو فلن يمكن الجواب عنه.

ومع ذلك سيأتي لاحقًا تفصيل الكلام عن طبيعة العلاقة بين الموضوع وما يوصف به وسبب الصفة، وذلك لدفع بعض ما قد يخطر به المرء من جهة افتراض إمكان تعدد موضوعات الصفة بعينها أو تعدد أسبابها، بحيث يتبين بأي معنى ومتى يمكن، وبأي معنى ومتى لا يمكن.

[محمد ناصر، السّبيل، ص293-295].
[في علاقة الحدّ بالبرهان] (18) في بيان كيفيّة تخصّص الجنس بنوعه واستكشاف الفصل في طول معرفة الجنس لنوعه.

إنّ العلم بكون الأمور الّتي تقع حدودًا ثالثة في البراهين ليس إلا علمًا بكون أجناس تتنوع بتنوع الموضوعات التي تكون لها، وذلك أنه سيكون عين ما يتحدد به نوع بعينه من الحدود الأول من حيث شيء آخر بعينه، فيؤخذ في ماذا يكون كل واحد من أنواع الحدود الثالثة في البراهين كونه لنوع بعينه من الحدود الأول مع الحد الأوسط الذي يبرهنه له، ويعثر على الحدود الوسطى التي تنوع أجناس الحدود الثالثة من نفس ما تتنوع به الحدود الأول، لأن ما تتنوع به الحدود الأول هو الذي يحدد ما تكونه ثانيًا من حيث غيرها، وليست الحدود الثالثة في البراهين إلا ما تكونه الحدود الأول ثانيًا من حيث غيرها؛ ومن ثم لن يكون أي منها معلوم الكون وماذا يكون بخصوصه إلا بعلم كونه لموضوعه النوع من طريق ما ينوع نفس جنس الموضوع.

إذ ما دامت أنواع الحد الثالث أنفسها لا تكون تلك الأنواع إلا بالكون هذا وذاك من الحدود الأول، فلا يعلم بكون أي منها بخصوصه إلا بعين العلم بكون جنسها هذا أو ذاك من الحدود الأول، فحينئذ لن يكون لدينا علم بما يتنوع به جنسها إلا في طول العلم بكونه هذا وذاك من الحدود الأول. ولأجل ذلك متى ما تقدم لنا العلم بكون جنسها لواحد من الحدود الأول، فسيكون ذلك لوحده موجبًا لتحدد الجنس بشيء من ذات نوعه وهو كونه لموضوعه الأولى من حيث شيء ما آخر بعينه بنحو مخصوص، وحينئذ سيكون لدينا علم بالذات بكون شيء بعينه وعلم بالذات بكون حد أوسط بعينه وليس مجرد علم بالعرض بكونهما، وحينئذ من الممكن لنا أن نتقدم فنطلب لماذا يكون ذلك الشيء للموضوع أو ماذا يكون ذلك الشيء الكائن للموضوع، وستكون إقامة البرهان بالإتيان بالحد الأوسط بيانًا في الوقت عينه لكلا الطلبين.

[محمد ناصر، السّبيل، ص295-296].
[في طلب الأمور من طريق ما تكونها بالذّات، وبين اتّحاد طلب الكون وسببه وما يكون بوجْهٍ ما، وأنّ الاختلاف فيها عائدٌ لنحو نظرنا في الأمور]

إنّ الأمر لا يقف عند انكشاف الفرق البين المعرفة بالذات والمعرفة بالعرض بكون الشيء وضرورة ضمان الأول دون الثاني حتى يمكن التقدم نحو طلب ماذا يكون الشيء ولماذا يكون، بل هو يتعداه لانكشاف حل جذر كل هذه المشكلات والحيرات وهو الاتحاد والتوازي في معرفة الكون ومعرفة ماذا يكون ومعرفة لماذا يكون شيء ما، بحيث إنّه توازٍ في أصل المعرفة وقدرها.

ولذلك ما إن ميز هذا التمييز حتى نخلص إلى أن معرفة كون الشيء ومعرفة ماذا يكون يحصلان بنحو واحد وبالقدر نفسه، وتتميم أحدهما تتميم للآخر، وبما أن معرفة ماذا يكون ومعرفة السبب واحدة، فإذن: لا انفصال بين معرفة الكون والسبب وماذا يكون، بل هي جهات في نحو ملاحظتنا لنفس الشيء الذي يكون ما يكون لا بذاته بل بسبب أو أسباب مغايرة له بها يكون ما يكون.

فيتوازى في معرفة الشيء معرفة كونه وماذا يكون ولماذا يكون، بحيث إنّ تمام أحدها تمام الآخر وبقدر المعرفة بالشيء بأحدها تكون المعرفة به بالآخر.

ولأجل ذلك لم يكن* طلبُ ماذا يكون طلبَ تعلم إلا في الموارد التي يكون فيها الشيء كائنًا لا بذاته وتتعدد أسبابه بنحو يتوسط بعضها لبعض، فيكون الطلبُ طلبَ تتميم المعرفة بكونه وأسبابِ كونه وماذا يكون.

وحينئذ لن يكون في البين فرق بين البرهان والبيان التام لـ(ماذا يكون الشيء) إلا فرقًا في نحو اللحاظ والتّرتيب للشيء بحيث إنّ المعلوم نفسه يلحظ تارة بنحو فيكون برهانًا وتارة بنحو فيكون حدًا وبيانًا لـ(ماذا يكون)، وسيكون الشيء نفسه مقولًا عليه تارة: (إنّه سبب)، وتارة: (إنّه الشيء عينه)، ولكن من جهتين مختلفتين.

وسيكون ماذا يكون الشيء بالقدر الذي شكل منطلقًا للطلب واقعًا بعينه نتيجة في البرهان
، كما سيأتي بعد قليل تفصيله، أما (ماذا يكون) بنحو تام، أيِ: الذي يجمع كل أسبابه، فلا؛ ذلك أنه عين البرهان مع اختلاف الترتيب.

ولأجل ذلك بالضبط قلنا من قبل: (إنّ حدود البرهان جميعًا قد تكون مما يعلم بنحو كلي معا دفعة واحدة في طول الحس)، كما في مثال رؤية الخسوف ونحن على القمر، بحيث يقع لنا معًا كون الشيء وسبب كونه ما يكون، فنتملك من حينها ماذا يكون بتمامه، بلا نقصان فلا نحتاج إلى تتميم بالتقديم والتأخير في اللحاظ، فلا برهان.

بل هذا هو الحال بين كل تصور لشيء مركب وحكم على ذلك المركب، بحيث إنّ المعرفة فيهما واحدة والاختلاف في نحو اللحاظ وبحسب حالنا نحن في أخذ الشيء، كما سيأتي بعد قليل تفصيله.

[محمد ناصر، السّبيل، ص297-298].

*كُتِبَتْ في الكتاب: يمكن، ورأيتُ صوابها بما سطرت.
بعد أن أرسى التمييز المتقدم بين المعرفة بالذات والمعرفة بالعرض بكون شيء ما، ونبه على الاتحاد والتوازي في قدر المعرفة بالذات بكون شيء ومعرفة ماذا يكون، تقدم مباشرة وبيّن أن ما ينبغي الكلام فيه في مقام طلب ماذا يكون الشيء هو الأشياء التي يقع لنا عنها شيء من ماذا يكون، أي نعلم ماذا تكون بدرجة ما.

ومن ثم نعلم بالذات وبدرجة ما بكونها وسبب كونها ما تكون، فنطلب العلم بكونها وماذا تكون وسبب كونها بدرجة فوق الذي بدأنا به ونشأ الطلب منه، كما سيظهر جليًّا من خلال الأمثلة؛ إذ إنه، ولأجل بيان هذا الأمر بجلاء، تقدم فعرضه من خلال أمثلة تظهر مراده كاملًا، وهي عين الأمثلة التي ذكرها في البداية عند بدء الكلام عن أنحاء الطلب والعلم بالشيء وإرجاع طلب لماذا إلى طلب ماذا يكون.

فقد عمد إلى تلك الأمثلة مرة أخرى وبين فيها ما يجمع بين ما ذكره هناك وما أضافه هنا فظهر بها كيف يتحد علم لماذا يكون وماذا يكون والكون، وكيف يبدأ الطلب بمعرفة قدر منها وكيف يتكمّل العلم بها جميعًا معًا.

ومن هنا شرع بأخذ طلب المعرفة بخسوف القمر مثالًا.

والمراد ليس طلب كون القمر منخسفًا الآن بل طلب إن كان ينخسف أصلًا أو لا، أي أصل كون القمر المنخسف والخسوف بحيث إنّه شيء ما وليس أمرًا ممتنعًا ولا شيء؛ إذ لا شغل للبرهان المطلق والعلم المطلق بهذا وذاك من الأشخاص الزائلة كما سبق الكلام مفصّلًا، كما لا شغل له بالكون بمعنى الإزائية لنا الآن وهنا؛ ذلك أن المعرفة بالجزئيات ستكون بالتطبيق وبالتبع، أي برهانًا جزئيًّا محدودًا متفرعًا على البرهان المطلق والكلي، وهذا الأخير هو المقصود بالبحث لا ذاك، كما مرّ تفصيله.

[محمد ناصر، السّبيل، ص298-299].
الفرق بين جواب "ماذا يكون" وجواب "لماذا يكون" فرقًا في نحو اللحاظ وما يبدأ منه.

— محمد ناصر.
حتّى الآن ممّا قرأت، أفضل من شرح البرهان وبيّنه مفصّلًا صناعةً وتحقيقًا هو الأستاذ محمّد ناصر.

ولكنّما الّذي يعروه هو العجمةُ في التّبيان وضعف الإيضاح كثيرًا من عباراته.