"هكذا قال كل الأنبياء الذين لم يجيئوا، والذين يجب ألّا يجيئوا، أو الذين يجب أن يجيئوا، والذين لن يجيئوا مهما وجب وطلب أو رفض وكره وفجع وآذى وأفسد وضلّل أن يجيئوا. هل جاء الأنبياء إيجابياً مهما جاؤوا سلبياً؟ إنّهم سلب بلا أي إيجاب. هل لمجيء الأنبياء أي نفع لأي شيء، أو لأي أحد، أو أية قوّة أو مجد أو جمال، أو دواء أو شفاء أو سرور، أو علاج أو إصلاح أو تصحيح، أو حتى أية تقوى أو تديّن أو براءة، أو نظافة أو شجاعة، مهما كانت أصواتهم والأصوات والدعايات والتصويت لهم وبهم وبأسمائهم؟ ثم اختلفت الروايات والآراء والتفاسير حول هذه القولة."
عبدالله القصيمي
"قال قائلون: إنّها تعني كل البطون. كل بطون النساء الباصقات المستفرغات للأولاد؛ لأنّها كلّها تحبل وتلد، وتصنع، وتعطي باستفراغها وبصقها وإفرازها وولادتها، كل الآلام والمشاكل والهموم، والعداوات والأحقاد والحروب والأمراض والموت، والجنون والعجز والضعف والشيخوخة، بل والأخطاء والخطايا وإغضاب وغيظ وعصيان وأهانة الإله، بل كل الآلهة."
عبدالله القصيمي
"بلا أي تفسير أو تسويغ أو منطق، أو عواقب معقولة أو مقبولة أو مريحة أو جميلة أو ذكية، أو نافعة أو فنّية أو إنسانية، بل وبلا أي إسعاد أو تمجيد أو تعظيم أو إرضاء أو إفراح للإله أو لأي شيء. بل وبلا أي ثمن أو تعويض أو هدف أو منطق. لأنّها فقط توليد وتعديد وتخليد، وتضخيم وتكبير للمشاكل، والأخطاء والخطايا والآلام، والعذاب والعبث والأحزان، وتكرار دائم لذلك."
عبدالله القصيمي
"ولكن آخرين قالوا: إنّ هذه القولة، إنّما تعني فقط بطون النساء العربيات أو بطون النساء العربيات المسلمات، فقط، فقط.. وقد يكون هؤلاء القائلون مصابين بالتعصّب القبيح الكريه، والتعصّب بكل أنواعه، هو أحد آفات وأوجاع الإنسان التي لم يستطع، بل أو يرد الشفاء منها. وحين قيل لهؤلاء: ولماذا بطون العربيات وحدها أو بطون العربيات المسلمات فقط؟ لماذا هذا التخصيص؟ أليست العملية كلّها بصقاً، بصقاً واستفراغاً قبيحاً، بذيئاً قذراً، خاسراً متعباً، ملوّثاً مورّطاً؟"
عبدالله القصيمي
"قالوا لأنّ المرأة العربية، أو المرأة العربية المسلمة، وهكذا أمثالها، إن وجدت لها أمثال، وقد وجدت، وموجودة دائماً أمثالها - نعم، قالوا لأنّ المرأة العربية أو العربية المسلمة، أي وأمثالها، تصنع الأولاد أو تلدهم، وتبصقهم وتستفرغهم، بلا حساب أو سؤال أو نظام أو تخطيط. إنّها لا تفعل شيئاً من ذلك، ليكونوا بقدر الحاجة إليهم والقدرة عليهم والقدرة لهم، ليكونوا شيئاً ممّا يجب أن يكونوه. ولأنّ صناعتها وولادتها واستفراغها لهم دون شروط، دون الشروط المقبولة المعقولة المطلوبة، بل والمعروفة لدى كل عارفي الشروط وواضعيها، ومفسّريها ومشترطيها."
عبدالله القصيمي
"ولأنّ هذه الصناعة، أي ولادة الأولاد، التي تصنعها المرأة العربية المسلمة، أو العربية فقط، تجيء أبداً أقل ممّا يطلب وينبغي ويفترض. تجيء بهم أبداً أقل في كل مستوياتهم وقدراتهم العقلية والنفسية والإبداعية والحضارية، بل والإنسانية والعاطفية والعضلية والأخلاقية والتكوينية والسلوكية، بل تجيء بهم نقيضاً حادّاً شاملاً لكل ذلك. نقيضاً لما يطلب وينبغي ويفترض من كل ذلك، وفي كل ذلك، ولكل ذلك. وأيضاً لأنّ الإشراف عليهم بعد مجيئهم، بل وقبل ذلك، يجيء رديئاً، رديئاً جدّاً."
عبدالله القصيمي
"إنّه لا أخطر أو أخسر، أو أفجع أو أعبث، من صناعة الأولاد كلّهم، فكيف بصناعتهم عرباً. فكيف بالذين تلدهم، وتصنعهم المرأة العربية المسلمة، وأمثال العربية المسلمة؟ هل يوجد غيظ أو تشويه، أو تعذيب أو تلويث للنفس، ولكل شيء، أو عدوان على النفس، وعلى كل شيء وكل أحد، مثل صناعة الأولاد، فكيف بصناعتهم صناعة عربية مسلمة؟"
عبدالله القصيمي
"هل هو أسخى الكرم أن يهب الإله كل الكائنات هذا الاستفراغ ويحرم نفسه؟ هل هو إذن محب وصديق وعادل ونظيف، ومريد وعاشق للجمال والنظافة، في رؤيته ومواجهته، ومعاملته وعقله، وفنونه وأخلاقه؟ إن كان أستفراغ وبصق وإفراز الأولاد، وعملية الولادة قبحاً وقذارة، وإهانة وتلويثاً، وتعذيباً وعبئاً، فلماذا أصاب به الإنسان وكل المتوالدين؟ أمّا إن كان غير ذلك، نقيض ذلك، فلماذا يحرم نفسه منه. لماذا يعادي نفسه كل هذا العداء، لماذا الآلهة تعادي نفسها أقسى عداء، كل هذا العداء، لماذا؟ كيف يصيب المحب حبيبه، بما يحمي ويبرىء نفسه منه، بل وينزهها منه وعنه؟"
عبدالله القصيمي
"من صاغ وخلق هذا الكائن، الذي لا يستطاع فهمه محبّاً ومبغضاً. هذا الخالق الذي لا تستطيع كل التفاسير أن تكون شيئاً من تفاسيره؟ من صاغ الإله ليكون كما كان؟ كيف يصيب الجمال والكمال والنظافة والذكاء نفسه بنقيض ذلك، أو يحرم حبيبه من ذلك، ليصيبه بكل النقيض، وبأقسى النقيض لذلك؟ كيف يحدث ذلك، وهل حدث؟"
عبدالله القصيمي
"كيف يريد ويدبّر ويخلق كل الدمامة والوقاحة والعذاب، من لا يريد إلّا كل الجمال والشهامة والصفاء والحب والسعادة؟ هل حدث ذلك؟ هل وجد متّهم بذلك؟ كيف وكيف يحدث ذلك؟ كيف تصوّره من تصوّره؟ وهل جاء تصوّراً أم واقعاً؟ من صاغ الأشياء كما صاغها وكما جاءت، حتى الآلهة من صاغها بكل هَذا القبح والسوء والبلادة، وهل يقبل أي صائغ أن يصوغها، هل يوجد صائغ رديء ولئيم مثل صائغ الآلهة؟ هل يستطيع صنّاع القبح والبلادة ومتصوّروها، أن يصفوا أو يتصوّروا مثل قبح الإله وبلادته، فاعلاً وذاتاً وشخصية، ماذا لو أنّ الإنسان لم يصب بالتوالد والولادة والأولاد، ورأى ذلك في غير ذاته، خارج ذاته، ورأى وقراً وفهم ووعى، بداية ونهاية ونتائج وعواقب، وآلام وتشوّهات وتكاليف وعبث، ومسؤوليات وتبعات وهموم، كل ذلك بالفاعل وبالمفعول به. لمن فعل ولمن فعل به؟"
عبدالله القصيمي
"وماذا لو أنّ الإله، الذي برّأ وحمى نفسه من ذلك، بعقل ووعي ورؤية أو بدون ذلك. حماها وبرّأها ونزّهها من ذلك، أي من التوالد والولادة والأولاد. نعم، ماذا لو أنّ الإله أصيب بهذا الذي حمى نفسه منه، أي بالتوالد والولادة والأولاد، كما أصاب وأصيب الإنسان والكائنات الأخرى بذلك. نعم، لو أنّ ذلك حدث، هل نستطيع حينئذٍ، أو هل يخفى أو يمكن أن يخفى علينا، ما يمكن أن يحدث أو ما لا بدّ أن يحدث، أي ما لا بدّ أن يفعل الإله والإنسان رفضاً واشمئزازاً وانفجاعاً وعذاباً وترويعاً؟ هل يوجد مفجوع مثل من يحكم عليه بأن يكون متوالداً؟ هل يمكن أن يتصوّرا حينئذٍ، أي الإله والإنسان، مثل قبحهما وتلوّثهما وتحقيرهما، وعارهما وهوانهما وإهانتهما، وسقوطهما وتفاهتهما وخزيهما، أي لو حدث هذا المفترض فيهما ولهما؟"
عبدالله القصيمي
"ماذا لو أحصينا أو حاسبنا، أرباح وخسائر الإله، من الإنسان والداً مولوداً متوالداً؟ أو لو أحصينا وحاسبنا أرباح وخسائر الإله، من وجوده وإيجاده للإنسان، أو من وجوده وإيجاده لنفسه، أو من وجود وإيجاد أي شيء، أو أي أحد، حتى لأنبيائه وأوليائه وملائكته، وزبانيته وحرّاس فردوسه وجحيمه؟ هل فكّر الإله أو محبّوه في ذلك؟ ماذا لو كان نبيلاً أو شهماً أو حكيماً، أو رحيماً أو خجولاً أو جمالياً أو إنسانياً، أي الإله، ثم رأى وقرأ وعرف الولادة والتوالد، بداية ونهاية وتفسيراً ونتائج، وتلويثاً وتكليفاً وإيماناً وكفراً، واستقامة وعصياناً وثواباً وعقاباً، وجنة وناراً وإغضاباً وغيظاً للآلهة، لكل الآلهة ولكل المعاني الجمالية الجميلة ولكل شيء؟ هل يمكن حينئذٍ أن يصيب أحداً، أو شيئاً بالتوالد والولادة والأولاد، مهما كان خبثه ودمامته وغباؤه، وسفاهته وعبثه وعدوانه على نفسه، وعلى كل شيء وكل أحد؟ من زرع أو غرس أو طبع، أو صنع أو أراد للإله، وفي الإله وللإنسان وفي الإنسان، وفي كل كائن ولكل كائن حي، طبيعة أو قانون أو غريزة، أو أرادة وتدبير أو أستفراغ الولادة والتوالد؟ قبيح من فعل هذا، قبيح فاعله. هل وجد هذا الكائن الفاعل المريد لكل ذلك؟"
عبدالله القصيمي
"أليست قضية التوالد هذه، تنفي أن يكون داخل هذا الكون أو فوقه، أو حتى حوله أي كائن، إله أو غير إله، قادر له عين أو عقل أو ضمير، أو عواطف أو أخلاق ترى أو تفهم أو تحاسب، أو تحاكم أو تسائل أو تقرأ، هذا البصاق والاستفراغ والإفراز المسمّى توالداً وولادة؟"
عبدالله القصيمي
"كيف يطاق بداية استفراغية وبصقية، وحملاً وتحمّلاً واستقبالاً، ثمّ بصقاً واستفراغاً وإخراجاً له بذلك الأسلوب، معاناة وتكوّناً وتكويناً وبكاء، ثم مقاساة ومعاناة وتفسيراً، ثم استفراغاً وإفرازاً، ثم ذعراً دائماً، ثمّ توقّعاً أليماً دائماً، ثم موتا وقبراً ومأتماً، وعويلاً ودفناً في التراب، ثم أحزاناً وذكريات نادبة كئيبة، وقبحاً وعاراً وسباباً ومشاكل وورطات وغيرها، وغيرها يصنعها كلّها هذا المولود. وأيضاً هموماً، هموماً مختلفة الأنواع والجنسيات والجهات، والقراءات واللغات والتفاسير والرؤى. أليس كل هذا بعض تفاسير ومعاني هذه الولادة والمولود؟"
عبدالله القصيمي
"قالوا إنّ الإله لا يلد. قال هذا كل الأنبياء والأولياء والمؤمنين، ولكن هل مثل الإله أو مثل الآلهة ولّادة؟ هل يوجد والد لكل شيء مثل الإله، أو غير الإله، أي كل الآلهة؟ أليس الإله هو الوالد لكل شيء، حتى لأحقر الحشرات، ولأفدح العاهات والتشوّهات والدمامات، والآلام والهموم؟ أليس هو الوالد لكل ذلك، وللأبشع من كل ذلك، بعقله وقلبه وأخلاقه، وأرادته وشهوته ومنطقه، وبيديه وعضلاته وجماله، ومباهاته وكبريائه وفروسياته، وبكل معانيه؟ أليست ولادة التديير والتقدير، والتخطيط والخلق والإرادة، هي أعظم وأشمل وأقوى الولادات بل وأصدقها؟ إنّ كل الوالدين والمولودين ليسوا إلّا ولادة والد واحد."
عبدالله القصيمي
"أيّها الإله لماذا تفعل ذلك، وترضى به، وتصر وتسكت عليه وعنه، وعلى من يفعلونه ويتعذّبون ويتلوّثون، ويعذّبون ويلوّثون به؟ هل غذاؤك ومجدك وفرحك وسعادتك، وشهامتك وكبرياؤك وقوتك وعبقريتك، وثمن وجودك وأقتناعك بوجودك، وبقيمة وجودك وبقائك، في أن ترى وتشاهد وتواجه ذلك، ومن يقاسونه ويتعذّبون ويتلوّثون به؟"
عبدالله القصيمي
"كيف أمكن أن يوجد، من يلعنون ويقتلون ويحتقرون، ويقاومون ويطاردون الذباب، أو الصرصار أو المرض أو القحط، ثمّ يعبدون ويمجّدون ويشكرون فاعل ذلك، ويصلّون ويسجدون ويركعون له، ويهبونه كل الجمال والحب والرحمة، والشهامة والكرامة والصداقة، أوصافاً له، مقروءة ومفسّرة، من فعله وخلقه لكل ذلك، أي لكل ما يلعن ويقتل ويحتقر، ويقاوم ويطرد ويطارد المؤمنون به؟ الذباب دميم جداً، وخالقه جميل جدأً. هل تصدّقون أو تومنون؟"
عبدالله القصيمي
"ماذا يمكن أن يحدث في هذه اللحظة، لو وجد من يقرأ ذلك، ويفهمه ويحاسبه ويحاكمه، أو حتى يراه أو يسمعه، أي لو لم تقتل وتفقأ، وتخمد وتسكت وتحذف، كل معاني العيون والعقول والضمائر والأخلاق، والإنسانيات والتساؤلات والانبهارات، والانفجاعات والتصادمات، عن وظائفها ومن وظائفها، بل ولو لم تفقد، وتقتل كل معاني الإيمان والتقوى؟ إنّه لا شيء خارج على الإيمان والتديّن، ومهين لهما مثل الإيمان والتديّن بمعانيهما المعلّمة والمشرّعة المنزلة."
عبدالله القصيمي
"أليس العربي مؤمناً جدّاً بكمال اللّٰه، ومؤمناً جدّاً بأنّ الكامل لا يصنع، بل ولا يريد أو يقبل إلّا الكمال والكامل، ومؤمناً جدّاً بأنّ اللَّه هو المريد والمخطّط، والخالق للحشرة ولكل أخلاقها ومواهبها وطاقاتها واستفراغاتها؟ إذن فالله هو الحشرة قد جاء في صيغة أخرى، في جسد حشرة. أليس المخلوق هو إحدى صيغ الخالق؟ إذن أليس محتوماً أن يؤمن العربي، وأن يكون مؤمناً بكمال الحشرات، مثل إيمانه بكمال الإله، بكمال مريدها ومخطّطها وصانعها؟"
عبدالله القصيمي
"حقّاً إنّ الإله لم يسب أو يغضب أو يعاقب، أو يذل أو يحقّر أو يفضح نفسه، مثلما فعل حينما خلق الإنسان متوالداً، أي لو كان هو الذي خلقه وأراده كذلك؛ لأنّ هذا التوالد هو الذي يلد الكفرة والفاسقين والظالمين، واللصوص والطغاة والأنذال، والأشرار والأغبياء والقتلة، والملوّثين وكل المالئين والمحرقين لعينيه وقلبه وعقله وأخلاقه ومجده، ولكل حياته وتاريخه، بكل الغيظ والغضب والحزن والهوان، والمذلّات والهزائم والفضائح. هل عادى الإله نفسه، مثلما عاداها حينما خلق الإنسان، وخلقه متوالداً، أي لو كان هو الذي خلقه، وخلقه كذلك؟"
عبدالله القصيمي