مُسْكَة | جهاد الخُزاعي
2.14K subscribers
84 photos
15 videos
35 files
57 links
شذرُ المعقول ومذرُه...
وقلمُ الرصاص وخربشتُه
Download Telegram
هل معنى الكون هو الوجود؟ وما معنى الكون الأولي والكون العرضي؟
.
نعم، صحيح من حيث الجملة، لكن لا على المعنى الذي يسبق إلى الأذهان عادةً، إذ كثيرًا ما يتبادر من الوجود معنى الحلول في ظرفٍ متخيل كأنه جهة زائدة يقوم بها الشيء، وهذا معنى متأخر بالقياس إلى أصل المطلوب، والمراد بالكون هنا هو ثبوت الشيء لنفسه وكونه هو هو، أي: ما به يكون الشيء نفسَ ذلك الشيء، لا ما يعرض له من جهاتٍ وظروف كالأين والزمان وسائر الملابسات، وإن كانت تلك الجهات لازمة للشيء بالذات أو بالعرض.

وعليه نفرّق بين الكون الأولي والكون العرضي: فكونك أنت من حيث أنت هو الكون الأولي، لا بمعنى أن شيئًا آخر يكوِّنك، بل بمعنى أنك متحققٌ بنفسك لا بكونٍ زائدٍ عليك، وأما كونك هنا، وكونك الآن، وكونك قارئًا، فهذه أكوانٌ ثوانٍ (عرضية) راجعة إلى الأعراض والاعتبارات، أعني إلى الأين والزمان والهيئات ونحوها، فليس كونُك مساوقًا لكونك هنا، ولا لكونك الآن، ولا لكونك تقرأ، بل الأول أصل والثاني فروع.

[أزيدك فائدة] ومن هذا يظهر أن الفرق بين كون الشيء وكنهه ليس فرقًا حقيقيًّا في نفس الأمر عند هذا التحقيق، بل هو فرق اعتباري تابعٌ للإدراك: تارةً يُلحظ الشيء على جهة الإجمال فيقال كونه أو هوّيته، وتارةً يُلحظ على جهة التفصيل والتحليل فيقال كنهه أو ماهيته، فالمتغاير في الحقيقة هو اللحاظ لا الملحوظ، والتمييز إنما نشأ من طبيعة إدراكنا الانتقالية التي تتحرك من القوة إلى الفعل ومن الإجمال إلى التفصيل.

revospring.net/@ItC0ding/a/116077033203200479
كتاب التحليلات الثانية ينقسم بالدِّقَّة إلى خمسة أجزاء
.
"ومع ذلك، يمكننا وضع قسمةٍ أدقَّ وأكثرَ صناعةً للكتابِ كلِّه إلى خمسةِ أجزاء، اثنان منها في المقالة الأولى، وثلاثةٌ في الثانية:

في الجزء الأول، يترقى أرسطو بالتحليل من مفهومِ الغاية لاكتشافِ شروط مبادئ البرهان، ويمتدُّ هذا الجزء من بداية المقالة الأولى حتى النص 56.

ثم، بعد اكتشاف الشروط، يُعلِّم خواصَّ كثيرةً للبرهان تلزمُ عن تلك الشروط، والفرق بين الخواصِّ والشروطِ أنَّ الشروط تقال بوجهٍ خاصٍّ للفصول الذاتية الضرورية لتقويم الشيء (كما لو قلنا إنَّ الشروط الضرورية لتقويم الإنسان أن يكون جسمًا، وذا نفس، وحساسًا، ومشاركًا في العقل)، أما الخواصُّ فهي أعراضٌ خاصةٌ تلحقُ الشروط، ولذا فإنَّ خواصَّ الشيء الواحد، لا مجتمعةً وحسب بل مأخوذةً كلَّ واحدةٍ بانفراد، تكون مساويةً للشيء ومنعكسةً عليه، أما الشروط فمجتمعةً كلها تكون مساويةً للشيء الذي هي شروطه (إذ تقوِّمُ ماهيتَه وحدَّه المساوي بالضرورة للمحدود)، لكنها مأخوذةً بانفرادٍ لا يمكنُ أن تكون مساوية، بل هي أعمُّ من الشيء نفسه (اللهم إلَّا الفصل الأخير، الذي وحده يمكن أن ينعكس مع الشيء إذ لو كانت الشروط مفردةً مساويةً للشيء، لوُجِدَ للشيء الواحد حدودٌ وماهياتٌ متعددة، وهو ما لا يُقال بحال)، وبما أنَّ الشروط يجب معرفتها قبل الخواصِّ التي تصدر عنها، فقد توجب على أرسطو الكلام أولًا عن الشروط، وهو ما فعله في الجزء الأول، ثم عن الخواص، وخواصُّ البرهان تنقسمُ قسمين: فبعضها يلحق البرهان بما هو برهان (إذ ينظر لمطلب «لِمَ»)، وبعضها يلحقه بما هو حد (إذ يخصُّ المطلب البسيط المسمى «ما هو»)، ففي الجزء الثاني إذن، الممتدِّ من النص 56 حتى نهاية المقالة الأولى، ينظر أرسطو في خواصَّ كثيرةٍ للبرهان تُنسَبُ إليه بما هو برهان.

وفي الجزء الثالث، وهو من بدايةِ المقالةِ الثانيةِ حتى النص 48، يبيِّن تلك الخاصية الأشرف للبرهان، التي يذكرها ابن رشد في «تخليص المنطق» في باب البرهان، حين يتكلم عن نوع البرهان الذي يسميه «برهان العلة فقط»، فأرسطو يُعلِّم في هذا الجزء أنَّ من خاصية البرهان أن ينقلبَ حدًّا، ويفي بمطلبِ «ما الشيء»، وهذا يمكن تسميته غاية البرهان، وأيضًا معلولًا وخاصيةً تلحق طبيعته وشروطه؛ لأنَّ الغاية والفاعل علَّتان لبعضهما، كما يُعلِّم أرسطو في الثانية من «التحليلات»، وقد أشار ابن رشد لهذا التقدم الصناعيِّ عند أرسطو في الشرح 100 من المقالة الثانية، كما سنبيِّن في تفسير ذلك الموضع.

الجزء الرابع يبدأ من النص 48 من المقالة الثانية وينتهي عند 100، وفيه يعود أرسطو لبيان أمورٍ كثيرةٍ بيانًا أفضل وأوسع، كانت قد أُغفِلَت عمدًا، أو لُمِسَت بإيجازٍ وخلطٍ في الأجزاء الثلاثةِ السابقة لئلا يخرج كثيرًا عن الغرض، مقتديًا في ذلك بالرسامين، الذين يرسمون الشكل كلَّه أولًا، ثم يعودون لأجزاءٍ مفردةٍ للنظر فيها نظرًا أفضل، ليُتِمُّوا ما بقي ناقصًا (وقد لاحظنا هذا في موضعٍ آخر).

وأخيرًا من النص 100 حتى نهاية المقالة الثانية، وهو الجزء الخامس، يتكلم أرسطو عن معرفة المبادئ، فبما أنَّ سائر ما قاله في الأجزاء الأربعة الأخرى كان يخصُّ علم النتيجة والمنهج البرهانيَّ (الذي يترقى من المبادئ للنتيجة)، فقد أراد في هذا الجزء الأخير، لتمام الصناعة ووفرة التعليم، أن ينظر أيضًا في المنهج الذي تُعرَفُ به المبادئ، إذ لما كانت لا تُعرَفُ بالبرهان، كان لا بُدَّ من قول كيف تُعرَف".

يعقوب زاباريلا.
" ... بعد ترك تلك الآراء، أقول أنا إن الموضوع الحقيقي [لهذا الكتاب] هو البرهان، فهذا هو الذي يُطرح صراحة لنظر الكتاب، وهو النوع التام من القياس، وهو الذي يُبيِّن "ما هو" و "لمَ هو"، وأخيراً فإنّ أجزاءه وأعراضه الذاتية يستقصيها أرسطو بأقصى جهد، وكل الأشياء التي يُعلمها يوجّهها إلى معرفته.

ولكن بما أن أنواع البرهان كثيرة من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن يُرى بوضوح أن أرسطو يبحث بدقة في طبيعة وخواص نوع واحد فقط بالذات، انقسمت آراء الشرَّاح إلى قسمين:

[1] قسمٌ اتبع فقط الكلمات التي طرحها الفيلسوف صراحة أمام أعين الجميع، وأرادوا أن يكون موضوع [كتاب] البرهان هو ذلك النوع الذي يُسمى "المطلق" (simpliciter).

[2] وقسمٌ بدا لهم من الصعب –وربما من غير اللائق– بتعليم فيلسوف عظيم كهذا أن يُعالج نوعاً واحداً من البرهان مع إهمال البقية، حيث يظهر بوضوح أنه وضع على عاتقه تعليم طبيعة البرهان، فزعموا أن البرهان من حيث هو "عام" هو الموضوع.

ومع ذلك، فهؤلاء [الفريق الثاني] لا يصرحون بوضوح كافٍ بأي وجه نكتسب المعرفة التامة بجميع [الأنواع] من تعليم نوع واحد فقط عند أرسطو؛ كما لم يوضِّح هؤلاء لماذا يزدري أرسطو الأنواع الأخرى من البراهين التي وضعها هو نفسه باستثناء نوع واحد؛ لأنه رغم أن البرهان "المطلق" يفوق الأنواع الأخرى في الكمال، إلا أن الأنواع الأخرى لم يكن ينبغي إهمالها من تلك الملكة التي تَعِد بتعليم آلات العلم، لا سيما وأن استعمالها في العلوم ربما يكون أكثر من استعمال ذلك النوع الكامل من كل جهة.

لهذه الأسباب، ترك الفريقان آراءهما محفوفة بصعوبات جمة.

أما أنا، فلكي أُظهر أن الأمر الذي جعلوه مشكوكاً فيه ليس مشكوكاً فيه أبداً، ولكي تظهر حقيقة هذا الكتاب في أبهى ضياء، سأحاول أن أكشف قصد وخطة أرسطو بالبحث في ذهنه بعمق أكبر قليلاً.

من الواضح لكل من يتأمل كلمات أرسطو أن البرهان المأخوذ تحت لفظه العام هو جنس؛ فله طبيعة عامة ، وله فصول تقسيمه إلى أنواع، وإذا كانت هذه الأنواع بعضها أكثر كمالاً وبعضها أقل كمالاً، فهذا لا يمنع أن تكون الفصول مقوّمة؛ لأن هذا يحدث أيضاً في الفصول والأنواع التي تصدر عن الطبيعة.

والبراهين التي نالت كمالاً أقل لا توصف بأنها كذلك لأن صانعها كان ناقصاً، أو أنها تُفصل عن الأكمل لمجرد السلب والنقص –كما يحدث في المصنوعات كالبناء أو الخطابة–، بل هي بطبيعتها كذلك، وتتقوّم بفصول موجبة، ولا يمكن لمنطقي كامل أن يبنيها على نحو آخر، وحين تُعلّم هذه الأنواع، لا يعني ذلك أننا يجب أن نهرب منها كما يجب الهروب من الخطابة الفاسدة أو البيت الفاسد، بل لكي نستعملها، كأدوات تكون ضرورية لإعطاء وتلقي معرفة الأشياء.

يجب أن ندرك أن البرهان ليس جنساً طبيعياً كالحيوان؛ لأن مادته هي الألفاظ والقضايا المتمايزة، وصورته هي ترتيب وتوزيع الحدود، التي لا يمكن أن يبرز منها واحد بذاته، كما هو الحال في الذي يصدر عن الطبيعة، بل هو بالمشابهة والمحاكاة جنس؛ فإن "الفن" يحاكي "الطبيعة"، ويحاكي لنفسه أيضاً أجناساً وأنواعاً يصورها ويصيغها، وهو ما سيتضح بجلاء أكبر في موضعه.

الجنس إذن هو البرهان [العام]، وهو الذي ينقسم إلى أنواع كثيرة؛ وتلك الأنواع التي تفتقر إلى لفظ خاص بها، تستمد اسمها من الجنس مقترناً بفصلٍ ما به تنفصل عن الجنس، والتي سنعرف كل واحدة منها بأقصى سهولة إذا برهنا بهذا الطريق الذي هو تقسيم الشيء إلى أجزائه.

أحد البراهين هو الذي يسمى برهان "لِمَ" (demonstratio propter quid)، والآخر هو الذي يسمى برهان "إن" (demonstratio quia)، وهذا هو التقسيم الأول له.

وتلك الأنواع التي تسمى "لِمَ" طبيعتها أن تكون بحيث تُقدم دائمًا "العلة القريبة"، وبلا أي فاصل [واسطة] عن المعلول، ومرتبة في القياس بهذا الترتيب بحيث تسبق العلةُ المعلولَ في الذهن كما هو في نظام الوجود والأمر الطبيعي.

أما تلك التي هي "إن"، فلها حال آخر، إذ إما بالترتيب العكسي تبرهن العلة من المعلول، أو إذا أخذ المبدأ من العلة، فإنها تكون علة بعيدة.

وينقسم بعد ذلك برهان "لِم" إلى أنواع أخرى بحسب أنواع العلل التي يمكن أن يُبنى منها البرهان، والتي هي أربعة: فبعضها يكون [1] من الصورة، أو [2] من المادة، وأخرى [3] من الغاية، [4] ومن الفاعل.

والبرهان الذي يكون من الصورة يسمّى عند أرسطو باسم منفصل عن البقية، وهو "البرهان المطلق" (simpliciter)، وهو ما يعطي ذلك العلم الذي هو الأسمى والرئيس، أو باسم الجنس "لِم"، ويسمّى عند اللاتينيين "الأقوى" (Potissima).

والباقي يُسمى بحسب العلة المستخدمة أو بأن يقرَن اسم الجنس بالعلة، ويسمّى: برهان "اللّم" بالعلة الغائية، أو المادية، أو الفاعلية. "

جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
" ... بعد ترك تلك الآراء، أقول أنا إن الموضوع الحقيقي [لهذا الكتاب] هو البرهان، فهذا هو الذي يُطرح صراحة لنظر الكتاب، وهو النوع التام من القياس، وهو الذي يُبيِّن "ما هو" و "لمَ هو"، وأخيراً فإنّ أجزاءه وأعراضه الذاتية يستقصيها أرسطو بأقصى جهد، وكل الأشياء…
" وبما أن مادة البرهان تُفترض تحت صورة القياس، يحدث أيضاً أنها تُفترض تحت بعض الفصول المتقابلة، ولذلك فإن تقسيم كل هذه الأنواع –التي انقسم إليها البرهان العام حتى الآن– يمكن أن يصير أيضاً إلى أقسام أخرى كثيرة جداً، فإما أن تكون موجبة أو سالبة، وسواء كانت براهين من العلة أو من المعلول، وسواء كانت كلية أو جزئية، ومستقيمة وبراهين تُساق إلى المحال، أو في أي شكل من الأشكال الثلاثة التي علمها أرسطو في كتاب "القياس"، وهذا هو ربما عدد الأنواع التي يمكن أن يصير إليها تقسيم البرهان، والتي ذكرها أرسطو جميعها في مواضع مختلفة من هذا الكتاب.

... ومن هذه المواضع أيضاً يعرف أولئك الذين يشكون فيما إذا كانت بعض هذه تستحق اسم البرهان، أنها براهين وتسمى عند أرسطو باسم البرهان، لكن ليس "بإطلاق" (absolute)، بما أن اسماً من هذا القبيل هو تسمية للجنس، بل مع شركة لشيء ما يعبر عن النوع.

فلما كانت إذن أنواع البرهان بهذه الكثرة، فإن أرسطو الذي سيعالج في هذا الكتاب البرهان أولًا وبالقصد مُجبر على تعليم كل أنواع البرهان بحيث لا يغفل عن أي نوع منه، ولا يترك طبيعته غير مبيَّنة تماماً، بل لا يترك شيئاً مما ينتمي إلى المعرفة التامة من كل وجه لكل واحدة منها، فلا بد من الاعتراف بوجه آخر أن أرسطو الذي علّم بدقة وعناية أنواع القياس بالنظر إلى الصورة، وهو الذي في كل مكان اعتاد أن يعالج الأشياء بنظر ونظام عجيبين، قد كان في هذا الكتاب مختلفاً عن نفسه.

ومع هذا نقول إن أرسطو علّم كل نوع من أنواع البرهان بملء الاستقصاء، ولكن نلاحظ وسيلة خاصة كانت مجهولة للمفسرين: بوليكليتوس (Polycletus)، الذي يُحتفى به منذ القِدَم كالأعظم في فن النحت، لكي يدعم تلاميذه ويجعلهم متعلمين، كان يدرّسهم بطريق ما وجيز وسهل، فصنع تمثالاً يحتوي على كل أجزائه بجمال وبهاء عظيمين، ومتناسبين بِلُطْفٍ كبير فيما بينهم، بحيث لا يمكن أن يُطلب فيه أي شيء ينتمي إلى الكمال التام للجمال؛ فسمى هذا النحت الممتاز باسم "القاعدة" (Regulam)، لكي تكون تلك هي القاعدة والمعيار التي بها يمكن الحصول على المعرفة القصوى لكل التماثيل بأقصى سهولة؛ فكان يعرض هذا لهم، لكي يدركوا بالنظر فيه أجزاء وخطوط وتناسبات وعيوب كل البقية.

وبفن مماثل استخدمه أرسطو في هذا الكتاب، إذ هو مزمع أن يُعلم القواعد والخواص لجميع البراهين، أخذ [أرسطو] على عاتقه التصريح بذلك الواحد فقط [البرهان المطلق (simpliciter)]، الذي فيه يُرى كل الأجزاء الأكثر شرفاً، والأفضل، والتي هي حقاً تلك التي تكون "لِم" (propter quid)، ومن العلة التي هي الصورية، والكلية، والموجبة، والمستقيمة، وفي الشكل الأول؛ ففي معرفة هذا النوع لا يقدّم معرفة أخرى غير معرفة جميع [البراهين] الأخرى، كما لو كان قد عالج كل واحدة على حدة، بما أنه يقوم في البراهين بذلك الدور الذي كان يقوم به بين التماثيل تمثال بوليكليتوس.

فإذا نظرنا في هذه، فإنه من الضروري أن يظهر منها ما هو خاص في ذلك النوع نفسه، وما هو مشترك بينها وبين جميع البراهين الأخرى، كما سيظهر قليلاً بعد ذلك؛ وبوضوح يمكن أن تُعرف "سعة البرهان" (latitudo demonstrationis) الكلية التي تمتد إلى هذا الحد بحيث لا تخرج عن "الضروري"، وسنعرف الأجزاء والأعراض الخاصة بالبراهين الأخرى التي تكون أقل كمالاً من البرهان المطلق، وما يمكن أن يكون فيها ضرورياً، كما هو الأمر في التي من العلة المادية، والغائية، والفاعلة، وكما هو في السالبة، والجزئية، والبقية التي عددتُها أعلاه في أنواع البرهان، وسنعرف بالمثل من هذا "الضروري" نفسه أيها يكون، والذي لا يدخل في البرهان بأي وجه ولا يكون له فيه موضع؛ فإن لهذه الأنواع [أمور] كثيرة جداً التي هي بالعرض (الأعراض غير الذاتية)، والتي هي فاسدة، والتي هي محسوسة، وتلك التي تصدر عن الاتفاق (Fortuna)، وأخيراً الانتقال من جنس إلى جنس.

لكي أرجع أخيراً إلى حيث انصرفتُ، إن أرسطو يعلِّم البرهان، ولكن ليس ذلك [النوع الأفضل من البرهان] فقط، الذي يظن الكثيرون أنه يُسمى "المطلق"، بل [البرهان] العام، والذي يشتمل على كل أنواعه، ولا يعلمه، كما يظن كثيرون آخرون، لأنه مع البرهان المطلق يتحدث في الوقت نفسه عن برهان "إن" (quia) مستقصياً طبيعته وخواصه، بل لأن معرفة ذلك النوع، الذي هو [البرهان] المطلق، تكون كأنها تلك المرآة التي فيها تُرى بوضوح شديد كل [البراهين] الأخرى.

في الحاصل إذن أقول: إن موضوع الكتاب الحاضر هو البرهان العام، ولكن أرسطو يعالجه بتعليم البرهان المطلق وحده، بما أن هذا هو الذي فيه، كما في مرآة ما، تُرى طبيعة كل [البراهين] الأخرى، وكل هذه [الأشياء] في سياق الكلام، إذا قرأوا المواضع الخاصة والملاحظات الأخرى، فستبدو لهم دائماً أكثر وضوحاً. "

جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)
"وقبل كلِّ شيء، ينبغي أن نقرر ما لم ينكره أحدٌ البتة، وهو أنَّ البرهان لا يُقال له جنسٌ على الحقيقة، ولا له أنواعٌ على الحقيقة، لأنَّه ليس معنًى مشتركًا متواطئًا تشارك فيه أنواعٌ متعددةٌ بالسوية، بل هو من جملة ما يقال بـ«التشكيك»، وما اعتاد فلاسفتنا تسميته «متماثلًا» بتسميةٍ غير دقيقةٍ بما يكفي.

(...)

ولذا فإنَّ أرسطو حينما طرح في مقدمة مقالات التحليلات جميعها أنَّه سيتكلم عن البرهان، عنى البرهان الأولي (البرهان المطلق)، وشرع يتكلم عنه في «التحليلات الثانية»، لا عن الجنس المشترك لجميع البراهين، لأنَّ هذا [الأولي] يفتقر لشروطٍ كثيرةٍ لبنائه، وقد بحثها أرسطو جميعها بأقصى دقَّة، أما براهين الدرجة الثانية الأخرى فليس لها أيُّ شرطٍ خاصٍّ بها تُسمَّى به براهين، بل من حيث مشاركتها في بعض شروط البرهان الأولي، من تلك الجهة تسمَّى براهين بالمشاركة، وأما من جهة خلوِّها من بعض شروطه، فمن تلك الجهة يقال لها براهين من الدرجة الثانية، ومع إضافة، لا براهين مطلقة، وعليه، فإن كان لها شرطٌ ما تسمَّى به براهين، فهي تملكه بالمشاركة، وليس لها [شرط] خاصٌّ إلَّا انتفاء شرطٍ ما.

ومن هنا يُؤخَذُ السبب في كون أرسطو لم يُعلِّم إلَّا شروط البرهان الأوليِّ وحسب؛ لأنَّ هذه تخدم جميع البراهين، إذ لو حضرت جميعها مجتمعةً لَقَوَّمَت البرهان الأشرف، أما لو لم تحضر جميعها بل بعضها، لَقَوَّمَت برهانًا آخر من الدرجة الثانية، فجميع الشروط إذن تُعطَى لأجل البرهان الأكمل، ويلزم بعد ذلك أن يفضي ذلك التعليم لبناء البراهين الأخرى الأخسِّ أيضًا، كما لو أراد أحدٌ تعليم صناعة البناء، فإنَّه سيعلِّم قطعًا بناء البيت الأشرف، لا غيره، إذ كلُّ من عرف كيف يبني بيتًا في غاية الكمال ومستوفيًا لجميع الأوصاف، كان قادرًا أيضًا على بناء بيتٍ ناقص، بل أقدر، كلما قلَّت الشروط المطلوبة فيه عن البيت الأكمل".

يعقوب زاباريلا.
‏مبارك عليكم الشهر الكريم، وكل عام وأنتم بخير.
ثمّة أمرٌ ألاحظه فيّ ألوح به إليكم من أخوتي الطّلبة الّذين في أوّل الطّلب، حاصله أنّ كثيرًا من الطلبة يشكو من قلة الفهم وصعوبته، وأنّ المطالب له غير واضحة أو تامّةِ التّماسك في ذهنك، وأنا لستُ بمعزلٍ عن هذا بحسب طبع التّعلم الإنسانيّ في التّرقّي، فكنت في الطّبيعيّات أو المنطق من كُتُبِ البرهان تستغلقُ العبارة عليّ فلا أفهمها أو أفهمها تصوّرًا ولكن لا أدرك مبدأ تصديقها وأعجبُ حينها أنْ لِمَ لا أدركُ ذلك؟!

فتملّ نفسي من ذلك وتكفأُ عن الطّلب يومًا أو يومين أو قد تكون أكثر أو ساعاتٍ أحيانًا، فإذا عدتُ وجدتني أفهمه كلًّا، ولا أدري! لعلّ المطالب حين ترتسمُ يُحوَجُ الذّهن إلى قدر من الزّمن يرصفها على لائقها، فإنّه في أوّل تلقّيه له يُربَكُ في نفسِ فَهْمِها فكيف بها مرتصفةً؟!

فإذا تمّ فهم مفردات المقاصد الكليّة وجئتُ لأركّبها كليّةً على وِفْقِ ما يروم الماتن أو الشّارح كنتُ عاجزًا، حتّى إذا أمهلتُ نفسي وقتًا أرحتُ فيه ذهني وعدتُ لأدرس أو أقرأ عجبتُ من أمري، أن كيف أُزيلَ ستارُ الإبهام كلّه، وكيف انجلت لُثُم الإرباك والتّحير كلّها!

ولهذا أشركُ ما هو جليٌّ يخفى على بعض أخوتي ويسألونني عنه: أنّ من عسرت عليه العبارة أو مطلب الشّارح شرحًا صوتيًا أو مسطورًا فليُرْوِد نفسه قليلًا، أو ليقم لمأكلٍ أو مشربٍ أو بعض متنفّسٍ عن هذه العسرة المضجرة، ولا بأس إن لم يفهمها ويَرُمْ مقصده في يوم دراسته، فلعلّه يعود بعد يومٍ، يومَين، ثلاثة، يعيدُ المطلبَ من رأسٍ فيفهمه كلّه.
مولانا هل شرح يحيى النحوي كانت مترجمة على عهد الشيخ؟
.

نعم، كانت مترجمة، والدليل ما تجده مثلًا في كتب الشيخ من نقاشٍ لأقواله، والاتفاق مع كثير منها، كما هو الحال في طبيعيات الشفاء، أو مخالفته في بعض ما ذهب إليه، كما هو الحال في برهان الشفاء.

revospring.net/@ItC0ding/a/116109355651711485
قاعدة المقول على الكلِّ وقاعدة المسلوب عن الكلِّ هما الجذور الطبيعية لجميع الأقيسة المنتجة
.
"لمَّا كان أرسطو قد صمَّم على استنباط جميع الأقيسة المصنوعة بالصناعة من الأقيسة الطبيعية، فقد وضع في الفصل الأول من المقالة الأولى من «التحليلات الأولى» قاعدة «المقول على الكل» وقاعدة «المسلوب عن الكل»، بما هما أصلان طبيعيان وجذران لجميع الأقيسة الصناعية التي سيبحثها في ذلك الكتاب، ولذا أصاب ابن رشد في «التلخيص» (الفصل 1) حين قال: «المقول على الكلِّ هو الأصل والمبدأ لكلِّ قياس منتج»، فحقًّا تنبع جميع الأقيسة الموجبة من هذه القاعدة، كما تنبع الأقيسة السالبة من «المسلوب عن الكل»، كأنَّهما نبعان قريبان وبدهيان، يستقي منهما الأقيسة حتى بسطاء العقول الذين لا حظَّ لهم من صناعة المنطق".
#منهجيات_في_التعليم

اعلم أخي الطالب للعلوم، والساعي، لتحقيق المنطوق منها والمفهوم أنه ينبغي عليك في تحصيلك للعلم أن تكون رجلًا ولا تكن عالَةً على الناس تنتظر من يُطعمك ويَسقيك!

فينبغي عليك أن تنطلق بنفسك بعد فهم بعض الكتب عن المدرّسين -الذين كثير منهم ليس من أهل الفن- وتذهبَ للكتب الأصول وتجيل فيها الخاطر والناظر، وتجتني منها الزاكي والناضر.

وأما أن تقول عن كل كتاب:
من سيشرحه لي؟ هل تعرف من سجّل عليه شرحًا؟ فعيبٌ بإنسانيتك لو كنت تعقل.

وأشد فضيحةً وأنكى فظيعةً أن تدرس كتابًا للمبتدئين سبعين مرةً كلَّ مرةٍ على شيخ جديد

وكلَّ مرةٍ تُقنع نفسك وتقول: هذا الشيخ يختلف عن غيره ويأتي بالدقائق.

فيصير عقلك منديلًا تداولته العقول، ولم ينضج بعد ولم يقم بنفسه بين الفحول!

باختصار يا أخي: كن رجلًا في العلم.
مولانا بالنسبة لآخر رسالة أعدتم مشاركتها في التيليجرام في رأيكم ما هو المستوى أو الكتاب الذي بعده يصير طالب علوم المعقول قادرًا على الطلب بنفسه والاستغناء عن معلم يشرح له؟
.
مثلًا: المنطق عندنا -ونحن من أهل المشرق- فله سنّة جارية ومسلكٌ مطروق: أن تختم الدراسة على يد شيخ وأستاذ بكتاب برهان الشفاء، فهو كالقفل للباب، وخاتمة الحساب، فإذا فرغ الطالب منه ووعاه، انطلق بعد ذلك يطالع ما اتّسع له الوقت من كتب الفنّ؛ فيعرض ما شاء في مختصراته ومطوّلاته، ويقلب النظر في عموم المنطق -وخاصة صناعة البرهان عند المعلِّم الأول وشروحه- حيث شاء وكيف شاء.

revospring.net/@ItC0ding/a/116161987304654898
كلام الشيخ جهاد مهم جدا في بيان أهمية صناعة البرهان التي تركها كثير من المدارس لا سيما السنية


ولكن هل لا بد من دراسته على شيخ؟ نعم قد يكون لا بد من ذلك لعسر كلام الشيخ ابن سينا في الشفاء فتحتاج للتعود عليه.

ولكن هذا يوهم خلافَ ما رميتُ إليه ويوهم التزام البحث عن دروس على المشايخ حتى دراسة كتب المتقدمين. نعم لا مانع من الاستعانة بتلك الدروس ولكن ما رميتُ إليه قطعُ الوهم القائل: لا تقرأ إلا مع شيخ.

وهذا الذي ضيّع كثيرًا من الناس ولو تأملت حال كثير من المحققين ستجدهم ينقلون عن كتب في المنطق وغيره يستبعد الرجل قراءتها جميعًا على شيخ!

بل هي اجتهاد شخصي وبه يتميز الرجل المُجِدُّ عن غيره.

وبعض الناس يتعصّب لفكرة التتلمذ ويزعم أنك لن تفهم أبدًا أو ستهم إلا لو كنتَ في كنف شيخ.
وما علم المسكينُ أن كثيرًا من الكتب العُمَد في الفنون انقطع تدريسها عن غالب البلاد ولن يجد من يشرحها له فهل سيتركها؟

وهذا رجل التزم ما لم يلزم فشدد على نفسه فحقيق أن يشدد الله عليه ولا عجب لو انقطع عن العلم.


الخلاصة: الذي أريده أن كثيرًا من الشيوخ هم كالجامعات الحالية تفيدك بمعرفة أسماء الكتب وترتيبها وربما يُقَوُّون عزمَك ويزيلون خوفك من بعض الكتب بسبب قراءتهم لها معك.

وأما الشيخ الذي تلتزمه لما حواه من تدقيق
وذكاء فأندر من الكبريت الأحمر.

بل أزيد على هذا وأقول:
كثير من الفنون تستطيع دراسته بنفسك بلا شيخ وما عليك سوى مطالعة الشروح والحواشي لتجتنب الأوهام.

ومَن جاهد وجرَّب عرف وأيقن، ومَن أحال عجزه وكسلَه على عدم وجود الشيخ ضيَّع نفسه وعقله.
"وإذ كان الأمر كذلك، وكانت علل هذه البراهين عرضية، فإنَّها لا تعطي العلم اليقيني الحقيقي الذي يُطْلَب بالبرهان (أي: العلم الحاصل بالعلَّة الذاتية)، وما لا يعطي العلم الذي هو غاية البرهان فليس ببرهان! فهذه الأقيسة التي تعطي عللًا عرضية ووجودًا عرضيًّا، والتي يعتبرونها براهين، ليست براهين على الحقيقة، بل لا تعدو أكثر من "أقيسة صادقة"، لا أقيسة بالذَّات.

وأقصد بقولي "لا أقيسة بالذَّات" أنَّها ليست بالذات على المعنى الدقيق للكلي، فإن قولنا "بالذات" يقال على وجهين: وجهٌ أعم، ووجهٌ دقيق، فالوجه الأعم هو الضربان المذكوران لـ "بالذات" في كتاب البرهان، أما بالوجه الدقيق، فيقال على المحمولات الذاتية "المساوية" للموضوع (التي تُحْمَل عليه في نفسه)، وهذا ما يسميه أرسطو بـ "المحمول الأولي"، والذي يشترطه في الحمل الكلي، وهو شرط في مقدمة البرهان كما سنبحث لاحقًا في حدِّه، ولكن لما خفي على هؤلاء الرجال [الفارابي وابن سينا] ما قرره أرسطو من شرائط البرهان -ومنها الحمل الكلي- خفي عليهم أمر البرهان المطلق".
نصيحة في زيادة جودة التعقل

" فإذا تمكن العقل من أن يُوجد نفسه
الوجود المناسب لهذا النوع من الفاعلية - أقصد وجود العقل بحالة مناسبة لعدم التأثر قط بالخيالات، وربما الاستغناء عنها أصلًا – فإنه سوف يُدرك صورة الشيء المفارق في نفس لحظة حدوث ذلك له. في الواقع، نجد أن الأشخاص الذين يتقنون هذا الأمر يملكون عقلا أكثر كمالًا. وهذه القدرة تنشأ في الإنسان بتعاطيه المتواصل للعلوم النظرية، وبانتقاله بالنظر من علم إلى علم آخر، لذلك نجد كثيرًا من المبتدئين في علوم النظر يصعب عليهم تصور وجود المادة، فما بالك بتصور الأمور المفارقة."

ابن رشد | رسالة:هل يمكن للإنسان أن يعقل المفارقات بآخرة
نصيحة في فهم الحكمة المشائية

"Indeed, piecemeal interpretation, often taking the form of a near obsessive focus on a few texts, is precisely what I want to challenge. To see Aristotle right, we need—daunting as the prospect may be—to see him whole."

-substantial knowledge-
في اعتراف المحدثين بصعوبة المقالة السابعة أو مقالة الزاي

"Having had at least ten different opinions on virtually every sentence I am not naive enough to suppose that the views I express here will be my final ideas of vii and viii."
(M.loux,1990, xi)
---------------------------

"The central books of the Metaphysics have been regarded as the most mature and fundamental texts, but they are notoriously difficult. Indeed, almost everything said in these books is open to various interpretations and debates, and the scholarship on these books is marked by numerous controversies and debates."

-The structure of being in Aristotle's metaphysics-
--------------------------

"The difficulty is not just in the words, but in the effort of thought required to follow Aristotle as he pushes the concept of 'substance' to its very breaking point."
-Aristotle: The Desire to Understand-
-----------------------

"Even after decades of intense scrutiny by the best minds in the field, Book Z remains a puzzle, with its central question—'What is substance?'—receiving an answer that is as elusive as it is profound."
-"Aristotle's Metaphysics" Stanford Encyclopedia of Philosophy-
---------------------------

"Aristotle's language in Book Z is not 'technical' in our sense, but deeply strange; he uses ordinary words in ways that force us to rethink the very fabric of reality, which is why it feels so impenetrable"

-Aristotle's Metaphysics (Translation and Commentary by Joe Sach)-