مُسْكَة | جهاد الخُزاعي
2.14K subscribers
84 photos
15 videos
35 files
57 links
شذرُ المعقول ومذرُه...
وقلمُ الرصاص وخربشتُه
Download Telegram
ما هو تعريف الزمن، وهل هو وجودي، وهل الزمان متغير أم ثابت؟
.
الزمان هو كمّ الحركة، أي: المقدار الذي تكال به الحركة من حيث الامتداد والتقدّم والتأخّر، لا من حيث ماهيتها الخاصة، وأشهر ما يُتّخذ معيارًا له هو الحركة الدورية المتّصلة (كالحركة الفلكية عند القدماء) لأنها أوضح أفراد الحركة في الاتصال والاطراد، فتصير بمنزلة المقياس الذي تُقدَّر به سائر الحركات.

وعلى هذا الاعتبار يقال: زمان الشيء هو جزء من مقدار تلك الحركة المعيارية، بحيث تنسب إليه حركة ذلك الشيء من جهة قبل وبعد، فيعرف مقدار ما وقع منه من انتقال أو لبث، ومن ثمّ فالحركات التي تعرض للأجسام قد تكون متقطّعة بالاعتبار (لانفصال أجزاء المسافة، أو لتعاقب السكون والحركة في الحسّ)، إلَّا أنّ تقديرها لا يستقيم إلَّا بمرجع متّصل يجعل ميزانًا، فالزمان ليس عين الحركة ولا صورةً لها، بل مقدار لها من حيث هي حركة، وبه يقاس الامتداد الزماني لما يُدرَك في العالم الطبيعي من تغيّر، سواء ظهر لنا متصلًا أو تخلّلته سكتات وانقطاعات بحسب العوارض.

وأمّا من جهة الوجود: فالزمان من جملة الأعراض لا الجواهر، ووجوده وجودٌ رابط قائمٌ بغيره، لا قيامَ استقلال، فهو موجود بوجود موضوعه وبقدر تحقّق الحركة في ذلك الموضوع، إذ العرض لا يتحقّق إلَّا بتحقّق معروضه، ولا يعقل أن يكون له كون منفرد عن المحلّ، وبعبارة أوضح: ثبوته ثبوت بالغير، لا ثبوت بالنفس، وهو تابع في أصل تحقّقه واعتباره لما به قوامه من الحركة والمتغيّر.

وأمّا كونه متغيّرًا أو ثابتًا: فحكمه تابع لحكم موضوعه الذي يقوم به، فإن فرضنا موضوعًا يمتنع عليه التغيّر امتنع أن يفرض له زمان بالفعل؛ لأنَّ الزمان إنما يعقل مع التغيّر والحركة، وإن كان الموضوع قابلًا للتغيّر جاز أن يُنسب إليه زمانٌ من حيث وقوع الحركة فيه، ويقع البحث حينئذٍ: هل الزمان أمر واحد ممتدّ بالاعتبار مع تجدد أجزائه، أو هو متجدد بتجدد الحركة التي يقاس بها؟ وهذه تفاصيلها تطلب في مباحث الطبيعيات (الحكمة الثانية) عند الكلام على مبادئ الأجسام والحركة وما يتفرّع عنها، وقد بسط الميرداماد الكلام في ذلك في رسالته الصراط المستقيم على وجهٍ أوسع، فراجعها.

revospring.net/@ItC0ding/a/116024403258970532
تعريف العرضي الخاص على الدقة هو الذي أخذ موضوعه في حده؟ صحيح؟
.
ليس على الإطلاق، لأنَّ إدخال شيءٍ في الحدّ قد يقع تبعًا وبالواسطة، فلا يثبت به الاختصاص ولا كونه عرضًا لذلك الموضوع بعينه، وإنما الضابط الدقيق: أن يكون الموضوع مأخوذًا في حدّ المحمول بنحوٍ أوّليّ (أي بالذات وبالأول)، بحيث يتوقف تصور ذلك المحمول على تصور ذلك الموضوع نفسه، لا على أمرٍ أعمّ منه دخل معه اتفاقًا أو لكونه من لواحق جنس الموضوع.

وبيانه: قد يدخل جنس الموضوع (أو ما يصدق على الموضوع بالأعم) في حدّ المحمول، لكن دخوله حينئذٍ ليس على جهة الأولية بالنسبة إلى ذلك الموضوع الخاص، بل لكون المحمول من عوارض ذلك الجنس أو من لوازمه العامة، فيندرج الموضوع تحت الحكم باندراجه تحت جنسه، فحين نقول مثلًا: المساواة لشيءٍ من الكمّ أو الشكل، قد يكون الشكل داخلًا في حد محمولٍ ما، غير أن دخوله إنما هو لأنَّ الموضوع (كالمثلث) نوعٌ من الشكل، فدخل الشكل تبعًا لدخول المثلث، لا لأنه هو الموضوع الأول لذلك المحمول.

ومثال ذلك، قولنا: زوايا المثلث تساوي قائمتين، فالموضوع الأول لهذا المحمول هو المثلث لا الشكل بإطلاقه، نعم، المثلث شكلٌ، فيصح أن يقال إن الشكل داخل في الموضوع، لكن لا على نحوٍ أوّليّ، بل بالواسطة، أي: دخل الشكل لأنَّ المثلث فردٌ تحته، لا لأنَّ المحمول عارضٌ خاصّ للشكل من حيث هو شكل، فلو جعلنا الشكل هو الموضوع بالاستقلال لزم أن يصدق الحكم على كل شكل، وهو باطل، فدلّ ذلك على أن دخول الجنس هنا ليس دخولًا مُقوِّمًا للاختصاص، ولا يكفي للحكم بأن المحمول عرضيٌّ خاص لذلك الجنس، وإنما هو لازمٌ (أو عارض) للمثلث بالذات وبالأول، وللشكل بالذات وبالثاني (أي بالواسطة).

revospring.net/@ItC0ding/a/116029850336305222
جاءني سؤال من صديق لي حول مقالة شيخنا جهاد، حاصله:

قال جهاد: "إدخال شيءٍ في الحدّ قد يقع تبعًا وبالواسطة، فلا يثبت به الاختصاص ولا كونه عرضًا لذلك الموضوع بعينه، وإنما الضابط الدقيق: أن يكون الموضوع مأخوذًا في حدّ المحمول بنحوٍ أوّليّ (أي بالذات وبالأول)، بحيث يتوقف تصور ذلك المحمول على تصور ذلك الموضوع نفسه، لا على أمرٍ أعمّ منه دخل معه اتفاقًا أو لكونه من لواحق جنس الموضوع".

وقال ابن رشدٍ: "بل قد نشعر بكون العرض ذاتيًّا من قِبَلِ انحصاره في طبيعة الموضوع، وذلك إمّا في الموضوع نفسه وإمّا في جنسه الذّاتيّ".

أفلا يظهر لك تعارضٌ بينهما؟ التعارض الذي يظهر لي خلاصته أن الأول يقول العارض لأمر أعم من الموضوع (جنس الموضوع) لا يكون ذاتياً للموضوع بعينه.
الثاني يقول -وكلامه مبهم قليلًا عندي- أن العارض لأمر أعم (جنس الموضوع) نشعر أنه ذاتي له.

فكان الجواب:

الآن جهاد يثبت ها هنا أمورًا:

أولاها: الدّاخل في حدّ الشّيء إمّا دخوله أوّليٌّ أو ثانويٌّ، والأوليُّ ما لا يدخل بوساطة غيره وبتبعيّة، والثّانويّ ما كان بتبعيّة الأوليّ.

وثانيها: الثّانويّ لا يثبتُ به وفيه اختصاص العارض الذّاتيّ بنحو إطلاقيٍّ أي بكلّ جهةٍ من الوجوه، وأيضًا ليس أوّليًّا.

وثالثها: ملاك العارض الذّاتيّ أن يكون المحمول للموضوع بما هو وحْدَهُ موضوعٌ مفروض، لا بجهةٍ أخرى تُفرَضُ فيها، أي شَرْطُهُ أن يكون أوّليًّا، ولجهة أنّه أوّليّ أي عروضُهُ أوّليٌّ يكون للموضوع بما هو عينه ووَحْدَهُ، وإلّا فقد يكون ذاتيًّا لكن لا يكون أوّليًّا وهو بتبعيّة الأوّليّ، وذلك بثبوته لأنواع الموضوع أو أصنافه أو مصاديقه الشّخصيّة.

ورابعها: والغرض عند جهاد لمّا كان اكتساب حقيقة العارض الذّاتيّ بجهتَينِ: حدّه وهليّته، اللّتان تفيدان بعد ذلك جهةً ثالثة: لمّيّته، كان شرطُ الأوّليّة واقعًا، لأنّ العلل تُؤخذُ في حقيقة المعلول، والأجزاء كذلك. فلذلك تراه يقول: يتوقّف تصوّر ذلك المحمول على تصور ذلك الموضوع نفسِه، لا أمرٍ أعمَّ منه دخل معه اتّفاقًا ولا لكونه من لواحق جنسِ الموضوع.

وأقول: وابن رشدٍ يتّفق مع كلّ الّذي سبقَ بالحرف، تجده في تلخيص برهان أرسطو إن شاء الله، وفي هذا النّصّ المنقول يقعُ قولُ ابنِ رشدٍ مصداقًا لقول جهاد، بيانُهُ أن يُقال:
مؤيّد | نَثْرُ متألِّهٍ
جاءني سؤال من صديق لي حول مقالة شيخنا جهاد، حاصله: قال جهاد: "إدخال شيءٍ في الحدّ قد يقع تبعًا وبالواسطة، فلا يثبت به الاختصاص ولا كونه عرضًا لذلك الموضوع بعينه، وإنما الضابط الدقيق: أن يكون الموضوع مأخوذًا في حدّ المحمول بنحوٍ أوّليّ (أي بالذات وبالأول)،…
قال ابنُ رشدٍ: "قد نشعر بكون العرض ذاتيًّا من من قِبَلِ انحصاره في طبيعة الموضوع".

تنبيهٌ: اعلم أنّ طبيعة الموضوع لا تخلو إمّا أن تكون جنسًا مقولًا على أنواعٍ، أو أن يكون نوعًا مقولًا على أصنافٍ، أو أن يكون عارضًا لأحدهما.

وقال ابن رشد: "وذلك إمّا في الموضوع نفسِه، وإمّا في جنسه الذّاتيّ، أعني أن نشعرَ بانحصار العرضِ ومقابله في جنس الموضوع القريب، أعني الّذي ينقسم بذلك العارض ومقابله".

تنبيهات:

أولاها: كلام جهاد في مقام الإثبات والثّبوت من جهة حقيقة الشّيء بما هي عليه في نفسها، أي إنّها نتصوّرها تصوّرًا تامًّا وِفْقَ الشّيء بحسب ما هو في حدّ نفسه.

وثانيها: كلام ابن رشدٍ في مقام الإثبات الملازم لمقام الثّبوت دون علمنا التّامّ بمقام الثّبوت بحسب ما هو عليه في نفسه تفصيلًا، أن نكتسب فيه حدّ العارض الذّاتيّ، ولذلك تراه يقول: "نشعر بكون العرض ذاتيًّا مِنْ قِبَلِ انحصاره في طبيعة الموضوع".

إذن فالكلام في السّبيل اللّزوميّ المطلق في مقام الإثبات لاكتشاف لزوم المحمول لموضوعه، بل القرينة على ذلك أنّ ابنَ رشدٍ يقول: "إلّا ابنُ سينا، فإنّه أنكرَ برهان الوجود وزعم أنّه غير صحيحٍ".

فالكلام في برهان الوجود، وبراهين الوجود إنّيّة، لأنّها انتقالٌ من المعلول وأحوال ثبوته للعلّة، والبراهين ثلاثة على ما سيأتي معك:

برهانُ سببٍ، وبرهانُ وجودٍ، وبرهانُ مؤتلفٌ من البرهانَينِ معًا.

وثالثها: وبراهين الوجود كلّها إنّيّة، وذلك أنّ الإنّ ما كان حدّه الأوسط يفيد وجود المحمول لموضوعه بلا كونه مفيدًا سببَه، وإذ قد تبيّن لك ذلك كان لا جرمَ بين انفكاك الجهة بين كلام جهادٍ وابنِ رشدٍ، لأنّ كلام جهاد هو في البراهين المشتملة على الأسباب، سواءٌ كانت مطلقةً أو لمّيّةً، وكلام ابنِ رشدٍ في البراهين الّتي حدودها الوُسطى ليسَتْ بأسبابٍ ولا أُخذِتْ من جهة ما هي سببٌ مفيدٌ حدّه، بل في الإنّ وحسب؛ إذ قصاراها إثبات أنّها محمولاتُ لازمة، وأمّا أنّ موضوعاتها تُؤخذُ في حدود محمولاتها فقد تفيد ذلك وقد لا تفيد ذلك، فأمّا جهة إفادة ذلك فلِقِبَلِ أنّ المحمول قد يكون عارضًا ذاتيًّا للموضوع، والموضوع يُؤخذُ في حدّه، وأمّا جهة عدم ذلك فلجهةِ أنّ موضوع القضيّة قد يكون معلولًا لعلّة المحمول، فيكونانِ مقترنانِ بالعلّة بينهما، وأنتَ أخذت المحمول للموضوع وليس الموضوع بمأخوذٍ في حدّ المحمول! فكيف يكون عارضًا ذاتيًّا له أصلًا؟!

ولهذا فالتّجربة في أمثال هذه البراهين الإنّيّة لا تفيدُ أبدًا إفادة تصوّر الشّيء، بل قصاراها اللّزوم في الوجود، فإذا أنت حلّلتها وجرّدتها عن موادّها وعوارضها كلّها ما سوى العلّة كنتَ منسحبَ المآلِ لما قاله جهاد، وهو أخذ براهين الأسباب الّتي تفيدُ أجزاءَ الشّيء لتؤلّفها بعد ذلك حدًّا للعارض الذّاتيّ.

فالحاصل أنّ كلام ابن رشد في مطلق إفادة اليقين بالمعنى الأخصّ، وكلام جهاد في خصوصٍ موردٍ وقسمٍ من أقسامه وهو إفادة اليقين بالمعنى الأخصّ تامّ التّفصيل بمحمول القضيّة، وهو العارض الذّاتيّ، وذلك باكتناهِ حقيقته وماهيّته الّتي تمثّل جوابَ ما هو الشّيء في حدّ نفسه؟

وأمّا رابعها فبقيَ أن يُقالَ: انحصار العارض الذّاتيّ بموضوعٍ إمّا أنْ يكون في الجنسِ أو نوعِه، وانحصارهُ في الجنسِ إمّا أن يكون من قِبَلِ ما هو جنسٌ أو من قِبَلِ في الجنسِ وهو الأخصّ منه أو الأعمّ، والكلام في هذا الجنس كالكلام في الجنس الأعمّ، ولذلك نقول: إمّا أن يقع الانحصار في الجنسِ لِقِبَلِ ما هو جنسٌ ما أو لجهةِ ما طوى عليه الجنس وهو نوعه.
مؤيّد | نَثْرُ متألِّهٍ
قال ابنُ رشدٍ: "قد نشعر بكون العرض ذاتيًّا من من قِبَلِ انحصاره في طبيعة الموضوع". تنبيهٌ: اعلم أنّ طبيعة الموضوع لا تخلو إمّا أن تكون جنسًا مقولًا على أنواعٍ، أو أن يكون نوعًا مقولًا على أصنافٍ، أو أن يكون عارضًا لأحدهما. وقال ابن رشد: "وذلك إمّا في الموضوع…
فأمّا انحصار العارض الذّاتيّ في الجنس فظاهرٌ ما قيل في شأنه أنّ الاتّفاقيّ لا يدوم ولا يكثر.
وأمّا انحصاره في الجنسِ لجهةِ ما هو جنسٌ فالقول فيه كالقول في انحصاره في النّوع، إذ كان لا يشذّ فردٌ من الجنس كما الحالُ في النّوع، وأمّا انحصاره في الجنسِ لِقَبَلِ النّوع فعلى جهتين من اعتبارك وفعل الذّهن:

إمّا أن ينحصرَ في الجنسِ لِقِبَلِ انحصاره في نوعه، فهذا بيّنٌ على ما سلف، أو أن ينحصِرَ في الجنسِ بفعلٍ من الذّهن يفصل فيه الجنس بمنفصلةٍ حاصلها: إمّا أن يكون الجنسُ صادقًا في العارض الذّاتيّ وحده أو غيره، فإذا كان يصدق في العارض الذّاتيّ وحده فلِقِبَلِ نوعٍ ما مخصوصٍ للجنس، فعاد الكلام لموضوعٍ يطوي عليه الجنس، إذ لا يكون ثابتًا لأخصّ إلّا بمرجّحٍ لِقِبَلِه كان الاختصاص على جهة الدّوام أو الكثرة، فهذا ما فيه الشّعور بذاتيّة المحمول على جهةٍ تفيدُ اليقين الدّائم بلا اكتساب حدّه، وهو برهان الوجود، الّذي يفيدُ وجودَ المحمولِ للموضوع وجودًا مركّبًا، ويُسمّى هليةً مركّبةً.
لِم نجد في بداية الطبيعيات الحكماء يتطرقون إلى الإلهيات؟
.
قد يفتتح النظر في الطبيعيات بإشاراتٍ إلى الإلهيات لا على جهة الخلط بين العلمين، بل لأنَّ موضوع الطبيعيات -وهو الموجود الطبيعي من حيث له مبدأ حركةٍ وسكونٍ من ذاته- إذا فُتّش عن عِلَله ومبادئه على الوجه البرهاني قاد إلى مبادئ أعمّ من خصوص الجسم الطبيعي، فإنَّ البحث الطبيعي لا يقف عند وصف الظواهر، بل ينظر في العلل الأربع: المادية، والصورية، والفاعلية، والغاية، فإذا استقصيت العلَّة الفاعلية للحركة والتغيّر، تدرّج الذهن من محرّكٍ إلى محرّك، ومن مُكمِّلٍ إلى مُكمِّل، حتى يُسأل عن مبدأ أول ليس جاريًا عليه ما يجري على المتحركات من انتقالٍ واستكمالٍ وتبدّل، فيُبحث عنه من هذه الجهة لا من جهة كونه جسمًا أو واقعًا تحت الحركة، بل من جهة كونه مبدأ لها (مثاله: تعليل حركة السماويات ينتهي إلى إثبات محرّكٍ أول غير متحرك).

وكذلك قد تعرض في أثناء الطبيعيات مسائل ليست من خواص الموجود الطبيعي، بل هي من الأمور العامة التي هي بمنزلة المبادئ القبلية للبحث: كالكلام في أنحاء الوجود من قوةٍ وفعل، واستعدادٍ وكمال، ووحدةٍ وكثرة، وتقابلٍ وتضاد، وما يتصل بذلك من أحكامٍ كليةٍ يجري كثيرٌ منها مجرى الأمور العامة التي يذكرها أهل الحكمة في صدر الفلسفة الأولى، أو مما يلحق بالمعقولات الثانية المنطقية حين ينظر إلى الحدود والبرهان وشروط المعرفة، فإيراد هذه المعاني في مطالع الطبيعيات إنما هو على جهة الاقتباس والتمهيد، لأنَّ العلم إذا كان برهانيًّا احتاج إلى مقدماتٍ كليةٍ مشتركةٍ بين أبوابه، وقد تكون تلك المقدمات أعمّ من موضوعه الخاص، فتُستمدّ من الحكمة الأولى (الفلسفة الأولى، الإلهيات بالمعنى الأعم) التي موضوعها الموجود بما هو موجود، لا الموجود بما هو متحرك فقط.

وعلى هذا يستقيم قولهم: الطبيعيات هي الحكمة الثانية بالقياس إلى الإلهيات التي هي الحكمة الأولى من حيث الشرف والعموم، لا بمعنى أن الطبيعيات تبحث في جزئيات النبات والحيوان وحسب، بل لأنَّها تبحث في مبادئ الموجود الطبيعي المشتركة وأحكامه الكلية.

revospring.net/@ItC0ding/a/116052839790445233
بعض المحقِّقين محشِّشون 😅
السلام عليكم، بالدقة ما هي السنخية؟ وهل يصح التعبير أنها نوع تماثل أو تشابه بين العلة والمعلول؟
.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، السنخيّة (أو قاعدة السنخيّة) معناها: أنَّ بين العلّة والمعلول مناسبة في الجهة التي بها تصدر العلّةُ أثرَها، بحيث تكون خصوصيّة المعلول راجعةً إلى ما في العلّة من مبدأ يقتضي ذلك الأثر، فلو لم تكن هذه المناسبة، للزم تجويز صدور أيّ شيء عن أيّ شيء من غير رابط، وهو نقضٌ لعلّية العلّة ولانتظام الأسباب والمسبّبات.

وليس المراد بالسنخيّة تماثلًا تامًّا بين العلّة والمعلول، بل المراد اشتراكهما في سنخ أو جهةٍ جامعة: فالمعلول يشارك علّته في ما به الإفاضة والإيجاد، لا أنّه يساويها في الرتبة أو يستقلّ عنها، فالعِلّة الفاعليّة لا تعطي ما لا تملك جهةَ إعطائه: إمّا بالفعل (كالكمال الموجود فيها بالفعل)، أو بالقوّة القريبة المتعيّنة التي تنتهي إلى الفعل، على نحو ما تقرّره مباحث العلّيّة والاقتضاء.

وفي الفواعل الطبيعيّة يتّضح ذلك بأنّ الأثر يتبع الصورة النوعيّة أو الكيفيّة الفاعلة: فالنار تُسخّن لأنّ الحرارة من لوازمها بالذات أو بالقيام بها قيامَ المقتضي، فصدر عنها ما يناسبها سنخًا، وعلى هذا تُفهم عبارة الحكماء المشهورة: فاقد الشيء لا يعطيه، أي: لا يعطيه من حيث هو فاقدٌ لجهة الإعطاء، لا بمعنى اشتراط وجود عين المعلول في العلّة وجودًا شخصيًّا.

وأمّا الفواعل الاختياريّة، فالمصحّح لصدور الفعل عنها ليس مجرّد الطبيعة، بل تعلّق الإرادة بالفعل بعد سبق الإدراك: فالعلم بالمعلول قبل الإيجاد شرطٌ في صدوره اختيارًا، إذ لا إرادة بلا معلوم، وعلى هذا تُحمل السنخيّة هنا على مناسبةٍ بين الفعل المراد وبين ما في الفاعل من علمٍ وإرادةٍ وقدرة.

فالتعبير بأنّ السنخيّة نوع تشابه يصحّ إذا أُريد به التشابه في الجهة والسنخ (أي المناسبة والملاءمة من حيث مبدأ الأثر)، ولا يصحّ إن أُريد به التماثل التامّ في الحقيقة أو المساواة في المرتبة.

revospring.net/@ItC0ding/a/116068512296529490
هل معنى الكون هو الوجود؟ وما معنى الكون الأولي والكون العرضي؟
.
نعم، صحيح من حيث الجملة، لكن لا على المعنى الذي يسبق إلى الأذهان عادةً، إذ كثيرًا ما يتبادر من الوجود معنى الحلول في ظرفٍ متخيل كأنه جهة زائدة يقوم بها الشيء، وهذا معنى متأخر بالقياس إلى أصل المطلوب، والمراد بالكون هنا هو ثبوت الشيء لنفسه وكونه هو هو، أي: ما به يكون الشيء نفسَ ذلك الشيء، لا ما يعرض له من جهاتٍ وظروف كالأين والزمان وسائر الملابسات، وإن كانت تلك الجهات لازمة للشيء بالذات أو بالعرض.

وعليه نفرّق بين الكون الأولي والكون العرضي: فكونك أنت من حيث أنت هو الكون الأولي، لا بمعنى أن شيئًا آخر يكوِّنك، بل بمعنى أنك متحققٌ بنفسك لا بكونٍ زائدٍ عليك، وأما كونك هنا، وكونك الآن، وكونك قارئًا، فهذه أكوانٌ ثوانٍ (عرضية) راجعة إلى الأعراض والاعتبارات، أعني إلى الأين والزمان والهيئات ونحوها، فليس كونُك مساوقًا لكونك هنا، ولا لكونك الآن، ولا لكونك تقرأ، بل الأول أصل والثاني فروع.

[أزيدك فائدة] ومن هذا يظهر أن الفرق بين كون الشيء وكنهه ليس فرقًا حقيقيًّا في نفس الأمر عند هذا التحقيق، بل هو فرق اعتباري تابعٌ للإدراك: تارةً يُلحظ الشيء على جهة الإجمال فيقال كونه أو هوّيته، وتارةً يُلحظ على جهة التفصيل والتحليل فيقال كنهه أو ماهيته، فالمتغاير في الحقيقة هو اللحاظ لا الملحوظ، والتمييز إنما نشأ من طبيعة إدراكنا الانتقالية التي تتحرك من القوة إلى الفعل ومن الإجمال إلى التفصيل.

revospring.net/@ItC0ding/a/116077033203200479
كتاب التحليلات الثانية ينقسم بالدِّقَّة إلى خمسة أجزاء
.
"ومع ذلك، يمكننا وضع قسمةٍ أدقَّ وأكثرَ صناعةً للكتابِ كلِّه إلى خمسةِ أجزاء، اثنان منها في المقالة الأولى، وثلاثةٌ في الثانية:

في الجزء الأول، يترقى أرسطو بالتحليل من مفهومِ الغاية لاكتشافِ شروط مبادئ البرهان، ويمتدُّ هذا الجزء من بداية المقالة الأولى حتى النص 56.

ثم، بعد اكتشاف الشروط، يُعلِّم خواصَّ كثيرةً للبرهان تلزمُ عن تلك الشروط، والفرق بين الخواصِّ والشروطِ أنَّ الشروط تقال بوجهٍ خاصٍّ للفصول الذاتية الضرورية لتقويم الشيء (كما لو قلنا إنَّ الشروط الضرورية لتقويم الإنسان أن يكون جسمًا، وذا نفس، وحساسًا، ومشاركًا في العقل)، أما الخواصُّ فهي أعراضٌ خاصةٌ تلحقُ الشروط، ولذا فإنَّ خواصَّ الشيء الواحد، لا مجتمعةً وحسب بل مأخوذةً كلَّ واحدةٍ بانفراد، تكون مساويةً للشيء ومنعكسةً عليه، أما الشروط فمجتمعةً كلها تكون مساويةً للشيء الذي هي شروطه (إذ تقوِّمُ ماهيتَه وحدَّه المساوي بالضرورة للمحدود)، لكنها مأخوذةً بانفرادٍ لا يمكنُ أن تكون مساوية، بل هي أعمُّ من الشيء نفسه (اللهم إلَّا الفصل الأخير، الذي وحده يمكن أن ينعكس مع الشيء إذ لو كانت الشروط مفردةً مساويةً للشيء، لوُجِدَ للشيء الواحد حدودٌ وماهياتٌ متعددة، وهو ما لا يُقال بحال)، وبما أنَّ الشروط يجب معرفتها قبل الخواصِّ التي تصدر عنها، فقد توجب على أرسطو الكلام أولًا عن الشروط، وهو ما فعله في الجزء الأول، ثم عن الخواص، وخواصُّ البرهان تنقسمُ قسمين: فبعضها يلحق البرهان بما هو برهان (إذ ينظر لمطلب «لِمَ»)، وبعضها يلحقه بما هو حد (إذ يخصُّ المطلب البسيط المسمى «ما هو»)، ففي الجزء الثاني إذن، الممتدِّ من النص 56 حتى نهاية المقالة الأولى، ينظر أرسطو في خواصَّ كثيرةٍ للبرهان تُنسَبُ إليه بما هو برهان.

وفي الجزء الثالث، وهو من بدايةِ المقالةِ الثانيةِ حتى النص 48، يبيِّن تلك الخاصية الأشرف للبرهان، التي يذكرها ابن رشد في «تخليص المنطق» في باب البرهان، حين يتكلم عن نوع البرهان الذي يسميه «برهان العلة فقط»، فأرسطو يُعلِّم في هذا الجزء أنَّ من خاصية البرهان أن ينقلبَ حدًّا، ويفي بمطلبِ «ما الشيء»، وهذا يمكن تسميته غاية البرهان، وأيضًا معلولًا وخاصيةً تلحق طبيعته وشروطه؛ لأنَّ الغاية والفاعل علَّتان لبعضهما، كما يُعلِّم أرسطو في الثانية من «التحليلات»، وقد أشار ابن رشد لهذا التقدم الصناعيِّ عند أرسطو في الشرح 100 من المقالة الثانية، كما سنبيِّن في تفسير ذلك الموضع.

الجزء الرابع يبدأ من النص 48 من المقالة الثانية وينتهي عند 100، وفيه يعود أرسطو لبيان أمورٍ كثيرةٍ بيانًا أفضل وأوسع، كانت قد أُغفِلَت عمدًا، أو لُمِسَت بإيجازٍ وخلطٍ في الأجزاء الثلاثةِ السابقة لئلا يخرج كثيرًا عن الغرض، مقتديًا في ذلك بالرسامين، الذين يرسمون الشكل كلَّه أولًا، ثم يعودون لأجزاءٍ مفردةٍ للنظر فيها نظرًا أفضل، ليُتِمُّوا ما بقي ناقصًا (وقد لاحظنا هذا في موضعٍ آخر).

وأخيرًا من النص 100 حتى نهاية المقالة الثانية، وهو الجزء الخامس، يتكلم أرسطو عن معرفة المبادئ، فبما أنَّ سائر ما قاله في الأجزاء الأربعة الأخرى كان يخصُّ علم النتيجة والمنهج البرهانيَّ (الذي يترقى من المبادئ للنتيجة)، فقد أراد في هذا الجزء الأخير، لتمام الصناعة ووفرة التعليم، أن ينظر أيضًا في المنهج الذي تُعرَفُ به المبادئ، إذ لما كانت لا تُعرَفُ بالبرهان، كان لا بُدَّ من قول كيف تُعرَف".

يعقوب زاباريلا.
" ... بعد ترك تلك الآراء، أقول أنا إن الموضوع الحقيقي [لهذا الكتاب] هو البرهان، فهذا هو الذي يُطرح صراحة لنظر الكتاب، وهو النوع التام من القياس، وهو الذي يُبيِّن "ما هو" و "لمَ هو"، وأخيراً فإنّ أجزاءه وأعراضه الذاتية يستقصيها أرسطو بأقصى جهد، وكل الأشياء التي يُعلمها يوجّهها إلى معرفته.

ولكن بما أن أنواع البرهان كثيرة من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن يُرى بوضوح أن أرسطو يبحث بدقة في طبيعة وخواص نوع واحد فقط بالذات، انقسمت آراء الشرَّاح إلى قسمين:

[1] قسمٌ اتبع فقط الكلمات التي طرحها الفيلسوف صراحة أمام أعين الجميع، وأرادوا أن يكون موضوع [كتاب] البرهان هو ذلك النوع الذي يُسمى "المطلق" (simpliciter).

[2] وقسمٌ بدا لهم من الصعب –وربما من غير اللائق– بتعليم فيلسوف عظيم كهذا أن يُعالج نوعاً واحداً من البرهان مع إهمال البقية، حيث يظهر بوضوح أنه وضع على عاتقه تعليم طبيعة البرهان، فزعموا أن البرهان من حيث هو "عام" هو الموضوع.

ومع ذلك، فهؤلاء [الفريق الثاني] لا يصرحون بوضوح كافٍ بأي وجه نكتسب المعرفة التامة بجميع [الأنواع] من تعليم نوع واحد فقط عند أرسطو؛ كما لم يوضِّح هؤلاء لماذا يزدري أرسطو الأنواع الأخرى من البراهين التي وضعها هو نفسه باستثناء نوع واحد؛ لأنه رغم أن البرهان "المطلق" يفوق الأنواع الأخرى في الكمال، إلا أن الأنواع الأخرى لم يكن ينبغي إهمالها من تلك الملكة التي تَعِد بتعليم آلات العلم، لا سيما وأن استعمالها في العلوم ربما يكون أكثر من استعمال ذلك النوع الكامل من كل جهة.

لهذه الأسباب، ترك الفريقان آراءهما محفوفة بصعوبات جمة.

أما أنا، فلكي أُظهر أن الأمر الذي جعلوه مشكوكاً فيه ليس مشكوكاً فيه أبداً، ولكي تظهر حقيقة هذا الكتاب في أبهى ضياء، سأحاول أن أكشف قصد وخطة أرسطو بالبحث في ذهنه بعمق أكبر قليلاً.

من الواضح لكل من يتأمل كلمات أرسطو أن البرهان المأخوذ تحت لفظه العام هو جنس؛ فله طبيعة عامة ، وله فصول تقسيمه إلى أنواع، وإذا كانت هذه الأنواع بعضها أكثر كمالاً وبعضها أقل كمالاً، فهذا لا يمنع أن تكون الفصول مقوّمة؛ لأن هذا يحدث أيضاً في الفصول والأنواع التي تصدر عن الطبيعة.

والبراهين التي نالت كمالاً أقل لا توصف بأنها كذلك لأن صانعها كان ناقصاً، أو أنها تُفصل عن الأكمل لمجرد السلب والنقص –كما يحدث في المصنوعات كالبناء أو الخطابة–، بل هي بطبيعتها كذلك، وتتقوّم بفصول موجبة، ولا يمكن لمنطقي كامل أن يبنيها على نحو آخر، وحين تُعلّم هذه الأنواع، لا يعني ذلك أننا يجب أن نهرب منها كما يجب الهروب من الخطابة الفاسدة أو البيت الفاسد، بل لكي نستعملها، كأدوات تكون ضرورية لإعطاء وتلقي معرفة الأشياء.

يجب أن ندرك أن البرهان ليس جنساً طبيعياً كالحيوان؛ لأن مادته هي الألفاظ والقضايا المتمايزة، وصورته هي ترتيب وتوزيع الحدود، التي لا يمكن أن يبرز منها واحد بذاته، كما هو الحال في الذي يصدر عن الطبيعة، بل هو بالمشابهة والمحاكاة جنس؛ فإن "الفن" يحاكي "الطبيعة"، ويحاكي لنفسه أيضاً أجناساً وأنواعاً يصورها ويصيغها، وهو ما سيتضح بجلاء أكبر في موضعه.

الجنس إذن هو البرهان [العام]، وهو الذي ينقسم إلى أنواع كثيرة؛ وتلك الأنواع التي تفتقر إلى لفظ خاص بها، تستمد اسمها من الجنس مقترناً بفصلٍ ما به تنفصل عن الجنس، والتي سنعرف كل واحدة منها بأقصى سهولة إذا برهنا بهذا الطريق الذي هو تقسيم الشيء إلى أجزائه.

أحد البراهين هو الذي يسمى برهان "لِمَ" (demonstratio propter quid)، والآخر هو الذي يسمى برهان "إن" (demonstratio quia)، وهذا هو التقسيم الأول له.

وتلك الأنواع التي تسمى "لِمَ" طبيعتها أن تكون بحيث تُقدم دائمًا "العلة القريبة"، وبلا أي فاصل [واسطة] عن المعلول، ومرتبة في القياس بهذا الترتيب بحيث تسبق العلةُ المعلولَ في الذهن كما هو في نظام الوجود والأمر الطبيعي.

أما تلك التي هي "إن"، فلها حال آخر، إذ إما بالترتيب العكسي تبرهن العلة من المعلول، أو إذا أخذ المبدأ من العلة، فإنها تكون علة بعيدة.

وينقسم بعد ذلك برهان "لِم" إلى أنواع أخرى بحسب أنواع العلل التي يمكن أن يُبنى منها البرهان، والتي هي أربعة: فبعضها يكون [1] من الصورة، أو [2] من المادة، وأخرى [3] من الغاية، [4] ومن الفاعل.

والبرهان الذي يكون من الصورة يسمّى عند أرسطو باسم منفصل عن البقية، وهو "البرهان المطلق" (simpliciter)، وهو ما يعطي ذلك العلم الذي هو الأسمى والرئيس، أو باسم الجنس "لِم"، ويسمّى عند اللاتينيين "الأقوى" (Potissima).

والباقي يُسمى بحسب العلة المستخدمة أو بأن يقرَن اسم الجنس بالعلة، ويسمّى: برهان "اللّم" بالعلة الغائية، أو المادية، أو الفاعلية. "

جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
" ... بعد ترك تلك الآراء، أقول أنا إن الموضوع الحقيقي [لهذا الكتاب] هو البرهان، فهذا هو الذي يُطرح صراحة لنظر الكتاب، وهو النوع التام من القياس، وهو الذي يُبيِّن "ما هو" و "لمَ هو"، وأخيراً فإنّ أجزاءه وأعراضه الذاتية يستقصيها أرسطو بأقصى جهد، وكل الأشياء…
" وبما أن مادة البرهان تُفترض تحت صورة القياس، يحدث أيضاً أنها تُفترض تحت بعض الفصول المتقابلة، ولذلك فإن تقسيم كل هذه الأنواع –التي انقسم إليها البرهان العام حتى الآن– يمكن أن يصير أيضاً إلى أقسام أخرى كثيرة جداً، فإما أن تكون موجبة أو سالبة، وسواء كانت براهين من العلة أو من المعلول، وسواء كانت كلية أو جزئية، ومستقيمة وبراهين تُساق إلى المحال، أو في أي شكل من الأشكال الثلاثة التي علمها أرسطو في كتاب "القياس"، وهذا هو ربما عدد الأنواع التي يمكن أن يصير إليها تقسيم البرهان، والتي ذكرها أرسطو جميعها في مواضع مختلفة من هذا الكتاب.

... ومن هذه المواضع أيضاً يعرف أولئك الذين يشكون فيما إذا كانت بعض هذه تستحق اسم البرهان، أنها براهين وتسمى عند أرسطو باسم البرهان، لكن ليس "بإطلاق" (absolute)، بما أن اسماً من هذا القبيل هو تسمية للجنس، بل مع شركة لشيء ما يعبر عن النوع.

فلما كانت إذن أنواع البرهان بهذه الكثرة، فإن أرسطو الذي سيعالج في هذا الكتاب البرهان أولًا وبالقصد مُجبر على تعليم كل أنواع البرهان بحيث لا يغفل عن أي نوع منه، ولا يترك طبيعته غير مبيَّنة تماماً، بل لا يترك شيئاً مما ينتمي إلى المعرفة التامة من كل وجه لكل واحدة منها، فلا بد من الاعتراف بوجه آخر أن أرسطو الذي علّم بدقة وعناية أنواع القياس بالنظر إلى الصورة، وهو الذي في كل مكان اعتاد أن يعالج الأشياء بنظر ونظام عجيبين، قد كان في هذا الكتاب مختلفاً عن نفسه.

ومع هذا نقول إن أرسطو علّم كل نوع من أنواع البرهان بملء الاستقصاء، ولكن نلاحظ وسيلة خاصة كانت مجهولة للمفسرين: بوليكليتوس (Polycletus)، الذي يُحتفى به منذ القِدَم كالأعظم في فن النحت، لكي يدعم تلاميذه ويجعلهم متعلمين، كان يدرّسهم بطريق ما وجيز وسهل، فصنع تمثالاً يحتوي على كل أجزائه بجمال وبهاء عظيمين، ومتناسبين بِلُطْفٍ كبير فيما بينهم، بحيث لا يمكن أن يُطلب فيه أي شيء ينتمي إلى الكمال التام للجمال؛ فسمى هذا النحت الممتاز باسم "القاعدة" (Regulam)، لكي تكون تلك هي القاعدة والمعيار التي بها يمكن الحصول على المعرفة القصوى لكل التماثيل بأقصى سهولة؛ فكان يعرض هذا لهم، لكي يدركوا بالنظر فيه أجزاء وخطوط وتناسبات وعيوب كل البقية.

وبفن مماثل استخدمه أرسطو في هذا الكتاب، إذ هو مزمع أن يُعلم القواعد والخواص لجميع البراهين، أخذ [أرسطو] على عاتقه التصريح بذلك الواحد فقط [البرهان المطلق (simpliciter)]، الذي فيه يُرى كل الأجزاء الأكثر شرفاً، والأفضل، والتي هي حقاً تلك التي تكون "لِم" (propter quid)، ومن العلة التي هي الصورية، والكلية، والموجبة، والمستقيمة، وفي الشكل الأول؛ ففي معرفة هذا النوع لا يقدّم معرفة أخرى غير معرفة جميع [البراهين] الأخرى، كما لو كان قد عالج كل واحدة على حدة، بما أنه يقوم في البراهين بذلك الدور الذي كان يقوم به بين التماثيل تمثال بوليكليتوس.

فإذا نظرنا في هذه، فإنه من الضروري أن يظهر منها ما هو خاص في ذلك النوع نفسه، وما هو مشترك بينها وبين جميع البراهين الأخرى، كما سيظهر قليلاً بعد ذلك؛ وبوضوح يمكن أن تُعرف "سعة البرهان" (latitudo demonstrationis) الكلية التي تمتد إلى هذا الحد بحيث لا تخرج عن "الضروري"، وسنعرف الأجزاء والأعراض الخاصة بالبراهين الأخرى التي تكون أقل كمالاً من البرهان المطلق، وما يمكن أن يكون فيها ضرورياً، كما هو الأمر في التي من العلة المادية، والغائية، والفاعلة، وكما هو في السالبة، والجزئية، والبقية التي عددتُها أعلاه في أنواع البرهان، وسنعرف بالمثل من هذا "الضروري" نفسه أيها يكون، والذي لا يدخل في البرهان بأي وجه ولا يكون له فيه موضع؛ فإن لهذه الأنواع [أمور] كثيرة جداً التي هي بالعرض (الأعراض غير الذاتية)، والتي هي فاسدة، والتي هي محسوسة، وتلك التي تصدر عن الاتفاق (Fortuna)، وأخيراً الانتقال من جنس إلى جنس.

لكي أرجع أخيراً إلى حيث انصرفتُ، إن أرسطو يعلِّم البرهان، ولكن ليس ذلك [النوع الأفضل من البرهان] فقط، الذي يظن الكثيرون أنه يُسمى "المطلق"، بل [البرهان] العام، والذي يشتمل على كل أنواعه، ولا يعلمه، كما يظن كثيرون آخرون، لأنه مع البرهان المطلق يتحدث في الوقت نفسه عن برهان "إن" (quia) مستقصياً طبيعته وخواصه، بل لأن معرفة ذلك النوع، الذي هو [البرهان] المطلق، تكون كأنها تلك المرآة التي فيها تُرى بوضوح شديد كل [البراهين] الأخرى.

في الحاصل إذن أقول: إن موضوع الكتاب الحاضر هو البرهان العام، ولكن أرسطو يعالجه بتعليم البرهان المطلق وحده، بما أن هذا هو الذي فيه، كما في مرآة ما، تُرى طبيعة كل [البراهين] الأخرى، وكل هذه [الأشياء] في سياق الكلام، إذا قرأوا المواضع الخاصة والملاحظات الأخرى، فستبدو لهم دائماً أكثر وضوحاً. "

جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)
"وقبل كلِّ شيء، ينبغي أن نقرر ما لم ينكره أحدٌ البتة، وهو أنَّ البرهان لا يُقال له جنسٌ على الحقيقة، ولا له أنواعٌ على الحقيقة، لأنَّه ليس معنًى مشتركًا متواطئًا تشارك فيه أنواعٌ متعددةٌ بالسوية، بل هو من جملة ما يقال بـ«التشكيك»، وما اعتاد فلاسفتنا تسميته «متماثلًا» بتسميةٍ غير دقيقةٍ بما يكفي.

(...)

ولذا فإنَّ أرسطو حينما طرح في مقدمة مقالات التحليلات جميعها أنَّه سيتكلم عن البرهان، عنى البرهان الأولي (البرهان المطلق)، وشرع يتكلم عنه في «التحليلات الثانية»، لا عن الجنس المشترك لجميع البراهين، لأنَّ هذا [الأولي] يفتقر لشروطٍ كثيرةٍ لبنائه، وقد بحثها أرسطو جميعها بأقصى دقَّة، أما براهين الدرجة الثانية الأخرى فليس لها أيُّ شرطٍ خاصٍّ بها تُسمَّى به براهين، بل من حيث مشاركتها في بعض شروط البرهان الأولي، من تلك الجهة تسمَّى براهين بالمشاركة، وأما من جهة خلوِّها من بعض شروطه، فمن تلك الجهة يقال لها براهين من الدرجة الثانية، ومع إضافة، لا براهين مطلقة، وعليه، فإن كان لها شرطٌ ما تسمَّى به براهين، فهي تملكه بالمشاركة، وليس لها [شرط] خاصٌّ إلَّا انتفاء شرطٍ ما.

ومن هنا يُؤخَذُ السبب في كون أرسطو لم يُعلِّم إلَّا شروط البرهان الأوليِّ وحسب؛ لأنَّ هذه تخدم جميع البراهين، إذ لو حضرت جميعها مجتمعةً لَقَوَّمَت البرهان الأشرف، أما لو لم تحضر جميعها بل بعضها، لَقَوَّمَت برهانًا آخر من الدرجة الثانية، فجميع الشروط إذن تُعطَى لأجل البرهان الأكمل، ويلزم بعد ذلك أن يفضي ذلك التعليم لبناء البراهين الأخرى الأخسِّ أيضًا، كما لو أراد أحدٌ تعليم صناعة البناء، فإنَّه سيعلِّم قطعًا بناء البيت الأشرف، لا غيره، إذ كلُّ من عرف كيف يبني بيتًا في غاية الكمال ومستوفيًا لجميع الأوصاف، كان قادرًا أيضًا على بناء بيتٍ ناقص، بل أقدر، كلما قلَّت الشروط المطلوبة فيه عن البيت الأكمل".

يعقوب زاباريلا.
‏مبارك عليكم الشهر الكريم، وكل عام وأنتم بخير.
ثمّة أمرٌ ألاحظه فيّ ألوح به إليكم من أخوتي الطّلبة الّذين في أوّل الطّلب، حاصله أنّ كثيرًا من الطلبة يشكو من قلة الفهم وصعوبته، وأنّ المطالب له غير واضحة أو تامّةِ التّماسك في ذهنك، وأنا لستُ بمعزلٍ عن هذا بحسب طبع التّعلم الإنسانيّ في التّرقّي، فكنت في الطّبيعيّات أو المنطق من كُتُبِ البرهان تستغلقُ العبارة عليّ فلا أفهمها أو أفهمها تصوّرًا ولكن لا أدرك مبدأ تصديقها وأعجبُ حينها أنْ لِمَ لا أدركُ ذلك؟!

فتملّ نفسي من ذلك وتكفأُ عن الطّلب يومًا أو يومين أو قد تكون أكثر أو ساعاتٍ أحيانًا، فإذا عدتُ وجدتني أفهمه كلًّا، ولا أدري! لعلّ المطالب حين ترتسمُ يُحوَجُ الذّهن إلى قدر من الزّمن يرصفها على لائقها، فإنّه في أوّل تلقّيه له يُربَكُ في نفسِ فَهْمِها فكيف بها مرتصفةً؟!

فإذا تمّ فهم مفردات المقاصد الكليّة وجئتُ لأركّبها كليّةً على وِفْقِ ما يروم الماتن أو الشّارح كنتُ عاجزًا، حتّى إذا أمهلتُ نفسي وقتًا أرحتُ فيه ذهني وعدتُ لأدرس أو أقرأ عجبتُ من أمري، أن كيف أُزيلَ ستارُ الإبهام كلّه، وكيف انجلت لُثُم الإرباك والتّحير كلّها!

ولهذا أشركُ ما هو جليٌّ يخفى على بعض أخوتي ويسألونني عنه: أنّ من عسرت عليه العبارة أو مطلب الشّارح شرحًا صوتيًا أو مسطورًا فليُرْوِد نفسه قليلًا، أو ليقم لمأكلٍ أو مشربٍ أو بعض متنفّسٍ عن هذه العسرة المضجرة، ولا بأس إن لم يفهمها ويَرُمْ مقصده في يوم دراسته، فلعلّه يعود بعد يومٍ، يومَين، ثلاثة، يعيدُ المطلبَ من رأسٍ فيفهمه كلّه.
مولانا هل شرح يحيى النحوي كانت مترجمة على عهد الشيخ؟
.

نعم، كانت مترجمة، والدليل ما تجده مثلًا في كتب الشيخ من نقاشٍ لأقواله، والاتفاق مع كثير منها، كما هو الحال في طبيعيات الشفاء، أو مخالفته في بعض ما ذهب إليه، كما هو الحال في برهان الشفاء.

revospring.net/@ItC0ding/a/116109355651711485
قاعدة المقول على الكلِّ وقاعدة المسلوب عن الكلِّ هما الجذور الطبيعية لجميع الأقيسة المنتجة
.
"لمَّا كان أرسطو قد صمَّم على استنباط جميع الأقيسة المصنوعة بالصناعة من الأقيسة الطبيعية، فقد وضع في الفصل الأول من المقالة الأولى من «التحليلات الأولى» قاعدة «المقول على الكل» وقاعدة «المسلوب عن الكل»، بما هما أصلان طبيعيان وجذران لجميع الأقيسة الصناعية التي سيبحثها في ذلك الكتاب، ولذا أصاب ابن رشد في «التلخيص» (الفصل 1) حين قال: «المقول على الكلِّ هو الأصل والمبدأ لكلِّ قياس منتج»، فحقًّا تنبع جميع الأقيسة الموجبة من هذه القاعدة، كما تنبع الأقيسة السالبة من «المسلوب عن الكل»، كأنَّهما نبعان قريبان وبدهيان، يستقي منهما الأقيسة حتى بسطاء العقول الذين لا حظَّ لهم من صناعة المنطق".
#منهجيات_في_التعليم

اعلم أخي الطالب للعلوم، والساعي، لتحقيق المنطوق منها والمفهوم أنه ينبغي عليك في تحصيلك للعلم أن تكون رجلًا ولا تكن عالَةً على الناس تنتظر من يُطعمك ويَسقيك!

فينبغي عليك أن تنطلق بنفسك بعد فهم بعض الكتب عن المدرّسين -الذين كثير منهم ليس من أهل الفن- وتذهبَ للكتب الأصول وتجيل فيها الخاطر والناظر، وتجتني منها الزاكي والناضر.

وأما أن تقول عن كل كتاب:
من سيشرحه لي؟ هل تعرف من سجّل عليه شرحًا؟ فعيبٌ بإنسانيتك لو كنت تعقل.

وأشد فضيحةً وأنكى فظيعةً أن تدرس كتابًا للمبتدئين سبعين مرةً كلَّ مرةٍ على شيخ جديد

وكلَّ مرةٍ تُقنع نفسك وتقول: هذا الشيخ يختلف عن غيره ويأتي بالدقائق.

فيصير عقلك منديلًا تداولته العقول، ولم ينضج بعد ولم يقم بنفسه بين الفحول!

باختصار يا أخي: كن رجلًا في العلم.