دُرَر السَّلف والصالحين
219 subscribers
555 photos
5 videos
29 files
15 links
(وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي)

للتواصل: @Dorar_1533_bot
Download Telegram
مهما كان تخصصك وقناعاتك وأفكارك ودرجة استقامتك السَّالِفَة لا تدعْ شيئًا يحول بينك وبين الفوز في مضمار رمضان، ولا تذر أحدًا يسرِق منك بهاء الخلوة بين سواري المسجد، أو يختلس منك لذة المناجاة لرب الأرض والسماوات، ومتعة التأمل في آيات الله الشرعية والكونية، وبهجة موالاة الختمات، وسائر صنوف الطاعات المندرجة في عمومِ قوله تعالى: {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}.

[د. سليمان العبودي]
اليقين بالآخرة هو الذي يجلِّي الرؤية ويهذِّب النفس ويضبط معيار الأعمال، وفي المقابل فإن الانصراف عن تذكر الدار الآخرة يعصب على العينين حجابًا كثيفًا من العمى والعَمَهِ والحيرة والغفلة عن مواسم الطاعة.

[د. سليمان العبودي]
جاء في الحديث الصحيح: "أن رسول الله صلى الله عله وسلم أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلَرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخيرِ من الريح المرسلة".

علّق الحافظ ابن حجر تعليقًا في تفسير هذا الجود النبوي المتضاعف في شهرِ رمضان من جَرَّاء مدارسة القرآن، فقال رحمه الله: (فيهِ أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود.).
قَالَ أَبُو حَازِمٍ الْمَدِينِيُّ: وَجَدْتُ الدُّنْيَا شَيْئَيْنِ: فَشَيْءٌ مِنْهَا هُوَ لِي، فَلَنْ أَعْجَلَهُ قَبْلَ آجِلِهِ، وَلَوْ طَلَبْتُهُ بِقُوَّةِ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَشَيْءٌ مِنْهَا: هُوَ لِغَيْرِي، فَذَلِكَ مَا لَمْ أَنَلْهُ فِيمَا مَضَى، وَلا أَرْجُوهُ فِيمَا بَقِيَ، فَيَمْنَعُ الَّذِي لِي مِنْ غَيْرِي كَمَا يَمْنَعُ الَّذِي لِغَيْرِي مِنِّي، فَفِي أَيِّ هَذَيْنِ أُفْنِي عُمْرِي؟ وَوَجَدْتُ مَا أُعْطِيتُهُ فِي الدُّنْيَا شَيْئَيْنِ: فَشَيْءٌ يَأْتِي أَجَلُهُ قَبْلَ أَجَلِي، فَأُغْلَبُ عَلَيْهِ، وَشَيْءٌ يَأْتِي أَجَلِي قَبْلَ أَجَلِهِ فَأَمُوتُ وَأُخَلِّفُهُ لِمَنْ بَعْدِي فَفِي هَذَيْنِ أَعْصِي رَبِّي؟
كلّما عظُم المطلوب في قلبك = صغُرَت عندك وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله،
وكلما شهدتَ حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية وعرفتَ الله وعرفتَ النفس = تبيّن لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ولو جئتَ بعمل الثقلين خشيتَ عاقبتَه، وإنما يقبله بكرمه وجودِه وتفضُّلِه، ويُثيبك عليه أيضًا بكرمه وجوده.

[ابن القيم]
قَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أُوَدِّعُهُ، فَلَمَّا انْصَرَفْتُ نَادَانِي يَا عَنْبَسَةُ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، فَإِنَّكَ لا تَكُونُ فِي وَاسِعٍ مِنَ الأَرْضِ إِلا ضَيَّقَهُ عَلَيْكَ، وَلا فِي ضِيقٍ مِنَ الأَمْرِ إِلا وَسَّعَهُ عَلَيْكَ.
كَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ إِلَى أَخٍ لَهُ، كَانَ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ أَصْبَحْتَ تَخْدُمُ الدُّنْيَا وَهِيَ تَزْجُرُ عَنْ نَفْسِهَا بِالإِعْرَاضِ، وَالأَمْرَاضِ، وَالآفَاتِ، وَلَعَلَّكَ كَأَنَّكَ لَمْ تَرَ حَرِيصًا مَحْرُومًا، وَلا زَاهِدًا مَرْزُوقًا، وَلا مَيِّتًا عَنْ كَثِيرٍ، وَلا مُتَبَلِّغًا مِنَ الْيَسِيرِ، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْهَا لَمْ يَأْلَمْ فَقِيرٌ بِفَقْرِهِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ غَنِيٌّ بِغِنَاهُ، مَهْجُورِينَ تَحْتَ تُرَابِ الأَرْضِ مَنْسِيِّينَ فِيهَا بَعْدَ النِّعْمَةِ.
فَمَا تَصْنَعُ بِدَارٍ هَذِهِ صِفَتُهَا، وَيْلِي إِنِ اسْتَقْصَرْتُ لَيْلَهَا وَنَهَارَهَا، وَاغْتَنَمْتُ مُرُورَ سَاعَتِهَا، فَنِعْمَ الدَّارُ هِيَ لَكَ، وَإِنَّ امْرَأً حَثَّهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَاسْتَقْبَلَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ بِالْفَنَاءِ لَحَرِيٌّ أَنْ يُقِيلَ نَوْمَهُ، وَأَنْ يَتَوَقَّعَ يَوْمَهُ، وَالسَّلامُ.
فلا تفوته بإذن الله ولو مات على فراشه..
حين يكشف الخصم عن هويته قبل أن يكشف عن سياسته، فيقول: "لا يمكن أن نسمح للأنظمة المؤمنة بأوهام نبوية إسلامية أن يمتلكوا أسلحة نووية"، فهو لا يُصدّر موقفًا سياسيًا بقدر ما يعترف اعترافًا هوياتيًا، فالتصريح في جوهره لا يتكلم عن السلاح ولا القوة، بل يتكلم عن الحق في الفاعلية في العالم، ومن يملك الحقوق ومن لا يملكها.

فالمعيار الذي يستند إليه ليس معيار القانون الدولي الزائف - كما زعم من قبل - ولا موازين القوى - كما فرض من قبل - بل معيار "العقيدة".. يعني أن ما يجري ليس سياسةً يُفاوض عليها، بل هو صراع هوية يُحدَّد فيه من هو داخل دائرة الشرعية ومن هو خارجها.

المفارقة أن من يدّعي قيم العلمانية والحياد القيمي يُعلن بوضوح عن تعريف نفسه كنقيض للإسلام، فيكشف أن العلمانية الغربية لم تكن يومًا تجاوزًا للدين، بل كانت إعادة توظيف له في خدمة هوية مختلفة.

المفارقة الأغرب أن الطرفين - في الحرب الدائرة الآن - أعلنا بوضوح عن موقفهما الديني الهوياتي وأنه نقيض المشروع السني!

فرهان الطرفين اليوم ليس على السلاح ولا على التفاوض، بل على "الهوية" في أصلها، ذلك أنها هي التي تستجيش مشاعر الناس وتجمع القوى وتُثير الرغبة في الابتكار والإنتاج والعمل والتحمل (وغزة أقرب مثال).
فالأُمة التي تَعرف من هي لا تُقلقها تعريفات خصومها لها، بل تتخذ من تلك التعريفات دليلًا على أنها لا تزال تُمثل شيئًا يفرض وجوده، والتاريخ يُخبرنا أن الحضارات لا تموت حين يُحاربها خصومها، بل حين تنسلخ من مرجعياتها وتذوب في مرجعيات غيرها.

ومنه تفهم لماذا ركز الإسلام قبل كل شيءٍ على "العقيدة" وبدأ بها؟ ولماذا أكد القرآن مرارًا على أن للوجود غاية لا تُحددها موازين القوى؟
لأنه جوهر "الهوية" وعمودها الفقري، وهو الذي يجعل المسلم غير قابل للذوبان والاستتباع.. أُمة تعتقد أن التاريخ مفتوح على الغيب لا تُهزم هزيمةً نهائية، لأن مرجعيتها لا تسقط حين تسقط جيوشها؛ وهذا بعينه هو ما يجعل عدوها يشعر أنه لم ينتهِ منها حتى حين يرى بعينه أنه انتهى منها.

قال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذِّكر وإنا له لحافظون"، فالمرجعية التي تقوم عليها هوية المسلم مكفول حفظها ومضمونة بضمان إلهي واضح، فالحضارة التي تبني هويتها على مرجعية محفوظة بضمان سماوي تملك في صميمها ما لا تملكه حضارة تبني هويتها على موازين قوى أرضية متحوّلة.
ينبغي الدعاء على الأعداء في القنوت؛ غرسًا لعقيدة الولاء وكفاً لشرهم واقتداءً بهدي السلف؛ قال الأعرج: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.

[الطريفي]
الحمد لله .. وبعد،
التذكير السنوي!
يستهويني في بدايات الشهر من كل عام استحضار أن الله غفر لامرأة  كانت تمتهن الفاحشة؛ يعني لا تأتيها على سبيل الضعف وغلبة النفس فحسب؛ بل تأتيها إصرارًا وإكثارًا.
غفر لها بشربة ماء في لحظة صدق واحدة وقعت في دقائق معدودة.
 ذلكم الله يغفر لك فجرات السنين وغدراتها في غمضة عين.

ثمة فوائد هاهنا ينتفع بها من دخل رمضان بقلب تعلوه القسوه أو يشعر بشيء من التيه، أو يجد من نفسه عزوفًا عن الاجتهاد.
من هذه الفوائد أن لا تحتقر عملًا تعمله هذا الشهر مهما بدا يسيرًا؛ لأن الموازين عند الله الرحمن الرحيم ليست كموازين البشر، 

ثم فائدة أخرى: أن تتحرى العمل المقرون بالرجاء في كل ساعة ممكنة التماسًا لتلك اللحظة الفارقة؛ فأنت لا تدري متى تأتيك هذه الساعة وعلى أي عمل تكون؛ بل لربما تأتيك بعمل يسير لا تلقي له بالًا.

ثم فائدة ثالثة: أن تحسن الظن بربك وترجوه؛ وأنت ترى في قصة امرأة بني إسرائيل شيئًا من رحمة الله وتودده للمستكثرين الفجرات المتلبسين بالكبائر

ثم رابعة: أن تعلم أن تحقيق التوحيد في القلب والإخلاص= عمل قلبي قد يبلغ به صاحبة منازل السعادة الأبدية مهما كان ماضيه قابعًا في أسفل درجات الجاهلية.

وخامسة تبقى: أن الانكسار إلى الله وقد أحاطت بنا ذنوب أعمار ودركات من التيه والضياع= قد ينفع صاحبه عند الله إن آتاه منكسر قلب يرجو رحمته.

إذن خلاصة هذا كله: ثق بربك وانكسر في محراب طاعته وأحسن الظن به ثم اجتهد شهرك هذا واصطبر على العبادة رجاء لحظة تخرج منها بقلب غير قلبك هذا.

[أحمد سيف]
الحمد لله وحده.

الباب مفتوح لكل حيٍّ.
الباب مفتوح لكل مريد أن يتحيز إلى فئة السابقين، أو: أصحاب اليمين. ويخرج من حزب المعرضين أو الغافلين.

وأيام مضاعفة الثواب خير طريق للمسابق، كأنها (اختصارة) لطريق الطويلة!

عمل قليل، مثل سائر الأيام، أو أكثر قليلا. إلا أن الأجر عليه: جزيل عظيم مضاعف!
يضاعف الله فيه الثواب أضعافا وأضعافا!

وشهر رمضان: هو أطول مواسم مضاعفة الثواب، لذلك شرع الله فيه كل أصناف العبادات، ورغّب فيها بالوحي المنزَّل، ما لم يرغب في غيره.

■ شرع فيه الجماعة في المساجد في الليل، لتضاف إلى صلاة الفريضة والنوافل المقامة سائر العام.
■ وهو شهر صيام الفريضة، لا فريضة صيام في غيره، والفريضة أعظم الصيام أجرا.
■ ورغب في الصدقة فيه أشد من غيره، حتى فرض زكاة الفطر، التي هي (صدقة رمضان) كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: (فرض رسول الله ﷺ صدقة رمضان على الحر والعبد، والذكر والأنثى ...) [صحيح مسلم].
- كذلك كان رسول الله ﷺ أجود بالصدقة وأسخى، حتى جاء أنه كان ﷺ أجود بالخير في رمضان من الريح المرسلة [البخاري ومسلم].

■ ورغب إلى العمرة فيه أشد من غيره حتى جعل ثوابها ثواب الحج، كما قال رسول الله ﷺ: (إن عمرة في رمضان تعدل حجة)، [البخاري ومسلم].
■ ورغب في القرآن فيه أشد من غيره، حتى كان رسول الله ﷺ يدارس جبريل في رمضان خاصة، وقد أنزل الله فيه القرآن، وما زال المسلمون يتأسون فيه بالأولين فيجعلونه شهر القرآن.

4- وهذه أصول الأعمال الصالحة كلها لا ينقص منها شيء، وهي أعمال السباق: الصلاة، والصيام، والصدقة، وقصد البيت الحرام، وذكر الله، والقرآن خير الذكر وأشمله.

ثم جعل الله في رمضان ليلة القدر، وشأنها كما تعلم.

فما بقي إلا أن تعمل وتحرص، وتركع وتسجد وتقرأ وتُخرِج من مالك، وتدعو الله أن يقبل، وتسأل الله أن يعينك، وتنفض غبرة الكسل، وترجو أن تكون في المقرَّبين.

واعلم أن اليوم يذهب ولا يعود، والشهر ينقضي ولن يرجع.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
أقرب الدعاء للإجابة: في السجود وأقرب السجود لله: في السحر، فمن عظُم عليه ذنبُه وبلاؤُه وكربُه عليه أو على أمته فليتحرَ هذا القرب بحسن ظنّ يُجَب.

[الطريفي]
"فإن الاشتغال بالله، والغفلة عما سواه، هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى"

ابن القيم
‏كان يحيى بن مُعاذ يتضرعُ لرَبِّ العالمين فيقول:

«يا مَن يغضبُ على مَن لا يسأله، لا تمنع مَن قد سألكَ!»
من بديع التفسير القرآنيّ، ما ذكره العلّامة السعديّ في تفسيره لآية:

أَلَم تَرَ إِلى الَّذينَ بَدَّلُوا نعمَةَ اللَّهِ كُفرًا

أنّه ذهب إلى أنّ تفسير (نعمة الله) = محمّد صلّى الله عليه وسلّم!

وأنّه نعمة الله، ونعمة من الله، وأن بعثته أعظم نعمة، لأنّه جاء يدعو للخير ويدلّ عليه ويُعرّف الناس عليه، ويحذّرهم من أهواء أنفسهم ومهلكاتها.

من الممارسات التي أحبّها شخصيًا هي أن أبحث عن أثر رسول الله في كل معروف بشري أراه، إذ أتحدّى نفسي أن أجد له أصلًا في السيرة أو في حديث هنا أو هناك.

وإنّك تجدُ مقاطعَ مرئية في أوروبا والولايات المتحدة، يقوم غير المسلمين بتجارب اجتماعية وهُم يتجوّلون ويسألون الناس أن يشتروا لهم شيئًا، أو يطلبون إغاثتهم أو إطعامهم، فيرفض طيفٌ كبيرٌ من الناس، حتّى يُصادفوا شخصًا مسلمًا، فتجده يُرحّب بالمساعدة ويهبُ من ماله بحُب وصدق، وترى الأجانب بالتعليقات يقولون:

Always go to a Muslim
إذا احتجتَ شيئًا فالجأ دائمًا إلى شخصٍ مُسلِم

وثمّة شواهد عديدة لا حصر لها عن أثر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والبركة التي أحاط بها أمّته ببعثته وهَديه، وما علّمهم من الذوق والكياسة وإغاثة الملهوف والانحياز للحق، وآداب الطريق وذمّ التناجي وافتراق القوم، وحثّ على الصدق، وأنكر على المسلم أن يكذب أو أن يُبرّر كذبه، ونهى عن النميمة والغيبة والتنابز بالألقاب.

وعلّم أبو القاسم أصحابه أن يتذوّقوا الجَمَال وكره قبيح الأسماء، وسمّى ما يُحبّ من فرسه وسيفه بأجمل الألقاب، وقال إنّ الله جميل يُحبّ الجمال، فرفع ذائقة العربيّ، وجعله أكثر حساسية وحرص على المخلوقات أجمعها وقال حين رأى حمارًا وُسِم في وجهه: "لعن الله من فعل هذا".

ووصّى الرسول بأن يرفع المسلم عن نفسه الجهل، وكره للمسلم أن يُجيب بغير علم (أن يهبد) فزجر ولعن مَن يُجيب بجهالة، فقال في حادثة الذي شُجّ رأسه: قتلوه قتلَهُم الله، ألَا سألوا إذ لم يَعلموا، فإنَّما شِفاء العِيِّ السّؤال، إنَّما كان يكفيه أن يتيَمَّم!

وإنّك حيثما ولّيت وجهك فقرأت في كتب التاريخ والحِكَم والعِبَر، وتابعت معاجم الحكمة لدى الشعوب، فإنّك لن تجد معروفًا أو خيرًا أوجمالًا، إلّا وجدتَ له أثر عند رسول الله وهو الذي قال: "ما تركتُ شيئًا يقرّبكم إلى الجنة ويباعدكم عن النار إلا وأمرتُكم به، وما تركتُ شيئًا يقرّبكم إلى النار ويباعدكم عن الله إلا ونهيتُكم عنه".

وقد شاهدت منذ زمن مسلسلًا من حلقاتٍ معدودة اسمه The Night Of في تلك الليلة، وفيه تدور الأحداث حول شاب مسلم يأخذ مركبة أبيه ليلًا وهي "سيّارة أجرة Taxi" فيتورّط مع راكبة، تقوم بتخديره، ثم يستيقظ باليوم التالي، ليجد نفسه في مسرح جريمة، وتلك الفتاة مقتولة وملقاة على الأرض.

وحين يتمّ اعتقاله، ويذهب به المحقّق إلى المدّعي العام، يرفض المُدّعي العام أن يعرضه على هيئة المحلّفين موبّخًا المحقّق: أتريد منّي أن أقدّم شاب مسلم لهيئة المحلّفين، وأقول لهم إنّ هذا الشاب قد شرب الكحول، وتعاطى المخدّرات ونام مع مُومس أو عاهرة، ومن ثمّ قتلها وقطّعها إربًا؟ حتمًا سنخسر القضية، لن يصدّق أحد هذا.. اذهب فأتني بدليلٍ قطعيّ، غير أنّه تصادف وجوده في مسرح الجريمة.

ولا يعني هذا أنّه ليس هناك من مسلم يفعل هذا، أو أنّ المسلمين معصومين من الخطأ، وأنّهم ليس من بينهم عددٌ كبير من العصاة والمجرمين، ولكنّ ما يتشكّل في أذهان الغربيين والأقوام الآخرين، أنّ المسلمين عمومًا كجماعة، ما هُم إلّا جماعة من المنضبطين سلوكيًا وذوي السلوك الحسن، وأنّهم يتّبعون ما أوصاهم به نبيّهم وما دلّهم به على الخير، في غالبيتهم وأكثريتهم.

وقد ذكر لي صديق يُقيم في الولايات المتحدة، أنّ بعض أسواق العقار في بعض الولايات، يرتفع أسعارها أضعافًا مضاعفة لمجرد شراء مجموعة من المسلمين لمجمّع سكنيّ فيه، إذ احتمالات الجريمة تقلّ في هذا الحي، واحتمالات الصخب والسهر والمخدرات أقل إحصائيًا بغيرهم من الجماعات، كما أنهم أقوام تُحب أن تجاورهم وأن يحيى أولادك بالقرب منهم وبجيرتهم فإنهم يُحسنون الجوار وسيعتنون بأولادك كما لو أنهم أولادهم.

وقد مررت بدراسة للباحثة مونيكا م. جاوديوسي، أستاذة القانون والباحثة في التاريخ، أشارت فيها إلى أن نظام (مجلس الأمناء) المعتمد بالجامعات حول العالم هو في الأصل استلهام من مجلس النظارة الوقفي الذي طوّره المسلمون لإدارة الأصول الوقفية، كما أشارت إلى أن تأسيس جامعة أكسفورد وتحديدًا كلية ميرتون عام 1274 كنظام كليات جامعي، هو استلهام مباشر ومحاكاة لمجالس الإدارة الوقفية عند المسلمين، وتقول:

"لم يُعبّر والتر دي ميرتون علنًا عن نيته بتقليد الوقف، لأنّ الكلية تأسست خلال الحروب الصليبية، ولن يكون من الحكمة أن يُعلن رجل دين مسيحي بارز وموظف حكومي، عن تبنّيه لنظام مؤسسة إسلامية بشكلٍ صريح"

وكل ما في هذا العالم من خيرٍ ومعروف ما هو إلّا امتداد لبركة النبوة وهديه ووصاياه، عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.
لا تزال تنعى حبيبا حتى تكونه ** وقد يرجو الفتى الرجا يموت دونه
قال حذيفة بن اليمان:
ليس من مات فاستراح بمَيْتٍ ** إنما المَيْت مَيِّت الأحياء

وقيل له: يا أبا عبد الله، وما ميت الأحياء؟ قال: الذي لا يعرف المعروف بقلبه، ولا ينكر المنكر بقلبه.
أرى في الفناء معنى أعمق من مجرد ألا يكون الشيء بعد أن كان.

أرى فيه شفرة الحياة وقد كتبت أكوادها عليه، فكأنه لوح الحقيقة التي سافرت أميالًا في البحار لتجدها مدفونة في مكان مقدس ككنز القراصنة.

هذه الأكواد تشرح كل شيء، تفسر كل شيء، تربط كل شيء بكل شيء.

توضح لك لماذا الأمر على ما يرام أنك تموت، لأن كل شيء من حولك أيضا يموت!
بالذبول التدريجي لكل المواد وكل المعاني من حولك تدرك وتتقبل حقيقة الزوال معها وكأنك صرت تعي كل شيء مع النهاية، فقط لا تعلم كيف لم تكن تعلم أنك تعلم.

تذهل بإدراكك في لحظات معينة، أن ما يجعل الحياة قابلة للعيش فقط أنها تنتهي! وما يجعل الفناء مطاقًا أنها لا تُطاق!

الموت وانتهاء اللذات وتكسر الحب على عتبات الاختلاف وذبول الشبق والشغف واللهفة والأمل، كل ذلك يكتب النهاية السعيدة لنهايتك، يجعلك منتهيًا حين تنتهي! فترحب بالموت كرفيق كان معك منذ الصغر، أراك من نفسه في كل يوم كمعنى جديد، شعرت بوجوده في كل لحظة من حولك، فكأنكما صرتما صديقين مع مرور الأيام، تقول له أيا صديقي، ألم يكن أنت من أخذ مني كذا وكذا؟ ألم يكن أنت من صار إليه كذا وكذا؟ عرفتك من خطوات قدميك، وحشرجة صوتك، وبصمتك الموحدة في المفنيّات من حولي.
أيا صديقي لقد اعتدت عليك حتى اشتقت، وخفتك حتى ألفتك، وترددت على قلبي مئات المرات في حياتي قبل أن أراك مجسمًا أمامي.
فمن الذي يجزع من رفيق دربه؟ ومن الذي ييئس ممن يهوّن عليه زوال الحياة بزوال ما فيها، ويهون عليه فناء ما فيها إدراكه بأنها إلى فناء أكيد.

كل شيء محكم مترابط بديع. كل شيء أنيق. كل شيء هادئ في الجبهة الغربية.

أيا ربي يا من خلقتَ فأحكمتَ، وأردتَ فقدّرتَ، لا تحرمنا النظر إلى وجهك، ولا الشوق إلى لقائك.

[د. مهاب السعيد]
"إن أحباء الله هم الذين ورثوا الحياة الطيبة وذاقوا نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم، وبما وجدوا من حلاوة حبه في قلوبهم"

[الحسن البصري]