لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده
فلمْ يبقَ إلّا صورةُ اللحمِ والدَّمِ
مُعاذٌ من الأسقام عقلي بعلمِهِ
وللجَهل حكمٌ، لستُ راض بِحكمِهِ
يذيقُ الورى من كأس سمٍّ وبِاسمِهِ
ينادي جهول بالكتاب ورسمِهِ
فلمْ يبقَ إلّا صورةُ اللحمِ والدَّمِ
- زُهير بن أبي سلمى
مُعاذٌ من الأسقام عقلي بعلمِهِ
وللجَهل حكمٌ، لستُ راض بِحكمِهِ
يذيقُ الورى من كأس سمٍّ وبِاسمِهِ
ينادي جهول بالكتاب ورسمِهِ
- مُعاذ بن عبد الله
💘1
«والكتاب هو الجليس الذي لا يُطْرِيك، والصديق الذي لا يقليك، والرفيق الذي لا يَملُّك، والمستمع الذي لا يَستزيدك، والجار الذي لا يستبطئك، والصَّاحِب الذي لا يُريد استخراج ما عندك بالملق ولا يُعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق. والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحَذ طباعك وبَسَطَ لسانك وجوَّد بيانك وفخَّم ألفاظك وبجَّح نفسك وعمر صدَّرَك ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك؛ يُطيعك بالليل طاعَتَه بالنهار، وفي السفر طاعته في الحضر، وهو المعلّم إن افتقرت إليه لم يحقرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عُزِلْت لم يدَعْ طاعتك، وإن هبَّتْ ريح أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنتَ متعلّقًا منه بأدنى حبل لم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السُّوء. وإنَّ أمثل ما يقطعُ به الفُرَّاغ نهارهم وأصحاب الكفايات ساعات ليلهم: نَظَرٌ في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد في تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين وتثمير مال ورَبُّ صنيعةٍ وابتداء إنعام. ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إِلَّا مَنعه لك من الجلوس على بابك والنظر إلى المارة بك، مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم، ومن فضول النظر ومُلابسة صغار الناس، ومن حضور ألفاظهم الساقطة ومعانيهم الفاسدة وأخلاقهم الردِيَّة وجهالتهم المذمومة؛ لكان في ذلك السلامة والغنيمة وإحراز الأصل استفادة الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلَّا أنه يَشغلك عن سُخف المني واعتياد الراحة وعن اللعب وكلٌّ ما تشتهيه، لقد كان له في ذلك على صاحبه أسبعُ النِّعم وأعظم المنَّة.»
أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ
المحاسن والأضداد
💘1
Classic
والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحَذ طباعك وبَسَطَ لسانك وجوَّد بيانك وفخَّم ألفاظك وبجَّح نفسك وعمر صدَّرَك ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«واعلم أخي - أيَّدَكَ الله - أن أول معين لك، النَّظَرُ في أصلِكَ الأَوَّل، وتوصِيفَكَ الأشمَل، فأنت من قَبلُ ومن بعدُ إنسان، ولتعلَمَنَّ أنَّ غورَك الملآنَ حَملٌ علَيك، وثقلَ يجرُّكَ من الحقُّ إلَيك، وإن لك ـ بحالِكَ هذا - نصيبًا من الوُجودِ فإن فَكّرتَ صَيّرَكَ الفِكرُ إنسانا، ثُمَّ عليك بترك القيلِ والقال، إلى لزومِ الكتاب والمَقَال، وليكن معينك في ذلك شدة البأسِ وعدم اليأسِ، وانتبه - رعاكَ الله - أن تركن إلى أَوَّل مستقر تصله، وأول نتيجة ترضاها، بل داوم البحثَ، واشحذِ العقلَ، وعَوِّد النفس، وتثبت من كل شَيء، ولو صَيّرتَهُ معدوما من أيِّ شيء، وتزود من كل باب، واطوِ المعارفَ طَيّ الفهارسِ أجزاءَ الكِتاب، واحترس من فَخِّ الاستبصار، فإنه مناط الانهيار، بل قَوِّ البصائر بجمع الذخائر، ودعك ثم دعك من كثرة الخواطِر، تكُ للحق ناصِرًا ويكُن لك الحق ناصر، وإياك ومحبّةُ الجِدَال، وكثرة الفُتيا عند السُّؤال، فطالب الحقيقة مترفع عن الأولى، متنازل عن الثانية، وإياك أن تهتم للكثرة والقلة والمدح والسخرية، فالحق حق كَثُرَ عارفوه أم قَلُّوا، وإن لهم من الشواهدِ ما لهم حيث صاروا وحَلُّوا، وإنِّي لأجد شيئًا من هذا المعنى - أي عدم تلازم السخرية والازدراء مع الخطأ والضلال - في قول صاحبِ الصناعَتَين حين قال:
واكتفي من الأخلاء بالكتب، أو من كان منهم كالكتاب، يُعينُك ويفهِمُك، ولا يُقصيكَ ويُجبِرُك، هذا ما لدَيَّ يا أخي، والله يُعينكَ ويَنصُرُك.
«واعلم أخي - أيَّدَكَ الله - أن أول معين لك، النَّظَرُ في أصلِكَ الأَوَّل، وتوصِيفَكَ الأشمَل، فأنت من قَبلُ ومن بعدُ إنسان، ولتعلَمَنَّ أنَّ غورَك الملآنَ حَملٌ علَيك، وثقلَ يجرُّكَ من الحقُّ إلَيك، وإن لك ـ بحالِكَ هذا - نصيبًا من الوُجودِ فإن فَكّرتَ صَيّرَكَ الفِكرُ إنسانا، ثُمَّ عليك بترك القيلِ والقال، إلى لزومِ الكتاب والمَقَال، وليكن معينك في ذلك شدة البأسِ وعدم اليأسِ، وانتبه - رعاكَ الله - أن تركن إلى أَوَّل مستقر تصله، وأول نتيجة ترضاها، بل داوم البحثَ، واشحذِ العقلَ، وعَوِّد النفس، وتثبت من كل شَيء، ولو صَيّرتَهُ معدوما من أيِّ شيء، وتزود من كل باب، واطوِ المعارفَ طَيّ الفهارسِ أجزاءَ الكِتاب، واحترس من فَخِّ الاستبصار، فإنه مناط الانهيار، بل قَوِّ البصائر بجمع الذخائر، ودعك ثم دعك من كثرة الخواطِر، تكُ للحق ناصِرًا ويكُن لك الحق ناصر، وإياك ومحبّةُ الجِدَال، وكثرة الفُتيا عند السُّؤال، فطالب الحقيقة مترفع عن الأولى، متنازل عن الثانية، وإياك أن تهتم للكثرة والقلة والمدح والسخرية، فالحق حق كَثُرَ عارفوه أم قَلُّوا، وإن لهم من الشواهدِ ما لهم حيث صاروا وحَلُّوا، وإنِّي لأجد شيئًا من هذا المعنى - أي عدم تلازم السخرية والازدراء مع الخطأ والضلال - في قول صاحبِ الصناعَتَين حين قال:
«ينبغي أن يُتَكَلَّم بفاخر الكلام، ونادره ورصينه ومحكمه عند من يفهمه عنه، ويقبله منه، ممن عرف المعاني والألفاظ علمًا شافيًا؛ لنظرهِ في اللغة والإعراب والمعاني على جهة الصناعة، لا كمن استطرف شيئا منها؛ لأنّ العامي إذا كلّمته بكلامِ العِلية سَخر منك، وزرى عليك؛ فينبغي أن يُخاطب كلّ فريق بما يعرفون، ويتجنّب ما يجهلون.»
واكتفي من الأخلاء بالكتب، أو من كان منهم كالكتاب، يُعينُك ويفهِمُك، ولا يُقصيكَ ويُجبِرُك، هذا ما لدَيَّ يا أخي، والله يُعينكَ ويَنصُرُك.
- مُعاذُ بنُ عبدِ اللَّه
💘1