باسم بشينية
7.47K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
يحكم الواقع بالهزيمة، على كل من يجعل تاريخًا مثقلًا بالإخفاقات مرجعًا ونموذجًا يحتذى. هذا هو الدرس الذي يفترض أن يكون واضحًا!
عيدكم مبارك كل عام وأنتم بخير 🌹
مع قصة المشايخ مع الحروب؟ أحدهم كأنما قدم إحصائية حصرية، دراسة قياسية كميَّة، كشف فيها أن ما نسبته ٥٠٪ من الشعب الإيراني قد (ألحد). والآخر يرى (بناء على أي مؤشر يا ترى) تحالفًا عربيًا إسلاميا وشيكًا، مع أنه بعد أسبوع من الحرب قررت رئاسة وزارته شل الاقتصاد الليلي برمته توفيرًا للكهرباء.
من أين تأت تحليلات ودراسات هؤلاء؟ 🤔
عندما يتكلم المنطقي والمتكلم!

واحد من أكثر الأشياء فجاجة هي المشاركة في التاريخ من خلال منطق (علم الكلام) لن تر سوى كمية ضخمة من الإلزامات والمقاييس، وإن قلتم قلنا، فيقال لهم، لن يتم بحث حقيقة مسألةٍ واحدة، اللهم النجاة والسلامة من الافحام، فليس لدى هذا النوع الفج، غير اللوازم والفرضيات. لكن سؤال (بعيدً عن كل شيء، ماذا حدث؟) مستحيل أن يسأل.

ولك أن تتخيل انتقال هذا السلك إلى السياسة، وتحويل قضايا موضوعية من قبيل: من يسيطر؟ من حليف من؟ من يمتلك خطوط إمداد؟ أو حتى من يمتلك القدرة على المبادأة، أو على الاستمرار، إلى: ماذا يلزم من قولك؟ ما الذي يترتب عليه لو سلمنا به؟

من أمثلة الصداع الذي قد يصيبك عند حوار هذا السلك، الذي لا يزال يرى العالَم من محفوظات السلم المنورق، أنك لو حللَّت وضعًا بأن دولةً ورَّطت غيرها ثم اختارت طريق المفاوضات، قد يقال لك، لو سلمنا بأنها ورَّطت غيرها، فإما أن يكون عن قصد أو عن اضطرار، فلو كان عن قصد، فهي فاعل مختار، والمختار مسؤول، والمسؤول يمتنع أن يفاوض إلا عن ضعف، والمفاوضة عن ضعف يلزم عنها العجز، والعاجز غير ملام، وإن كان عن اضطرار لا عن قصد، فالمضطر يفعل ما لا يباح عند لأنه في مقام اضطرار.

مع أن السياسة لم تكن يوما نسقًا منقطيًا مغلقًا أو ساذجًا هكذا كالقضايا الكلامية السخيفة، هي في الحقيقة حقل احتمالات مفتوح، فقد تكون تلك (الدولة) قاصدة لتوريط غيرها ومضطرة في نفس الوقت، أو قوية وتفاوض في نفس الوقت، أو تورط محيطها وتنسحب سريعًا لنقل الجبهة إلى خارج حدودها. فالواقع، مثله مثل الواقع السياسي لا يخضع لقانون إما/أو.

في السياسة لا توجد لوازم حتمية (إن سلمنا بكذا، لزم كذا) القرار السياسي لا ينتج عن قانون منطقي ثابت، لذلك يقال دائما (السياسي والمبادئ/الوعود) لأن مبادئ الحزب نفسه، قد تنكس أحيانًا لأن الظرف تطلب ذلك، لذا يصدم الجمهور بإخلاف السياسي لوعوده في أحيان كثيرة، بعد وضعه خلال الدعاية للوازم حتمية (لو فزت، سأفعل...)، فلو حصل (أ) فالبنسبة للسياسي لن يحصل بالضرورة (ب)، قد يتجه بباسطة إلى تقدير داخل سياق معين يجعل بعض الخيارات أرجح من غيرها، أي لا يوجد حتمية، بل عدة نتائج ممكنة، ويبقى أحدها أقوى احتمالًا تبعًا للظروف. قد تتغير (أ) أصلا، قبل الوصول إلى (ب).

الخطاب الكلامي، أو طريقة تفكير المتكلم، أو المنطقي، هي طريقة تجريدية، مبنية على أساس غير سياقي، حتى في علم الكلام، اعتماد تقطيع الواقع، فصله عن بعضه، عدم اعتبار السياق، لذلك يعطي المتكلم للكلمة معنى ابتداء، ثم يحاكم السياق لها، لا العكس. الخطاب الكلامي يفترض دوما لحظة ثابتة.

لكن السياسة، كونها أعلى ممارسات الواقع هي عبارة عن سلسلة زمنية، سياسية، هي فن الممكن، هي فن التعامل مع شبكة متغيرة من الفاعلين، والفرص، مع التغير بدل الثبات، مع التشابك بدل الفصل، مع الزمن بدل اللحظة، والأهم مع الإمكان بدل الضرورة.

لأن المنطقي، الذي يحتاج دومًا لأشياء ثابتة لأجل البناء عليها، سيجد العناصر السياسية نفسها، كالدول والتحالفات تتغير أثناء التحليل باستمرار، فالنتائج اللازمة محض هراء، لأنها مبنية على معطيات غير مستقرة.

لقد تحالف الشيوعي مع الرأسمالي، العدو الألماني أصبح حليفًا للسوفييت دون أن تتغير أيديولوجيته، والسوفييتي بنفس العداء الأيديولوجي تحالف فيما بعد مع الإمبلريالي الغربي، التحالفات لم تعكس المبادئ، العدو لم يبق عدوا دائما، لقد حُرِّرت فرنسا من ألمانيا في ١٩٤٤ بجنود السوفييت الذين حاربتهم فرنسا في ١٩١٨، هذا في السياسية مفهوم، هو الأصل، لكن لدى المنطقي عبارة عن شق وادٍ في مرتفع، تناقض!

أي، لا يمكن أن تقترح مقاسيس كلامية لمن يحلل، لأنه يحلل لحظةً بلحظة، أيُّ لازم تستنتجه منطقيًا لتجعل التحليل ضمن سياق جدلي معين، قد يتهاوى بالكامل في لحظة يتغير فيها التحالف فجأة، ولأنك لا تسأل "ماذا حدث" أنت تسأل "كيف أجعل ما حدث متسقًا مع قواعدي" ستضطر دائمًا لصرف الأنظار عما حدث، إلى قواعدك، التي لا وجود لها في ساحة الواقع، وأي تصور مختلف لما (حدث) ستعتبره هجومًا على قواعدك!

لهذا ترى أن حرب الشرق الأوسط على قدم وساق، حول مضيق هرمز، البرنامج النووي، ضرب منشئات نفطية، مضيق باب المندب، عودة دول آسيوية للفحم، ارتفاع الهيليوم بنسبة ١٠٠٪، بنيات تحتية تحت التهديد لعدة دول، دول كبرى فرضت غلق المحلات بعد الساعة ٢١:٠٠ ليلا توفيرا للشحنات، لكن في الأوساط هنا تجد نقاشًا فيه ١٪ مما سبق، ثم ينجر سريعا إلى إلزامات منطقية، ثم العودة إلى المقررات والحواشي، وفجأة تبدأ معارك (نسخ/لصق) من الشاملة حمايةً للقواعد، التي لا تأثير لها في بعوضة!

كن منطقيًا أو متكلمًا، أو فقيها، لك ذلك، كن فيزيائيا يا أخي، المشكلة ليست في أي من هذه العلوم، المشكلة في تطبيقها خارج مجالها، في التشدق بمقاييسها، التي لم توضع لغير بنيتها الضيقة، والتبجح بها في كل حدث سياسي، أو طاقوي، أو اقتصادي.
أشهر القواعد السياسية السخيفة في العالم العربي!

١- لا يمكن لأي دولة أن تدعم عدوًا لها. هذه قاعدة ساذجة والواقع السياسي يرفضها، لقد دعمت أمريكا فصائل (ج) في أفغانستان، ضد السوفييت، وهذه الفصائل تحولت لاحقا إلى تهديد مباشر لأمريكا، والقاعدة السياسية الأصح هنا هي ترجيح إضعاف عدو مباشر مقابل خطر مستقبلي، فالخطر المستقبلي لا بأس به إذا حقق مكسبًا آنيًا بإزاحة خطر أكبر منه. كما دعمت أمريكا صدام في حربه ضد إيران قبل أن تبدأ بحربه فيما بعد!

٢- الدول لا تتخلى عن حلفائها، والتخلي هنا خيانة. هذه أيضا من أكثر القواعد الرائجة رداءةً، إذ تخلت أمريكا مؤخرًا عن حلفاء معتبرين لها في سوريا وهم الأكراد، لاقتناعها بأداء خصمهم الأول في تحقيق أهدافها، القاعدة الأصح هنا هي أن التحالف ليس عقدًا أخلاقيًا هو مجرد وظيفة مؤقتة. لذلك فالتحالف بين أمريكا وبريطانيا والسوفييت، انتهى بانتهاء وظيفته المؤقتة وهي القضاء على المحور بانتهاء الحرب العالمية الثانية.

٣- السيطرة العسكرية تعني حسم الصراع. هذه أيضا من القواعد الشائعة وهي نتيجة استعجال الشعور بنشوة النصر، الواقع السياسي قد يفرض أن السيطرة العسكرية مجرد مرحلة مؤقتة، القاعدة هنا هي أن من ينتصر هو الأقدر على صياغة مساحة للمناورة في ظرف مناسب، وأن الصراع طبقات، والسيطرة العسكرية هي طبقة واحدة، ولا تكفي لوحدها، لذلك جاءت جبهة التحرير، بتصور عسكري، سياسي، اقتصادي، تحالفات، وخطوط إمداد، تكامل بين طبقات الصراع، بعد قرن من السيطرة العسكرية الفرنسية، فحسمت الصراع لصالح انتصار الجزائر.

٤- تحديد مصالح أي دولة بشكل واضح. وهذا من أكثر الأمثلة شيوعًا، وهي ادعاء سهولة تحديد مصالح أي دولة وادعاء ثباتها، وهو غير واقعي، مصالح روسيا كانت مع ألمانيا، ثم مع الحلفاء، ثم مع ثنائية القطب خلال الحرب الباردة، فهي غير ثابتة. القاعدة هي أن مصالح كل دولة غير ثابتة، وهي تتغير باستمرار، مع تغير الظرف والشرط.

٥- من ليس معنا فهو ضدنا. قالها جورج بوش في لقاء، وترددت في أوساط الإسلاميين بشكل واسع، وأضحت ذهنية بل طريقة تفكير، لكن جورج بوش نفسه لم يتعامل بالمقولة بصرامة، باكستان مثلا كانت حاضنة لكثير ممن هم (ضد) أمريكا يومها بالمفهوم الذي قصده بوش (الإسلاميون) لكن بقيت باكستان شريكا اضطراريا لأمريكا، وقدمت لها كثيرا من الدعم. سلطنة عمان حياد يجعل كلا من أمريكا وإيران والخليج لا يعتبرونها عدوًا، ولا يصنفانها كدولة معادية. أسبانيا لم تكن مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ولم تكن من مشاركة في الحرب إلى صف دول المحور أيضا وتبنت ما عرف بالحياد الرسمي، ليس كل من لم يكن مع محوَر أو شبكة حلفاء، هو مع عدوهم بالضرورة! فهذا في الحروب على مستوى الدول، فكيف بالنقد والتحليل على مستوى الأشخاص المتابعين!
"وكما اكتشف القادة العسكريون، من جورج واشنطن إلى نابليون، لا يمكن كسب الحرب من دون ملح.

وخلال اندحار نابليون عن روسيا، مات الآلاف من جنوده بسبب جروح طفيفة لأنه افتقر إلى الملح اللازم لتطهيرها. ويلزم الملح لأكل الجنود ودوائهم، وكذلك لكي تقتات منه جياد الخيالة وأحصنة الجر، التي تنقل الإمدادات والمدافع والمواشي التي يعيش عليها الإنسان.

وقد شكَّل الملح جزءًا دائمًا من راتب الجندي الكونفدرالي (الجنوبي). ففي العام 1864، شمل التموين الشهري لكل جندي 5.4 كيلوغرام من قديد الخنزير، و11.8 كيلوغرام من القمح الخشن، و3.2 كيلوغرام من الطحين أو البسكويت، و1.36 كيلوغرام من الرز، و680 غرامًا من الملح، مع خضروات موسمية، والحال أن تلك القائمة بقيت قائمة أحلام، ونادرًا ما تحققت فعليًا".

(كيرلانسكي، مارك، (2005) تاريخ الملح في العالم، ترجمة أحمد حسن مغربي، عالم المعرفة، الكويت، ص 203).
مفوض ضد التفويض!

من أكثر المفارقات غرابة، أن تأخذ على أهل الكلام تمذهبهم باللاهوت السلبي، وهو وصف الإله بالسلوب، أو تأخذ موقفًا من التفويض، ثم تمارسه عمليًا إذا ما تعلق الأمر بالتاريخ والسياسة وهما من عمل وصفات البشر، أن يكون واقعك باستثناء هذا سلبًا في كل شأن، في السياسة لا ترى، وفي التاريخ مفوض، وفي القدر تسر، ترى ما أثمر لديك اتخاذك لموقف تجاه الوصف بالسلوب؟ أن تخوض حربًا معرفية في إثبات معنى الصفة إذا ما تعلق الأمر بالحديث عن الله، لكن ما أن ينحرف الحديث إلى بشر، تفوض كل معنى!

ابن تيمية كان أكثر اتساقًا من هذا، فقد كتب في كل شأن وأسهب، ولم يمانع من الخوض في شأن، إجتماعيًا كان أو سياسيًا، أو تاريخيًا، كان يرى أن الموقف من التفويض يعم على جل ما يطيق البشر أن يتجادلوا فيه، لذا اعتبر التفويض شرَّ المذاهب، فمآله جعل القرآن غير معلوم المعنى، مع أن لكل كلماته معنى، فهو كلام بحرف وصوت، موضوعيًا هو واقع. فكيف يكون ما فيه لا معنى من ورائه، أو من يقول: لا نعلم ماذا تعني أصلا هذه اللفظة، ولا يجوز بحث معناها، فهو كمن يرى واقعةً موضوعيَّة أو تاريخًا ثم يمنع أن يكون لها معنى.

فكيف بمن يقول: لا يجوز البحث في معنى واقع حدث أصلا! وفي القرآن تأكيد على أن الوقائع أدعى لأن تتدبَّر ويعتبر بها، فالاعتبار أن يقرن الشيء بمثله فيعلم أن حكمه مثل حكمه، فجل الوقائع التي يعرضها القرآن، لا يأتي منها شيء مفوض المعنى، بل لا يرد إلا بوصفه آية وعبرة وبينة، وكثير منها أحداث تحمل بعدًا سياسيًا، وجاءت فيه قابلة للفهم والاعتبار!

صحيح أن باب الصفات والتاريخ، ليسا واحدًا، لكن العلة الجامعة بينهما هي تعطيل المعنى؛ فإذا كان ابن تيمية يرفض تفويض معاني نصوص الصفات لأنها تجعل الوحي غير مفهوم الدلالة، فمن باب أولى ألا يتحول التاريخ السياسي البشري، وهو أفعال بشرية ظاهرة، إلى مجال ممنوع من الفهم والاعتبار والتحليل.

وقد جاء في الكتاب (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار) فقوله (فاعتبروا يا أولي الأبصار) هي من الآيات التي جاءت بعد عرض واقعة سياسية، وهو ما تعلق ببني النظير، جماعة لها حصون، وديار، وتقدير للقوة، ينتهي أمرها بالإجلاء والهدم، فعرض عناصر الحدث، الديار والإخراج والحصون، والتقدير السياسي (وظنوا) والمفاجأة، والانهيار، فالقرآن ما عامل واقعا على أنه حدث ممتنع الدلالة، على خلاف ذلك، عامله كمادة للفهم والاعتبار.

إن من يفوض التاريخ والسياسة تفويضا عمليا، فيجعل وقائع البشر الكبرى خارج الفهم والتحليل والاعتبار، لا يمارس ورعا بقدر ما يعطل وظيفة قرآنية أصيلة. لأن القرآن لم يورد الوقائع ليغلق معناها، وإنما ليكشف سننها، ويميز عللها، ويجعلها مادة للعبرة، فالورع المشروع هو أن لا يقال بغير علم، أما تحويل كبريات الأحداث منطقة صامتة، ومنع النظر في دلالات الصراع والسلطة والعدل والظلم والغلبة والانحراف، فيها، بل وفي قضايا نعيش آثارها في كل تفصيل، ما هو إلا خيانة لمذهب رفض التفويض، وتعطيل لامتداداته!
لما عزم الحجاج بن يوسف على أن يجعل الديوان في العراق بالعربية قلَّد ذلك صالحًا بن عبد الرحمن، قال له مردانشاه بن زادان، وكان هو الكاتب الفارسي الذي كان ديوان العراق بيده، "قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية". [١]

ولما عزم عبد الملك على نقل الديوان إلى العربية، كلف سليمان بن سعد بذلك، وكان مسؤول الديوان قبله سرجون بن منصور، والد يوحنا الدمشقي، وكان سرجون كاتبَ معاوية ويزيد ومروان ابن الحكم وعبد الملك بن مروان. فلما بلغ سرجون أمر تعريب الديوان في الشام، لقيه قوم من كتاب الروم فقال لهم: "اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم". [٢]

[١] فتوح البلدان، البلاذري، دار الهلال، بيروت، الطبعة الأولى- ١٩٨٨م، ص٢٩٤.
[٢] فتوح البلدان، ص١٩٣.
باسم بشينية
Photo
الأسعار الجنونية للأغنام!

واحدة من أغرب التناقضات الأنانية، تلك الضجة التي تقع مع اقتراب كل موسم، تدعو لمعاقبة أخلاقية جماعية لتجار الأغنام، الذين يرفعون السعر لأعلى مستوى، من طرف أشخاص كانوا طيلة السنة مدافعين عن اقتصاد السوق، والسوق الحر، والعرض والطلب، ضدَّ الدعم، وضد تدخل الدولة والمجتمع في السوق والتسعير!

لكي تفهم صديقي الرأسمالي، أو لنقل، الرأسمالي بدون رأسمال، إذا قبلت بمنطق السُّوق الحر، عليك أولا تحمُّل نتيجته عند الندرة الموسمية، هنالك فرق بين السعر الطبيعي، وبين سعر السوق في الرأسمالية، السعر الطبيعي يغطي السعر المعتاد، لكن سعر السوق، وهو البنية الركيزة في التصور الرأسمالي، لأنه انعكاس للعلاقة بين الكمية المعروضة والطلب الفعال.

سوق الأغنام، هو ضمن اقتصاد السوق، صحيح أنه يتعلق بمفاهيم دينية، وأخرى اجتماعية، مثل الحق الجماعي الموسمي ويدخل في صورة الكرامة الأسرية، الأب أمام عائلته، والعائلة أمام الجيران، كل هذا مفاهيم اجتماعية، لكن من ناحية اقتصاد السوق لا يوجد أي فرق في المنطق، هو سلعة كأي سلعة تخضع لعرض وطلب! لا لأن الغلاء جميل، لا، المنطق هو ما يجب أن يكون موحدًا!

لكن أن تتحول مع موسم عيد الأضحى، لخطاب الأضحية شعيرة، والناس لا تستطيع، ويجب مراعاة القدرة الشرائية، فهنا بدأت تلامس الخطاب الاشتراكي الذي كان محل سخريتك طيلة السنة، وصرت تعترف ضمنيا بأن السوق لوحده لا يكفي وأن هنالك سلع ومناسبات واحتياجات لا يمكن تركها بالكامل لمنطق الربح والندرة. وحين تعتبر السوق حكمًا طيلة السنة، في الضروريات، والسكن، والعقار، والدواء، تبدو مضحكًا عندما تغضبك النتيجة إذا حكم السوق ضدَّك في الأغنام!

يمكن أن تمتنع عن الشراء، نعم، لكن لا يمكنك الحكم بعدم أخلاقية السعر عندما يكون في غير صالحك، ما دمت تقدس الآلية التي انتجته، أنت لا تعرف الشيء في ذاته أساسا، ويمكن للموال بالقدر نفسه أن يعتبر انخفاض السعر غير أخلاقي أيضا.

في الماركسية، للسلعة وجهان، وفصَّل ماركس في هذا مليًا في رأس المال، وجه يمثل القيمة الاستعمالية، والآخر يمثل القيمة التبادلية وهي صورتها في السوق، وأن تتذكَّر القيمة الاستعمالية لأغنام موسم الأضاحي وهي القيمة الدينية، والاجتماعية، ثم تسحب على منظومة الدعم كل هذا، فلا ترى ارتباطًا لرمزيات عدَّة كالكرامة والأسرة بسلع أخرى مثل السكن الاجتماعي، والدَّواء المدعَّم، والغذاء بشكل عام، أو حتى التعليم المجاني، فهذا ليس سوى تناقض، لأن اعتراضك على غلاء الأغنام، الموسمي، هو اعتراف ضمني بأن التسليع الكامل للحياة يولِّد ظلمًا اجتماعيًّا! فلماذا تدفع النقاش حول اقتصاد السوق فقط عند تعلقه بهذا الموسم؟ لأن القدرة الشرائية متراجعة؟ طيب!

السوق في الرأسمالية، لا يعرف الرغبة لوحدها، هو يعرف الرغبة المقترنة بالقدرة على الدفع، بمعنى، الفقير قد يرغب في سلعة، لكن لن تتحول رغبته إلى طلب فعال إن لم يكن قادرا على دفع ثمنها، لذا، إذا صرخت إلى الصباح بأن الفقير لا يستطيع شراء أضحية، أنت تصرخ ضد منطق السوق نفسه! لأن السوق لا يترجم الحاجة إلى طلب إلا عندما تكون تلك الحاجة مدعومة بالقدرة على الدفع، وبهذا تضحى قاعدة "السوق لا يعترف بغير القدرة الشرائية" مزاجية، تأتي حسب الظرف، وليست اقتصادًا!

نرجع إلى جزئية المقاطعة الجماعية، المقاطعة هي اقتصاديًا خفض الطلب لإجبار السعر على النزول، هي آلية عادية، لكن تحوُّلها إلى مفهوم يجب ألا يكون السعر فوق قدرة المواطن البسيط، تجعلك قافزًا بين المذاهب من جديد، غادرنا منطق السوق، إلى منطق الاستحقاق الاجتماعي، ومرحبا بنا في رحاب الاشتراكية الاجتماعية!

الجزئية الأهم التي تكشف لا علمية الداعي لاقتصاد السوق، والذي يتألم له أيام عند الأسعار الموسمية، أنك لن تجد أي بحث في طفرة أسعار النقل، والمركبات، والعقار، وحتى اليد العاملة، لا، وبل يظل سنة كاملة يسخر ممن يقبض يوميًا مبلغ 1000 دج، كعامل يومي، ويصفه بالعبد، ثم يطلب من صاحب العمل ألا يرفع سعر السلعة ويحمي هامش ربحه وقدرته الشرائية وطموحه للثراء، أليست هذه هي الصورة الرأسمالية المثلى للتاجر؟

الموال ليس تافهًا، هو متعامل اقتصادي، والطبيعة متسقة، ارتفاع أسعار كل شيء، يعني ارتفاع أسعار سلعه هو أيضا.

والدعم الذي يتناول بسخرية لدى المغامرين هؤلاء، هو علميا نقل لجزء من التكلفة من المستهلك المباشر إلى الجماعة أو الدولة، وهو جزء من النظام الذي يسخرون منه لسنوات، والآن هم يتعرَّضون لنتائج تلك السخرية بألم، نعم، يمكن نقد الدعم بسبب التشوهات التي تعرَّض لها، أو لسوء استهداف الطبقات، أو لواحقه البيروقراطية، لكن وظيفته تظهر دائمًا لحماية القدرة الشرائية عند عجز السوق عن إيصال سلعة مهمة إلى فئات واسعة، فبالنسبة لك كرأسمالي، فرداني، لا تحبذ المفاهيم الاجتماعية، وتدخل الدولة في السعر، من سيدفع الفرق؟
باسم بشينية
Photo
الموال؟ هذا يعني خفض ربحه، وهو جزء من السوق الذي تدافع أنت عنه أساسًا، أو الدولة؟ وهذا دعم، أم الأغنياء؟ وهذا إعادة توزيع للثروة، أيضا سلوك اجتماعي في الاقتصاد، فلماذا يقاطع من يستطيع الشراء لصالح من لا يستطيع في ظل تفكير فرداني رأسمالي لا يحبِّذ المفاهيم الاجتماعية؟ هل سيظهر السعر اجتماعي في الهواء؟ كل سعر اجتماعي له ممول! وإذا رفض تصورك الاقتصادي كل أشكال التمويل الجماعي لا يمكنك المطالبة برفض النتيجة الاجتماعية لذلك!