باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
العلمانية في مواجهة أبي بكر.

لما أصاب أذى قريش أبا بكر، استأذن رسول الله عليه السلام في الهجرة، فأذن له، فخرج فلقيه أبو الدغنة.

وبعد حديث دار بينهما قال له أبو الدغنة: فلتأت في جواري فأنا أكفيك ولن يلحقك أذى قريش، فوافق أبو بكر.

وكان له رضوان الله عليه مسجد جنب بيته يصلي فيه وكان يستبكي في صلاته، وكانت تتأثر لذلك النساء والصبية، فلما رأت قريش أنهم يتأثرون لاستبكائه، ذهبت لأبي الدغنة وقالت له:

"إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء"(١)

أنظر قولهم " فمره أن يدخل بيته فليصنع ما شاء" وحجتهم في ذلك خوفهم من أن يدخل النساء والصبية في دينه، فذاك في اصطلاحهم فتنة لهم منه.

فالنسق العلماني والأمر بحصر الصلاة والعبادات في المسجد دون غيره ليس وليد الحين ولو أنه وجد تقنينا واشتداد شوكة ونحوه، ولكن لكل قوم وارث، فما ورث أدعياء العلمانية إلا ما أخلفه لهم أهل الجاهلية.
_____

(١) السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، ج٢، ص٢٥
معرفة، أم ماذا؟

البحث المعرفي لا يعنيه الطريقة التي يتعامل بها كثير من المنتسبين إليه، في السباق على منصب بطل العالم في العلوم، هناك معرفة صحيحة وأخرى غير صحيحة، ولا يعنينا كثيرًا عقد المفاضلة بين قائليها، لكن للعديدين وجهة نظر أخرى، فلابد أن يقلبوا الأمر إلى مسابقة، قل لا إشكال ما دامت منافسة في المعرفة، لكنها تتحول إلى شيء يشبه ما يسمى hardcore في غناء الراب، حيث يستعرض المغني نقوده، وسياراته، ومجموعات نسوية حوله، وجرائمه المكذوبة التي يفاخر بها، لإظهار أنه أفضل!

فهو ينتسب إلى طلب العلم الشرعي، لكن لابد أن تجده في حملته يستعرض معرفته الموسيقية، وبأول حفلة غنتها أم كلثوم، أو عدد الروايات التي قرأها في موضوع لا يمت للرواية بصلة، أو يخبرنا بأمور لا يعنينا التحقق منها، بدون حاجة، كنت أقرأ الكتاب الذي حفظت نصفه في بداية طلبي، هل سيسمّع له القارئ؟ ما الحاجة لهذه الجملة الاعتراضية سوى غايتها الاستعراضية؟

أو أنه يعرف أنواع العطور الفرنسية، فالرجل متبحر في العلم لدرجة أنه يعرف مناظرة حصلت في نادٍ ثقافي في نيويورك بين قس وأستاذ رياضيات، في مسألة بحثت في محاورات أفلاطون من قبل، لكنه مشغول عن قراءتها بمثل هذا الاستعراض، بحجة مطالعته للمستجدات، ومعرفته بالدقائق والخفيات، هذه الأمور يمكن أن يذكرها المرء أحيانًا على سبيل الأمثلة لتوضيح مقصد معين، لكنها تتحول إلى أوراق في اللعب وهو ينافس على المنصب المعرفي.

هذا المنصب، يتخيله كمقعد وزاري، يمكن أن يصل إليه برشوة فلان، لكن الرشاوى هنا في مدحه له وتفخيم شأنه منتظرًا رد الجميل، فإن لم يرد له المدح، جاوزه إلى غيره، حتى يقيم شبكة من العلاقات التي يمكن عن طريقها بنظره أن يصل إلى كأس أبطال المعرفة في العالم، وفي غمرة الاستعراض يذكر لنا في بداية طلبه أنه كان يحصل له مواقف كثيرة، وكأنه انتهى من مرحلة الطلب، ويمتدح المتخصصين حتى يقال هو منهم، بالمناسبة يمكن أن يحمل بعض المعرفة شخصيات لا يطاق لها منطق، ولا مقعد لها بين الرجال، وفي غمرة حذلقاتها، يكون ثقل ظلها أكبر من ثقلها المعرفي.

يوسف سمرين.
النضر ابن الحارث وفلسفة الاستغراب.

"وكان النظر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله عليه الصلاة والسلام... وكان قد قدِم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوم الفرس وأحاديث رستم واسفنديار.

فكان إذا جلس رسول الله مجلسا فذكّر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام: النظر بن الحارث، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منع فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟"

(السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، ج١، ص٣٢٨، بتصرف يسير)
👍1
بين علمانية عبد الله ابن أبي، وإيمان عبد الله ابن رواحة:

مر رسول الله عليه الصلاة والسلام بعبد الله بت أبيّ استحيا أن يجاوزه حتى ينزل.

فلما جلس رسول الله عليه السلام وتلا القرآن ودعا إلى الله، فلما فرغ رسول الله قال عبد الله بن أبيّ:

"يا هذا (يقصد رسول الله) إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا فاجلس في بيتك فمن جاءك له فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغتّه به (أي لا تثقّل عليه)، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه"(١)

وكان هذه ثاني مقالة من مقالات فصل الدين عن المجتمع -فيما أعلم- بعد مقالة أبي جهل في أبي بكر لما كان بجوار أبي الدغنة حيث أمره أبو جهل بأن يمنع أبا بكر من الصلاة والناس تنظر(٢)

فلما قال عبد الله ابن أبي ما قال، "قال عبد الله بن رواحة في رجال كانوا عنده من المسلمين: بلى فاغشَنا به وائتتا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله مما نحب ومما أكرمنا الله به وهدانا له"(٣)

___
(١) السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، ج٢، ص٢٢٨.

(٢) مرجع سابق، ج٢، ص٢٥.

(٣) مرجع سابق ج٢، ص٢٢٨.
👍1
"ما الفرق بين قولهم: رفع ونصب وخفض وجزم، وبين قولهم: ضم وفتح وكسر وسكون؟

ج: الفرق بينهما أن الأربعة الأولى مختصة بالمعربات، والأربعة الثانية مختصة بالمبنيات"

(النحو المستطاب، عبد الرحمن الأهدل، الطبعة الثامنة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ج١، ص٢٣، ٢٤)
"ما لا واحد له من لفظه أو له واحد ولم يستوف الشروط [فهو ملحق بجمع المذكر السالم] نحو: عالمون"

(النحو المستطاب، عبد الرحمن الأهدل، الطبعة الثامنة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ج١، ص٦٣)

هذه تعرض لها الطبري في تفسيره للفاتحة بأن من كلام العرب ما هو جمع لا واحد له، وذكر العالَم، في تفسير قوله "رب العالمين".

١) كل أهل قرن وزمان هم عالَم ذلك الزمان.

٢) من سبقهم ومن سيلحق بهم بعد ذهابهم ليس من مسمى العالَم في زمانهم.

٣) جمع العالَم (عالمون) والله رب هذا العالم الحالي، ورب العالم الذي قبله والعالم الذي بعده.

٤) فقوله " رب العالمين" أبلغ وأكمل في الربوبية، لذا لم يقل "رب العالم".

٥) يختصرها ابن عباس بقوله: الحمد لله رب العالمين: الحمد لله الذي له الخلق كله، فالعالم ليس كل الخلق، والعالمون هم كل الخلق.
قد دل القرآن على أن الذي كان الشيطان قرينا له فهو في إمتثاله لأمر قرينه محتَسب الهداية، وهذا لانتكاس شعوره فالمفسد لا يشعر بافساده.
فإذا انكشف الذي هو حق يوم الدين وكانا في النار تحسَّر قرين الشيطان حتى تمنى لو كان بينه و بين قرينه بعد المشرقين، فيتضمن هذا التمني تمنيه بعده عن سبيل الشيطان في الدنيا، فكان من لوازم قرانَة الشيطان له أن يلازم الإمتثال لأوامره، فمن لوازم قرانة الشيطان كما دل القرآن أن يصد المقارَن عن الحق.
والتحقيق أن القرين والمقارن ممتنع عنهما جلب النفع بما حققوا من ظلم، فهما في العذاب مشتركان، واشتراك الخلق في البلاء الدنيوي يحصل به التأسي، فإذا عم البلاء قل، وهذا منقطع عن المشتركان في العذاب الأخروي، لأنَ المقارَن يتمنى البعد عن قرينه الشيطان، فلو كان التأسي حاصلا لم يكن له ليتمنى بعده، وأصل كل هذا البلاء هو العشو عن ذكر الرحمن.

﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين۝وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون۝حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين۝ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون۝أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين﴾
👍1
طرد قاعدة ما لا يقبل الحس فليس بموجود (١)

هذه القاعدة التي يذكرها الدارمي في مناظرته، لها صدى على المستوى الفردي في إدراك الموجود حسيا، فالموجود موجود سواء حس به الفرد أو لم يحس به على شرط أن يقبل الحس في جملة الأفراد.

فإن قبل الحس في جملة الأفراد فإن اليقين بوجوده متوقف على الأثر الحسي لوجوده ولو لم يحس حسا مباشرا.

ابن تيمية عندما يذكر شيء وقع تلفيقه للغزالي مثلا يقول: وأهل الخبرة بكلامه يعلمون أنه لا يقول بهذا، مصطلح الخبرة لا يكون إلا بإتصال حسي إما مباشر كمن عايشوه أو لا مباشر لكنه مولد عن:

١) فاعل محسوس لم يحس به الفرد.
٢) ومفعول به قابل للحس المباشر عند الفرد.

مثلا أن يكون الغزالي هو الفاعل أي الكاتب للكتاب بإتصال مباشر بينه وبين القلم والورقة، وهذا الإتصال غير مدرك عندنا بحس مباشر.
وإنما يصلنا من ذلك مفعول الغزالي من فعل الكتابة، وهو الكتاب أو السفر، لقولك (كتب الغزالي سفرًا) فالسفر هنا مفعول به فعل الكتابة من فاعله وهو الغزالي، فهذا المفعول ندركه بالحس المباشر كأن نقرأ كتابه، وعند قراءة كتابه الأول يكون الإتصال الحسي أضعف منه عند إتمام قراءة كل كتبه، وبعد مباشرة كل كتبه يحصل في الذهن تصور لشكل الغزالي ونفسيته وحتى صورته وصوته وانفعالاته ونحو ذلك، فالأصل المعرفي هنا حسي لكنه مبني على القياس، لإشتراكه مع القرائ في القدر المطلق من صفاته والقدر الفارق المنفي نسبيا، فهو له وجه كوجه بني آدم ويد مثل أيدي بني آدم وهكذا، فقوة إدراك وجوده متوقفة على قوة إدراك مفعوله المحسوس.

مثلا الإمام مسلم، صاحب الصحيح، عند القراءة في صحيحه، لا يتحصّل إتصال حسي كأن يجول في ذهنك أنه يقوم ويتحرك ويتكلم وينفعل ويفكر ونحوه، بل يصعب على الذهن تركيب صورة لشكل الإمام مسلم وطريقة تفكيره ونحوه انطلاقا من قراءة صحيحه، لأن الكتاب يحوي مفعول (أحاديث) رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأكثر، فله النصيب الأوفر من الإتصال الحسي بمفعوله، وبما أن الرسول عليه السلام تكلم بتلك الأحاديث لا أنه كان يكتبها، فإن الإتصال الأقوى يكون مع النطق لا الكتابة، لأنك تتصور الإنفعال والحركة والصحابة من حوله يسألون وكذا، فإن الإتصال الحسي يكون أقوى إذا وصل المفعول على أنه كلام ملفوض قبل أن يكون كتابةً، فالقدر المطلق يلعب دوره هنا، لذا نقول: فإن أظهر الحواس وأقواها هو النطق.

يقول الباري عز وجل ﴿فورب السماء إنه لحق مثلما أنكم تنطقون﴾

يعقب ابن تيمية بأن الإنسان حي ناطق، و نطقه هو من أظهر صفاته اللازمة له، والنطق إما إخبار وإما إنشاء والإخبار أصل، فالقول بوجود أمة لا تقر بشيء من المخبرات إلا أن تحس المخبر بعينه ينافي ذلك.

يعني أن الإخبار عبر النطق من أظهر صفات البشر، ولا يساغ إنكار وجود موجود وصل [خبره] لمجرد عدم معاينته معاينةً مباشرة.

يتبع..
طرد قاعدة ما لا يقبل الحس فليس بموجود (٢)

الفاعل والفعل والمفعول، بالنسبة للباري، فالتفريق يجب أن يكون بين فعل الله وبين مفعول الله، كالتفريق بين كلامه كقوله (كن) وبين مفعوله الذي يكون بكلامه وقدرته كعيسى عليه السلام.

مثلا في مسألة خلق السماوات، في الآية الكريمة (الله الذي خلق السماوات والأرض) الفاعل هو الله، والفعل هو الخلق، والمفعول به هي السماوات.
هنا وقع نزاع بين النحويين في قضية المفعول (السموات) هل هو مفعول مطلق أو مفعول به.
ابن هشام وابن الحاجب والجرجاني قالوا بأن السماوات هنا مفعول مطلق.
واحتجوا في هذا بأن المفعول به يكون في الحدث لا الذات، أي يجب أن يكون موجودا قبل الفعل ثم يقع عليه الفعل فيسمى مفعولا به.
والمفعول المطلق هو ما لم يكن موجودًا قبل الفعل ثم فُعِلَ وقصدوا بهذا فعل الخلق كالسماوات.

وكانت هذه البدعة النحوية مخالفة لجمهور النحويين، والسماوات كانت مادتها موجودةً قبل أن يُفعل بها فعل الخلق لقوله ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ ومن هنا ينفتح باب أن الله يخلق الأشياء بواسطة الأشياء أي بواسطة عنصر وسيط بين فعل الخلق وبين المخلوق حيث يُفعل بالعنصر المخلوق قبل السماوات فعل الخلق فتُخلق السماوات، وهذا الأبلغ في الربوبية، لأنه ابلغ في عدم مماثلة المخلوق لربّه، فالباري أزلي الوجود ولم تكن له مادة وعنصر وجد منهما، بخلاف المخلوق.

يتبع..
👍1
طرد قاعدة ما لا يقبل الحس فليس بموجود (٣)

تبعا لما سبق فإن الباري هو فاعل فعل الخلق، وأن المخلوق كالسماوات مفعول بها فعل الخلق.

المعلوم أن التقسيم الشرعي للوجود على نوعين كلاهما مبنيان على قابلية الحس، وهما (غيب/شهادة) فالوجود إما غيب وهو قابل للحس، كالنظر لوجه الباري يوم القيامة وشهود الجنة ونحوه، وإما شهادة وهو ما تشهده الحواس هنا.

المفعول به لا يكون مفعولا به إلا بفاعل يفعله، وقد يكون الفاعل غيبا، كقولك "أشعل زيد الضوءَ" فإذا كان زيد في سيارة في الجبل، ثم أشعل ضوء السيارة فإن المفعول به فعل الإشعال هو الضوء، وزيد فاعل الإشعاا، أنا هنا أباشر بحسي مشاهدة الضوء، وهو مفعول فعله زيد، لكن لا أباشر زيدا فهو غائب حواسي، كل من يكون في موقفي فإنه يثبت وجود زيد لحسه بمفعوله ولو لم يحس بزيد حينها.

مخلوقات الباري عز وجل كلها مفعولات، خلقها سبحانه وتعالى، هنا تأتي مسألة التفكر في خلق السموات والأرض، بإعتبار أنها مفعولات فعلها الله تباشر بالحس عند كل فرد.

فيقال: كلما قوي فعل التدبر لمخلوقات الباري التي هي مفعولاته قوي العلم به لأنها لا تكون إلا بفعله وفعله قائم به، ومردود ذلك زيادة يقين المتدبر بوجود باريه وزيادة أثر ذلك عليه كالخشية من عذاب النار ونحوه، وهذا يحصل تبعا للحس المباشر بمفعول الباري، وهو التفكر والتدبر في مخلوقاته كالسماوات والأرض.

يتبع..
طرد قاعدة ما لا يقبل الحس فليس بموجود (٤)

في رسالة يوسف سمرين في المعرفة القلبية عند ابن تيمية، يذكر أن المعرفة تبدأ بالحس ثم يجردها العقل ويعمم ثم يقيس ما غاب على ما شهد، وهذا مبني على طرح ابن تيمية كما في كتبه.

فيكون الحس هو النافذة التي تعكس وقائع العالم الموضوعي إلى الذهن، وبداية التصور تكون للموجودات ثم يكون تصور معنى العدم فرعا على هذا فيشاهد إنعدام الأشياء الموجودة فيستنبط من هذا مفهوما كليا مجردا للعدم.

المعلوم أن نقيض الوجود هو العدم، وليس هذا مبحثنا، وإنما ذكرته لتقريب مسألة الحياة والموت من ناحية الإدراك الحسي، فالإنسان الحي ملازم للحياة ما دام موصوفا بأنه حي، والمعلوم أن الموت صفة وجودية لا عدمية، إذ العدم لا يوصف بأنه مخلوق لأن المخلوقات أشياء والعدم ليس بشيء، والموت لكونه صفة وجودية فهو يستشعر به إذ لا يستشعر بما هو عدمي فلا شعور باللاشيء، ولا يستشعر بالموت إلا بعد تصور الحياة كفرع ناتج عن معاينة سلب صفة الحياة من الأفراد، وبهذا يقع استنباط مفهوم كلي مجرد للموت كصفة موجودة قابل للحس وحتمية لكل فرد.

بالنسبة لقوة الحس فإن صفة الحياة لها النصيب الأوفر للزومها للأحياء مدة طويلة بخلاف صفة الموت فإن الحس بها وإستشعارها أقل بكثير لقلة إرهاصاتها في حياة الأفراد -وهذا نسبي من فرد لآخر، لكن هو الغالب- لذا يأتي التذكير به غالبا بما يفيد أن الذي يقع عليه فعل التذكير بالموت ناسٍ له، للزومه وفرحه واطمئنانه وألفته بما هو ضد له وهي الحياة، فلحظة مباشرة الحس الباطن لصفة الموت يقع السلب على صفة الحياة كي يُستشعر به كليا فالشيء لا يكون في محل حتى يفرغ المحل من نقيضه، وعلى قلة نسبة الحس به مع الحياة فإنه محسوس به حتما عند كل فرد من الأفراد فما لا يقبل الحس فليس بموجود، ومفهوم المخالفة: ما يقبل الحس فهو موجود.
في نظري هذه هي أنجع طريقة للخبرة بكلام ابن تيمية قدر المستطاع:

أن يحصل عندك علم بآلة اللغة والفقه وأصوله، والتفاسير الأثرية خاصة تفسير الطبري وهو المفضل عنده، والآثار النبوية خاصة الصحيحين، مع غزارة علم بكتب السلف فمنبع معقوله ومنقوله هو كتب السلف كما صرح بنفسه.

ثم هضم كتب المقالات خاصة مقالات الإسلاميين للأشعري فهذا له الصدارة عند الشيخ في هذا الباب، ثم تحصيل آلة الكلام والفلسفة، ومطالعة الكتاب أولا وفهمه واستخراج مراجعه وغالب كتبه يذكر محققوها مراجع الشيخ فيها.

طالع المراجع بدقة بعد القراءة الأولى لكتابه، فإن ذكر شيئا معزوا لمالك في الموطأ فطالع الموطأ، وإن كان معزوا للصحيحين فطالعهما، وإن كان رده على أرسطو فطالع المرجع الذي رد عليه، وإن كان للفرابي أو ابن سينا أو الرازي فعليك بنفس العمل.

ثم عد لنفس الكتاب وطالعه مرة ثانية فإن من فائدة الأولى تنبيهك على مواطن الزلل فأنت تطالع وتأخذ لمحة عن عقليته وفكره وتفكيكه لما في ذاك المرجع، ومن فائدة الثانية أنك تطالع وأنت عالم بما يرد عليه الشيخ، فتعطيك ربط ذهني رهيب، فكأنك معه وهو يؤلف، فإنه يطّلع على كتاب هذا ثم يرد عليه، ويطلع على كتاب هذا ثم يوجّه قوله، وأنت بهذا الحال كأنك تعيد تأليف نفس الكتاب، فهو يؤلف الكتاب في شهرين فكأنك أنت تؤلفه في خمسة أشهر، ولا يضرك هذا ما دام مآلك إلى حيازة علم ابن تيمية فضلا عن أعظم نفع وهو الظفر بمنهجيته كما بناها هو.

وفي نظري هذا ما يسمى بالتأصيل في قراءة كتبه رحمه الله، والله أعلم.
"اذا أراد امرؤ أن يعبر عن إعجابه بصفة لشيء ما، اشتق من مصدر هذه الصفة هاتين الصيغتين: ما أفعَلَه، أفعِل به"

(الموجز في قواعد اللغة العربية، سعيد الأفغاني، دار الفكر- بيروت، الطبعة؟، ٢٠٠٣م، ص١٦)

قوله تعالى (أبصِر به وأسمِع) تأويله أن الرسول عليه الصلاة والسلام تعجب من كمال سمع وبصر الباري عز وجل وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات.
وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة)

تفسير القرطبي.
👍2
الأبلغ في التعبير عن الذي انقضى من زمن قريب أن تقول عنه "ذلك" بدل "هذا"، وهو في القرآن كثير، أعني أن يقول الباري "ذلك" لكن بمعنى "هذا".

والفائدة هي أن "هذا" تعني القريب، و "ذلك" تعني البعيد، أما القريب المنقضي فيقال له "ذلك" لكن يعنى بها "هذا".
إمام عبد الفتاح في كتابه مدخل إلى الميتافيزيقا، في الصفحة ٧٤ عند كلامه عن موقف أرسطو من الخلق عند الإله، ينقل عن يحيى هويدي من كتابه: دراسات في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، ويذكر ذلك على الهامش.

لكن في الصفحة ٣٦ من نفس الكتاب يتكلم عبد الفتاح عن تقسيم اللاهوتيين، إلى موحدين وتعدديين وحلوليين ومؤلهين طبيعيين، ثم ملحدين سماهم الغزالي بالدهريين، بنفس تقسيم يحيى هويدي في كتاب (مقدمة في الفلسفة العامة ص٥٧) مع ذكر قول الغزالي، وبتغيير بعض الكلمات، لكن من دون عزو.

وعلى كل حال فتمثيله لتقسيمات لفلاسفة اللاهوت لا يسلم من النقد سواء بموجه عام أو بوجه خاص.
👍1
من كتاب مدخل إلى الميتافيزيقا لإمام عبد الفتاح
من كتاب مقدمة في الفلسفة العامة ليحيى هويدي
عامل الحرارة بين الخرشي وابن تيمية:

الخرشي:

الحكمة في أن الآبار في الشتاء حارة وفي الصيف باردة أن ليالي الشتاء طويلة فتغرب الشمس من عندنا وتطلع عند آخرين تحت الأرض تمكث عندهم إلى طلوع الفجر فيحصل بسبب ذلك حرارة في الماء بخلاف ليالي الصيف فإنها قصيرة والله أعلم"

(حاشية العلامة الصفتي المالكي على الجواهر الزكية في حل ألفاظ العشماوية في الفقه المالكي، تحقيق: الطهطاوي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى: ٢٠١١، ج١، ص١٥٠)

ابن تيمية:

"إذا برد الهواء برد ظاهر الأرض وظاهر ما عليها فهربت السخونة إلى البواطن فيسخن جوف الأرض ويسخن الماء الذي في جوفه ولهذا تكون الينابيع في الشتاء حارة وتكون أجواف الحيوان حارة فتأكل في الشتاء أكثر مما تأكل في الصيف بسبب هضم الحرارة للطعام وإذا كان الصيف سخن الهواء فسخنت الظواهر وهربت البرودة إلى البواطن فيبرد باطن الأرض وأجواف الحيوان وتبرد الينابيع ولهذا يكون الماء النابع في الصيف ابرد منه في الشتاء ويضعف الهضم للطعام.

(الرد على المنطقيين، ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، الطعبة الأولى: ٢٠٠٥م، ص٩٥)