باسم بشينية
Photo
دمويَّة الحجاج وعلم الآثار أمام أحداث العصر الرقمي!
إنَّ ما نشهده من حين لحين من صناعة الأكاذيب وتوظيف الصورة الرقمية في بناء سرديَّات زائفة يعكس صنيعة التزييف التاريخي الذي طالما شكَّل معمار الذاكرة الجمعية، فالاستثمار في العواطف، وإضفاء طابع الوثوقيَّة على المزاعم عبر "شهادات عيان" موهومة، كلها أدوات لطالما ساهمت في صنع تاريخ بديل يستمد شرعيَّته من وهج الحدث لا من دقَّة الوقائع.
وكما انطلت حكايات المقابر الجماعية والمتاهات الدموية في عهد الحجاج، حيث لم يكن النقد التاريخي قادرًا على التصدِّي لها، فإنَّ عصر الصورة ورغم تقدُّم أدوات التحقق لم يخرج عن النسق ذاته، بل زاده التراكم الرقمي تواطؤًا مع المرويات الزائفة فتحوَّلت الأخبار إلى منتجات استهلاكية تعيش دورة حياة قصيرة لكن ذات أثر تراكمي طويل، وقد يعيش لقرون!
مع تزايد الأكاذيب حول هويات وصور بعض الضحايا الوهميين، لدرجة أن العشرات تطير الحسابات بصورهم، ثم يخرج الضحايا المزعومون في منشورات ساخرة يكتبون: رحمة الله علينا، فهم أحياء يرزقون! بل وصل الادعاء إلى جعل شخصيات شهيرة ومنهم رجل مشهور من أهل السنة يعيش في ألمانيا وقد صدَّق الناس أنه ضمن هؤلاء! ما يصور لك بدقة كيف سيجري التعاطي مع الموضوع بعد عشر قرون عندما تتحول هذه المنشورات إلى روايات لأشخاص شوام، بصفتهم "شهود عيان" على دمويَّة ما يحصل!
ذكرتني السخرية الحاصلة بقصة رويت عن الحجاج بن يوسف، عندما قيل أنه دخل مسجد زياد بن أبيه في البصرة، فقتل ما يزيد عن سبعين ألفًا! وانطلت الرواية قرونًا، وقد جاءت كالتالي: دخل الحجاج المسجد وكان معه ألفا جندي من أهل الشام، ووزَّعهم مئتين مئتين على كل باب على أن يقتلوا كل من خرج من المسجد، فقالت الروايات أنَّه قتل في يوم سبعين ألفا حتى سالت الدماء إلى الطرقات.
ومع هذا، جاء عدد من المؤرخين المحدثين وقدموا عملًا أحفوريًا، وتبيَّنت البعثة الأثريَّة العراقية المرسلة إلى البصرة سنة 1965 أن مساحة مسجد زياد بن أبيه حينها كانت 10736م مربع، فمثل هذه المساحة لا تتسع لأكثر من عشرين ألفًا باعتبار أن المتر المربع الواحد لا يتسع لأكثر من اثنين من المصلِّين [1]
ومع أنَّ مسألة كهذه كانت تظهر ساخرةً حينها، إلا أنَّ وجود رواية لبصريين وكوفيين، وشيعة، بصفتهم "شهود عيان" لم يمنع انطلاء الكذبة بعد قرون على دموية الحجاج، فهذا في حادثة واحدة لم يختلف الأمر عمَّا هو حاصل اليوم في عصر الصورة وسرعة انتشارها وسهولة التحقق من مصداقيتها، فكيف بعصور لم يكن فيها غير التدوين ناقلًا!
[1] العراق في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، عبد الواحد طه، الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى، 2005، ص72/ 73
إنَّ ما نشهده من حين لحين من صناعة الأكاذيب وتوظيف الصورة الرقمية في بناء سرديَّات زائفة يعكس صنيعة التزييف التاريخي الذي طالما شكَّل معمار الذاكرة الجمعية، فالاستثمار في العواطف، وإضفاء طابع الوثوقيَّة على المزاعم عبر "شهادات عيان" موهومة، كلها أدوات لطالما ساهمت في صنع تاريخ بديل يستمد شرعيَّته من وهج الحدث لا من دقَّة الوقائع.
وكما انطلت حكايات المقابر الجماعية والمتاهات الدموية في عهد الحجاج، حيث لم يكن النقد التاريخي قادرًا على التصدِّي لها، فإنَّ عصر الصورة ورغم تقدُّم أدوات التحقق لم يخرج عن النسق ذاته، بل زاده التراكم الرقمي تواطؤًا مع المرويات الزائفة فتحوَّلت الأخبار إلى منتجات استهلاكية تعيش دورة حياة قصيرة لكن ذات أثر تراكمي طويل، وقد يعيش لقرون!
مع تزايد الأكاذيب حول هويات وصور بعض الضحايا الوهميين، لدرجة أن العشرات تطير الحسابات بصورهم، ثم يخرج الضحايا المزعومون في منشورات ساخرة يكتبون: رحمة الله علينا، فهم أحياء يرزقون! بل وصل الادعاء إلى جعل شخصيات شهيرة ومنهم رجل مشهور من أهل السنة يعيش في ألمانيا وقد صدَّق الناس أنه ضمن هؤلاء! ما يصور لك بدقة كيف سيجري التعاطي مع الموضوع بعد عشر قرون عندما تتحول هذه المنشورات إلى روايات لأشخاص شوام، بصفتهم "شهود عيان" على دمويَّة ما يحصل!
ذكرتني السخرية الحاصلة بقصة رويت عن الحجاج بن يوسف، عندما قيل أنه دخل مسجد زياد بن أبيه في البصرة، فقتل ما يزيد عن سبعين ألفًا! وانطلت الرواية قرونًا، وقد جاءت كالتالي: دخل الحجاج المسجد وكان معه ألفا جندي من أهل الشام، ووزَّعهم مئتين مئتين على كل باب على أن يقتلوا كل من خرج من المسجد، فقالت الروايات أنَّه قتل في يوم سبعين ألفا حتى سالت الدماء إلى الطرقات.
ومع هذا، جاء عدد من المؤرخين المحدثين وقدموا عملًا أحفوريًا، وتبيَّنت البعثة الأثريَّة العراقية المرسلة إلى البصرة سنة 1965 أن مساحة مسجد زياد بن أبيه حينها كانت 10736م مربع، فمثل هذه المساحة لا تتسع لأكثر من عشرين ألفًا باعتبار أن المتر المربع الواحد لا يتسع لأكثر من اثنين من المصلِّين [1]
ومع أنَّ مسألة كهذه كانت تظهر ساخرةً حينها، إلا أنَّ وجود رواية لبصريين وكوفيين، وشيعة، بصفتهم "شهود عيان" لم يمنع انطلاء الكذبة بعد قرون على دموية الحجاج، فهذا في حادثة واحدة لم يختلف الأمر عمَّا هو حاصل اليوم في عصر الصورة وسرعة انتشارها وسهولة التحقق من مصداقيتها، فكيف بعصور لم يكن فيها غير التدوين ناقلًا!
[1] العراق في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، عبد الواحد طه، الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى، 2005، ص72/ 73
باسم بشينية
Photo
مسؤولية تنظيرك السياسي كما لم تكن لغة أطفال!
لطالما أثَّر فوكوياما في السياسة الأمريكية وهو من ابرز من ارتبط بشكل وثيق بالنظام الليبرالي الرأسمالي، وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي ألَّف كتابًا بعنوان (نهاية التاريخ والإنسان الأخير 1992) واعتبر فيه انتصار أمريكا بصفتها الرجل الليبرالي الغربي على المنافسين دلالةً على نهاية التطور الأيديولوجي لصالحها، وأن الليبرالية الديمقراطية هي النموذج النهائي للحكومة البشرية، وأثر هذا الطرح في السياسة الأمريكية بشكل واضح.
ثم تطورت التحديات السياسية نتيجة لتصاعد أحداث عالميَّة عدة، وقد أورثت الحرب العالمية الثانية دولًا ضعيفة، وصعدت بشكل ما حركات شعبوية، تلتها نهضة سلطوية في كثير من دول العالم، وكان أبرز ما مثل تحديًا للسياسة الأمريكية صعود الحركات الإسلامية، والتي توجت بأحداث 11 سبتمبر، وصعود الصين كقوة عالمية في شقيها السياسي والاقتصادي كمنافس لذلك الرجل الغربي.
ثم مع إصابة أمراض مثل الإيدز لأكثر من 25 مليون إنسان، وصعود كارتلات تجارة المخدرات والتي بلغت مجدها مع كارتل ميديلين، وبعد إنهاء أمريكا لبابلو، صعد إل تشابو كواحد من أكبر ورثة ناركوس، وكان صعود كارتل سينالوا منعطفًا حرجًا لأمريكا بعد سيطرة ورثة إسكوبار على السوق الأمريكي والمكسيسي، واتساعهما، فلم تعد مشكلة الدول في المنافس الأيديولوجي وحسب!
اتضح لفوكوياما أن أحداثًا كهذه لم تكن لتبقي نظرية (نهاية التاريخ 1992) بنفس المصداقية، وتهافت ذلك التأطير النظري الذي كان تأكيدًا على صعود لا يقاوم للأنظمة الديموقراطية الغربية، وهي سخرية التاريخ على من حكموا بنهايته. تعرضت أطروحة فوكوياما للنقد، ولم يؤثَر أنه كتب (ينتظرون تضرر أمريكا كي يثبتوا وجهة نظرهم) بل مع تصاعد القوى غير الليبرالية، تراجع عما كتبه في 1992، وعوضا عن محاولة إعادة تأويل الوقائع لتتفق مع فرضيته الأولى، أصدر كتابه (بناء الدولة- النظام العالمي ومشكلة الحكم 2004) ولم يكن شاقًا إدراك الخطأ مع كل حدث يثبت فشل الفرضيات السابقة، لقد كان الأمر مرنًا!
طرح فوكوياما في (بناء الدولة 2004) نقدًا لفرضياته السابقة عن الانتصار الكاسح، وأعرب عن التراجع عن مسلَّماته التي كانت قبل، وبدأ يتحدث عن الهشاشة التي عمَّت الأنظمة الغربية وكيف أن الوصول إلى نموذج حكم، أو أيديولوجية نهائية، ليس كافيًا في بناء نظام دولي قوي، فتبني نظام ديمقراطي دون بناء مؤسسات قوية، قد يؤدي إلى انهيار وتفكك تلك الدول، أو ضعفها، وبذا، تراجع فوكوياما بشكل جذري عن قناعته الأولى بأن الليبرالية كنموذج حكم كافية لخلق أنظمة مستقرة.
فهل كان هذا كافيًا؟ كلا، فمع سوء الإدارة الأمركية بعد احتلال العراق، لم يكن بناء مؤسسات قانونية وإدارية محققًا لتلك النقلة نحو (بناء الدولة) مؤسساتيًا فتشكلت فجأة أزمة هوياتية مع صعود الأيديولجيات الإسلامية بشكل قوي، خصوصا بعد اتحاد كثير من الضباط البعثيين مع الحركات ذات الأيديولوجية الإسلامية المسلحة في العراق، فطرأت أزمة ثقافة بعد حل أزمة المؤسسات! ومع التماهي مع فكرة (الدولة القوية) صار الواقع يفرض أن بناء الدولة لن يتم إلا عبر إعطاء مساحة أكبر للهوية المحلية، وتراجعت أطروحة (بناء الدولة 2004) مثلما تراجعت سابقتها، وأدرك فليسوف البلاط الأمريكي هذا، فماذا كان؟
لطالما أثَّر فوكوياما في السياسة الأمريكية وهو من ابرز من ارتبط بشكل وثيق بالنظام الليبرالي الرأسمالي، وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي ألَّف كتابًا بعنوان (نهاية التاريخ والإنسان الأخير 1992) واعتبر فيه انتصار أمريكا بصفتها الرجل الليبرالي الغربي على المنافسين دلالةً على نهاية التطور الأيديولوجي لصالحها، وأن الليبرالية الديمقراطية هي النموذج النهائي للحكومة البشرية، وأثر هذا الطرح في السياسة الأمريكية بشكل واضح.
ثم تطورت التحديات السياسية نتيجة لتصاعد أحداث عالميَّة عدة، وقد أورثت الحرب العالمية الثانية دولًا ضعيفة، وصعدت بشكل ما حركات شعبوية، تلتها نهضة سلطوية في كثير من دول العالم، وكان أبرز ما مثل تحديًا للسياسة الأمريكية صعود الحركات الإسلامية، والتي توجت بأحداث 11 سبتمبر، وصعود الصين كقوة عالمية في شقيها السياسي والاقتصادي كمنافس لذلك الرجل الغربي.
ثم مع إصابة أمراض مثل الإيدز لأكثر من 25 مليون إنسان، وصعود كارتلات تجارة المخدرات والتي بلغت مجدها مع كارتل ميديلين، وبعد إنهاء أمريكا لبابلو، صعد إل تشابو كواحد من أكبر ورثة ناركوس، وكان صعود كارتل سينالوا منعطفًا حرجًا لأمريكا بعد سيطرة ورثة إسكوبار على السوق الأمريكي والمكسيسي، واتساعهما، فلم تعد مشكلة الدول في المنافس الأيديولوجي وحسب!
اتضح لفوكوياما أن أحداثًا كهذه لم تكن لتبقي نظرية (نهاية التاريخ 1992) بنفس المصداقية، وتهافت ذلك التأطير النظري الذي كان تأكيدًا على صعود لا يقاوم للأنظمة الديموقراطية الغربية، وهي سخرية التاريخ على من حكموا بنهايته. تعرضت أطروحة فوكوياما للنقد، ولم يؤثَر أنه كتب (ينتظرون تضرر أمريكا كي يثبتوا وجهة نظرهم) بل مع تصاعد القوى غير الليبرالية، تراجع عما كتبه في 1992، وعوضا عن محاولة إعادة تأويل الوقائع لتتفق مع فرضيته الأولى، أصدر كتابه (بناء الدولة- النظام العالمي ومشكلة الحكم 2004) ولم يكن شاقًا إدراك الخطأ مع كل حدث يثبت فشل الفرضيات السابقة، لقد كان الأمر مرنًا!
طرح فوكوياما في (بناء الدولة 2004) نقدًا لفرضياته السابقة عن الانتصار الكاسح، وأعرب عن التراجع عن مسلَّماته التي كانت قبل، وبدأ يتحدث عن الهشاشة التي عمَّت الأنظمة الغربية وكيف أن الوصول إلى نموذج حكم، أو أيديولوجية نهائية، ليس كافيًا في بناء نظام دولي قوي، فتبني نظام ديمقراطي دون بناء مؤسسات قوية، قد يؤدي إلى انهيار وتفكك تلك الدول، أو ضعفها، وبذا، تراجع فوكوياما بشكل جذري عن قناعته الأولى بأن الليبرالية كنموذج حكم كافية لخلق أنظمة مستقرة.
فهل كان هذا كافيًا؟ كلا، فمع سوء الإدارة الأمركية بعد احتلال العراق، لم يكن بناء مؤسسات قانونية وإدارية محققًا لتلك النقلة نحو (بناء الدولة) مؤسساتيًا فتشكلت فجأة أزمة هوياتية مع صعود الأيديولجيات الإسلامية بشكل قوي، خصوصا بعد اتحاد كثير من الضباط البعثيين مع الحركات ذات الأيديولوجية الإسلامية المسلحة في العراق، فطرأت أزمة ثقافة بعد حل أزمة المؤسسات! ومع التماهي مع فكرة (الدولة القوية) صار الواقع يفرض أن بناء الدولة لن يتم إلا عبر إعطاء مساحة أكبر للهوية المحلية، وتراجعت أطروحة (بناء الدولة 2004) مثلما تراجعت سابقتها، وأدرك فليسوف البلاط الأمريكي هذا، فماذا كان؟
باسم بشينية
Photo
مسؤولية تنظيرك السياسي كما لم تكن لغة أطفال! [٢]
يمكن أن يكون فوكوياما قد تعرض بعد سقوط كل طرح يثبت عدم انتصار السياسة الغربية كما يلزم لسؤال (ما البديل؟) وفي أوساط تتقبل النقد يسهل تأطير البديل، بخلاف ما لو يقضي الرجل سنوات طوال في التأكيد على أن خطأ جسيمًا كان في الطرح السابق أو في السياسة السابقة، فالمسؤولية النظرية هي أولى القواعد التي يفترض أن يرتكز عليها المشاركون في التحليل السياسي.
وما دام التأكيد على وقوع خطأ، يتحول بشكل سريع إلى قناعة، يسهل التقدم نحو الخطوة التالية، بخلاف ما لو يتجاهل المخطئون خطأهم إذا ما ثبت، كإدِّعاء نصر يتكشَّف غلطه من بعد، فلا يقر من افترض انتصار نموذجه بالخطأ كي يقترب من البديل! بل يسعى جاهدًا لتأويل الوقائع لتتفق مع قناعاته، ولكن الواقع مع أنه مؤلم لصاحب الطموح قد يكون فضَّاحا، ومع هذا تحكم الصرامة النظرية بأن القناعة أجدر بها أن تتبع تغيرات الوقائع، لا أن تلوى الوقائع لتتفق والفرضيات المتسرعة!
وهكذا بعد التراجع عن كثير من أفكار (بناء الدولة 2004) بسبب فشل بعض التجارب التطبيقية التي حاولت بناء الدول على نفس الأسس التي ناقشها في الكتاب، جاء طرح فوكوياما الأحدث، وهو كتاب (الهوية 2018) وناقش فيه الهوية الإنسانيَّة، وكان الإشكال الأساسي فيه أن الأيديولوجيا ليست كافية، كما أن بناء دولة مؤسسات لم يعد كافيًا، بقدر ما يجب التطرق لمسألة الهوية الفردية والجماعية بشكل أكثر دقة حول أثرها على السياسة والاقتصاد والدولة.
وأضحى بنظره اهتمام النظام العالمي بهويات الأفراد العرقية أو الدينية وحتى الجنسية، حاجة ملحة لبناء نموذج نهاية التاريخ والذي كان قاصرًا مع أطروحة 1992، وهذا بعد صعود حركات اليمين المتطرف، والأيديولجيات الأقلياتية، إذ شكلت هاجسا باعتبارها قوى سياسية تطالب بالاعتراف الهوياتي، بغض النظر عن بنية وقوة المؤسسة ونموذج الحكم.
وبعد بداية العملية الروسية في أكرونيا سنة 2022، بدت أطروحة (الهوية 2018) والتي فرضت انتصار التناسق الديمقراطي الليبرالي عالميًا، هشةً إلى حد بعيد، فروسيا أنكرت الهوية الأوكرانية، وادعت أن أوكرانيا أو مناطق منها، تمثل جزءا من الهوية الروسية، ولم يكن طرح فوكوياما الذي ساهم في تطوير السياسة الأمريكية سليمًا، وأضحى التناقض بين دعوى الهوية الروسية للأمة الأوكرانية، والمطالبة باندماج الحكومة الأوكرانية مع الغرب مثارًا لاندلاع حرب جربت فيها شتى أنواع الأسلحة العالمية، وقاربت على استعمال السلاح النووي، وبهذا لم تكن أطروحة (الهوية 2018) معبرة عن خطوة نحو تكشيل نظام ديمقراطي أوسع ومتين، بقدر ما غذت الصراعات الهوياتية حربًا كادت أن تكون عالمية.
شارك بعض الأوراسيين يومها في السخرية من فوكوياما، وعلقوا بأن العملية الروسية هي "حرب فوكوياما مع نفسه، ومع نهاية التاريخ والهيمنة الأمريكية"، حتى سخر بعضهم بأن أفلاطون حرق قديمًا كتب ديموقريطس، وبوتين يحرق اليوم كتب فوكوياما، إشارة على تبخر نموذج النظام العالمي الأوحد والأخير.
ومع ذلك خرج فوكوياما بعد غياب طويل وعلَّق بأن أطروحاته السابقة قد انحسرت، وكاد يقارب على النداء بإعلان حرب نووية على روسيا، ثم كتب أن مشكلة الصين لا تزال قائمة! ولم يصدر له كتاب بعدها، واكتفى بتسجيل نقده على جل أطروحاته السابقة بعد تعين فشلها إلى أن يجهز له تصور أحدث.
ولا يزال فوكوياما إلى اليوم من نخب السياسة الأمريكية، ومع تراجع اهتمام الإدارة الأمريكية به، بعد التراجع النسبي لتأثيره مؤخرًا، لا تزال تعنى به المؤسسات البحثية الأمريكية والأوربية وحتى العربية، ولم ألتمس في دراسة عربية أو غربية حوله وصمة (فيلسوف التراجع) بقدر ما تعاملت معه الدراسات التحليلية على أنه أكثر مسؤولية وصرامة تجاه فرضياته السابقة.
وليس هنالك أي سجال حول تحديات الديمقراطية إلا وذكرت معطياته، ولم يكن ليصلنا أثره على حقوق الإنسان والهويات الجندرية، وتصاعد النزعات الأقلياتية، لو عمل في مجال التنظير كفارس تراند، مخافة أن ينحصر نفوذه على السياسة الأمريكية، بعد التراجع عن أطروحة نهاية التاريخ 1992، ولا حتى عن أطروحة بناء الدولة 2004.
يمكن أن يكون فوكوياما قد تعرض بعد سقوط كل طرح يثبت عدم انتصار السياسة الغربية كما يلزم لسؤال (ما البديل؟) وفي أوساط تتقبل النقد يسهل تأطير البديل، بخلاف ما لو يقضي الرجل سنوات طوال في التأكيد على أن خطأ جسيمًا كان في الطرح السابق أو في السياسة السابقة، فالمسؤولية النظرية هي أولى القواعد التي يفترض أن يرتكز عليها المشاركون في التحليل السياسي.
وما دام التأكيد على وقوع خطأ، يتحول بشكل سريع إلى قناعة، يسهل التقدم نحو الخطوة التالية، بخلاف ما لو يتجاهل المخطئون خطأهم إذا ما ثبت، كإدِّعاء نصر يتكشَّف غلطه من بعد، فلا يقر من افترض انتصار نموذجه بالخطأ كي يقترب من البديل! بل يسعى جاهدًا لتأويل الوقائع لتتفق مع قناعاته، ولكن الواقع مع أنه مؤلم لصاحب الطموح قد يكون فضَّاحا، ومع هذا تحكم الصرامة النظرية بأن القناعة أجدر بها أن تتبع تغيرات الوقائع، لا أن تلوى الوقائع لتتفق والفرضيات المتسرعة!
وهكذا بعد التراجع عن كثير من أفكار (بناء الدولة 2004) بسبب فشل بعض التجارب التطبيقية التي حاولت بناء الدول على نفس الأسس التي ناقشها في الكتاب، جاء طرح فوكوياما الأحدث، وهو كتاب (الهوية 2018) وناقش فيه الهوية الإنسانيَّة، وكان الإشكال الأساسي فيه أن الأيديولوجيا ليست كافية، كما أن بناء دولة مؤسسات لم يعد كافيًا، بقدر ما يجب التطرق لمسألة الهوية الفردية والجماعية بشكل أكثر دقة حول أثرها على السياسة والاقتصاد والدولة.
وأضحى بنظره اهتمام النظام العالمي بهويات الأفراد العرقية أو الدينية وحتى الجنسية، حاجة ملحة لبناء نموذج نهاية التاريخ والذي كان قاصرًا مع أطروحة 1992، وهذا بعد صعود حركات اليمين المتطرف، والأيديولجيات الأقلياتية، إذ شكلت هاجسا باعتبارها قوى سياسية تطالب بالاعتراف الهوياتي، بغض النظر عن بنية وقوة المؤسسة ونموذج الحكم.
وبعد بداية العملية الروسية في أكرونيا سنة 2022، بدت أطروحة (الهوية 2018) والتي فرضت انتصار التناسق الديمقراطي الليبرالي عالميًا، هشةً إلى حد بعيد، فروسيا أنكرت الهوية الأوكرانية، وادعت أن أوكرانيا أو مناطق منها، تمثل جزءا من الهوية الروسية، ولم يكن طرح فوكوياما الذي ساهم في تطوير السياسة الأمريكية سليمًا، وأضحى التناقض بين دعوى الهوية الروسية للأمة الأوكرانية، والمطالبة باندماج الحكومة الأوكرانية مع الغرب مثارًا لاندلاع حرب جربت فيها شتى أنواع الأسلحة العالمية، وقاربت على استعمال السلاح النووي، وبهذا لم تكن أطروحة (الهوية 2018) معبرة عن خطوة نحو تكشيل نظام ديمقراطي أوسع ومتين، بقدر ما غذت الصراعات الهوياتية حربًا كادت أن تكون عالمية.
شارك بعض الأوراسيين يومها في السخرية من فوكوياما، وعلقوا بأن العملية الروسية هي "حرب فوكوياما مع نفسه، ومع نهاية التاريخ والهيمنة الأمريكية"، حتى سخر بعضهم بأن أفلاطون حرق قديمًا كتب ديموقريطس، وبوتين يحرق اليوم كتب فوكوياما، إشارة على تبخر نموذج النظام العالمي الأوحد والأخير.
ومع ذلك خرج فوكوياما بعد غياب طويل وعلَّق بأن أطروحاته السابقة قد انحسرت، وكاد يقارب على النداء بإعلان حرب نووية على روسيا، ثم كتب أن مشكلة الصين لا تزال قائمة! ولم يصدر له كتاب بعدها، واكتفى بتسجيل نقده على جل أطروحاته السابقة بعد تعين فشلها إلى أن يجهز له تصور أحدث.
ولا يزال فوكوياما إلى اليوم من نخب السياسة الأمريكية، ومع تراجع اهتمام الإدارة الأمريكية به، بعد التراجع النسبي لتأثيره مؤخرًا، لا تزال تعنى به المؤسسات البحثية الأمريكية والأوربية وحتى العربية، ولم ألتمس في دراسة عربية أو غربية حوله وصمة (فيلسوف التراجع) بقدر ما تعاملت معه الدراسات التحليلية على أنه أكثر مسؤولية وصرامة تجاه فرضياته السابقة.
وليس هنالك أي سجال حول تحديات الديمقراطية إلا وذكرت معطياته، ولم يكن ليصلنا أثره على حقوق الإنسان والهويات الجندرية، وتصاعد النزعات الأقلياتية، لو عمل في مجال التنظير كفارس تراند، مخافة أن ينحصر نفوذه على السياسة الأمريكية، بعد التراجع عن أطروحة نهاية التاريخ 1992، ولا حتى عن أطروحة بناء الدولة 2004.
مسؤولية تنظيرك السياسي كما لم تكن لغة أطفال.
على المدونة:
https://bassembech.com/%d9%81%d9%88%d9%83%d9%88%d9%8a%d8%a7%d9%85%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d8%b8%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a/
على المدونة:
https://bassembech.com/%d9%81%d9%88%d9%83%d9%88%d9%8a%d8%a7%d9%85%d8%a7-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d8%b8%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a/
"تعاني معظم الجامعات العربية من البيروقراطية والمشكلات الإدارية والتنظيمية فضلا عن محدودية مشاركتها في المجتمع لعدم وجود جهاز يمكنه نشر البحوث الجامعية والتعريف بها في المجتمع" [ص19]
"من الحقائق المؤلمة جدا أن ما ينفق على البحث العلمي في العالم العربي إنفاق ضعيف جدا، ولا يمكن مقارنته بما تنفقه الدول الكبرى" [ص19]
"يلاحظ على قوانين المطبوعات في بعض الدول، أنها تفرض قيودا على التداول الرقمي بالإنتاج الفكري والنشر لا تتناسب مع العصر الذي نعيشه الآن في ظل العولمة وتكنولوجيا الإعلام والاتصال" [ص20]
"تسييس الجامعات والمراكز البحثية تبعا لإيديولوجية الطبقة الحاكمة وبالتالي تسخير هذه البحوث في الإنجازات الهلامية أو البحث في توجهات النظام القائم حيث غياب الحرية لأسباب سياسية وثقافية واجتماعية" [ص20]
"شيوع فكرة الانهزامية بين الباحثين في الوطن العربي بأنهم لا يستطيعون الوصول إلى ما وصلت إليه الدول المتطورة فبهذا الفارق الزمني الكبير يصبح الباحث رهين قوت يومه" [ص22]
من دراسة نشرت سنة 2022 على مجلة الدراسات والبحوث الإنسانية، بعنوان صعوبات النشر العلمي لدى الباحثين اللأكاديميين.
"من الحقائق المؤلمة جدا أن ما ينفق على البحث العلمي في العالم العربي إنفاق ضعيف جدا، ولا يمكن مقارنته بما تنفقه الدول الكبرى" [ص19]
"يلاحظ على قوانين المطبوعات في بعض الدول، أنها تفرض قيودا على التداول الرقمي بالإنتاج الفكري والنشر لا تتناسب مع العصر الذي نعيشه الآن في ظل العولمة وتكنولوجيا الإعلام والاتصال" [ص20]
"تسييس الجامعات والمراكز البحثية تبعا لإيديولوجية الطبقة الحاكمة وبالتالي تسخير هذه البحوث في الإنجازات الهلامية أو البحث في توجهات النظام القائم حيث غياب الحرية لأسباب سياسية وثقافية واجتماعية" [ص20]
"شيوع فكرة الانهزامية بين الباحثين في الوطن العربي بأنهم لا يستطيعون الوصول إلى ما وصلت إليه الدول المتطورة فبهذا الفارق الزمني الكبير يصبح الباحث رهين قوت يومه" [ص22]
من دراسة نشرت سنة 2022 على مجلة الدراسات والبحوث الإنسانية، بعنوان صعوبات النشر العلمي لدى الباحثين اللأكاديميين.
باسم بشينية
Photo
لقد كان فيلسوفًا هشًا! بتعبير البعض.
كثير ممن يحسب على التنظير في العالم العربي عندما يتعرف على تراجعات فوكوياما خلال ١٠ سنوات، ينتابه شعور بالعزة لما هو عليه مما يسميه ثباتًا، بل قد يعتبر تلك التراجعات من قبيل الهشاشة المعرفية.
يتناسى كثيرون مدى مساهمة فوكوياما فيما يعيشه العالم اليوم رغم التراجعات، فبين كتابه نهاية التاريخ ١٩٩٤ وكتاب بناء الدولة ٢٠٠٤ عشر سنين، وبين الأخير وبين كتاب الهوية ٢٠١٨ ما يقارب ١٤ سنة، وهي فترات قصيرة راجع خلالها في كل كتاب متأخر ما طرحه في كتبه المتقدمة، ولكن!
تراجعات فوكوياما لا تعني فشل أطروحاته أو هشاشتها، بقدر ما تعني عدم تحقيق السياسات المبنية على أفكاره الجدوى الكاملة، ومع ذلك بعد ١٩٩٠ توسعت بشكل كبير مشاريع بناء الديمقراطيات، لدرجة أن أكثر الدول التي تراها شمولية مثل كوريا الشمالية تنتسب للديمقراطية، وبات التغير نحو التعامل مع الصراعات السياسية متجهًا إلى وصفها بالخلافات الإدارية والاقتصادية، لا صراعات قيم، أي أن الصراع الأيديولوجي تراجع إلى حد ما بعد (نهاية التاريخ ١٩٩٤) وهذا ما ساهم في توسع السياسات التقنية على حساب الصراعات الأيديولوجية، وأدرك هذا ألكسندر دوغين، وعبر عن جوهر الصراعات ما بعد الحرب الباردة بأنها تجاوزت مركزية الأيديولوجيات كما في كتابه (النظرية الرابعة ٢٠٠٩).
وفيما يتعلق بأثره على عالمنا العربي، فمن السياسات التي أسهم فوكوياما في تطويرها، سياسة التمويل المشروط من البنك الدولي لعديد من من منظمات المجتمع الدولي، فمنذ ١٩٩٤ غيرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية سياستها، وبات دعم الديمقراطيات متجها نحو المجتمع المدني بدل الأحزاب السياسية، ضمن إطار دعم الفاعلين غير الحكوميين، وجرى بين سنتي ١٩٩٤ و٢٠١٠ تخصيص أكثر من ٨ مليار دولار لدعم المنظمات المدنية والحقوقية في دول كثيرة!
في تونس جرى دعم ما يزيد ١٣٠ منظمة خلال عشر سنوات، بناء على نفس الأفكار، وكانت الأهداف المباشرة تقوية كل من حرية التعبير وحماية الأقليات الدينية والعرقية والجندرية وتمكين المرأة إضافة إلى مكافحة خطاب الكراهية والتطرف ونحو ذلك، ما تنمذج في تكوين اتجاه عام يتعرض بالنقد لقوانين الميراث وفق ما سمي بمساواة النوع، وتجريم الزواج المبكر، ودعم المثلية، وتوجت هذه الجلبة بنزع عبارة (الإسلام دين الدولة) من الدستور التونسي كما جرى مؤخرًا.
وهذا جزء من ترجمة أفكار فوكوياما كسياسات على أرض الواقع في أراضي عربية وإسلامية، فما لقيته أفكاره في الوسط الغربي يتجاوز ما سبق، وأفكار مثل التوجه نحو شرعية الأداء بدل الشرعية الثورية مثل تقييم الحكومات حسب قدرتها على تقديم الخدمات بدل النظر في شرعيتها الثورية والتاريخية، وذلك باعتماد مؤشرات ترد بشكل دوري في تقارير البنك الدولي ومنظمات عالمية متنوعة، فمثل هذا كان مبنيًا على جزء واسع أفكاره.
وكثير ممن يمكن أن يصفه بالهشاشة المعرفية أو النظرية، لا يرى مدى مساهمات أطروحاته لا في بناء الدول الغربية وحسب، بل في مدى تأثير السياسات التي ساهمت أفكاره في تطويرها حتى في عالمنا العربي، ومع ذلك تجد بين الكتاب والكتاب أقل من عشر سنين، ويتراجع عن أفكار، وينتقد أطروحات له سابقة، بكل روح مرنة.
وتجد عندنا من لا يزال يلوك نفس الشعارات السياسية التي خمرت كخواطر قبل قرن، إذا بلغه أن مفكرًا غربيًا راجع أطروحته، صك على شفتيه ضاحكا كأنما أمسك الغرب متلبسا بالجهل وهو يعيش آثار تلك الأفكار ويدافع عن بعضها أيضا ويدعو لها غير عارف بجذورها، يشعرك أن الفضيلة هي ألا يتراجع تيار عن فكرة قط، إلى أن يطل قرن ثان فيقع على وعيه استيعابها، ونحن في بيئة تقدس العناد وتفكر بمنطق حزبي لا بمنطق علمي، لذا تضحى المراجعات وصمة عار فيها.
كثير ممن يحسب على التنظير في العالم العربي عندما يتعرف على تراجعات فوكوياما خلال ١٠ سنوات، ينتابه شعور بالعزة لما هو عليه مما يسميه ثباتًا، بل قد يعتبر تلك التراجعات من قبيل الهشاشة المعرفية.
يتناسى كثيرون مدى مساهمة فوكوياما فيما يعيشه العالم اليوم رغم التراجعات، فبين كتابه نهاية التاريخ ١٩٩٤ وكتاب بناء الدولة ٢٠٠٤ عشر سنين، وبين الأخير وبين كتاب الهوية ٢٠١٨ ما يقارب ١٤ سنة، وهي فترات قصيرة راجع خلالها في كل كتاب متأخر ما طرحه في كتبه المتقدمة، ولكن!
تراجعات فوكوياما لا تعني فشل أطروحاته أو هشاشتها، بقدر ما تعني عدم تحقيق السياسات المبنية على أفكاره الجدوى الكاملة، ومع ذلك بعد ١٩٩٠ توسعت بشكل كبير مشاريع بناء الديمقراطيات، لدرجة أن أكثر الدول التي تراها شمولية مثل كوريا الشمالية تنتسب للديمقراطية، وبات التغير نحو التعامل مع الصراعات السياسية متجهًا إلى وصفها بالخلافات الإدارية والاقتصادية، لا صراعات قيم، أي أن الصراع الأيديولوجي تراجع إلى حد ما بعد (نهاية التاريخ ١٩٩٤) وهذا ما ساهم في توسع السياسات التقنية على حساب الصراعات الأيديولوجية، وأدرك هذا ألكسندر دوغين، وعبر عن جوهر الصراعات ما بعد الحرب الباردة بأنها تجاوزت مركزية الأيديولوجيات كما في كتابه (النظرية الرابعة ٢٠٠٩).
وفيما يتعلق بأثره على عالمنا العربي، فمن السياسات التي أسهم فوكوياما في تطويرها، سياسة التمويل المشروط من البنك الدولي لعديد من من منظمات المجتمع الدولي، فمنذ ١٩٩٤ غيرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية سياستها، وبات دعم الديمقراطيات متجها نحو المجتمع المدني بدل الأحزاب السياسية، ضمن إطار دعم الفاعلين غير الحكوميين، وجرى بين سنتي ١٩٩٤ و٢٠١٠ تخصيص أكثر من ٨ مليار دولار لدعم المنظمات المدنية والحقوقية في دول كثيرة!
في تونس جرى دعم ما يزيد ١٣٠ منظمة خلال عشر سنوات، بناء على نفس الأفكار، وكانت الأهداف المباشرة تقوية كل من حرية التعبير وحماية الأقليات الدينية والعرقية والجندرية وتمكين المرأة إضافة إلى مكافحة خطاب الكراهية والتطرف ونحو ذلك، ما تنمذج في تكوين اتجاه عام يتعرض بالنقد لقوانين الميراث وفق ما سمي بمساواة النوع، وتجريم الزواج المبكر، ودعم المثلية، وتوجت هذه الجلبة بنزع عبارة (الإسلام دين الدولة) من الدستور التونسي كما جرى مؤخرًا.
وهذا جزء من ترجمة أفكار فوكوياما كسياسات على أرض الواقع في أراضي عربية وإسلامية، فما لقيته أفكاره في الوسط الغربي يتجاوز ما سبق، وأفكار مثل التوجه نحو شرعية الأداء بدل الشرعية الثورية مثل تقييم الحكومات حسب قدرتها على تقديم الخدمات بدل النظر في شرعيتها الثورية والتاريخية، وذلك باعتماد مؤشرات ترد بشكل دوري في تقارير البنك الدولي ومنظمات عالمية متنوعة، فمثل هذا كان مبنيًا على جزء واسع أفكاره.
وكثير ممن يمكن أن يصفه بالهشاشة المعرفية أو النظرية، لا يرى مدى مساهمات أطروحاته لا في بناء الدول الغربية وحسب، بل في مدى تأثير السياسات التي ساهمت أفكاره في تطويرها حتى في عالمنا العربي، ومع ذلك تجد بين الكتاب والكتاب أقل من عشر سنين، ويتراجع عن أفكار، وينتقد أطروحات له سابقة، بكل روح مرنة.
وتجد عندنا من لا يزال يلوك نفس الشعارات السياسية التي خمرت كخواطر قبل قرن، إذا بلغه أن مفكرًا غربيًا راجع أطروحته، صك على شفتيه ضاحكا كأنما أمسك الغرب متلبسا بالجهل وهو يعيش آثار تلك الأفكار ويدافع عن بعضها أيضا ويدعو لها غير عارف بجذورها، يشعرك أن الفضيلة هي ألا يتراجع تيار عن فكرة قط، إلى أن يطل قرن ثان فيقع على وعيه استيعابها، ونحن في بيئة تقدس العناد وتفكر بمنطق حزبي لا بمنطق علمي، لذا تضحى المراجعات وصمة عار فيها.
باسم بشينية
Photo
شاهد ما شفش حاجة!
سمعت بودكاست عدنان إبراهيم الأخير، ولفتني أن السائل تعرض لمسلسل معاوية وسأله عن رأيه، ومع أنه لم يشاهد حلقات المسلسل، لم يكتف بعدم الجواب، كمن لم يتعرف على كتاب فلا رأي له فيه، ولكن أراد أن ينسج جوابا سياقيًا، كمن شهد على ما لم ير، فقال: إن مسلسل كهذا، إن كان سيذكي تفرقة بين المسلمين سنة وشيعة، فإن رأيي ألا يذاع، وبنفس المنطق تعرض للشيعة إن رأوا إنتاج مسلسلات حول الشخصيات المتميزة في تاريخهم.
وبهذا المنطق يحل عدنان موضوع طَرق المسائل التاريخيَّة، ومع أنه أكثر التمسح بفلاسفة غربيين كانوا بنظره من روَّاد الحضارة وبناتها من المساهمين فيتشكيل ما أسماه بالوعي والعلم الحديث، بل كان من أبرز المترحمين على موتاهم.
حتى في أطروحته للدكتوراه ذكر أنه تأثر وهو يكتبها بمنهج ميشيل فوكو، والذي كان متأثرًا بنيتشه، فقال "لا أنكر تأثري بطريقة ميشيل فوكو التي ركزت بروح نيتشوية" (حرية الاعتقاد، عدنان إبراهيم، ص47)
وهو بهذا يكشف عن سقف تأثره بفلاسفة كهؤلاء، نيتشه الذي لم يتعرض لمسائل التاريخ الأوروبي بمنطق التهوين، بقدر ما سعى لكشف وتعرية جل المسائل التاريخية التي عرضت في عصره، ومن ذلك نقده المتكرر للمسيحيَّة، حتى أنَّه إبان شبابه كان كثير التأثر بفويرباخ وكان يكرر كتابة أبحاثه في نقد المسيحية والتي اقتبسها من النقد الشهير له (جوهرة المسيحية).
وتوجت سخرياته منها بعمله الشهير (هكذا تكلم زاردشت) بجعل المسيحية في جوهرها منظومة تكرس أخلاق العبيد، والضعف ونبذ القسوة، ورفض الحياة والجسد واللذة، وكان بطله الرمزي (زاردشت) هو المقابل لـ (المسيح) وهو الذي كان حاملًا لفكرة الإنسان الأعلى، وهو الذي ألف فيما بعد (نقيض المسيح)
ونقد السقراطيَّة في (غسق الأوثان) منتصرًا لهيراقليطس ونحوه لأنهم بنظره كانوا من ممثلي العفوية الوجودية، فيخيل لك أن عدنان لو عرض عليه الكتاب قبل طباعته، لأجاب أنه لو كان في الموضوع إثارة لنعرات بين المسيحية وغيرها فرفضه أولى، فما فائدة نقاش السقراطية انتصارًا للإغريق القدماء؟ ومع ذلك، يدعي الاستفادة من مخرجات مذهب نيتشه، تلك التي تأثر بها فوكو.
ومع كثرة التغزل بفلاسفة أوروبا ظاهرًا، في إعادة تدوير أفكار سطحية، يعمد إلى تاريخه بما يناقض حال هؤلاء الفلاسفة مع تاريخهم هم، ألم يعد هايدغر إلى تاريخه في بحث بدايات السؤال الفلسفي بنقد الأفلاطونية، فوكو نفسه انتقد جل منظومات التاريخ الأوروبي المتقدمة، تلك التي بحثها في ميلاد السجن، وإقصاء الجنون، ولم يسلم عصر النهضة من نقده حتى فكَّك جل بنيات السلطة المعرفية التي كانت تقدِّس رجال الدين والأطباء، المعترف كما القديس والمبشر.
وعدنان من الكثر الذين تمسحوا بالأشعري طويلًا، ألم يعلن الأخير في خطبة عن مفاصلته للمعتزلة، وقد ذكر عبد القاهر إكفاره لهم فيها ولم يكن حريصًا على المسالمة، فيبدو ساخرًا أن تمجد منجزات الغرب وتجعل رجالاته رفاقك في رحلة التنوير، وما أن تسأل عن تاريخك، ترتدي عباءة السلم الأهلي بدعوى سد الذريعة تلك التي كانت مفخيَّة أيام لعنك لمعاوية على المنابر!
سمعت بودكاست عدنان إبراهيم الأخير، ولفتني أن السائل تعرض لمسلسل معاوية وسأله عن رأيه، ومع أنه لم يشاهد حلقات المسلسل، لم يكتف بعدم الجواب، كمن لم يتعرف على كتاب فلا رأي له فيه، ولكن أراد أن ينسج جوابا سياقيًا، كمن شهد على ما لم ير، فقال: إن مسلسل كهذا، إن كان سيذكي تفرقة بين المسلمين سنة وشيعة، فإن رأيي ألا يذاع، وبنفس المنطق تعرض للشيعة إن رأوا إنتاج مسلسلات حول الشخصيات المتميزة في تاريخهم.
وبهذا المنطق يحل عدنان موضوع طَرق المسائل التاريخيَّة، ومع أنه أكثر التمسح بفلاسفة غربيين كانوا بنظره من روَّاد الحضارة وبناتها من المساهمين فيتشكيل ما أسماه بالوعي والعلم الحديث، بل كان من أبرز المترحمين على موتاهم.
حتى في أطروحته للدكتوراه ذكر أنه تأثر وهو يكتبها بمنهج ميشيل فوكو، والذي كان متأثرًا بنيتشه، فقال "لا أنكر تأثري بطريقة ميشيل فوكو التي ركزت بروح نيتشوية" (حرية الاعتقاد، عدنان إبراهيم، ص47)
وهو بهذا يكشف عن سقف تأثره بفلاسفة كهؤلاء، نيتشه الذي لم يتعرض لمسائل التاريخ الأوروبي بمنطق التهوين، بقدر ما سعى لكشف وتعرية جل المسائل التاريخية التي عرضت في عصره، ومن ذلك نقده المتكرر للمسيحيَّة، حتى أنَّه إبان شبابه كان كثير التأثر بفويرباخ وكان يكرر كتابة أبحاثه في نقد المسيحية والتي اقتبسها من النقد الشهير له (جوهرة المسيحية).
وتوجت سخرياته منها بعمله الشهير (هكذا تكلم زاردشت) بجعل المسيحية في جوهرها منظومة تكرس أخلاق العبيد، والضعف ونبذ القسوة، ورفض الحياة والجسد واللذة، وكان بطله الرمزي (زاردشت) هو المقابل لـ (المسيح) وهو الذي كان حاملًا لفكرة الإنسان الأعلى، وهو الذي ألف فيما بعد (نقيض المسيح)
ونقد السقراطيَّة في (غسق الأوثان) منتصرًا لهيراقليطس ونحوه لأنهم بنظره كانوا من ممثلي العفوية الوجودية، فيخيل لك أن عدنان لو عرض عليه الكتاب قبل طباعته، لأجاب أنه لو كان في الموضوع إثارة لنعرات بين المسيحية وغيرها فرفضه أولى، فما فائدة نقاش السقراطية انتصارًا للإغريق القدماء؟ ومع ذلك، يدعي الاستفادة من مخرجات مذهب نيتشه، تلك التي تأثر بها فوكو.
ومع كثرة التغزل بفلاسفة أوروبا ظاهرًا، في إعادة تدوير أفكار سطحية، يعمد إلى تاريخه بما يناقض حال هؤلاء الفلاسفة مع تاريخهم هم، ألم يعد هايدغر إلى تاريخه في بحث بدايات السؤال الفلسفي بنقد الأفلاطونية، فوكو نفسه انتقد جل منظومات التاريخ الأوروبي المتقدمة، تلك التي بحثها في ميلاد السجن، وإقصاء الجنون، ولم يسلم عصر النهضة من نقده حتى فكَّك جل بنيات السلطة المعرفية التي كانت تقدِّس رجال الدين والأطباء، المعترف كما القديس والمبشر.
وعدنان من الكثر الذين تمسحوا بالأشعري طويلًا، ألم يعلن الأخير في خطبة عن مفاصلته للمعتزلة، وقد ذكر عبد القاهر إكفاره لهم فيها ولم يكن حريصًا على المسالمة، فيبدو ساخرًا أن تمجد منجزات الغرب وتجعل رجالاته رفاقك في رحلة التنوير، وما أن تسأل عن تاريخك، ترتدي عباءة السلم الأهلي بدعوى سد الذريعة تلك التي كانت مفخيَّة أيام لعنك لمعاوية على المنابر!
باسم بشينية
Photo
تضامن ولكن مشروط!
فترة الثمانينات، صدر فلم بعنوان (المتسول) من تأليف سمير عبد العظيم، وكان مفتتحًا بمشهد لعادل إمام في شخصية حسنين البرطوشي، الشاب الفقير المقطوع الذي ليس له بيت ولا أهل ولا والد ولا والدة. يسافر حسنين البرطوشي من منطقة فلاحية، إلى المدينة، بحثًا عن خاله الذي يفترض أنه سيقدم له المبيت ويجد له عملًا.
لم يكن البرطوشي يعرف القراءة، وكانت لديه ورقة تحمل عنوان سكن خاله، ينزل من السيارة ويسأل الناس عن العنوان المكتوب في الورقة، لكن عند سؤاله إياهم، لا يجيبه أحد، ولا يكاد يرد عليه السلام، يقول البرطوشي "إيه البلد دي اللي محدش فيها يرد على حد!" وهو مشهد يشرح أنَّ الفقر الحقيقي لا يحرِّك الضمير الاجتماعي، فإن المدينة تتجاهل من ليس من طبقتها، ولا تهتم لسؤاله ورأيه حتى.
دارت أحداث الفلم ووجد البرطوشي الإيواء في تنظيم هرمي للمتسوِّلين، والذين حكم مديرهم بأن يجري توظيفه في صورة (عزيز قوم ذل) أي أنه سيلبس بدلة رسميَّة تليق بالمدينة، وسيتظاهر بالعمى، فيلبس نظَّارة فاخرة، وربطة عنق، ثم يمدُّ يده بصفته (شحَّات) في المناطق التي تكثر فيها حركة الطبقات البرجوازيَّة، وما حصل أنَّ البرطوشي صار يتلقَّى تدفقا ماليًا من التسول بشكل أبهر حتى مدراء التنظيم الذي احتواه.
المفارقة في الفلم أبرزت إحدى صور النفاق الاجتماعي، فالفقير ذو اللباس الرثِّ مهمَّش بصفته منتميًا إلى طبقة لا تعطى لأن المعطي لا يشبهها، وكان الانحياز الطبقي متمثلًا في كون المدينة كانت تعطي نفس الفقير بشرط أن يكون فقره مسرحيًا، بلباس أنيق ونظَّارات، يشبه تلك الطبقة ظاهريًا، ما كشف أنَّ الناس لا تعطي وفق الحاجة، بل وفق تماثلها مع صورة المحتاج، أو توفر الشروط الطبقيَّة التي تناسبها!
وهكذا بعد عقود وجد المواطن العربي نفسه في صورة تلك الطبقة التي تشترط على الفئات المنكوبة اصطفافا أيديولوجيًا حتى تؤازرها على ما حلَّ بها من نكبات، وما أن تتزحزح تلك الفئات عن الصورة النمطية التي يشترط المواطن العربي توفرَّها، كأن تخلع اللبوس السياسي الذي يشترطه، ينكشف أنَّ تكاتفها المزعوم كان مسرحيًا، لا أنه نابع عن وعي أخلاقي راسخ، بل هو تكاتف مشروط بأن يظهر الفلسطيني كمنكوب أنيق يلبس الخطاب السياسي الذي يناسب ذوق المتضامن، حيث لا تمنح الرحمة لأن الحاجة قائمة، بل لأن صورة المحتاج تشبه توجههم، وتطمئنهم، وتحاكي خطابهم.
فترة الثمانينات، صدر فلم بعنوان (المتسول) من تأليف سمير عبد العظيم، وكان مفتتحًا بمشهد لعادل إمام في شخصية حسنين البرطوشي، الشاب الفقير المقطوع الذي ليس له بيت ولا أهل ولا والد ولا والدة. يسافر حسنين البرطوشي من منطقة فلاحية، إلى المدينة، بحثًا عن خاله الذي يفترض أنه سيقدم له المبيت ويجد له عملًا.
لم يكن البرطوشي يعرف القراءة، وكانت لديه ورقة تحمل عنوان سكن خاله، ينزل من السيارة ويسأل الناس عن العنوان المكتوب في الورقة، لكن عند سؤاله إياهم، لا يجيبه أحد، ولا يكاد يرد عليه السلام، يقول البرطوشي "إيه البلد دي اللي محدش فيها يرد على حد!" وهو مشهد يشرح أنَّ الفقر الحقيقي لا يحرِّك الضمير الاجتماعي، فإن المدينة تتجاهل من ليس من طبقتها، ولا تهتم لسؤاله ورأيه حتى.
دارت أحداث الفلم ووجد البرطوشي الإيواء في تنظيم هرمي للمتسوِّلين، والذين حكم مديرهم بأن يجري توظيفه في صورة (عزيز قوم ذل) أي أنه سيلبس بدلة رسميَّة تليق بالمدينة، وسيتظاهر بالعمى، فيلبس نظَّارة فاخرة، وربطة عنق، ثم يمدُّ يده بصفته (شحَّات) في المناطق التي تكثر فيها حركة الطبقات البرجوازيَّة، وما حصل أنَّ البرطوشي صار يتلقَّى تدفقا ماليًا من التسول بشكل أبهر حتى مدراء التنظيم الذي احتواه.
المفارقة في الفلم أبرزت إحدى صور النفاق الاجتماعي، فالفقير ذو اللباس الرثِّ مهمَّش بصفته منتميًا إلى طبقة لا تعطى لأن المعطي لا يشبهها، وكان الانحياز الطبقي متمثلًا في كون المدينة كانت تعطي نفس الفقير بشرط أن يكون فقره مسرحيًا، بلباس أنيق ونظَّارات، يشبه تلك الطبقة ظاهريًا، ما كشف أنَّ الناس لا تعطي وفق الحاجة، بل وفق تماثلها مع صورة المحتاج، أو توفر الشروط الطبقيَّة التي تناسبها!
وهكذا بعد عقود وجد المواطن العربي نفسه في صورة تلك الطبقة التي تشترط على الفئات المنكوبة اصطفافا أيديولوجيًا حتى تؤازرها على ما حلَّ بها من نكبات، وما أن تتزحزح تلك الفئات عن الصورة النمطية التي يشترط المواطن العربي توفرَّها، كأن تخلع اللبوس السياسي الذي يشترطه، ينكشف أنَّ تكاتفها المزعوم كان مسرحيًا، لا أنه نابع عن وعي أخلاقي راسخ، بل هو تكاتف مشروط بأن يظهر الفلسطيني كمنكوب أنيق يلبس الخطاب السياسي الذي يناسب ذوق المتضامن، حيث لا تمنح الرحمة لأن الحاجة قائمة، بل لأن صورة المحتاج تشبه توجههم، وتطمئنهم، وتحاكي خطابهم.
"البئيس يخشى الكوارث أكثر من غيره، مع أن بؤسه يحميه، على ما يظهر، من آثارها وأن الأنسب له أن يردد قول أندروماخ: آه! لو كان لي ما أخشى عليه".
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص133)
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص133)
"القصة المعينة، والصورة، التي تظهر في وسائل الإعلام الإخبارية، يختارها الصحفيون عن عمد، ويفهمونها بوصفها تمثُّلات، بينما يراها مستهلكو الأخبار أكبر من هذا، يزعم بارت أن الصحفيين يبدءون بمفهوم ما، ويبحثون عن سبيل للتعبير عنه رمزيًا، ومع ذلك لا يرى الجمهور القصة أو الصورة بوصفها رمزًا، ولكن بوصفها حقيقة".
(الصحافة المصورة والأخبار في عالم اليوم، خلق واقع مرئي، لوب لانجتون، ترجمة زينب عاطف، مؤسسة هنادي، ٢٠٢١، ص٢٠.)
(الصحافة المصورة والأخبار في عالم اليوم، خلق واقع مرئي، لوب لانجتون، ترجمة زينب عاطف، مؤسسة هنادي، ٢٠٢١، ص٢٠.)
باسم بشينية
Video
الزوجة الثانية (١٩٧٠)
صدر سنة ١٩٧٠ فلم مصري يحمل عنوان (الزوجة الثانية) تدور أحداثه حول عمدة القرية، الذي يمثل هوس تكييف كل رغباته ضمن مسمى المصلحة العامة، ومن آحاد هذه المصلحة، العامة، أن ينجب العمدة أبناء، لكن زوجته الأولى لم تنجب، كان لديه خادم وخادمة، وهما زوجين، أبو العلا وفاطمة.
تقتضي المصلحة العامة أن يطلِّق العمدة خادمه أبو العلا من زوجته فاطمة، باشراف ممثِّل الدين وممثلي القانون، وفي مشهد مفصلي، يُجبَر أبو العلا على نطق كلمة "إنَّ زوجتي فاطمة بنت زهران، الغائبة عن المجلس، طالق مني" وأضحت أخص قناعاته البديهيَّة، وهي أنَّ فاطمة بنت زهران زوجته، تلك القناعة التي بوركت فيما سبق بنفس الإطار القانوني والديني والسلطوي، محل انهيار.
في مجتمع فلَّاحي في الستِّينات، من المؤكد أنَّ قضايا كهذه لم تكن متسعة في النقاش الحر، كانت مسائل الزواج جد حادَّة، والمساس بها صفيحٌ ساخن، وبطبيعة الحال أنكر سكَّان القرية ما يفعله العمدة همسًا، بداية الأمر، فيمكن لمن جرَّد أبو العلا من فاطمة، وجعله ينكر بديهيَّة أنها زوجته، أن يجعل أيَّ واحدٍ منهم في نفس الموقع وتُستحضر التغطية القانونيَّة والدينيَّة مرَّة ثانيةً، لكن كل القرية تخاف من رسميَّة العقاب "يدِّ اللي ما تتقطعش، بوسها وأدعي عليها بالسَّلامة" وصارت قناعة رسخت في القرية لعقود، وربما قرون، تنزل دون تلك المرتبة، وكل بوق يُفتَح، يقابله شيخ البلدة بمقولة "وأولى الأمر منكم" فيسكت.
يستهجن سكان القرية الحادثة، لكن هم أنفسهم، الذين تعرض العمدة لقناعة أحد أفرادهم، سيحضرون عرس نفس العمدة بفاطمة، مهلِّلين، راقصين، فرحين، مصفقين، نُسي أبو العلا، ولم يبق نقاش قناعته البديهيَّة أنَّه أرغم على ترك فاطمة، يحمل أي معنى، أو حضور، أمام فاعليَّة العمدة، الذي أعطى بطاقة عبور اجتماعيَّة إلى لذَّاته، لكن واقع المشهد، يشرح بشكل دقيق كيف أنَّ أهم قناعات رجال القرية، لا مجرَّد أبو العلا، هي قابلة للذوبان، فقط، هي تحتاج مجتمع قروي بسيط الوعي.
صدر سنة ١٩٧٠ فلم مصري يحمل عنوان (الزوجة الثانية) تدور أحداثه حول عمدة القرية، الذي يمثل هوس تكييف كل رغباته ضمن مسمى المصلحة العامة، ومن آحاد هذه المصلحة، العامة، أن ينجب العمدة أبناء، لكن زوجته الأولى لم تنجب، كان لديه خادم وخادمة، وهما زوجين، أبو العلا وفاطمة.
تقتضي المصلحة العامة أن يطلِّق العمدة خادمه أبو العلا من زوجته فاطمة، باشراف ممثِّل الدين وممثلي القانون، وفي مشهد مفصلي، يُجبَر أبو العلا على نطق كلمة "إنَّ زوجتي فاطمة بنت زهران، الغائبة عن المجلس، طالق مني" وأضحت أخص قناعاته البديهيَّة، وهي أنَّ فاطمة بنت زهران زوجته، تلك القناعة التي بوركت فيما سبق بنفس الإطار القانوني والديني والسلطوي، محل انهيار.
في مجتمع فلَّاحي في الستِّينات، من المؤكد أنَّ قضايا كهذه لم تكن متسعة في النقاش الحر، كانت مسائل الزواج جد حادَّة، والمساس بها صفيحٌ ساخن، وبطبيعة الحال أنكر سكَّان القرية ما يفعله العمدة همسًا، بداية الأمر، فيمكن لمن جرَّد أبو العلا من فاطمة، وجعله ينكر بديهيَّة أنها زوجته، أن يجعل أيَّ واحدٍ منهم في نفس الموقع وتُستحضر التغطية القانونيَّة والدينيَّة مرَّة ثانيةً، لكن كل القرية تخاف من رسميَّة العقاب "يدِّ اللي ما تتقطعش، بوسها وأدعي عليها بالسَّلامة" وصارت قناعة رسخت في القرية لعقود، وربما قرون، تنزل دون تلك المرتبة، وكل بوق يُفتَح، يقابله شيخ البلدة بمقولة "وأولى الأمر منكم" فيسكت.
يستهجن سكان القرية الحادثة، لكن هم أنفسهم، الذين تعرض العمدة لقناعة أحد أفرادهم، سيحضرون عرس نفس العمدة بفاطمة، مهلِّلين، راقصين، فرحين، مصفقين، نُسي أبو العلا، ولم يبق نقاش قناعته البديهيَّة أنَّه أرغم على ترك فاطمة، يحمل أي معنى، أو حضور، أمام فاعليَّة العمدة، الذي أعطى بطاقة عبور اجتماعيَّة إلى لذَّاته، لكن واقع المشهد، يشرح بشكل دقيق كيف أنَّ أهم قناعات رجال القرية، لا مجرَّد أبو العلا، هي قابلة للذوبان، فقط، هي تحتاج مجتمع قروي بسيط الوعي.
"ليس ثمة من شيء أكثر تفاهة وتقلبًا من الجماهير، فكثيرًا ما نرى الجماهير في سجلَّات الأعمال التي قام بها الناس، تقضي على رجل بالإعدام، ثم لا تلبث أن تأخذ في البكاء عليه"
(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص406)
(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص406)
باسم بشينية
Photo
وكتب سنة ١٥١٩م:
"عندما يُغرَى شعبٌ على ارتكاب الخَطأ، في رفع إنسانٍ إلى مكانةٍ ساميةٍ للغاية، وذلك بسبب ما يُبدِيه هذا الإنسان من تهجُّم على أولئك الذين يَكرههم الشَّعب.
وعندما يتوافر الذَّكاء عند هذا الانسان، فإنَّ ما يحدث دائمًا هو أن ينشأ نظامٌ طغيانيٌّ في المدينة التي يعيش فيها الجميع. ذلك لأن هذا الرَّجل سينتظر إلى أن يتمكَّن بتأييد الشَّعب من الخلاص من النُّبلاء، ولن يشرَع في اضطهاد الشَّعب إلَّا بعد الخلاص من الفريق الثَّاني. وفي غضون ذلك، يدرك الشَّعب أنَّه قد أضحى جماعةً من العبيد، وأنَّه لن يجد الوسيلة للخلاص من الحالة التي وصَل إليها".
(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص358)
"عندما يُغرَى شعبٌ على ارتكاب الخَطأ، في رفع إنسانٍ إلى مكانةٍ ساميةٍ للغاية، وذلك بسبب ما يُبدِيه هذا الإنسان من تهجُّم على أولئك الذين يَكرههم الشَّعب.
وعندما يتوافر الذَّكاء عند هذا الانسان، فإنَّ ما يحدث دائمًا هو أن ينشأ نظامٌ طغيانيٌّ في المدينة التي يعيش فيها الجميع. ذلك لأن هذا الرَّجل سينتظر إلى أن يتمكَّن بتأييد الشَّعب من الخلاص من النُّبلاء، ولن يشرَع في اضطهاد الشَّعب إلَّا بعد الخلاص من الفريق الثَّاني. وفي غضون ذلك، يدرك الشَّعب أنَّه قد أضحى جماعةً من العبيد، وأنَّه لن يجد الوسيلة للخلاص من الحالة التي وصَل إليها".
(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص358)