باسم بشينية
7.48K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
باسم بشينية
Photo
إعلان عن بث مباشر في هذه القناة.

بعنوان: مراجعة حول كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي لميشيل فوكو.

مساء اليوم على الثامنة بتوقيت الجزائر. (بعد ساعتين من الآن)
Live stream started
Live stream finished (1 hour)
دراسة كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي 1961م – ميشيل فوكو.

دراسة نقديَّة تشرح ماذا قدم ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، وتحولاته التاريخية بين السلطة والمجتمع منذ القرون الوسطى، وانعكاسات أطروحته على أوروبا الحديثة. مع تقديم رؤية نقدية للكتاب.

الرابط على المدونة: https://bassembech.com/book/تاريخ-الجنون-في-العصر-الكلاسيكي/
"روسيا في الحرب العالمية الأولى، كان مجال تفوقها في القوة العددية، وفي المجال المادي والعمق الاستراتيجي، أما عيوبها فكانت المجال الذهني والمعنوي.

كانت تمتلك قوة بشرية هائلة، ولجنودها شهرة في الشجاعة وقوة التحمل، لكن الفساد وعدم الكفاءة كان منتشرا في القيادات. أما القيادات الوسطى وضباط الصف فكان ينقصهم الذكاء في المبدأة في حرب عملية".

(موسوعة الحرب العالمية الأولى والثانية، الحسيني معدي، دار الحرم للتراث، القاهرة، الطبعة الأولى ٢٠١١، ص٩٠)
يعرف الجميع أن أمريكا كانت أرضا لغير الشعب الذي يسكنها اليوم، كانت أرضًا يملكها عديد من قبائل الهنود الحمر، ومن يقرأ كتاب التطهير العرقي في فلسطين لإيلين بابه، يرى أن التهجير في سجل التاريخ الأمريكي أوسع بكثير، حتى أن اسم الاتفاقيات التي فرضت تهجير السكان الأصليين يحكي الكثير.

من معاهدة الإزالة أو قانون إبعاد الهنود الذي أصدره الكونغرس الأمريكي عام ١٨٣٠ والذي أجبر القبائل إلى التحول إلى أراض غربية مقابل بنود حماية، إلى مرسوم سمي بدرب الدموع، بين ١٨٣٨ وسنة ١٨٣٨، والذي أجبرت فيه أمريكا قبائل مثل الشيروكي على الرحيل عبر مسيرة طويلة من جورجيا وصولا إلى أوكلاهاما، ما أدى لموت الآلاف منهم.

وبعد سنة ١٨٥١ جرى توقيع معاهدة فورت لارامي وبناء عليها جرى تنظيم أراضي مخصصة لقبائل أصلية في السهول الكبرى، لكن انتهكت هذه المعاهدة أيضا لسبب اكتشاف الذهب في المكان.

ثم نشأ ما يعرف بسياسة المحميات الهندية، وهي التي نظمت الوضع بعد التهجير بوضع السكان الأصليين في محميات محدودة ما حدَّ حريَّتهم في التنقل وبالتالي عمليات الصيد والزراعة تقلصت وبدأ يؤثر ذلك على تعدادهم يوما بعد يوم.

ولا تزال هذه المحميات إلى اليوم في أمريكا في ولايات عدة، في أوكلاهوما، وواشنطن، وكاليفورنيا، وغيرها، وحتى في كندا، وهي تسمى بالأراضي المحجوزة أو محميات السكان الأصليين، وتعاني فقرًا حادًا، وبطالة مرتفعة وخدمات صحية متدنية، نقص في المياه وتعليم محدود ونحو ذلك من الآفات.

فإن محاولة إلقاء محاضرة أخلاقية حول الخطة الأمريكية بشأن تهجير أهالي غزة، وكأن الموضوع سينحل بمجرد المرافعة الأخلاقية، بدل الحديث السياسي، هي سذاجة تفترض أن دولة قامت على التهجير والاقتلاع، وكتبت تاريخها بالحبر الأحمر لآلاف الجثث، ستشعر فجأة بوخز الضمير أو العار وهي تحاول فعل نفس الأمر مع الشعب الفلسطيني، فأنت أمام مدرسة استعمارية عريقة، لديها شهادات خبرة في التهجير والتطهير العرقي منذ قرون، والموضوع بنظرها ليس فضيحة أخلاقية دوليًا بقدر ما هو تكرار لسيناريو مجرَّب.

أو تلك الكتابات التي تحكي لك: لقد سقطت أمريكا! يقصد تلك التي قامت على نفس الشيء الذي تصور سقوطها لأجله، أو تلك التي أنهت في التاريخ القريب حربًا عالمية بإنزال قنابل نووية، وقسمت شعبا إلى نصفين! وما أن لم نقرأ التاريخ، ونحقق أعلى قدر فائدة من التجارب السابقة، سواء تلك التي قمنا بها، أو التي قام بها غيرنا، فلن تضيف التقييمات الأخلاقية على الأرض الواقع أي شيء.
باسم بشينية
Photo
لماذا تقام دراسات غربية بشكل دائم حول تفاصيل الامبراطورية الرومانية؟

كثير من مواضيع أوروبا الحديثة، تجري الأكاديمية الغربية أبحاثًا دؤوبة حولها، تتسم الأبحاث بالتجديد المستمر وسد الثغرات بشكل جدي مع كل حقبة دراسية، وليس بمنكر أن نرصد فكرة الاسترجاع الانتقائي في الأبحاث الغربية وهي تحاول تفكيك كل جذر متعلق بثقافتها الحالية بالعود إلى تحليل شكل السلطة والمجتمع والقانون والاقتصاد في ظل الإمبراطورية التي يجد الأوروبي منذ عصر النهضة إلى اليوم نفسه في كل تفاصيلها.

ألم تقم الثورة على النظام الاقطاعي لصالح النظم التي سادت في الحقبة الرومانية؟ هل استحدث الثوار على القرون الوسطى أفكارًا مثل: الجمهورية، الديمقراطية، مجلس الشيوخ، الحرية الدينية، الفصل بين السلطات، الديكتاتورية، القانون المدني، وتطوير برلمان، من تلقاء رؤوسهم؟

لم يكن ذلك بصحيح، وإن كانت هذه المفاهيم قد شهدت تطويرا وبناء مستمرَّين، لكننا نجد أن روما قبل تحولها إلى امبراطورية في 27 ق.م، كانت جمهورية، تنطوي على مجلس شيوخ، تتمظهر فيه فكرة (حكم الشعب) وإن كانت ديمقراطية تمثيلية، وخلال القرون التالية، مع أواخر العصور الوسطى، تعود أفكار الجمهورية بشكل تدريجي في مثل فلورنسا، وجمهورية البندقية، وجمهورية سيينا.

وحتى عودة الحرية الدينية، أو المرافعات حولها خصوصا في عصر التنوير أو السنوات التي مهَّدت له، كان لها جذور رومانية وفق ما سمي بمرسوم ميلانو الذي أطلقه قسطنطين الكبير، المرسوم الذي كان يسمح لجميع مواطني روما، بحرية الاعتقاد، على خلفية حرب التطهير الكبرى التي تعرض لها المسيحيون.

فيما يتعلق بالقناصل ومجالس الشيوخ والمجالس الشعبية، فإن السلطة في روما توزعت بشكل نسبي بينها وإن كان الحكم قد ظل مركزيا، وهي الفكرة التي سنجد إحياءها مع كتابات مونتسيكيو (الفصل بين السلطات) والتي ستلقى صداها بين رواد الطبقة البرجوازية خلال الثورة الفرنسية، نفس الأمر مع القانون المدني، والديكتاتورية.

يكتب لورانس ليسيج في كتابه عن تفاصيل الامبراطورية “عندما نقرأ هذه الأحداث معا، نلاحظ أوجه تشابه مذهلة بين اخفاقاتنا والاخفاقات التي أدَّت إلى تدمير الجمهورية الرومانية” تلك الدراسات مثل بعض ما قدمه ستيفن شتراوس، لم تتسم بمجرد البحث في الانتقاء الاسترجاعي للنظم، بل تناولت أيضا أوجه التشابه بين الأخطاء الحديثة والأخطاء الرومانية القديمة، من موضوع التمويل المشبوه للحملات الانتخابية، إلى نقاش أثر الحرب المستمرة

وغير هذا من الدراسات كثير، على سبيل المثال، نجد كتابًا لوالتر شيدل، من جامعة ستانفورد، بعنوان (الهروب من روما، فشل الامبراطورية والطريق إلى الرخاء، 2019) وكتاب (علم التاريخ الروماني، علم الأحياء والمناخ ومستقبل الماضي، سنة 2018)، كلها تعكس قراءة الواقع الأوروبي على خلفية الإرث الروماني، وإن كانت الدراسات التاريخية الكلاسيكية ذات الطابع السردي لا تزال مستمرة، لكن التحليل يظل متقدًا مع كل دراسة حديثة.

إن تلك الدراسات، تذعن لتراكمية الفن السياسي، عبر آلاف من السنين، لا يزال الوعي السياسي، بحاجة إلى دراسة مختلف البرامج والاستراتيجيات والخطوات التي سعى الرومان لتحقيقها ورؤية نتائجها، واستخلاص الوعي السياسي منها بصفتها تمثل الهوية التاريخية لتلك الأقطار، مع فارق اللغة، والأعراق، والهويات الدينية، والأديولوجيات، وتفاصيل كثيرة.

لكن تبقى فكرة القطيعة مع تاريخ أمة فكرة جد ضحلة ومستبعدة على مستوى كل الدوائر، بل حتى مسائل غير أخلاقية ترافع عنها برلمانات أوروبية عدة، مثل مسألة (الشذ/وذ) هي تخضع بالدرجة الأولى إلى (استرجاع انتقائي) من التاريخ الروماني، وتضحى وفقا لهذا شخصيات مثل يوليوس، ونيرون، وهادريان، وإيلاجابالوس، وغيرهم من الأباطرة والملوك الرومان الذين كانوا شو/اذًا مثارًا لإعادة إحياء نقطة كامنة في اللا وعي الجمعي للمجتمع الأوروبي.
باسم بشينية
Photo
التصوف السياسي هو المورفين الشعبي.

التصوف عندما يضحى دروشة سياسيَّة يتحول إلى مورفين، خصوصا إذا حشي بلغة شرعية متكلفة، وسريعا ما ينكشف زيفها إذا ما جرى إخراجها لمواضيع فاضحة، فمن بدأ مشروع ‹الريجيم› بغية إنقاص وزنه، ولم يتغير، لن يجد في قول القائل "المهم، أن فكرة الريجيم لا تزال حية، لقد أحييت الفكرة في نفسك" غير الشعور بالسخرية، فزيادة وزنه سنة بعد سنة، يشعره بأنه منكسر أمام عمل واقعي، لأن واقعه لم يتغير، لقد خسر الرهان، ولم يحقق على أرض الواقع تغيُّرًا، ولن يضمن من نفسه أمام المرآة حتى إعجابا كاذبًا، بل يهتم لرقم الوزن، فوق الآلة الموضوعيَّة، فحسب.

أما من يقول له "الوزن مجرد أرقام على ميزان" فسيتلقى ردًا ينسبه إلى الغباء، أو سيكون بنظره ساخرًا، فهذا فيما يتعلق ببعض كيلوغرامات من الشحوم، حيث تصبح الأرقام مهمة، بل فواصل الأرقام تضحى جوهرية في تحديد النصر من عدمه أمام مشروع بسيط كهذا.

وما أن يتحول الموضوع إلى أثر مشاريع على تعداد الحصاد من أرواح البشر، أياديهم وأعينهم وأرجلهم، مستشفياتهم ومنازلهم وحتى مدارسهم، حتى يقترب منك نفس الشخص، واضعًا يده على كتفك بحنو أشبه بمواساة العرَّافين، متأملاً النكبة بعين متأمل، ثم يهمس لك "الأرقام في ديننا، إنما هي أوهام" فالتصوف السياسي هو اللغة المحببة لبائعي الكلام، بصفتها مورفينًا، فهي مثالية دينية، يدمنها العامة، سلسة وتعطل مستقبلات الألم، لكن هي أول ما ينكره المثالي إذا ما فكر على مستوى خصوصياته.
باسم بشينية
Photo
في كتاب بعنوان (التصوف) ليوسف زيدان ينقل عن شيخ الطريقة العزمية نقطة لافتة في تعبيره عن رؤيته الرافضة لأي ارتباط بالسياسة قائلا "وكان السيد أحمد ماضي يكره العمل السياسي، وكان يؤكد أن كرسي الحكم لو كان محل نظر الله تعالى، لأجلس عليه الإمام الحسين بن علي، ومنع عنه يزيد بن معاوية الفاسق، وكان يردِّد دوما: السياسة نجاسة، وهي العبارة التي اشتهرت على ألسنة العزمية بعد ذلك" [١]

هذا الحال يشرح وضع الخطاب المزدوج، حين يجري اتخاذ الزهد السياسي مبدأ مقدسًا لا بدافع حكمة سياسية، بل ضمن استدلال جبري يسخِّر الدين لإعادة إنتاج الحياد تجاه الحياة العامة باعتباره فضيلة، متخذًا مواقف أكثر قطعية بناء على أحداث تاريخية، بشكل جبري، مع أن الحسين نفسه مارس السياسة لآخر يوم في حياته، وفي حين لم تنجح ثورته، تحول ذلك إلى آلية لتحويل الهزيمة إلى لحظة مجمدة لتضحى قدرًا إلهيًا على كل مسلم.

بل إن صيغة الاحتجاج والتي تبدو فاضحة، هي في الحقيقة وجه مغاير للغة التنفير عن النقاش السياسي، ذلك الذي تجده متفشيًا في أوساط اشتهرت بنقد (التصوف) لكن صاغت مواقفها من العالم بتبني خطاب العزلة والزهد السياسيين، وهي اللغة التي تراكمت على مر السنين فوجدت في مختلف الأوساط حضورًا، كالتي تدار في بعضها تحت عبارة (من السياسة ترك السياسة).

[١] التصوف، يوسف زيدان، ص٧٦.
باسم بشينية
Photo
من كتابات حسين الشرع في السياسة:

"لقيامة سوريا جديدة [...] تحديد مهام الرئاسة في بلادنا ينبغي أن يتوجَّه إلى تشكيل نظام سياسي برلماني تعددي، محدد بسنوات محدودة للرئاسة، وتتحول هذه الرئاسة، كما في كل بلاد الدنيا، إلى رمزية بروتوكولية، كما في: ألمانيا، وبريطانيا، وإيطاليا، واليونان، ودول أخرى.

وأن الحكم هو لممثلي الشعب الحقيقيين، وفصل السلطات حتى لا تطغى سلطة على أخرى، وتترك السلطات تعمل كلٌّ في مجاله، لذا، لا بد من وجود دستور يجمع عليه الشعب، يحدد كل ذلك بوضوح، ويقطع العلاقة نهائيا مع مرحلة الاستبداد والدكتاتورية.

[...] ويبقى النص الأساسي في الدستور: أنَّ الشعب هو المصدر، ومنه وإليه يشكَّل الدستور، والقوانين الناظمة للحياة. فرئيس الهيئة الحاكمة يجب أن يكون من العلماء في الهندسة، وخبيرا اقتصاديا، ولديه تصور كامل لإعادة ترميم وبناء سوريا، وكذلك الوزراء الآخرون. وإذا كان من السياسيين، عليه أن يعتمد على مجلس استشاري قومي، وذو خبرة ومتمكن.

[...] فإن تشكيل جسم قيادي قادر على قيادة المرحلة وتحقيق المهام المطلوبة منه على صعيد إيجاد الدولة المدنية الديمقراطية، وفقا للدستور المدني الذي يحدد صلاحيات كل الجهات، ويهدف إلى:

إعادة الحياة الديمقراطية التنافسية، بدون أحقاد، وبدون معارك، وبدون هيمنة لا سيمافي الجيش الذي يجب أن يكون جيش الوطن، لا علاقة له بالسياسة وصراعاتها، خاصة القوى الأمنية العاملة على حماية الأمن لجميع المواطنين بدون تمييز. فضلاً عن تحقيق العدالة أمام القضاء المدني، والتخلص نهائيا من القضاء العسكري للمدنيين والمحاكم الاستثنائية".

(قراءة في القيامة السورية، حسين علي الشرع، ٢٠٢٢م، ص٢٢٥-٢٢٨)
باسم بشينية
Photo
خلال الاتحاد السوفييتي، لم يكن مرحبًا بأي شعائر تتعارض مع حتميات الاقتصاد الاشتراكي المخطط، وهكذا أعادت القيادة في الحزب الشيوعي النظر في عيد الأضحى داخل الجمهوريات ذات الأقلية المسلمة، بنفس تلك الطريقة التي تعاملت بها بعض الدول التي تدّعي انتسابها للمشروع الإسلامي، ولكن بمنهجية أكثر براغماتية.

فالعيد بحسب الرؤية الماركسية ليس سوى ممارسة برجوازية متخلفة تلحق ضررًا بالمقدرات الوطنية، وتهدر موارد الدولة التي يجب توظيفها في بناء الطلائع الاشتراكية، لا في إشباع شعائر كانت تعتبر لدى السوفييت أحد الأدوات التي تعطل عجلة الإنتاج.

وقد كان يروي أحد مؤرخي الحزب الشيوعي تصور الحزب لما كان يحدث بمنتهى الدقة:

"دمروا الممتلكات الوطنية، وأبادوا الماشية، في قراشاي، كان ٤٤ في المائة من إجمالي الثروة الحيوانية في أيدي القوقاز، وفي عام ١٩٣٠ انخفضت هنا بنسبة ٢١ في المائة، وعلى مدى ثلاثة أسابيع، قامت عشرون مزرعة بذ/بح ٣٢٠ رأسًا من الماشية ١٢٦٠ رأسًا من الأغنام. تم ذبح ماشية بقيمة ٢٩٢٥٠٠ روبل في ٧ مناطق وطنية في شمال القوقاز، وكان من الممكن باستخدام هذه الأموال شراء ١٩٦٢ جرارًا".

(أسئلة قيادة الحزب بشأن القضاء على التفاوت القومي بين شعوب، ١٩١٧- ١٩٤٥، تشيركيسك، الاتحاد السوفييتي، ص٨٥)

وبحكم منطق الاقتصاد المركزي الذي لا يترك للمجتمع هامشًا مما كان يعبر عنه الماركسيون بالفوضى المالية، كان لا بد من التدخل لإيقاف ما اعتبر نزيفًا الاقتصاديًا، وكما لا يحق للعامل أن يبدِّد فائض القيمة الذي يخلقه، فلا يحق للفلاح أن يذبح ماشيته بما لا يخدم توجهات الاشتراكية العلمية، بينما يمكن لهذه الموارد أن تستغل في تصنيع الجرارات وإقامة مزارع نموذجية تخدم المشروع التقدمي.

ولسخرية المفارقة تجد ما كان يومًا محل تنديد من قبل البعض، بات اليوم يمرَّر الدفاع عنه، وهو نفس الخطاب الاقتصادي، ولكن هذه المرة بشعارات إسلامية تغلِّف نفس الفكرة السوفييتية القديمة: لا حق للفرد في تقرير مصير موارده، فالدولة وحدها هي صاحبة القرار، سواء حملت المطرقة والمنجل أم رفعت شعارًا الإمامة العظمى.
باسم بشينية
Photo
تعليق حول مسلسل معاوية.

تابعت الحلقة الأولى من مسلسل معاوية، فأول ما يقال عن الجانب اللغوي أنَّه صوَّر عرب الجاهليَّة وبداية الإسلام وكأنَّهم في البلاغة دون عرب اليوم إذا ما تكلموا بالفصحى، ومن ذلك مشهد صوَّر حديثًا مختلقًا بين أبي سفيان وبين هند، بعد إسلام رملة وذهابها إلى الحبشة، حيث جاء فيه على لسان أبي سفيان "كيف استطاع محمَّد أن يتسلَّل إلى بيوتنا يا هند؟"

وهذا خطأ من وجوه، وحري بمن يكتب سيناريو لمسلسل يجسِّد مواضيع تاريخيَّة بهذه الضخامة، أن يكون مطَّلعا على أقل القليل مما يمثل بنيات لمثل هذه الأحداث، فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن مبنيَّة على عمليات اختراق، بقدر ما كانت تنتهج العلنيَّة والصدام، ومن ثم فقد كان أجدر بالكاتب أن يضع بدل عبارة التسلل، عبارة أبلغ فمثل أبي سفيان يقول "كيف بلغ أمر محمَّد ديارنا" لا ما قيل!

وأبو سفيان كان من سادات قريش، وقد كان خطيبًا بليغًا، وتحدي العمل الدرامي هو ألَّا يطوِّع اللغة لخدمة التأثير العاطفي، بقدر ما يحاول تسليط الضوء على التأثيرات بتوظيف لغة تتناسب مع البيئة الزمنيَّة، وإلا فقدت الشخصيات التاريخيَّة قوتها، فالعبارة هنا كتبت بلغة حديثة، وهي التي تسقط مفاهيم أمنيَّة معاصرة على سياق تاريخي كلُّه أمثالٌ وبلاغة.

أما في الحوار الذي جرى بين أبي سفيان وتاجر في الشام، فقد جاء في المسلسل أن أبا سفيان قال "ولكنَّ أثمانها غالية" فردَّ التاجر "يرهقوننا بالضرائب، سأجعل لك أسعارًا خاصَّة" وهذا يشرح إلى أي مدى يستخفُّ الكاتب باللغة حدَّ الابتذال، فهو لا يراعي الأسلوب الشعري والبلاغي المفترض وقوعه بين تاجر وزبون في الجاهلية، بل يختار لغةً ميَّالة إلى الصيغة التجارية الحديثة.

ومع أن هذا المشهد أراد الإلماح إلى تأثير الضرائب على التجارة سلبًا، فقد كان يعكس واقعًا كان يفترض أن يصوَّر وفق ما عهد من العرب في الميل إلى انتقاء أبلغ الألفاظ في وصف القسوة والعبء من الطبقات الأعلى، وعليه، كان أولى بمشهد كهذا أن توظَّف فيه أمثال وحكم عربية، والكتب بها طافحة، لا أن يكون متسرعًا.

فعن استياء أبي سفيان من الأسعار كان أقرب إلى الواقعيَّة أن يقال "عزَّت أثمان سلعك أيها التاجر" فالثمن لا يتصف بالغلو، بل السلعة، وإنما يقال للثمن أنه باهض، فأن يقال "سعرها ناءٍ عن مقدرتنا" فيردَّ التاجر "ما تركت المكوس في سوقنا غير ما يفتكُّ بكلفة من بين أنياب الجباة، ولكن عندي لك ما لا يكون لغيرك" فهذا مما يجمع بين توصيف الواقع السياسي والاقتصادي والصراع الطبقي وعبء الضرائب، وبين لغة التفاوض لدى العرب، تلك التي تعتمد حسن المنطق، وضرب المثل.

أما على الجانب التاريخي فقد جاء في المسلسل أنه في حين سمع معاوية وهو صغير أن النبي صلى الله عليه وسلم قادم بجيشه قرَّر القتال ضدَّه، فقال له يزيد "أمجنون أنت حتى تذهب إلى القتال في معركة خصمك فيه محمد وعمر وحمزة وعلي؟" وهذا يقصد به معركة أحد، وهي حركة من المؤلف، تشرح أن معاوية منذ صغره كان يُخوَّف بعلي، بدليل أن يزيد كان ينهاه عن خوض حرب هو فيها، فمع أن هذا الحوار مختَلق بالكامل، إلا أن واقع ما حصل بين علي ومعاوية بعد مقتل عثمان، يجعل اختلاق أحداث كهذه أدلجة سخيفة.

حتى إن وضع معاوية على أنه طفل صغير لم يشب، يُخوَّف بعلي، يتجاوز ما ورد من روايات حول تواريخ ولادتهما، فمثلًا نجد الحسن البصري من يقول ولد علي قبل البعثة بخمسة عشر سنة، ومنهم من يقول قبل البعثة بعشر سنين، ومنهم من يقول بخمس، وفي الإصابة أن معاوية ولد قبل البعثة بثلاثة عشر سنة، فبينهما على إحتمالٍ سنتين، وعلى فرض تباعد السنوات بحسب اختلاف الروايات فليس بينهما سوى 6 سنوات كأقصى تقدير، ولكن الكاتب أراد استصغار معاوية كسياسي ومحارب على لسان أخيه منذ صغره.

ومن المشاهد المستفزة، أن يقول معاوية في آخر الحلقة، أن بني أميَّة كانوا دومًا يحكِّمون عقولهم، أي أنهم يسعون دائما لما فيه المصحلة، فلأيِّ شيء لا يدخلون في دين محمَّد وقد دخل فيه الجميع؟ فمثل هذا المشهد تلفيقي، وهو مختلق أيضا، ولكن الكاتب أراد أن يقول أن بني أميَّة هم آخر من أسلم من العرب، وإنما أسلموا (عقلًا) أي بدافع وجود مكان في التغير السِّياسي، ولم يكن إسلامهم (قلبًا) أي بدافع الإيمان، مع أن مسلمي بني أمية، كانوا قبل الفتح أكثر من مسلمي بني هاشم!
باسم بشينية
Photo
الجنسانية العقائدية في المخيال الشيعي.

لو قرَّر ميشيل فوكو البحث في تاريخ الجنسانيَّة في عالمنا العربي، لناب عنه الشيع دون حاجة لحفريات معرفيَّة، تلك الفئة المهووسة بما بين أفخاذ الرجال لطالما جسَّدت بورنوغرافيا عقائدية، بل إن الهوس باختلاق التاريخ الجنسي لديها يتجاوز المؤدى البيولوجي، حتى إنَّه ليُنظَر إليه كفلسفة نقديَّة، يقف فيها الخصاء، والفحولة، وخيانة الفرش، وقصص يا لكثرتها حول ماء رجال، وطمث نساء، مقام القياس والبرهان في النقد السياسي، إنها حيلة من عجز رأيه عند التقابل فعوَّض هزائمه السِّياسيَّة باختلاق هزائم جنسيَّة.

أدبيَّات الشيع مليئة بالثرثرة الجنسيَّة، بصفتها نهجًا إيمانيًا لا بصفتها ترفًا، بل إنها أساسٌ معرفي في الكتابة التاريخية، فالوصمة الجنسيَّة حاضرة دومًا على كل خصم أضرَّ بالقوم، فلم يكن كافيًا أن تقتصر العداوة مع عمرو بن العاص على الشق السياسي، بل يبحر الهوس إلى مناطق تكشف عمق التمريض النسائي لدى المعممين!

تأتي روايات الشيع أن عمرو قد كشف سوأته أمام علي عند المعركة خلال صفِّين، مع أن عمرو قد ابتدأ قبل معركة كهذه حروبًا خاضتها جيوش أباطرة ضدَّه، وقد ابتدأ فيها فتح مصر، وفلسطين، وطرابلس، وتأمين غرب الشام، وفتح برقة، وخاض حروبًا ضدَّ الروم، والبربر، والقبط، ولم يؤثَر عنه غير النَّصر، ولا تكاد تجد في حوليَّة قبطية، أو رومانيَّة مثل هذا عنه مع أنَّه أسقط ممالكهم، فما أن يتفوَّق سياسيًا حتى تضحى سوأته ملاذًا!

ثم هل يكفي ذلك؟ كلا، لا بد أن يجري تشويه عمرو بن العاص بأثر رجعي بإعادته إلى بطن أمه، ثم دفعه إلى رحم التاريخ كمنتج لعلاقة غير شرعية بين ست رجال على امرأة واحدة، وهكذا يعيد الشيع تكوين عمرو بن العاص وراثيًا بعد أن خلع عليًا في التحكيم، وقد أثر عند الشيع أن من لم يكن من شيعتنا فهو ابن زنا، فتتقدم الميثيولوجيا الإيروسيَّة لتعمَّ الجميع، ألم يكن عمرو مع معاوية؟

تختلق نفس الفئة أن معاوية قد كان مختلفًا في نسبه، فعمر هو من ولَّاه على الشام، وهكذا يضحى معاوية في المتداول الشيعي ابنًا غير شرعي لعمر، بأثر رجعي أيضا، ثم عمر نفسه، تختلق نفس الميثيولوجيا الجنسية قصصًا حوله، بأنَّه كان يتداوى بماء الرجال، فهو من أخذ البيعة لأبي بكر، ثم ألم يخلف معاوية ابنه يزيد، وهو الذي تسبب بمقتل الحسين، تستمر الذهنية الجنسية على نفس الخط، واصفةً يزيد بأنه ابنٌ غير شرعي لعبد حبشي نام على فراش معاوية في غيابه، وينشطر الوعي الجنسي ليعمَّ الجميع، خالد بن الوليد، وأبي بكر، وعثمان، والحجاج، والوليد بن يزيد، وعبد الملك بن مروان، وغيرهم.

وهكذا فإن فالهزائم العسكريَّة لا يمكن أن تفسَّر إلا بجينات غير شرعيَّة، فالحنكة في العمل السياسي في الدرس الشيعي لا تتأتى إلا من رحم نجس، مع أنَّ الكاظمية -ولكُثرٍ ممن تسموا بها من شرفها المتَّسخ نصيب- لم يتفرَّخ عن بيوت متعتها سياسيٌّ واحد، ولكنَّ حسم الجدال باغتيال سمعة الخصوم قياس من الشخوص على أنفسهم.

وبهذا يعاد إنتاج السلالات حسب نتائج المعارك، فالأنساب يعاد توليدها مقاسًا على الهزائم، فكل من ألحق نكايةً فقد جاء سفاحًا، ومن خاصم فكسب الخصومة سحب من قدمه إلى سجل اللقطاء، وحالة الهوس بالجنسانيَّات تتعدى الرجال الذين انتصروا في ميادين المعارك، فبنوا الدول وشيَّدوا الفتوح، حتى يصل الاختلاق إلى عرض النبي صلى الله عليه وسلم فنسجت الخيالات الجنسية حول زوجه عائشة، ولم يكتفَ بهذا حتى صار التدفق الهرموني لدى الكليني والمجلسي بالغًا الجنون، حتى وضعوا في كتبهم ما يستحى من نقله مما اختلقوه حول أفعال جنسانية مع الحسين، وفاطمة.

الصورة المرفقة لميشيل فوكو، ١٩٧٨م.
حيث كان في الصفوف الأمامية في مظاهرة ضد شاه إيران خلال الثورة الإيرانية.
في مسألة التطهير على أساس طائفي!

إعادة إنتاج الأخطاء السياسيَّة أمر كارثي بالنسبة للدول، فمثل تنامي نزعة الاتجاه نحو الإبادة على أساس طائفي أو عرقي مع أنه يبدو مسلكا مغازلًا للنفسيَّة الانتقاميَّة، إلا أن التاريخ يثبت فشله في تحقيق الجدوى المرجوَّة، بل هو مما ما يطرح بيئة خصبة لإذكاء روح المقاومة المتطرفة، ما يحوِّل الطموح السلطوي للدولة، إلى كابوس لا يمكن السيطرة عليه على أرضها!

الاتحاد السوفييتي فترة ستالين، تعرَّض لمسألة الشيشان والإنغوش بعقليَّة التطهير والترحيل القسري، ونقل مئات الآلاف منهم إلى كازاخستان وسيبيريا، لسبب تعاونهم مع الألمان، وفعلا قد شكَّل جزء من المسلمين هناك بعد دعاية أمين الحسيني فيلقا مسلمًا في الغوستافو، وزرع التهجير جروحًا تاريخية، تحوَّلت إلى ثورات إنفصاليَّة مسلحة ضد موسكو، وكان ذلك من العوامل التراكمية التي عملت على تغذية الشعور القومي لدى الضحايا، وتوج ذلك أخيرا بالثورة الشيشانية!

ولم تكن ألمانيا بمعزل عن الأثر العكسي لإجراءات التطهير العرقي، فالحل النهائي، والذي اقتضى تطهير المناطق تحت الحكم الألماني من اليهود، عزل ألمانيا ديبلوماسيا فتوحَّدت القوى العالمية ضدها، وحين كان الغرض من الحل النهائي إنهاء تواجد اليهود أدى ذلك إلى تشكيل ما سمي بالدولة الصهيونية في 1948، وهو ما وقع بعد سقوط ألمانيا بثلاث سنوات.

وليس بنادر أن نجد دراسات أمريكيَّة، وتصريحات ضباط أمريكيين وبريطانيين، حول السياسة التي كانت منتهجة في العراق ومن أبرزها ما أفرز مذبحة الفلوجة، والتي راح ضحيتها آلاف المدنيين بغرض التطهير على أساس أيديولوجي، والتي كان من نتائجها وفقا لوجهة النظر الأمريكيَّة أن القصف العشوائي، والتسبب بارتفاع عدد الضحايا في الفئات المدنيَّة كان أكثر عامل يذكي الأيدلوجيَّة التي يزعم محاربتها، وبهذا تطورت الحركات المسلحة المناهضة لأمريكا أكثر فأكثر، وتوسعت قاعدتها الشعبية، ومن كان مدنيًا، وفقد أقرباء له بقصف عشوائي، تحول سريعًا إلى عسكري، حتى في أفغانستان، لم يمنع القصف العشوائي على المناطق المدنية للعشائر من تحولها جملةً إلى تشكيل قاعدة شعبيَّة مضافة إلى رصيد طالبان العسكري، وهو ما ساهم بكشل ما في صعودها إلى السلطة سنة 2021.

ومع أن التطهير في حماة في 1982 بسبب ما أعلن عن وصفه بأنه تمرُّد مسلَّح من الإخوان المسلمين ضد النظام السوري بقيادة حافظ الأسد، تحولت سريعًا إلى تصفية على أساس الانتماء العقائدي ضدَّ السنة، وقد شهدنا تصريحات لقيادات الثورة على النظام السوري كيف أنَّها ضمَّنت داخل خطابها الثوري أحداث 82، ثم كرر النظام السوري نفس الخطأ بعد 2013، ودعت مختلف أجهزته الإعلامية على وتر التصفية على أساس عقائدي أيديولوجي، وفاق عدد الضحايا المليونين، فهل تحصَّلت جدوى؟

وما قامت به إيران، وحزب الله، ومليليشيات الشيع، من الإبا/دة على أساس الانتماء العقدي، بشكل أكثر وضوحًا وأقل مبالاة، بل أرجعوا ذلك إلى جذور تاريخية متقدمة وحمَّلوا السوري الذي يعيش في ريفه بعيدًا عن السياسة والتاريخ، مسؤوليات لم يكن يعرف عنها شيئا.

وأدى ذلك إلى تزايد القاعدة الشعبية في صفوف الثائرين، ومع إجراء بعض التعديلات على الرؤى الأيدلوجية، بقي راسخًا في المشهد أن التطهير على أساس عرقي أو طائفي أو عقائدي، كان عاملًا ركيزًا في سقوط النظام السوري بشكل أو بآخر، واتضح بعد ذلك أن انتهاج هذه السياسة هو داء لا يمكن استئصاله مع مرور الوقت، بل حتى لو طبق لأقصى لوازمه، لن تنتج عنه سوى نزعة ثورية عدائية تمتنع السيطرة عليها بمجرد تصويب رؤيتك الطائفية أو القانونيَّة.