باسم بشينية
Photo
في محدِّدات النصر [2]
مع أن السوفييت وضعهم كان أعقد، كان بينهم وبين الألمان معاهدة، ثم غدر الألمان في قلب روسيا وفتحوا جبهةً على موسكو، ستالين نفسه خاف أن يغتاله ضباطه جرَّاء فشله في التوقُّع، وانتهى هذا الخطأ بمقتل عشرات الملايين من السوفييت، ثم ماذا؟ جاءت معركة موسكو، ومن ثم معركة ستالينغراد، ومن ثم معركة برلين استعمر السوفييت ألمانيا في نفس الحرب، لكن وفق معارك متقاطعة، وكان يمكن أن تنتهي الحرب عند معركة ستالينغراد فحسب، حيث تحرَّرت روسيا من الألمان.
لكن الدَّعم الأمريكي والبريطاني شكَّلا تطَّلعا لأحداث أكبر، تمثلت في السحق النهائي لدول المحور، بل قسَّمت ألمانيا وفق ما عرف بألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، وأعلنت في السابع من أكتوبر 1949جمهورية ألمانيا الديمقراطية، بإدارة من الاتحاد السوفييتي، كان نصرًا سوفييتيًا، رغم اختلاف حصاد الأرواح والأجساد، لقد أزيلت ألمانيا بكل أيديولوجيَّتها، وأزيلت إيطاليا، وألقيت قنابل نووية على اليابان، وانتهت الحرب العالميَّة لصالح الحلفاء ماديًا ومعنويًا بشكل قاطع، وخرجت ألمانيا من فرنسا ومن بولندا، حرفيًا لم يعد هنالك استعمار ألماني في أي مكان في العالم، وخرج شارل ديغول، يشكر السوفييت على تحرير بلاده فرنسا من الألمان.
لكنَّ نفس الشخص، يستحضر تعداد قتلى السوفييت مقابل الألمان، على أنه غير مشكِّل لتصوُّره لمحددات النصر المبنية على عدد القتلى، لكنَّ فلسطين لا تزال تحت استعمار رغم وقف إطلاق النار، وهي في وضع أسوأ من وضعها قبل السابع من أكتوبر، بل لا مقارنة حتى، ولا يحبِّذ الاكتفاء بالفرح، وتقريع وعيه السياسي الأسبق، لا يثور على المقدمات التي أدَّت لمثل هذا الوضع، حتى إنه لا يسميه نصرًا وحسب، بل يشنُّ حروبًا كلاميَّة ضدَّ من يستحضر مأساويَّة السنوات التي مرَّت واصفًا ما وقع بأنه هزيمة مكتملة الأركان.
وقد مرَّت السنوات وهو يغازل أطروحات ابن تيمية في نقد المنطق، وعندما قيل: هذا أشنع مما حصل في النكبة، قال: ما تعريفك للنصر؟ فعاد إلى الأرسطية، أن التصور لا ينال إلا بالحد، فلا بد أن نتفق على حدٍّ جامع مانع على الطريقة الكلاسيكيَّة لمصطلحي النصر والهزيمة، لتطلَّ متون المنطق بأذنيها حتى هنا.
وقد يقول: حدُّ النكبة خسارة أرض، وحدُّ النكسة خسارة أرضين، وهنا لم نخسر سوى أرواح، فترخص فجأة بين ناظريه روح المسلم في وَسمِ عِظَم البلاء بلفظ النكبة، فلا يصح هذا الوسم لديه، وإنما نسمِّى نكبة متى خسرنا أرضًا فسحب، أما الأرواح فهي فدى الأرض كيفما اتفق، ثمَّ يفسِّق الوطنيَّة، وقد يرى كفرَ من قال: الروح في سبيل الأرض والوطن، لتضيع كل ثمرة سياسيَّة فداك يا عِلم الجدل.
مع أن السوفييت وضعهم كان أعقد، كان بينهم وبين الألمان معاهدة، ثم غدر الألمان في قلب روسيا وفتحوا جبهةً على موسكو، ستالين نفسه خاف أن يغتاله ضباطه جرَّاء فشله في التوقُّع، وانتهى هذا الخطأ بمقتل عشرات الملايين من السوفييت، ثم ماذا؟ جاءت معركة موسكو، ومن ثم معركة ستالينغراد، ومن ثم معركة برلين استعمر السوفييت ألمانيا في نفس الحرب، لكن وفق معارك متقاطعة، وكان يمكن أن تنتهي الحرب عند معركة ستالينغراد فحسب، حيث تحرَّرت روسيا من الألمان.
لكن الدَّعم الأمريكي والبريطاني شكَّلا تطَّلعا لأحداث أكبر، تمثلت في السحق النهائي لدول المحور، بل قسَّمت ألمانيا وفق ما عرف بألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، وأعلنت في السابع من أكتوبر 1949جمهورية ألمانيا الديمقراطية، بإدارة من الاتحاد السوفييتي، كان نصرًا سوفييتيًا، رغم اختلاف حصاد الأرواح والأجساد، لقد أزيلت ألمانيا بكل أيديولوجيَّتها، وأزيلت إيطاليا، وألقيت قنابل نووية على اليابان، وانتهت الحرب العالميَّة لصالح الحلفاء ماديًا ومعنويًا بشكل قاطع، وخرجت ألمانيا من فرنسا ومن بولندا، حرفيًا لم يعد هنالك استعمار ألماني في أي مكان في العالم، وخرج شارل ديغول، يشكر السوفييت على تحرير بلاده فرنسا من الألمان.
لكنَّ نفس الشخص، يستحضر تعداد قتلى السوفييت مقابل الألمان، على أنه غير مشكِّل لتصوُّره لمحددات النصر المبنية على عدد القتلى، لكنَّ فلسطين لا تزال تحت استعمار رغم وقف إطلاق النار، وهي في وضع أسوأ من وضعها قبل السابع من أكتوبر، بل لا مقارنة حتى، ولا يحبِّذ الاكتفاء بالفرح، وتقريع وعيه السياسي الأسبق، لا يثور على المقدمات التي أدَّت لمثل هذا الوضع، حتى إنه لا يسميه نصرًا وحسب، بل يشنُّ حروبًا كلاميَّة ضدَّ من يستحضر مأساويَّة السنوات التي مرَّت واصفًا ما وقع بأنه هزيمة مكتملة الأركان.
وقد مرَّت السنوات وهو يغازل أطروحات ابن تيمية في نقد المنطق، وعندما قيل: هذا أشنع مما حصل في النكبة، قال: ما تعريفك للنصر؟ فعاد إلى الأرسطية، أن التصور لا ينال إلا بالحد، فلا بد أن نتفق على حدٍّ جامع مانع على الطريقة الكلاسيكيَّة لمصطلحي النصر والهزيمة، لتطلَّ متون المنطق بأذنيها حتى هنا.
وقد يقول: حدُّ النكبة خسارة أرض، وحدُّ النكسة خسارة أرضين، وهنا لم نخسر سوى أرواح، فترخص فجأة بين ناظريه روح المسلم في وَسمِ عِظَم البلاء بلفظ النكبة، فلا يصح هذا الوسم لديه، وإنما نسمِّى نكبة متى خسرنا أرضًا فسحب، أما الأرواح فهي فدى الأرض كيفما اتفق، ثمَّ يفسِّق الوطنيَّة، وقد يرى كفرَ من قال: الروح في سبيل الأرض والوطن، لتضيع كل ثمرة سياسيَّة فداك يا عِلم الجدل.
باسم بشينية
Photo
في محدِّدات النصر[3]
مع أن القرآن واضحٌ، فعند وقوع هزيمة في صفنا، فقال "حتى إذا فشلتم" فوصفه فشلًا، وقد كانت الهزيمة في أُحُد متمثلةً في استشهاد سبعين صحابي، وموت اثنين وعشرين رجلًا من المشركين فقط، بعد أن التفَّت قواتهم على المسلمين، وأضحى المسلمون في موقف دفاعي، فضعفت فرصهم في إلحاق هزائم بالعدو، واستشهد مصعب بن عمير، وحمزة. فكانت الهزيمة هي هذه، عدد الشهداء الذي فاق عدد قتلى المشركين، كشف ظهر المسلمين، تحول المسلمين لوضع دفاعي بعد التفاف المشركين عليهم، وكل ذلك عند مخالفة أمر هو شرعي لكن في الوقت نفسه سياسي استراتيجي؛ نزول الرماة عن الجبل.
ومع ذلك، انسحب المسلمون إلى عمق استراتيجي، واعتصموا بجبل أحد، لكن بالمقابل انسحب المشركون من أرض المعركة، وعادوا إلى مكَّة، ولم يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، بل أشاعوا ذلك فحسب، وقيل: مثَّلوا بجسد حمزة رضي الله عنه، وكثير من قيادات المسلمين بقيت على قيد الحياة، ولم تتقلَّص مساحة حكم المسلمين، ولم يتمكَّن المشركون من استغلال الخسارة الميدانيَّة للمسلمين لتقويض نفوذهم في المدينة أو المناطق المحيطة بها، ولا حاولوا اقتحامها، ولم يبيدوا قيادة المسلمين، ولا وصلوا لهم في جبل أُحُد.
فماذا قال الله عن هذا كلِّه؟ "حتى إذا فشلتم" لقد تعامل القرآن مع المسائل السياسيَّة بمرونة بالغة، وصرف أنظار المسلمين عند اشتداد الوقع إلى ضرورة النَّقد الداخلي، وتسمية الأشياء بمسمَّياتها، ولم يتعرَّض فحسب لتقريع الأعداء، لقد وصف الفشل في صف المسلمين فشلًا، وعند تعيُّنه جرَّاء عصيان الأوامر تعرَّض للشَّرف العسكري بصرامة، فقال "منكم من يريد الدنيا" والنَّاس لا تزال بجراحها، وأوضح مرارًا أن النصر قد يقع، وقد لا يقع، وعند تخلُّفه ماديًا لن يسميه نصرًا، ولو كانت المعنويات والقضية في صالحك، فأي معنويات وأي قضية أشرف من تلك التي كانت تُدار والنبيُّ على رأس القوم، ومع ذلك عندما خولف وتعيَّنت الهزيمة، مع رِفعة المعنويَّات الدينية، وإنقاذ بقيَّة المسلمين بالاعتصام على رأس الجبل.
بل كانت هزيمةً في المعركة، رغم خذلان من كانوا في الأصل ضمن الجبهة، وهم طائفة قالوا "لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا" وقالوا "لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا" ومع وجود خذلان واسع من فئة المنافقين، في الرأي، وفي الاعداد، وفي المشاركة، كان وصف الهزيمة ثابتًا، وبعض النَّاس اليوم، يجعل خذلان دولة هنا، ورأي أخرى هناك، عاملًا في تحديد الصفة: هزيمة أم نصر، فلم يقل صحابي للنبي: لم نخسر فالموازين منقلبة، المشركون متَّحدون، ونحن بيننا منافقون مخذِّلون.
مع أن القرآن واضحٌ، فعند وقوع هزيمة في صفنا، فقال "حتى إذا فشلتم" فوصفه فشلًا، وقد كانت الهزيمة في أُحُد متمثلةً في استشهاد سبعين صحابي، وموت اثنين وعشرين رجلًا من المشركين فقط، بعد أن التفَّت قواتهم على المسلمين، وأضحى المسلمون في موقف دفاعي، فضعفت فرصهم في إلحاق هزائم بالعدو، واستشهد مصعب بن عمير، وحمزة. فكانت الهزيمة هي هذه، عدد الشهداء الذي فاق عدد قتلى المشركين، كشف ظهر المسلمين، تحول المسلمين لوضع دفاعي بعد التفاف المشركين عليهم، وكل ذلك عند مخالفة أمر هو شرعي لكن في الوقت نفسه سياسي استراتيجي؛ نزول الرماة عن الجبل.
ومع ذلك، انسحب المسلمون إلى عمق استراتيجي، واعتصموا بجبل أحد، لكن بالمقابل انسحب المشركون من أرض المعركة، وعادوا إلى مكَّة، ولم يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، بل أشاعوا ذلك فحسب، وقيل: مثَّلوا بجسد حمزة رضي الله عنه، وكثير من قيادات المسلمين بقيت على قيد الحياة، ولم تتقلَّص مساحة حكم المسلمين، ولم يتمكَّن المشركون من استغلال الخسارة الميدانيَّة للمسلمين لتقويض نفوذهم في المدينة أو المناطق المحيطة بها، ولا حاولوا اقتحامها، ولم يبيدوا قيادة المسلمين، ولا وصلوا لهم في جبل أُحُد.
فماذا قال الله عن هذا كلِّه؟ "حتى إذا فشلتم" لقد تعامل القرآن مع المسائل السياسيَّة بمرونة بالغة، وصرف أنظار المسلمين عند اشتداد الوقع إلى ضرورة النَّقد الداخلي، وتسمية الأشياء بمسمَّياتها، ولم يتعرَّض فحسب لتقريع الأعداء، لقد وصف الفشل في صف المسلمين فشلًا، وعند تعيُّنه جرَّاء عصيان الأوامر تعرَّض للشَّرف العسكري بصرامة، فقال "منكم من يريد الدنيا" والنَّاس لا تزال بجراحها، وأوضح مرارًا أن النصر قد يقع، وقد لا يقع، وعند تخلُّفه ماديًا لن يسميه نصرًا، ولو كانت المعنويات والقضية في صالحك، فأي معنويات وأي قضية أشرف من تلك التي كانت تُدار والنبيُّ على رأس القوم، ومع ذلك عندما خولف وتعيَّنت الهزيمة، مع رِفعة المعنويَّات الدينية، وإنقاذ بقيَّة المسلمين بالاعتصام على رأس الجبل.
بل كانت هزيمةً في المعركة، رغم خذلان من كانوا في الأصل ضمن الجبهة، وهم طائفة قالوا "لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا" وقالوا "لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا" ومع وجود خذلان واسع من فئة المنافقين، في الرأي، وفي الاعداد، وفي المشاركة، كان وصف الهزيمة ثابتًا، وبعض النَّاس اليوم، يجعل خذلان دولة هنا، ورأي أخرى هناك، عاملًا في تحديد الصفة: هزيمة أم نصر، فلم يقل صحابي للنبي: لم نخسر فالموازين منقلبة، المشركون متَّحدون، ونحن بيننا منافقون مخذِّلون.
باسم بشينية
Photo
في محدِّدات النصر[4]
قال "فشلتم" ولم يُقَل له بعدها المهم قضيَّتنا عادت للحياة! ولم يُقَل له المهم صمدنا في الجبل؛ عمقنا الاستراتيجي ولم يصلونا بعده، بل صمدوا، ورجعوا إلى ديارهم، ولم تُمسَّ المدينة بسوء قط، وكان تقييم الوضع: هزيمةً، ثم قال بعد آيات "لكيلا تحزنوا على ما فاتكم" فكان شعور الحزن مترتبًا على تعذُّر النصر والظفر ووقوع الهزيمة وتعداد القتلى والمجروحين.
فكيف وغزَّة قد دمِّرت بهذا الشكل، ولا تزال بعدُ تحت الحصار، وفلسطين مستعمرة كما كان قبل السابع من أكتوبر، وتعداد الشهداء مهول، والقيادات التي استشهدت، والأطفال، وكل المحور بل وكل العمق الاستراتيجي، وكل خطوط الإمداد، قد مسحت من الوجو، بل قد يُجعَل من سحق خطَّ الامداد لغزَّة، ثمرةً للنصر الذي حققته غزَّة مع انهيار محور المقاومة مع أن قائد طوفان الأقصى كان يقول بالحرف "سوريا الأسد، سوريا المقاومة"، فهل يضع الرجل عقله في حذائه ويدعس عليه لا لشيء، إلا لأن بعض الهواة غير معجبين بمقولة: لقد سُحِقنا في غزة عن بكرة أبينا! بل ويفرح لتوقف ما يسميه مجازر وحشيَّة ضدَّ الغزيين، ثم يجعل توقفها وهو ينقل على الجزيرة أن ذلك كان بأمر أمريكي لحكومة العدو: نصرًا سياسيًا عسكريًا استراتيجيًا دوليًا أمنيًا استخباراتيًا وطنيًا وتحرريًا كان هو جزء منه.
ثم يحدثك عن العلمانية، مع أنه هو من يفصل السياسة الاحصائية، الأرقام، والانتصار العسكري، انكسار كل خطوط الامداد، وما يجري تدريسه في الكليات الحربية والعسكرية، عن الشريعة، يهمش كل الواقع والعالم المادي الموضوعي عن الشريعة، وقد يقول لك: "هذا في علم الرياضيات، أما في دين محمد فلا" في صورة أبلغ ما يقال عنها أنها أحدث نسخة علمانية لتصور الإسلاميين عن علاقة الدين بالرياضيات لا بالسياسة فحسب، ولم يكن القرآن على هذا النهج يومًا وهو ينزل بعد كل حدث، بل كان يحصي، ويذكر الأرقام، ويذكر الفشل، ويذكر النصر، ويوجه الشعور بعد وقوع الواقعة بما يراعي الحقائق وحدها، ويعلِّم المستمع ضرورة النقد حتى لو كان الشخص في جراحه، حتى لو كان في عز انهياره المعنوي، فعن أي علمانية يكلِّمك هؤلاء تكفيرًا وتفسيقًا وهم من طوَّروا أعمق نُسَخِها؟ وكأن الانفكاك عنها يتعين فقط عند ترديد الشعارات، أو العبارات الدينية بعيدًا عن حقيقة مقال الشخص وتصوراته.
مبارك لإخواننا في غزة، وفي فلسطين، ولنا جميعا، بتوقف المجازر...
————————
الصورة المرفقة رسمة بعنوان: في القمة، لجون ناش، 1917، خلال الحرب العالمية الأولى.
قال "فشلتم" ولم يُقَل له بعدها المهم قضيَّتنا عادت للحياة! ولم يُقَل له المهم صمدنا في الجبل؛ عمقنا الاستراتيجي ولم يصلونا بعده، بل صمدوا، ورجعوا إلى ديارهم، ولم تُمسَّ المدينة بسوء قط، وكان تقييم الوضع: هزيمةً، ثم قال بعد آيات "لكيلا تحزنوا على ما فاتكم" فكان شعور الحزن مترتبًا على تعذُّر النصر والظفر ووقوع الهزيمة وتعداد القتلى والمجروحين.
فكيف وغزَّة قد دمِّرت بهذا الشكل، ولا تزال بعدُ تحت الحصار، وفلسطين مستعمرة كما كان قبل السابع من أكتوبر، وتعداد الشهداء مهول، والقيادات التي استشهدت، والأطفال، وكل المحور بل وكل العمق الاستراتيجي، وكل خطوط الإمداد، قد مسحت من الوجو، بل قد يُجعَل من سحق خطَّ الامداد لغزَّة، ثمرةً للنصر الذي حققته غزَّة مع انهيار محور المقاومة مع أن قائد طوفان الأقصى كان يقول بالحرف "سوريا الأسد، سوريا المقاومة"، فهل يضع الرجل عقله في حذائه ويدعس عليه لا لشيء، إلا لأن بعض الهواة غير معجبين بمقولة: لقد سُحِقنا في غزة عن بكرة أبينا! بل ويفرح لتوقف ما يسميه مجازر وحشيَّة ضدَّ الغزيين، ثم يجعل توقفها وهو ينقل على الجزيرة أن ذلك كان بأمر أمريكي لحكومة العدو: نصرًا سياسيًا عسكريًا استراتيجيًا دوليًا أمنيًا استخباراتيًا وطنيًا وتحرريًا كان هو جزء منه.
ثم يحدثك عن العلمانية، مع أنه هو من يفصل السياسة الاحصائية، الأرقام، والانتصار العسكري، انكسار كل خطوط الامداد، وما يجري تدريسه في الكليات الحربية والعسكرية، عن الشريعة، يهمش كل الواقع والعالم المادي الموضوعي عن الشريعة، وقد يقول لك: "هذا في علم الرياضيات، أما في دين محمد فلا" في صورة أبلغ ما يقال عنها أنها أحدث نسخة علمانية لتصور الإسلاميين عن علاقة الدين بالرياضيات لا بالسياسة فحسب، ولم يكن القرآن على هذا النهج يومًا وهو ينزل بعد كل حدث، بل كان يحصي، ويذكر الأرقام، ويذكر الفشل، ويذكر النصر، ويوجه الشعور بعد وقوع الواقعة بما يراعي الحقائق وحدها، ويعلِّم المستمع ضرورة النقد حتى لو كان الشخص في جراحه، حتى لو كان في عز انهياره المعنوي، فعن أي علمانية يكلِّمك هؤلاء تكفيرًا وتفسيقًا وهم من طوَّروا أعمق نُسَخِها؟ وكأن الانفكاك عنها يتعين فقط عند ترديد الشعارات، أو العبارات الدينية بعيدًا عن حقيقة مقال الشخص وتصوراته.
مبارك لإخواننا في غزة، وفي فلسطين، ولنا جميعا، بتوقف المجازر...
————————
الصورة المرفقة رسمة بعنوان: في القمة، لجون ناش، 1917، خلال الحرب العالمية الأولى.
سلسلة في محددات مفهوم النصر (حول انتهاء حرب غزة)
كاملة في المدونة على الرابط:
https://bassembech.com/%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%ad%d8%af%d8%af%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5%d8%b1/
كاملة في المدونة على الرابط:
https://bassembech.com/%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%ad%d8%af%d8%af%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5%d8%b1/
باسم بشينية
Photo
الفئة التي يصل بها المستوى إلى المرحلة التي تشرح لها فيها أنه لم يتحقق ربع النصر الذي يستحق هذا الاحتفال، فتقمع خطابك لأجل أهدافها الأيديولوجية فحسب، لا تستحق أن تكتب لأجل إصلاحها، بقدر ما يفترض أن تكون أقسى وأكثر راديكالية، أن تساهم في سقوطها فئويًا وتلاشيها بالكامل كفئة تنظيريَّة تتزعَّم الأمة.
لذا فمسألة الإصلاح ليست موضوعًا مفيدًا بقدر فائدة النقد الذي ينكس أعلامًا ويسقط قلاعًا عن بكرة أبيها. بالتالي، فإن تلك المنشورات التي حرَّضت على أن يُنهَر ويُعزَل من لم يعتبره نصرًا ستدفع ضرائب قاسية مع ما سيأتي في الأجيال القادمة، فمن يتعرض خطابه للقمع، لن ينظر لمن فعل ذلك كفئة قابلة للإصلاح، ولن يخضع لثقلها على الرأي العام، ولن يلقي اعتبارًا لمختلف وسائلها المستهلكة للدفاع عن نفسها.
لذا فمسألة الإصلاح ليست موضوعًا مفيدًا بقدر فائدة النقد الذي ينكس أعلامًا ويسقط قلاعًا عن بكرة أبيها. بالتالي، فإن تلك المنشورات التي حرَّضت على أن يُنهَر ويُعزَل من لم يعتبره نصرًا ستدفع ضرائب قاسية مع ما سيأتي في الأجيال القادمة، فمن يتعرض خطابه للقمع، لن ينظر لمن فعل ذلك كفئة قابلة للإصلاح، ولن يخضع لثقلها على الرأي العام، ولن يلقي اعتبارًا لمختلف وسائلها المستهلكة للدفاع عن نفسها.
"نيكولا دوكوس: عندما يتخلى الإنسان عن المحسوس، ستصاب روحه بالجنون"
(تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ميشيل فوكو، ترجمة سعيد بنكراد، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2006، ص53)
(تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ميشيل فوكو، ترجمة سعيد بنكراد، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2006، ص53)
باسم بشينية
Photo
يحكي يوسف القعيد في مذكراته التي بعنوان (رحلاتي في خريف الاتحاد السوفييتي) أن مستشرقًا سوفيتيًا أخبره "لا أحب أن تستخدم كلمة (الانفتاح) وأنت تتحدث عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في الاتحاد السوفييتي" [١]
فلما سأله عن السبب قال له "إنها تعني الانفتاح على الغرب وهذا غير وارد حتى مجرد التفكير فيه، لا الآن ولا مستقبلا" [٢]
يقول القعيد "ولكن عند ذهابي إلى مسرح البولشوى في موسكو في مساء اليوم نفسه، شهدت حالة من السعادة لأن هذا اليوم نزلت فيه إلى الأسواق للمرة الأولى زجاجات مشروب البيبسي كولا" [٣]
وفي نفس الوقت الذي تشتهر فيها روسيا بشراب الفودكا، كان يقول نفس المستشرق "لقد قررنا القضاء على (الفودكا) خلال خمس سنوات من الآن، وذلك من أجل صحة الأجيال القادمة، سنقضي عليها تمامًا" [٤]
أحيانًا يبدو الانفتاح أمرًا واضحًا خصوصًا عندما يتبنى بلد ثقافات أخرى في نفس المرحلة التي يحارب فيها ثقافته، ولكن مع هذا، تأتي بعض التصريحات خصوصًا من النخب المثقفة وفق ما تريده لا وفق ما هو واقع.
[١] الكتاب الأحمر، رحلاتي في خريف الحلم السوفييتي، يوسف القعيد، الطبعة الأولى ١٩٩٢م، دار سعاد الصباح، ص٢٢
[٢] المرجع نفسه، ص٢٣
[٣] المرجع نفسه، ص٢٤
[٤] المرجع نفسه، ص٢٥.
فلما سأله عن السبب قال له "إنها تعني الانفتاح على الغرب وهذا غير وارد حتى مجرد التفكير فيه، لا الآن ولا مستقبلا" [٢]
يقول القعيد "ولكن عند ذهابي إلى مسرح البولشوى في موسكو في مساء اليوم نفسه، شهدت حالة من السعادة لأن هذا اليوم نزلت فيه إلى الأسواق للمرة الأولى زجاجات مشروب البيبسي كولا" [٣]
وفي نفس الوقت الذي تشتهر فيها روسيا بشراب الفودكا، كان يقول نفس المستشرق "لقد قررنا القضاء على (الفودكا) خلال خمس سنوات من الآن، وذلك من أجل صحة الأجيال القادمة، سنقضي عليها تمامًا" [٤]
أحيانًا يبدو الانفتاح أمرًا واضحًا خصوصًا عندما يتبنى بلد ثقافات أخرى في نفس المرحلة التي يحارب فيها ثقافته، ولكن مع هذا، تأتي بعض التصريحات خصوصًا من النخب المثقفة وفق ما تريده لا وفق ما هو واقع.
[١] الكتاب الأحمر، رحلاتي في خريف الحلم السوفييتي، يوسف القعيد، الطبعة الأولى ١٩٩٢م، دار سعاد الصباح، ص٢٢
[٢] المرجع نفسه، ص٢٣
[٣] المرجع نفسه، ص٢٤
[٤] المرجع نفسه، ص٢٥.
باسم بشينية
Photo
ذكرياتي في بيت لحم، للخوري يوحنا الحاج، قسيس مسيحي، قيد ذكرياته عند رحلته إلى بيت لحم، لكن عند قراءة الكتاب لا تكاد تجد شيئا يتعلق بأدب الرحلات، أو الذكريات، كل ما في الكتاب عبارة عن انعكاس لحالة نفسية ذاتية تهتم بتقييد اللحظات التي شعر فيها باقشعرار بدنه، خطاب يهتم بالتجربة الروحانية في تفسير الأماكن والظواهر، لا تجد وصفًا لمعمار أو ربطًا لحاضر بتاريخ، ولا حتى توثيق واقعة أو مشهد، بل الهدف الوحيد هو استثارة مشاعر القراء بربطها بالمكان الذي زاره، وهذه الذهنية كثيرا ما تعكس ميلا نحو الهروب من تعقيدات الواقع، فهو في النهاية هو قد زار واقعًا ماديًا، لكن تحولت ترجمته له بالتركيز على البعد الروحي فحسب ليضحى ذلك وسيلة لتعويض قصوره في الملاحظة والتوثيق، لصالح معالم ذاتية قد لا يجدها أي شخص يريد نقل التجربة للآخرين بأقصى قدر من الواقعية حتى تنقدح في أذهانهم صور الأماكن والأحداث كما هي عليه.
رأيكم بمراجعة لكتاب (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي) لميشيل فوكو؟ يستحق؟
Final Results
65%
نعم يستحق
35%
لا يستحق
باسم بشينية
Photo
إعلان عن بث مباشر في هذه القناة.
بعنوان: مراجعة حول كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي لميشيل فوكو.
مساء اليوم على الثامنة بتوقيت الجزائر. (بعد ساعتين من الآن)
بعنوان: مراجعة حول كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي لميشيل فوكو.
مساء اليوم على الثامنة بتوقيت الجزائر. (بعد ساعتين من الآن)
دراسة كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي 1961م – ميشيل فوكو.
دراسة نقديَّة تشرح ماذا قدم ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، وتحولاته التاريخية بين السلطة والمجتمع منذ القرون الوسطى، وانعكاسات أطروحته على أوروبا الحديثة. مع تقديم رؤية نقدية للكتاب.
الرابط على المدونة: https://bassembech.com/book/تاريخ-الجنون-في-العصر-الكلاسيكي/
دراسة نقديَّة تشرح ماذا قدم ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، وتحولاته التاريخية بين السلطة والمجتمع منذ القرون الوسطى، وانعكاسات أطروحته على أوروبا الحديثة. مع تقديم رؤية نقدية للكتاب.
الرابط على المدونة: https://bassembech.com/book/تاريخ-الجنون-في-العصر-الكلاسيكي/
"روسيا في الحرب العالمية الأولى، كان مجال تفوقها في القوة العددية، وفي المجال المادي والعمق الاستراتيجي، أما عيوبها فكانت المجال الذهني والمعنوي.
كانت تمتلك قوة بشرية هائلة، ولجنودها شهرة في الشجاعة وقوة التحمل، لكن الفساد وعدم الكفاءة كان منتشرا في القيادات. أما القيادات الوسطى وضباط الصف فكان ينقصهم الذكاء في المبدأة في حرب عملية".
(موسوعة الحرب العالمية الأولى والثانية، الحسيني معدي، دار الحرم للتراث، القاهرة، الطبعة الأولى ٢٠١١، ص٩٠)
كانت تمتلك قوة بشرية هائلة، ولجنودها شهرة في الشجاعة وقوة التحمل، لكن الفساد وعدم الكفاءة كان منتشرا في القيادات. أما القيادات الوسطى وضباط الصف فكان ينقصهم الذكاء في المبدأة في حرب عملية".
(موسوعة الحرب العالمية الأولى والثانية، الحسيني معدي، دار الحرم للتراث، القاهرة، الطبعة الأولى ٢٠١١، ص٩٠)
يعرف الجميع أن أمريكا كانت أرضا لغير الشعب الذي يسكنها اليوم، كانت أرضًا يملكها عديد من قبائل الهنود الحمر، ومن يقرأ كتاب التطهير العرقي في فلسطين لإيلين بابه، يرى أن التهجير في سجل التاريخ الأمريكي أوسع بكثير، حتى أن اسم الاتفاقيات التي فرضت تهجير السكان الأصليين يحكي الكثير.
من معاهدة الإزالة أو قانون إبعاد الهنود الذي أصدره الكونغرس الأمريكي عام ١٨٣٠ والذي أجبر القبائل إلى التحول إلى أراض غربية مقابل بنود حماية، إلى مرسوم سمي بدرب الدموع، بين ١٨٣٨ وسنة ١٨٣٨، والذي أجبرت فيه أمريكا قبائل مثل الشيروكي على الرحيل عبر مسيرة طويلة من جورجيا وصولا إلى أوكلاهاما، ما أدى لموت الآلاف منهم.
وبعد سنة ١٨٥١ جرى توقيع معاهدة فورت لارامي وبناء عليها جرى تنظيم أراضي مخصصة لقبائل أصلية في السهول الكبرى، لكن انتهكت هذه المعاهدة أيضا لسبب اكتشاف الذهب في المكان.
ثم نشأ ما يعرف بسياسة المحميات الهندية، وهي التي نظمت الوضع بعد التهجير بوضع السكان الأصليين في محميات محدودة ما حدَّ حريَّتهم في التنقل وبالتالي عمليات الصيد والزراعة تقلصت وبدأ يؤثر ذلك على تعدادهم يوما بعد يوم.
ولا تزال هذه المحميات إلى اليوم في أمريكا في ولايات عدة، في أوكلاهوما، وواشنطن، وكاليفورنيا، وغيرها، وحتى في كندا، وهي تسمى بالأراضي المحجوزة أو محميات السكان الأصليين، وتعاني فقرًا حادًا، وبطالة مرتفعة وخدمات صحية متدنية، نقص في المياه وتعليم محدود ونحو ذلك من الآفات.
فإن محاولة إلقاء محاضرة أخلاقية حول الخطة الأمريكية بشأن تهجير أهالي غزة، وكأن الموضوع سينحل بمجرد المرافعة الأخلاقية، بدل الحديث السياسي، هي سذاجة تفترض أن دولة قامت على التهجير والاقتلاع، وكتبت تاريخها بالحبر الأحمر لآلاف الجثث، ستشعر فجأة بوخز الضمير أو العار وهي تحاول فعل نفس الأمر مع الشعب الفلسطيني، فأنت أمام مدرسة استعمارية عريقة، لديها شهادات خبرة في التهجير والتطهير العرقي منذ قرون، والموضوع بنظرها ليس فضيحة أخلاقية دوليًا بقدر ما هو تكرار لسيناريو مجرَّب.
أو تلك الكتابات التي تحكي لك: لقد سقطت أمريكا! يقصد تلك التي قامت على نفس الشيء الذي تصور سقوطها لأجله، أو تلك التي أنهت في التاريخ القريب حربًا عالمية بإنزال قنابل نووية، وقسمت شعبا إلى نصفين! وما أن لم نقرأ التاريخ، ونحقق أعلى قدر فائدة من التجارب السابقة، سواء تلك التي قمنا بها، أو التي قام بها غيرنا، فلن تضيف التقييمات الأخلاقية على الأرض الواقع أي شيء.
من معاهدة الإزالة أو قانون إبعاد الهنود الذي أصدره الكونغرس الأمريكي عام ١٨٣٠ والذي أجبر القبائل إلى التحول إلى أراض غربية مقابل بنود حماية، إلى مرسوم سمي بدرب الدموع، بين ١٨٣٨ وسنة ١٨٣٨، والذي أجبرت فيه أمريكا قبائل مثل الشيروكي على الرحيل عبر مسيرة طويلة من جورجيا وصولا إلى أوكلاهاما، ما أدى لموت الآلاف منهم.
وبعد سنة ١٨٥١ جرى توقيع معاهدة فورت لارامي وبناء عليها جرى تنظيم أراضي مخصصة لقبائل أصلية في السهول الكبرى، لكن انتهكت هذه المعاهدة أيضا لسبب اكتشاف الذهب في المكان.
ثم نشأ ما يعرف بسياسة المحميات الهندية، وهي التي نظمت الوضع بعد التهجير بوضع السكان الأصليين في محميات محدودة ما حدَّ حريَّتهم في التنقل وبالتالي عمليات الصيد والزراعة تقلصت وبدأ يؤثر ذلك على تعدادهم يوما بعد يوم.
ولا تزال هذه المحميات إلى اليوم في أمريكا في ولايات عدة، في أوكلاهوما، وواشنطن، وكاليفورنيا، وغيرها، وحتى في كندا، وهي تسمى بالأراضي المحجوزة أو محميات السكان الأصليين، وتعاني فقرًا حادًا، وبطالة مرتفعة وخدمات صحية متدنية، نقص في المياه وتعليم محدود ونحو ذلك من الآفات.
فإن محاولة إلقاء محاضرة أخلاقية حول الخطة الأمريكية بشأن تهجير أهالي غزة، وكأن الموضوع سينحل بمجرد المرافعة الأخلاقية، بدل الحديث السياسي، هي سذاجة تفترض أن دولة قامت على التهجير والاقتلاع، وكتبت تاريخها بالحبر الأحمر لآلاف الجثث، ستشعر فجأة بوخز الضمير أو العار وهي تحاول فعل نفس الأمر مع الشعب الفلسطيني، فأنت أمام مدرسة استعمارية عريقة، لديها شهادات خبرة في التهجير والتطهير العرقي منذ قرون، والموضوع بنظرها ليس فضيحة أخلاقية دوليًا بقدر ما هو تكرار لسيناريو مجرَّب.
أو تلك الكتابات التي تحكي لك: لقد سقطت أمريكا! يقصد تلك التي قامت على نفس الشيء الذي تصور سقوطها لأجله، أو تلك التي أنهت في التاريخ القريب حربًا عالمية بإنزال قنابل نووية، وقسمت شعبا إلى نصفين! وما أن لم نقرأ التاريخ، ونحقق أعلى قدر فائدة من التجارب السابقة، سواء تلك التي قمنا بها، أو التي قام بها غيرنا، فلن تضيف التقييمات الأخلاقية على الأرض الواقع أي شيء.
باسم بشينية
Photo
لماذا تقام دراسات غربية بشكل دائم حول تفاصيل الامبراطورية الرومانية؟
كثير من مواضيع أوروبا الحديثة، تجري الأكاديمية الغربية أبحاثًا دؤوبة حولها، تتسم الأبحاث بالتجديد المستمر وسد الثغرات بشكل جدي مع كل حقبة دراسية، وليس بمنكر أن نرصد فكرة الاسترجاع الانتقائي في الأبحاث الغربية وهي تحاول تفكيك كل جذر متعلق بثقافتها الحالية بالعود إلى تحليل شكل السلطة والمجتمع والقانون والاقتصاد في ظل الإمبراطورية التي يجد الأوروبي منذ عصر النهضة إلى اليوم نفسه في كل تفاصيلها.
ألم تقم الثورة على النظام الاقطاعي لصالح النظم التي سادت في الحقبة الرومانية؟ هل استحدث الثوار على القرون الوسطى أفكارًا مثل: الجمهورية، الديمقراطية، مجلس الشيوخ، الحرية الدينية، الفصل بين السلطات، الديكتاتورية، القانون المدني، وتطوير برلمان، من تلقاء رؤوسهم؟
لم يكن ذلك بصحيح، وإن كانت هذه المفاهيم قد شهدت تطويرا وبناء مستمرَّين، لكننا نجد أن روما قبل تحولها إلى امبراطورية في 27 ق.م، كانت جمهورية، تنطوي على مجلس شيوخ، تتمظهر فيه فكرة (حكم الشعب) وإن كانت ديمقراطية تمثيلية، وخلال القرون التالية، مع أواخر العصور الوسطى، تعود أفكار الجمهورية بشكل تدريجي في مثل فلورنسا، وجمهورية البندقية، وجمهورية سيينا.
وحتى عودة الحرية الدينية، أو المرافعات حولها خصوصا في عصر التنوير أو السنوات التي مهَّدت له، كان لها جذور رومانية وفق ما سمي بمرسوم ميلانو الذي أطلقه قسطنطين الكبير، المرسوم الذي كان يسمح لجميع مواطني روما، بحرية الاعتقاد، على خلفية حرب التطهير الكبرى التي تعرض لها المسيحيون.
فيما يتعلق بالقناصل ومجالس الشيوخ والمجالس الشعبية، فإن السلطة في روما توزعت بشكل نسبي بينها وإن كان الحكم قد ظل مركزيا، وهي الفكرة التي سنجد إحياءها مع كتابات مونتسيكيو (الفصل بين السلطات) والتي ستلقى صداها بين رواد الطبقة البرجوازية خلال الثورة الفرنسية، نفس الأمر مع القانون المدني، والديكتاتورية.
يكتب لورانس ليسيج في كتابه عن تفاصيل الامبراطورية “عندما نقرأ هذه الأحداث معا، نلاحظ أوجه تشابه مذهلة بين اخفاقاتنا والاخفاقات التي أدَّت إلى تدمير الجمهورية الرومانية” تلك الدراسات مثل بعض ما قدمه ستيفن شتراوس، لم تتسم بمجرد البحث في الانتقاء الاسترجاعي للنظم، بل تناولت أيضا أوجه التشابه بين الأخطاء الحديثة والأخطاء الرومانية القديمة، من موضوع التمويل المشبوه للحملات الانتخابية، إلى نقاش أثر الحرب المستمرة
وغير هذا من الدراسات كثير، على سبيل المثال، نجد كتابًا لوالتر شيدل، من جامعة ستانفورد، بعنوان (الهروب من روما، فشل الامبراطورية والطريق إلى الرخاء، 2019) وكتاب (علم التاريخ الروماني، علم الأحياء والمناخ ومستقبل الماضي، سنة 2018)، كلها تعكس قراءة الواقع الأوروبي على خلفية الإرث الروماني، وإن كانت الدراسات التاريخية الكلاسيكية ذات الطابع السردي لا تزال مستمرة، لكن التحليل يظل متقدًا مع كل دراسة حديثة.
إن تلك الدراسات، تذعن لتراكمية الفن السياسي، عبر آلاف من السنين، لا يزال الوعي السياسي، بحاجة إلى دراسة مختلف البرامج والاستراتيجيات والخطوات التي سعى الرومان لتحقيقها ورؤية نتائجها، واستخلاص الوعي السياسي منها بصفتها تمثل الهوية التاريخية لتلك الأقطار، مع فارق اللغة، والأعراق، والهويات الدينية، والأديولوجيات، وتفاصيل كثيرة.
لكن تبقى فكرة القطيعة مع تاريخ أمة فكرة جد ضحلة ومستبعدة على مستوى كل الدوائر، بل حتى مسائل غير أخلاقية ترافع عنها برلمانات أوروبية عدة، مثل مسألة (الشذ/وذ) هي تخضع بالدرجة الأولى إلى (استرجاع انتقائي) من التاريخ الروماني، وتضحى وفقا لهذا شخصيات مثل يوليوس، ونيرون، وهادريان، وإيلاجابالوس، وغيرهم من الأباطرة والملوك الرومان الذين كانوا شو/اذًا مثارًا لإعادة إحياء نقطة كامنة في اللا وعي الجمعي للمجتمع الأوروبي.
كثير من مواضيع أوروبا الحديثة، تجري الأكاديمية الغربية أبحاثًا دؤوبة حولها، تتسم الأبحاث بالتجديد المستمر وسد الثغرات بشكل جدي مع كل حقبة دراسية، وليس بمنكر أن نرصد فكرة الاسترجاع الانتقائي في الأبحاث الغربية وهي تحاول تفكيك كل جذر متعلق بثقافتها الحالية بالعود إلى تحليل شكل السلطة والمجتمع والقانون والاقتصاد في ظل الإمبراطورية التي يجد الأوروبي منذ عصر النهضة إلى اليوم نفسه في كل تفاصيلها.
ألم تقم الثورة على النظام الاقطاعي لصالح النظم التي سادت في الحقبة الرومانية؟ هل استحدث الثوار على القرون الوسطى أفكارًا مثل: الجمهورية، الديمقراطية، مجلس الشيوخ، الحرية الدينية، الفصل بين السلطات، الديكتاتورية، القانون المدني، وتطوير برلمان، من تلقاء رؤوسهم؟
لم يكن ذلك بصحيح، وإن كانت هذه المفاهيم قد شهدت تطويرا وبناء مستمرَّين، لكننا نجد أن روما قبل تحولها إلى امبراطورية في 27 ق.م، كانت جمهورية، تنطوي على مجلس شيوخ، تتمظهر فيه فكرة (حكم الشعب) وإن كانت ديمقراطية تمثيلية، وخلال القرون التالية، مع أواخر العصور الوسطى، تعود أفكار الجمهورية بشكل تدريجي في مثل فلورنسا، وجمهورية البندقية، وجمهورية سيينا.
وحتى عودة الحرية الدينية، أو المرافعات حولها خصوصا في عصر التنوير أو السنوات التي مهَّدت له، كان لها جذور رومانية وفق ما سمي بمرسوم ميلانو الذي أطلقه قسطنطين الكبير، المرسوم الذي كان يسمح لجميع مواطني روما، بحرية الاعتقاد، على خلفية حرب التطهير الكبرى التي تعرض لها المسيحيون.
فيما يتعلق بالقناصل ومجالس الشيوخ والمجالس الشعبية، فإن السلطة في روما توزعت بشكل نسبي بينها وإن كان الحكم قد ظل مركزيا، وهي الفكرة التي سنجد إحياءها مع كتابات مونتسيكيو (الفصل بين السلطات) والتي ستلقى صداها بين رواد الطبقة البرجوازية خلال الثورة الفرنسية، نفس الأمر مع القانون المدني، والديكتاتورية.
يكتب لورانس ليسيج في كتابه عن تفاصيل الامبراطورية “عندما نقرأ هذه الأحداث معا، نلاحظ أوجه تشابه مذهلة بين اخفاقاتنا والاخفاقات التي أدَّت إلى تدمير الجمهورية الرومانية” تلك الدراسات مثل بعض ما قدمه ستيفن شتراوس، لم تتسم بمجرد البحث في الانتقاء الاسترجاعي للنظم، بل تناولت أيضا أوجه التشابه بين الأخطاء الحديثة والأخطاء الرومانية القديمة، من موضوع التمويل المشبوه للحملات الانتخابية، إلى نقاش أثر الحرب المستمرة
وغير هذا من الدراسات كثير، على سبيل المثال، نجد كتابًا لوالتر شيدل، من جامعة ستانفورد، بعنوان (الهروب من روما، فشل الامبراطورية والطريق إلى الرخاء، 2019) وكتاب (علم التاريخ الروماني، علم الأحياء والمناخ ومستقبل الماضي، سنة 2018)، كلها تعكس قراءة الواقع الأوروبي على خلفية الإرث الروماني، وإن كانت الدراسات التاريخية الكلاسيكية ذات الطابع السردي لا تزال مستمرة، لكن التحليل يظل متقدًا مع كل دراسة حديثة.
إن تلك الدراسات، تذعن لتراكمية الفن السياسي، عبر آلاف من السنين، لا يزال الوعي السياسي، بحاجة إلى دراسة مختلف البرامج والاستراتيجيات والخطوات التي سعى الرومان لتحقيقها ورؤية نتائجها، واستخلاص الوعي السياسي منها بصفتها تمثل الهوية التاريخية لتلك الأقطار، مع فارق اللغة، والأعراق، والهويات الدينية، والأديولوجيات، وتفاصيل كثيرة.
لكن تبقى فكرة القطيعة مع تاريخ أمة فكرة جد ضحلة ومستبعدة على مستوى كل الدوائر، بل حتى مسائل غير أخلاقية ترافع عنها برلمانات أوروبية عدة، مثل مسألة (الشذ/وذ) هي تخضع بالدرجة الأولى إلى (استرجاع انتقائي) من التاريخ الروماني، وتضحى وفقا لهذا شخصيات مثل يوليوس، ونيرون، وهادريان، وإيلاجابالوس، وغيرهم من الأباطرة والملوك الرومان الذين كانوا شو/اذًا مثارًا لإعادة إحياء نقطة كامنة في اللا وعي الجمعي للمجتمع الأوروبي.