القواعد السياسية نافذة!
من المسائل التي تفرضها السِّياسة، مهما بلغ حلم الناس، أن الثورة، تعقبها حرب أهليَّة، المسألة لا تخضع لأمزجة ورغبات، فالسِّياسة علميَّة، وقوانينها نافذة! بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، تأسست الدولة، على خليفة سقوط دول في المنطقة، الحكم في قريش والمدينة وفي سائر البلاد العربية، توفي النبي، ارتدَّت كثير من القبائل، فماذا كان؟
وقعت حرب أهليَّة، وسمت بحروب الرِّدة. وامتدَّ الأمر بشكل مسالم بعد إخمادها، لكن لكون بذورها لا تزال معبَّأة في بعض القبائل، وقعت حرب أهليَّة ثانية، بعد مقتل الخليفة عثمان، الجمل، ثم صفِّين، وما لم تكن التَّربية السياسية بالغةً مراحلها القصوى، لم يكن الجانب الأخلاقي والدِّيني كافيًا في كبح جماح الحربين الدَّاخليَّتين.
وبعد أن وحَّد الأمير معاوية الدولة، لم تمض سنوات كثيرة، حتى عادت بذور الحرب لتطل، كان خروج الحسين لإسقاط يزيد بن معاوية، استمرارًا لمظاهر الخلاف على المستوى السياسي، ليس شرطًا أن يكون خلافًا أخلاقيًا، أو دينيًا، طويت تلك المرحلة بطريقة ما، فاندلع الوضع في الحجاز، وأدَّى ذلك إلى وقعة الحرَّة، ولعب فاعلون كثر على حساب مرحلة الحسين، التي قيل أنَّها مضت، برز سياسيُّون ذوي أيديولوجيا تعود إلى ما قبل، فخرج المختار الثقفي، ووقعت معركة الكوفة، المذار، والخازر، ونحوهم، ثم أخمدت ثورته.
بعد أن أعاد مروان بن الحكم بعث الدولة، خلفه عبد الملك، الرغبات السِّياسيَّة بدأت تظهر داخل أبناء نفس النظام، فخلع عمرو بن سعيد بن العاص عبدَ الملك، فجرت تصفيته، وخطب عبد الملك على إثرها في الناس "إنا نحتمل لكم كل اللغوبة ما لم يك عقد راية أو وثوب على منبر" فالنِّزاع سياسي، يهدف إلى عقد راية، أو وثوب على منبر.
مرَّت السنوات، وأسقط العباسيون الدولة الأموية، كان أبو مسلم الخرساني، أحد أبرز الفاعلين لمصالح رؤسائه العباسيين، بعد انقضاء الثورة ما الذي وقع؟ حاول رفع راية، فكانت التصفيات على مستوى الجهات العليا في الدَّولة قد بلغ حدَّه الأقصى، قام أبو جعفر بتصفية الرجل الأول في الثورة، أبو مسلم الخرساني، رغم أنهما قد مثَّلا لحمة في المرحلة الثورية.
عندما قامت الثورة البلشفية، جرى اقتلاع السلالة الحاكمة، آل رومانوف من جذورها، ولم تمض أيام على نشوء الدولة الجديدة، كان للبلاشفة تطلُّعات أمميَّة، تصدير الثورة، وأفكار مثل الشُّيوعيَّة العالميَّة، فماذا كانت؟
نشبت حرب روسيَّة أهلية، ودعمت القوى الرأسماليَّة جيشًا روسيًا مناهضًا للجيش الأحمر، إنه الجيش الأبيض، وراح جرَّاء الحرب حوالي 12 مليون روسي. ولم يمض الكثير، حتى جرت الاشتباكات والتَّصفيات بين عناصر أبناء نفس الحزب، بل حتى بين أبناء نفس التربية السِّياسيَّة الرفيعة، ستالين، وتروتسكي.
بعد الثورة الإيرانيَّة ترى ماذا حصل؟ انزلقت الثورة إلى صراعات وتصفيات داخليَّة بين القوى المشاركة في إسقاط النِّظام السابق، سعى الخميني لإقامة نظام إسلامي، وسعى اليسار لإقامة نظام ديمقراطي اشتراكي، وبعد أن أبدت منظمة مجاهدي خلق امتعاضًا من نظام الخميني، وقعت مواجهات مسلَّحة بين الطرفين، وأعدم الخميني الآلاف خلال الثمانينات، حتى سنة 88 أصدر الخميني فتواه بإعدام آلاف السجناء السِّياسيين، من فصائل كانت مشاركة في الثورة، ولم يسلم حتى أبناء نفس التربية السياسية، فجرى استهداف شخصيات مثل آية الله منتظري، الذي كان مرشحًا لخلافة الخميني.
ألم يكن جمال عبد النَّاصر محسوبًا على الإخوان المسلمين في بدايات ترتيبه للثَّورة؟ نعم، لكن لم تمض سنوات كثيرة، حتى أصدر قرار إعدام كبارهم بنفسه، نفسهم الإخوان، لم يمض الجيل الأول منهم حتى أقدم التنظيم الخاص على تصفية أحد أعضاء مكتب الإرشاد، الذي هو سيد فايز، بواسطة علبة حلوى مفخَّخة.
نفس الأمر بعد إنهاء الإسلاميين لتواجد السوفييت في أفغانستان، بدأت الانقسامات تظهر بين مختلف الأطراف التي كانت موحَّدة، بدأت النزاعات، حتى جرت تصفية جميل الرحمن، في كونر، بعد أن حظر الحزب الإسلامي الذي كان يرأسه حكمتيار.
العالم السياسي نافذ القواعد، ولا يمكن التعامل معه بلغة أخلاقيَّة، بقدر ما يتعيَّن تناول كل شذرة فيه بتشريح سياسي، هذا هو ما يكفل سلامة التحليل ووضع التحدِّيات في مشهدها الصحيح، هذا هو ما يعنيه تحديد المسائل السياسيَّة، من الحياة السياسيَّة نفسها. لذا فالتحدِّيات التي تعقب كل ثورة، هي أكبر من الثورة نفسها، تكون عنيفة، وقاسية، ومستواها قد يصل إلى التفكيك، وقد يصل إلى مراحل متقدمة من التعقيد، وهي غامضة، لا تتميَّز برتابة النظم السابقة، ولا بنفس مبادئها.
من المسائل التي تفرضها السِّياسة، مهما بلغ حلم الناس، أن الثورة، تعقبها حرب أهليَّة، المسألة لا تخضع لأمزجة ورغبات، فالسِّياسة علميَّة، وقوانينها نافذة! بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، تأسست الدولة، على خليفة سقوط دول في المنطقة، الحكم في قريش والمدينة وفي سائر البلاد العربية، توفي النبي، ارتدَّت كثير من القبائل، فماذا كان؟
وقعت حرب أهليَّة، وسمت بحروب الرِّدة. وامتدَّ الأمر بشكل مسالم بعد إخمادها، لكن لكون بذورها لا تزال معبَّأة في بعض القبائل، وقعت حرب أهليَّة ثانية، بعد مقتل الخليفة عثمان، الجمل، ثم صفِّين، وما لم تكن التَّربية السياسية بالغةً مراحلها القصوى، لم يكن الجانب الأخلاقي والدِّيني كافيًا في كبح جماح الحربين الدَّاخليَّتين.
وبعد أن وحَّد الأمير معاوية الدولة، لم تمض سنوات كثيرة، حتى عادت بذور الحرب لتطل، كان خروج الحسين لإسقاط يزيد بن معاوية، استمرارًا لمظاهر الخلاف على المستوى السياسي، ليس شرطًا أن يكون خلافًا أخلاقيًا، أو دينيًا، طويت تلك المرحلة بطريقة ما، فاندلع الوضع في الحجاز، وأدَّى ذلك إلى وقعة الحرَّة، ولعب فاعلون كثر على حساب مرحلة الحسين، التي قيل أنَّها مضت، برز سياسيُّون ذوي أيديولوجيا تعود إلى ما قبل، فخرج المختار الثقفي، ووقعت معركة الكوفة، المذار، والخازر، ونحوهم، ثم أخمدت ثورته.
بعد أن أعاد مروان بن الحكم بعث الدولة، خلفه عبد الملك، الرغبات السِّياسيَّة بدأت تظهر داخل أبناء نفس النظام، فخلع عمرو بن سعيد بن العاص عبدَ الملك، فجرت تصفيته، وخطب عبد الملك على إثرها في الناس "إنا نحتمل لكم كل اللغوبة ما لم يك عقد راية أو وثوب على منبر" فالنِّزاع سياسي، يهدف إلى عقد راية، أو وثوب على منبر.
مرَّت السنوات، وأسقط العباسيون الدولة الأموية، كان أبو مسلم الخرساني، أحد أبرز الفاعلين لمصالح رؤسائه العباسيين، بعد انقضاء الثورة ما الذي وقع؟ حاول رفع راية، فكانت التصفيات على مستوى الجهات العليا في الدَّولة قد بلغ حدَّه الأقصى، قام أبو جعفر بتصفية الرجل الأول في الثورة، أبو مسلم الخرساني، رغم أنهما قد مثَّلا لحمة في المرحلة الثورية.
عندما قامت الثورة البلشفية، جرى اقتلاع السلالة الحاكمة، آل رومانوف من جذورها، ولم تمض أيام على نشوء الدولة الجديدة، كان للبلاشفة تطلُّعات أمميَّة، تصدير الثورة، وأفكار مثل الشُّيوعيَّة العالميَّة، فماذا كانت؟
نشبت حرب روسيَّة أهلية، ودعمت القوى الرأسماليَّة جيشًا روسيًا مناهضًا للجيش الأحمر، إنه الجيش الأبيض، وراح جرَّاء الحرب حوالي 12 مليون روسي. ولم يمض الكثير، حتى جرت الاشتباكات والتَّصفيات بين عناصر أبناء نفس الحزب، بل حتى بين أبناء نفس التربية السِّياسيَّة الرفيعة، ستالين، وتروتسكي.
بعد الثورة الإيرانيَّة ترى ماذا حصل؟ انزلقت الثورة إلى صراعات وتصفيات داخليَّة بين القوى المشاركة في إسقاط النِّظام السابق، سعى الخميني لإقامة نظام إسلامي، وسعى اليسار لإقامة نظام ديمقراطي اشتراكي، وبعد أن أبدت منظمة مجاهدي خلق امتعاضًا من نظام الخميني، وقعت مواجهات مسلَّحة بين الطرفين، وأعدم الخميني الآلاف خلال الثمانينات، حتى سنة 88 أصدر الخميني فتواه بإعدام آلاف السجناء السِّياسيين، من فصائل كانت مشاركة في الثورة، ولم يسلم حتى أبناء نفس التربية السياسية، فجرى استهداف شخصيات مثل آية الله منتظري، الذي كان مرشحًا لخلافة الخميني.
ألم يكن جمال عبد النَّاصر محسوبًا على الإخوان المسلمين في بدايات ترتيبه للثَّورة؟ نعم، لكن لم تمض سنوات كثيرة، حتى أصدر قرار إعدام كبارهم بنفسه، نفسهم الإخوان، لم يمض الجيل الأول منهم حتى أقدم التنظيم الخاص على تصفية أحد أعضاء مكتب الإرشاد، الذي هو سيد فايز، بواسطة علبة حلوى مفخَّخة.
نفس الأمر بعد إنهاء الإسلاميين لتواجد السوفييت في أفغانستان، بدأت الانقسامات تظهر بين مختلف الأطراف التي كانت موحَّدة، بدأت النزاعات، حتى جرت تصفية جميل الرحمن، في كونر، بعد أن حظر الحزب الإسلامي الذي كان يرأسه حكمتيار.
العالم السياسي نافذ القواعد، ولا يمكن التعامل معه بلغة أخلاقيَّة، بقدر ما يتعيَّن تناول كل شذرة فيه بتشريح سياسي، هذا هو ما يكفل سلامة التحليل ووضع التحدِّيات في مشهدها الصحيح، هذا هو ما يعنيه تحديد المسائل السياسيَّة، من الحياة السياسيَّة نفسها. لذا فالتحدِّيات التي تعقب كل ثورة، هي أكبر من الثورة نفسها، تكون عنيفة، وقاسية، ومستواها قد يصل إلى التفكيك، وقد يصل إلى مراحل متقدمة من التعقيد، وهي غامضة، لا تتميَّز برتابة النظم السابقة، ولا بنفس مبادئها.
أغلقت شركة نعيم الجهل أبوابها، ديمقراطية جحيم الوعي تكتسح المشهد.
باسم بشينية
Photo
"قيصر لما قضى على منافسيه أنصار الحكم الجمهوري، تسابق جميع الشيوخ، الأصدقاء والأعداء على حد سواء، إلى إلغاء كل قانون يحدُّ من سلطانه. تغالوا جميعا في عبارات التعظيم والتشريف، الأصدقاء إرضاء له، والخصوم مكرًا به، بل ذهب بعضهم إلى أن اقترحوا أن يُسمح له بمضاجعة من أراد من النساء. هذا الخنوع هو ما أغراه بعدم الاحتراس حتى قُتِل في رحاب المجلس".
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص130)
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص130)
القاسم المشترك بين كل الثورات، والناجحة بشكل خاص، هو وجود كتاب يمثل بنية نظرية، تدور حوله جل تفرعات التربية السياسية، ثورة التحرير الوطني ١٩٥٤ كان لها بيان أول نوفمبر، كان هنالك كتاب التحضير لأول نوفمبر لبوضياف أيضا، ثورات الربيع الأوروبي ١٨٤٨ التي شارك فيها ماركس، تأسس شق واسع منها على كتابه الشهير، البيان الشيوعي ١٩٤٨، الثورة الفرنسية قديما رجعت للعقد الاجتماعي، كتاب روسو، ثورة الخميني ١٩٧٩ كان لها كتاب مرجع، كتاب ولاية الفقيه، ثورة ابن سعود، وحتى الدولة السعودية الأولى والثانية، كانت لها مراجع تحدد أيديولوجيتها، كتاب التوحيد، ونحوه من الرسائل النجدية، كانت جلها كتب تحدد سياسة الدرعية تجاه باقي القبائل، الثورة الصينية، كانت أيديولوجيتها مبنية على ما كتبه ماو تسي تونغ، الكتاب الأحمر. ومع كون الثورة البلشفية قد اتخذت من رأس المال لماركس مرجعا لها، إلا أن كتبًا عدة ظهرت لتؤطر ما قبل الثورة (ما العمل؟) ومرحلة الثورة (الدولة والثورة) (الثورة والمرتد كاوتسكي) (حول التكتيك) وما بعد الثورة (الدولة) وكلها مؤلفات لفلاديمير لينين، وغيرها من الأعمال النظرية الشيء الكثير. وحتى عند الكلام عما يصنفه الكثير كثورة، وهو انقلاب جمال عبد الناصر، هنالك كتاب (فلسفة الثورة) من تأليفه، كفا*ي الذي ألفه هت*، مجموع مؤلفات هايدجر، نيتشه، ونحوهم، ومدى مساهماتهم النظرية بنظر حزبه. مختلف مؤلفات ميشيل عفلق بالنسبة لحزب البعث العراقي. كتاب (حرب التحرير الفيتنامية) لهوشي منه، وهكذا. وحتى ثورات غير تقليدية، كالثورة الصناعية، تأثرت بكثير من الأعمال النظرية، ومساهمة مثل (ثورة الأمم) لآدم سمث لم تكن بالهينة، الثورات الثقافية، والثورات الهوياتية، والثورات الاقتصادية، كلها مرهونة بمدى صلابة الأعمال النظرية المؤسسة لها. لا توجد ثورة بدون نظرية ثورة!
باسم بشينية
Photo
أكثر شيء يثير الاستفزاز في كل ألبوم صوره، القميص اللي لابسو ابن عم بشار، إيهاب مخلوف، صورة هتلر، مع التحية، التي لقت فرضًا إجباريًا في مدارس بشَّار كلها لاحقا. كان يتصور بشار أن بإمكانه أن يصنع من العلويين ما صنعه هتلر من فكرة العرق الآري، هتلر الذي احتل النمسا في يوم واحد، وتشيكوزلوفاكيا في أسبوع، وبولندا في ٣٥ يوم، والدنمارك في يوم واحد، والنرويج في شهرين، وبلجيكا في ٢٠ يوم، وهولندا في ٥ أيام، لوكسمبورغ في ساعات، فرنسا في بعض أسابيع، ووصلت قواته إلى قلب موسكو، وقتلت ٣٠ مليون سوفييتي. يرفع صورته ويتخذه مثلًا من احتلت قطعة من أرضه (الجولان) من كيان لم يمض على تأسيسه ٢٠ سنة، ولم يحررها لا هو ولا وأبوه، ولا آنسة، ولا كل عشيرته!
قبل نشوء أي حدث سياسي، أو عند ساعاته الأولى، يرمي بكل ثقل أيديلوجيَّته في الوسط، من دون أي اعتبار، كأن يحدِّثك عن خلافة أمميَّة، ودولة إسلاميَّة تبرز فيها مظاهر عدَّة مما يتمنَّاه، يحدِّثك عن قبح النظام الانتخابي، يرى في الفكر الجمهوري شرًا مطلقًا، ويشيع أن ما يجري في مكان ما، هو تأسيس لنظام يدور في رأسه، تتَّخذ فيه السلطة بمنطق البيعات، ويحاول أن يقدم خطابًا، يجعلك تنظر لأي شيء على أن أفكاره تتخذ تجسيدًا بطريقة ما.
وما أن تتحرَّك العوامل على خلاف المألوف من كلامه، هل ينعزل عما لا مشاركة له فيه فيكتفي بالمراقبة وتحليل المشهد؟ كلا، يواصل الاشراف، بأي طريقة كانت، يواصل مدَّ بعد الأبوية الروحية على المشهد، يبدأ التبرير، قد يشرح لك الكثير من مبتغاه، على أن ما يعن لخاطره هو ما يفكر فيه الفاعلون، بأن هذه بدائل سياسيَّة، لعبة دعائيَّة، وعندما يختلفون مع أيديولوجيته التي ألبسها لهم متسرعًا، يطلع لك رأيًا من الدرج الثاني: المسألة خلافيَّة. يستحضر لك كل التراث الفقهي، الإسلامي، والبشري، ويستحيل أن يتنازل، ويقر بأن الواقع منعزل عنه.
وما أن تتحرَّك العوامل على خلاف المألوف من كلامه، هل ينعزل عما لا مشاركة له فيه فيكتفي بالمراقبة وتحليل المشهد؟ كلا، يواصل الاشراف، بأي طريقة كانت، يواصل مدَّ بعد الأبوية الروحية على المشهد، يبدأ التبرير، قد يشرح لك الكثير من مبتغاه، على أن ما يعن لخاطره هو ما يفكر فيه الفاعلون، بأن هذه بدائل سياسيَّة، لعبة دعائيَّة، وعندما يختلفون مع أيديولوجيته التي ألبسها لهم متسرعًا، يطلع لك رأيًا من الدرج الثاني: المسألة خلافيَّة. يستحضر لك كل التراث الفقهي، الإسلامي، والبشري، ويستحيل أن يتنازل، ويقر بأن الواقع منعزل عنه.
تساؤلات.
معظم الشباب العربي الذي تأثر بجدارية هتلر، الألماني الذي اعتمد التحية الشهيرة لجنود الإس إس، ولا يزال متأثرًا بسياسة عبادة الحاكم، نبرة خطابه وعصبيته، يحكون لك عن رجل خدم وطنه وفكر بمسؤولية تجاه أرضه. في المقابل، يوجهون نقدهم إلى بشار الأسد، متهمين إياه بعدم خدمة البلد، هذه هي المفارقة، هؤلاء لا يشعرون بالحزن على ما حدث في صيدنايا إلا لأن الأرواح التي أزهقت والجثث التي تحولت إلى دهون، كما كان يحدث في معتقلات مثل أوزفيتش، لم تُزهق لخدمة الوطن، لو كان بشار خادمًا لوطنه، هل يسقطون المفارقة، ويصبحون من أنصاره؟
في الجهة الأخرى، هناك من يفسر الأحداث من منظور عقائدي، ويربط القضية بانتماءات مذهبية (العلوية والنصيرية)، مروجًا لهذا الخطاب باستمرار ومحولًا هذا الانتماء إلى موقف سياسي، هذا النهج لا يختلف كثيرًا عن سياسات بشار في الجوهر؛ إذ يرى أن المشكلة ليست في ممارسات بشار أو سياساته بحق الشعب، بل في انتمائه العقائدي، لو كان بشار ينتمي إلى العقيدة السنية بشكل صارم، لاعتبره هؤلاء محلًا للولاء، ولتلاشت المفارقة لديهم أيضًا لو تغيرت انتماءات من في اللعبة السياسية. لطالما مجَّد بعضهم رحلة التنقيب التي أجراها بعض الحنابلة عن جثة أبي الحسن الأشعري، ماذا لو كان الذي في صيدنايا أشعرية، وكان بشار حنبليًا؟ هل يكتبون أنه كان مجرمًا؟
معظم الشباب العربي الذي تأثر بجدارية هتلر، الألماني الذي اعتمد التحية الشهيرة لجنود الإس إس، ولا يزال متأثرًا بسياسة عبادة الحاكم، نبرة خطابه وعصبيته، يحكون لك عن رجل خدم وطنه وفكر بمسؤولية تجاه أرضه. في المقابل، يوجهون نقدهم إلى بشار الأسد، متهمين إياه بعدم خدمة البلد، هذه هي المفارقة، هؤلاء لا يشعرون بالحزن على ما حدث في صيدنايا إلا لأن الأرواح التي أزهقت والجثث التي تحولت إلى دهون، كما كان يحدث في معتقلات مثل أوزفيتش، لم تُزهق لخدمة الوطن، لو كان بشار خادمًا لوطنه، هل يسقطون المفارقة، ويصبحون من أنصاره؟
في الجهة الأخرى، هناك من يفسر الأحداث من منظور عقائدي، ويربط القضية بانتماءات مذهبية (العلوية والنصيرية)، مروجًا لهذا الخطاب باستمرار ومحولًا هذا الانتماء إلى موقف سياسي، هذا النهج لا يختلف كثيرًا عن سياسات بشار في الجوهر؛ إذ يرى أن المشكلة ليست في ممارسات بشار أو سياساته بحق الشعب، بل في انتمائه العقائدي، لو كان بشار ينتمي إلى العقيدة السنية بشكل صارم، لاعتبره هؤلاء محلًا للولاء، ولتلاشت المفارقة لديهم أيضًا لو تغيرت انتماءات من في اللعبة السياسية. لطالما مجَّد بعضهم رحلة التنقيب التي أجراها بعض الحنابلة عن جثة أبي الحسن الأشعري، ماذا لو كان الذي في صيدنايا أشعرية، وكان بشار حنبليًا؟ هل يكتبون أنه كان مجرمًا؟
عندما كان ألويس برونر أحد أبرز ضباط أيخمان، في خدمة النظام السوري السابق، تذكر تقارير عدة أنه قد جرى تعليم كثير من الضباط السوريين اللغة الألمانية، باللهجة النمساوية. وأشرف برونر بشكل خاص على تدريب عديد من ضباط التحقيق الكبار في الجهاز الأمني السوري. وبعد اتساع نفوذ كل من روسيا وإيران في سوريا، شجَّع بشار الأسد تعليم اللغة الروسية، وصار رسميا تعلمها في المناهج الحكومية السورية. بالمقابل، كانت المناطق السورية التي تخضع لإدارة قاسم سليماني، والنفوذ الإيراني، يجري التعامل معها بنفس الطريقة، انتهجت الإدارة الإيرانية عمليات تلسين واسعة في سوريا، لصالح الفارسية، وشجع بشار الأسد تعلم الإيرانية في معاهد سورية عدة، وتعدى الأمر ليصل حتى مرحلة إعادة تأهيل الهوية السورية لتضحى أكثر اقتداء بالهوية الفارسية. واليوم، على الحدود، هنالك من يفكر في شيء سلب منه واستقل عنه في الماضي القريب، كان لقرون طويلة يتعامل مع محافظات سورية تاريخية على أنها إيالة، وينظر لكثير من المواطنين السوريين على أنهم تركمان، أقلية، تحتاج هوياتهم لأن تنتعش.
واحدة من أكثر الملاحظات المتميزة لمونتسكيو في التاريخ القديم:
"جنود قرطاج مرتزقة، مقاتلو روما مواطنون"
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص44)
"جنود قرطاج مرتزقة، مقاتلو روما مواطنون"
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص44)
باسم بشينية
Photo
سوريا الأسد، سوريا المقاومة.
سوريا الأسد، سوريا العروبة والمقاومة، تبقى واحدة من العبارات التي ترسَّبت وصارت أحفورة في ذهن جيل الكهولة. لكن لو جرى فحص مدلولها تاريخيًا ماذا سنجد؟
خلال حرب ١٩٦٧ كان الجيش المصري والجيش الأردني متحدين على جبهتين، ولم يكن ينقص سوى جبهة ثالثة لتحقيق هزيمة في قوات العدو، يذكر إسحق رابين رئيس وزراء إسرائيلي سابق، أن الحرب كان ستتغير وتتحقق هزيمة قوات الكيان لو استجابت سوريا لمصر ودخلت الحرب، لكنها ماطلت ٢٢ ساعة، يذكر إسحق رابين، أن هذه المماطلة من سوريا، شكلت فارقًا كبيرًا، تمكَّن الإسرائليون خلال هذه المدة من تدمير كل الطيران المصري.
كان حافظ الأسد يومها وزيرًا للدفاع في سوريا، ويذكر إسحق رابين والذي دان برفقة وزير دفاع الكيان، أنه كان يشهد أن قواتهم أنهكت بالكامل على الجبهة السورية، عندما أعلنت الإشتباك بعد ٢٢ ساعة، فماذا كان؟ تحولت القوات الإسرائيلية إلى سوريا، ودمرت بشكل واسع ترسانة سوريا، بعد أن أنهت طيران مصر خلال ٤ ساعات، لكن يذكر رابين "لم نكن قادرين على تحمل زيادة القتال على جبهة سوريا أكثر من أربع وعشرين ساعة" فماذا حصل؟
الذي حصل هو أن حافظ الأسد، وزير الدفاع المتأخر، أعلن سريعًا سقوط القنيطرة، قبل أن تسقط فعليا، في عز إنهاك قوات العدو كما يذكر رابين، وكتب عن هذا سامي الجندي، الذي كان سفير سوريا في فرنسا، ومصطفى خليل، وقد كان ضابطًا في الجيش السوري حينها، كتب الضابط مصطفى: كان من المستحيل سقوط القنيطرة فقوات سوريا كانت مكثفة هناك، وكتب سامي الجندي: إعلان سقوطها من طرف حافظ، قبل أن تسقط، أمر محير.
وعندما التقى أحمد الطيب، عميد السفراء العرب في مطار طرابلس، سنة ١٩٦٨ بحافظ الأسد، وكان يومها لواءً، سأله قائلًا "ما دمتم قد وصلتم إلى أجواء العدو، واخترقتم جدار الصوت في سمائه لماذا لم تضربوا؟" رد عليه حافظ قائلًا "نعم... سنضرب إن شاء الله".
هكذا سجل أحمد الطيب شهادته في مجلة الوطن العربي. ثم قال: "ولم يحصل هذا، إلى جاءت ضربة حلب، ثم ضربة حماة" يقصد مجازر ١٩٨٢، التي مات فيها جراء قصف حافظ أكثر من ٤٠ ألف سوري.
سوريا الأسد، سوريا العروبة والمقاومة، تبقى واحدة من العبارات التي ترسَّبت وصارت أحفورة في ذهن جيل الكهولة. لكن لو جرى فحص مدلولها تاريخيًا ماذا سنجد؟
خلال حرب ١٩٦٧ كان الجيش المصري والجيش الأردني متحدين على جبهتين، ولم يكن ينقص سوى جبهة ثالثة لتحقيق هزيمة في قوات العدو، يذكر إسحق رابين رئيس وزراء إسرائيلي سابق، أن الحرب كان ستتغير وتتحقق هزيمة قوات الكيان لو استجابت سوريا لمصر ودخلت الحرب، لكنها ماطلت ٢٢ ساعة، يذكر إسحق رابين، أن هذه المماطلة من سوريا، شكلت فارقًا كبيرًا، تمكَّن الإسرائليون خلال هذه المدة من تدمير كل الطيران المصري.
كان حافظ الأسد يومها وزيرًا للدفاع في سوريا، ويذكر إسحق رابين والذي دان برفقة وزير دفاع الكيان، أنه كان يشهد أن قواتهم أنهكت بالكامل على الجبهة السورية، عندما أعلنت الإشتباك بعد ٢٢ ساعة، فماذا كان؟ تحولت القوات الإسرائيلية إلى سوريا، ودمرت بشكل واسع ترسانة سوريا، بعد أن أنهت طيران مصر خلال ٤ ساعات، لكن يذكر رابين "لم نكن قادرين على تحمل زيادة القتال على جبهة سوريا أكثر من أربع وعشرين ساعة" فماذا حصل؟
الذي حصل هو أن حافظ الأسد، وزير الدفاع المتأخر، أعلن سريعًا سقوط القنيطرة، قبل أن تسقط فعليا، في عز إنهاك قوات العدو كما يذكر رابين، وكتب عن هذا سامي الجندي، الذي كان سفير سوريا في فرنسا، ومصطفى خليل، وقد كان ضابطًا في الجيش السوري حينها، كتب الضابط مصطفى: كان من المستحيل سقوط القنيطرة فقوات سوريا كانت مكثفة هناك، وكتب سامي الجندي: إعلان سقوطها من طرف حافظ، قبل أن تسقط، أمر محير.
وعندما التقى أحمد الطيب، عميد السفراء العرب في مطار طرابلس، سنة ١٩٦٨ بحافظ الأسد، وكان يومها لواءً، سأله قائلًا "ما دمتم قد وصلتم إلى أجواء العدو، واخترقتم جدار الصوت في سمائه لماذا لم تضربوا؟" رد عليه حافظ قائلًا "نعم... سنضرب إن شاء الله".
هكذا سجل أحمد الطيب شهادته في مجلة الوطن العربي. ثم قال: "ولم يحصل هذا، إلى جاءت ضربة حلب، ثم ضربة حماة" يقصد مجازر ١٩٨٢، التي مات فيها جراء قصف حافظ أكثر من ٤٠ ألف سوري.
باسم بشينية
Photo
من المسائل التي تروى عن بعض أصدقاء الرئيس الراحل أحمد بن بلة، أنه كان مقيمًا في باريس سنة 1982، ودعاه بعض السوريين للمشاركة في مظاهرات احتجاجيَّة للتَّنديد بمجازر حافظ الأسد في حماة، وصل بن بلة مبكرًا وقدَّمه السوريون إلى رأس التظاهرة ضد حافظ، وبينما كان هناك، حاولت سيارات من الاستخبارات السورية بقيادة الملحق العسكري في السفارة السورية مهاجمة المتظاهرين، وكاد بن بلة أن يصاب، فطوقه عدد من المتظاهرين السوريين، ودفعوه إلى الخلف. يحكي ناقل الحادثة، أن بن بلة لم يُكنَّ لنظام آل الأسد سوى الكراهيَّة، حتى أنه رفض وساطات لبنانيَّة وليبية وإيرانيَّة عدة دعته لزيارة دمشق في عهده.
باسم بشينية
Photo
قضية الجولان تاريخيًا، لما كان وزير الدفاع حافظ الأسد.
خلال الحرب العربية سنة ١٩٦٧م، كان حافظ الأسد متنفذًا أساسيًا في دولة سوريا، كان وزيرًا للدفاع حينها، وحينما كان الجيش المصري يخوض حربه ضد قوات العدو، أبلغ حافظ الأسد القيادة المصرية أن هنالك حشودًا عسكرية لقوات العدو على الحدود السورية. عندما نقرأ مذكرات إسحق رابين، الذي كان فاعلا على الجبهة السورية، يذكر أن جيش إسرائيل كان منهكًا، وأمريكا كانت تضغط بشدة لكي يسحب قواته من سوريا.
تلقت أجهزة الاستخبارات المصرية يقينًا بكذب بلاغ حافظ الأسد، لكن بعد أن تحققت الهزيمة العربية، رغم أن جنود سوريا كانوا على مشارف طبريا. تذكر الشهادات أن وزير الصحة السوري عبد الرحمن الأكتع، وكان رفيقًا لحافظ الأسد أنه قال لحافظ "أنا قرب القنيطرة، وهي لم تسقط في يد اليهود" فرد عليه حافظ الأسد "بشتائم هابطة" [١]
حفظت المجلات تاريخًا حافلًا من الخيانات! نشرت مجلة المجتمع الكويتي سنة ١٩٧٩، أنه قد "صدرت أوامر من وزير الدفاع السوري حافظ الأسد، بالانسحاب من الجولان قبل الهجوم اليهودي عليها، وأخلتها من سكانها يوم ٥ يونيو ١٩٦٧. ولكن بعض العساكر رفضوا وقاتلوا حتى قتلوا في مواقعهم". [١]
أما المندوب السوري في الأمم المتحدة فقد أمره حافظ الأسد بإعلان سقوط القنيطرة في يد اليهود قبل أن تسقط، ولكن المندوب اليهودي إلى جانبه كذَّب الخبر، وقال: إن شيئا من ذلك لم يحصل [١]
وعندما وقعت حرب أكتوبر ١٩٧٣، أرسلت دولة عربية لواء يتكون من ٥٠٠٠ جندي، وقدر اللواء على استرجاع الجولان، تذكر مجلة الاعتصام بعددها الثامن سنة ١٩٨٩، أن "حافظ الأسد سلمها مرةً أخرى لليهود" [٢]
إن القنيطرة، ليست شيئا منفصلًا عن الجولان بل إنها درة الجولان وكما يحكي جمال عبد الهادي (١٩٩٢):
عندما ترجع إلى وثائق وزارة الدفاع التي كانت تحت إشراف حافظ الأسد، بالضبط قبل ١٩٦٧، تجد تغييرات هيكلية في نظام الوزارة، وفي قوميتها حتى:
"تسريح الضباط السنة (وقد كانوا ذوي كفاءة) من الجيش، تعيين عسكريين من طائفة العلويين في مراكز القوى العسكرية وقيادات الجبهة، مثل العلوي عزت ورفعت الأسد (ولم يكونوا ذوي كفاءة) تسليم وزارة الدفاع ومؤسساتها لأبناء الأقليات الطائفية. إسناد منصب وزير الدفاع إلى ضابط نصيري" وكان هذا الضابط هو حافظ الأسد. [٣]
يسأل أحد كبار ضباط سوريا يومها، مصطفى خليل في كتابه (سقوط الجولان) "من الذي طلب من أفراد الجيش أن يتخلوا عن القنيطرة" ثم يجيب قائلًا:
١- هروب قائد الجبهة أحمد المنير إلى دمشق يوم المعركة متنكرًا على حمار، متحاشيًا الركوب في سيارته العسكرية لكي لا يعرفه الجنود، بأمر من وزارة الدفاع (حافظ الأسد)
٢- رفض رفعت الأسد وعزت جديد القيام بأي هجوم معاكس لصد العدو، وارتدوا إلى القصور الآمنة في دمشق.
٣- أمر وزير الدفاع حافظ الأسد بترحيل كل سكان القنيطرة من العلويين حصرًا بحمل كل أمتعتهم للاستقرار في دمشق. وهذا في عز هجوم قوات العدو" [راجع كتاب الضابط خليل مصطفى، الصادر سنة ١٩٦٩]
كتب خليل هذا الكلام، قبل أن تستحكم القومية العلوية على زمام الحكم، وما أن انتهى الوضع بها إلى نفوذ شامل في سوريا، حتى صار وراء القضبان إلى أن توفي في سجن القلعة بدمشق.
هذه هي قصة الجولان منذ ١٩٦٧، وهذا هو سياقها. وسياق تسليمها عار لن يزول عن جبهة آل الأسد، ومن يحذف كل هذا السياق، منذ ٦٧، إلى ٧٣، لن يتحمل (الوعي العربي) مسؤولية جهله بالأحداث والتاريخ كما خدع قديما وتحمل مسؤولية (النكسة) ومسؤولية (سقوط الجولان) لما كان يدعي من خدم مصالح الطائفة وقربها إلى العاصمة بإسقاط الجولان أنه فعل ذلك بدافع القومية العربية.
[١] راجع مجلة المجتمع الكويتية، العدد ٣٠٤ سنة ١٩٧٩.
[٢] راجع مجلة الاعتصام، العدد ٨، سنة ١٩٨٩د
[١] راجع الوثائق على مجلة المجتمع الكويتية.
خلال الحرب العربية سنة ١٩٦٧م، كان حافظ الأسد متنفذًا أساسيًا في دولة سوريا، كان وزيرًا للدفاع حينها، وحينما كان الجيش المصري يخوض حربه ضد قوات العدو، أبلغ حافظ الأسد القيادة المصرية أن هنالك حشودًا عسكرية لقوات العدو على الحدود السورية. عندما نقرأ مذكرات إسحق رابين، الذي كان فاعلا على الجبهة السورية، يذكر أن جيش إسرائيل كان منهكًا، وأمريكا كانت تضغط بشدة لكي يسحب قواته من سوريا.
تلقت أجهزة الاستخبارات المصرية يقينًا بكذب بلاغ حافظ الأسد، لكن بعد أن تحققت الهزيمة العربية، رغم أن جنود سوريا كانوا على مشارف طبريا. تذكر الشهادات أن وزير الصحة السوري عبد الرحمن الأكتع، وكان رفيقًا لحافظ الأسد أنه قال لحافظ "أنا قرب القنيطرة، وهي لم تسقط في يد اليهود" فرد عليه حافظ الأسد "بشتائم هابطة" [١]
حفظت المجلات تاريخًا حافلًا من الخيانات! نشرت مجلة المجتمع الكويتي سنة ١٩٧٩، أنه قد "صدرت أوامر من وزير الدفاع السوري حافظ الأسد، بالانسحاب من الجولان قبل الهجوم اليهودي عليها، وأخلتها من سكانها يوم ٥ يونيو ١٩٦٧. ولكن بعض العساكر رفضوا وقاتلوا حتى قتلوا في مواقعهم". [١]
أما المندوب السوري في الأمم المتحدة فقد أمره حافظ الأسد بإعلان سقوط القنيطرة في يد اليهود قبل أن تسقط، ولكن المندوب اليهودي إلى جانبه كذَّب الخبر، وقال: إن شيئا من ذلك لم يحصل [١]
وعندما وقعت حرب أكتوبر ١٩٧٣، أرسلت دولة عربية لواء يتكون من ٥٠٠٠ جندي، وقدر اللواء على استرجاع الجولان، تذكر مجلة الاعتصام بعددها الثامن سنة ١٩٨٩، أن "حافظ الأسد سلمها مرةً أخرى لليهود" [٢]
إن القنيطرة، ليست شيئا منفصلًا عن الجولان بل إنها درة الجولان وكما يحكي جمال عبد الهادي (١٩٩٢):
عندما ترجع إلى وثائق وزارة الدفاع التي كانت تحت إشراف حافظ الأسد، بالضبط قبل ١٩٦٧، تجد تغييرات هيكلية في نظام الوزارة، وفي قوميتها حتى:
"تسريح الضباط السنة (وقد كانوا ذوي كفاءة) من الجيش، تعيين عسكريين من طائفة العلويين في مراكز القوى العسكرية وقيادات الجبهة، مثل العلوي عزت ورفعت الأسد (ولم يكونوا ذوي كفاءة) تسليم وزارة الدفاع ومؤسساتها لأبناء الأقليات الطائفية. إسناد منصب وزير الدفاع إلى ضابط نصيري" وكان هذا الضابط هو حافظ الأسد. [٣]
يسأل أحد كبار ضباط سوريا يومها، مصطفى خليل في كتابه (سقوط الجولان) "من الذي طلب من أفراد الجيش أن يتخلوا عن القنيطرة" ثم يجيب قائلًا:
١- هروب قائد الجبهة أحمد المنير إلى دمشق يوم المعركة متنكرًا على حمار، متحاشيًا الركوب في سيارته العسكرية لكي لا يعرفه الجنود، بأمر من وزارة الدفاع (حافظ الأسد)
٢- رفض رفعت الأسد وعزت جديد القيام بأي هجوم معاكس لصد العدو، وارتدوا إلى القصور الآمنة في دمشق.
٣- أمر وزير الدفاع حافظ الأسد بترحيل كل سكان القنيطرة من العلويين حصرًا بحمل كل أمتعتهم للاستقرار في دمشق. وهذا في عز هجوم قوات العدو" [راجع كتاب الضابط خليل مصطفى، الصادر سنة ١٩٦٩]
كتب خليل هذا الكلام، قبل أن تستحكم القومية العلوية على زمام الحكم، وما أن انتهى الوضع بها إلى نفوذ شامل في سوريا، حتى صار وراء القضبان إلى أن توفي في سجن القلعة بدمشق.
هذه هي قصة الجولان منذ ١٩٦٧، وهذا هو سياقها. وسياق تسليمها عار لن يزول عن جبهة آل الأسد، ومن يحذف كل هذا السياق، منذ ٦٧، إلى ٧٣، لن يتحمل (الوعي العربي) مسؤولية جهله بالأحداث والتاريخ كما خدع قديما وتحمل مسؤولية (النكسة) ومسؤولية (سقوط الجولان) لما كان يدعي من خدم مصالح الطائفة وقربها إلى العاصمة بإسقاط الجولان أنه فعل ذلك بدافع القومية العربية.
[١] راجع مجلة المجتمع الكويتية، العدد ٣٠٤ سنة ١٩٧٩.
[٢] راجع مجلة الاعتصام، العدد ٨، سنة ١٩٨٩د
[١] راجع الوثائق على مجلة المجتمع الكويتية.
بدويَّة متنكِّرة!
بعد أن نفخ الرؤوس لقرن بقصص النهضة، ثم حيث أدرك أنها لم تقع، ولن تقع، لم يتهم القائمين عليها ثم يصمت، بل يعامل الفكر السياسي برمته، قياسًا على ما فكر فيه الإسلاميون، يرى النخب السياسية فلكلورًا قياسًا على من سار على نهجهم أمثال مرسي والغنوشي.
وحيث لم تجدي حكايات النهضة التي زوَّروها نهضةً، يتخذ موقفا رجعيًا تجاه النهوض برمته، فينصح دولة في طريقها إلى التشكل بتهميش الجامعات ومؤسسات البحث رأسًا، يرى في العودة إلى مشيخة البادية ملاذًا، وفي الدولة قبيلةً وفي الرئاسة خيمة شِيخ، وفي المواطن قنَّ إقطاعية، وفي المحاكم قعدة عربٍ بدوية، وفي الدستور مسرحيةً.
وكان أقدر على أن يجنِّب السياسة نفسه وتياره وفقط، ولكنه يقول: ما لم تكن لي يد فيها، فلن تكون، بل قد يسمي كل خطوة في اتجاه السياسة العلميَّة "تلويثًا للعقول" فهلا يصمت؟ كلا، يقدم نصائحًا لدول ويختصرها شعبًا وأمةً ووطنًا وبلدًا في شخصٍ بمفرده، فالرئاسة عنده زعيم، وليست مؤسسة، والرئيس عنده قائد مفدى وليس مواطنًا فاز بانتخاب فصار موظفًا.
وهكذا ينصح مشاريع أكبر منه ألا تسمع للنخب، ولكنه بنظر نفسه جزء من مشروع كبير، فلمَ أعطى لنفسه صلاحية منعها غيره فنصح الساسة، وبأي اعتبار نصح؟ فهل هو ملوَّث بما أدعى نقاءه منه؟ ولمَ ألف الكتب في بناء المجتمعات؟ وفي السياسة؟
لم يفكر يومًا ذلك الذي فاجأته لحظة خاطفة، فأعرب عن تصوره المبتذل لماهية الدولة، فلم يتضح غير أنه يرى فيها شيئا لا يزيد عن "خدمة بدوية".
بعد أن نفخ الرؤوس لقرن بقصص النهضة، ثم حيث أدرك أنها لم تقع، ولن تقع، لم يتهم القائمين عليها ثم يصمت، بل يعامل الفكر السياسي برمته، قياسًا على ما فكر فيه الإسلاميون، يرى النخب السياسية فلكلورًا قياسًا على من سار على نهجهم أمثال مرسي والغنوشي.
وحيث لم تجدي حكايات النهضة التي زوَّروها نهضةً، يتخذ موقفا رجعيًا تجاه النهوض برمته، فينصح دولة في طريقها إلى التشكل بتهميش الجامعات ومؤسسات البحث رأسًا، يرى في العودة إلى مشيخة البادية ملاذًا، وفي الدولة قبيلةً وفي الرئاسة خيمة شِيخ، وفي المواطن قنَّ إقطاعية، وفي المحاكم قعدة عربٍ بدوية، وفي الدستور مسرحيةً.
وكان أقدر على أن يجنِّب السياسة نفسه وتياره وفقط، ولكنه يقول: ما لم تكن لي يد فيها، فلن تكون، بل قد يسمي كل خطوة في اتجاه السياسة العلميَّة "تلويثًا للعقول" فهلا يصمت؟ كلا، يقدم نصائحًا لدول ويختصرها شعبًا وأمةً ووطنًا وبلدًا في شخصٍ بمفرده، فالرئاسة عنده زعيم، وليست مؤسسة، والرئيس عنده قائد مفدى وليس مواطنًا فاز بانتخاب فصار موظفًا.
وهكذا ينصح مشاريع أكبر منه ألا تسمع للنخب، ولكنه بنظر نفسه جزء من مشروع كبير، فلمَ أعطى لنفسه صلاحية منعها غيره فنصح الساسة، وبأي اعتبار نصح؟ فهل هو ملوَّث بما أدعى نقاءه منه؟ ولمَ ألف الكتب في بناء المجتمعات؟ وفي السياسة؟
لم يفكر يومًا ذلك الذي فاجأته لحظة خاطفة، فأعرب عن تصوره المبتذل لماهية الدولة، فلم يتضح غير أنه يرى فيها شيئا لا يزيد عن "خدمة بدوية".
"كانوا أحيانًا يستغلون التباس بعض الألفاظ في لغتهم لخداع الخصوم"
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص71)
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص71)
الإسلاميون، وغير الإسلاميين!
ينزعج البعض من تقسيم الناس إلى (إسلاميين) وغير (إسلاميين) يرى القسمة حاصرة بين (مسلمين) و(كفار) فقط، بل والأوقح، أن يصف التقسيم بالسخافة، على أن الإخوان المسلمين أنفسهم، في بدايات النشأة، كانوا من الممتعضين من تقسيم المسلمين إلى (مسلمين) وإلى (إخوان مسلمين) حتى قيل: من المسلم الذي ليس من الإخوان المسلمين؟
وعندما كتب الإخوان المسلمون، هل وسموا أنفسهم بعبارات من قبيل (الفكر المسلم) أو (المسلم السياسي)، أو (الحركات المسلمة)؟ كلا، فالمطلع على العناوين، سواء كانت فكرية، أو سياسية، أو حركية، لا يلق غير عبارات من قبيل: الفكر الإسلامي، السياسة الإسلامية، الحركة الإسلامية، وصار مثل هذا الوصف شبيهًا بأن يكون حكرًا على رابطة جامعة ينطوي تحتها كل من كان الإخوان المسلمون بمختلف طبقاتهم، وأجيالهم، ومدى حماسهم، مرجعيةً له بشكل أو بآخر.
ثم تجد من يتحذلق على التقسيم مع أنه وليد الحركات ذات التوجه الإخواني، فلمَ يدخل تحت جناحه مسلم ليست له نفس الأفكار ولا نفس الطرق، ولا هو من نفس البيئة؟ وقد كان القرآن مشتملًا على تقاسيم للمسلمين أنفسهم، بالأسماء، ففرق بين (المهاجرين) وبين (الأنصار) وبين الذين (بايعوا تحت الشجرة) وبين الذي بايعوا (من بعد). حتى حفظت السنة تقاسيم أكثر، ففئة بايعت قبل الفتح، وفئة بايعت (بعد الفتح) وفئة وسمت بـ (الطلقاء)، وفئة من المسلمين نشأت في محيط وعلى خلفية وطبائع خاصة، وسمت بـ (الأعراب) وفيما بعد وقعت تسميات أخر.
فئة (العرب) كانت تحمل مدلولًا سياسيًا في دولة عمر، يترتب عليه مستوى القرب من مناطق النفوذ في الدولة (المدينة)، حتى قبل عمر، في مرحلة أبي بكر كانت هنالك فئة ارتدت، ثم أسلمت من جديد وبقيت على مسمى (أهل الردة) ثم تحول مسماها، إلى عبارة (أهل القادسية) في فترة عمر.
بالمقابل كانت هنالك فئة كانت تسمى بعبارة (أهل الأيام)، والفئة التي بقيت مواليةً للحكومة أيام الردة، في ظل انفصال جل العرب عنها وسمت باسم أيضًا، ثم إن اسم (أهل القادسية) لحقه اسم (الروافد) وهو اسم يحمل دلالة من لحقوا بهم على دفعات فكان الأوائل منهم يسمون (روافد أول) وهكذا.
كل اسم من هذه المسميات، يشرح لك بيئة الشخص الذي كان ينتمي إلى هذه الفئة أو تلك، سابقته، وخلفيته الأيديولوجية، وحتى ماضي أفكاره، مع أن كل الفئات كانوا ضمن (المسلمين) وكان أثر هذا عميقًا على جوانب اقتصادية واجتماعية عدة، مثلًا، الذين بقوا موالين للإسلام والمدينة فترة نهوض حركات الانفصال (حروب الردة) أخذوا امتيازات على مستوى الأراضي والديار بعد معركة (اليرموك) وحتى رواتب هؤلاء كان أعلى من رواتب الذين كانوا (أهل ردة) ثم تحولوا بعد إثبات جدارتهم في الولاء أيام القادسية إلى اسم (أهل القادسية) فبقيت رواتب هذه الفئة أقل من رواتب (أهل اليرموك) وامتيازاتهم بقيت أقل، بناء على محددات تسمية كل فئة، هكذا كان جانب بسيط من البيروقراطية العسكرية.
ثم على مستوى المسلمين داخليًا، تفهَّم الناس وجود فئتين سياسيتين (عثمانية/شيعة) وكان على هذا الأساس تعامل القوى الإعلامية من شعراء ونحوهم، حتى المثقفين من كتَّاب التاريخ أخذوا الموضوع بسلاسة، أليس هنالك شيعة وعثمانية؟ لن تجد أحدًا يمتعض من القسمة بجعل الكل تحت مسمى: المسلم، فهذا كان يلغي فوارق عدة على مستوى أيديولوجية كل منهما، ويجعل الموضوع مخالفًا للوقائع التي فرضت نفسها.
ثم نشأت فئة، ذات رؤى سياسية إسلامية وعقائدية تخالف كل من (العثمانية) وكل من (الشيعة) وسمت بـ (الخوارج) وأحيانًا (حرورية) وأحيانًا (أزارقة) ووسمت في البدايات المبكرة بعبارة (أهل النهروان)، فبقيت العبارات تحمل دلالات يصعب تذويبها عبر الانكفاء على عبارة (مسلمين) وفقط، أو جعل من يطلق مسمى (عثمانية) أو مسمى (خوارج) معاديًا لمسمى (مسلم).
كما أن القرآن عندما قسم المسلمين في مرحلة إلى (مهاجرين) و(أنصار) لم يعن بذلك وضع دلالة تفيد مزايدة إسلام فئة على أخرى، بل يشرح بهذا خلفية كل فئة. وعندما تختار فئة من عموم (المسلمين) اسم (الإسلاميين) لا يكونوا بهذا هم كل (المسلمين) لمجرد تقارب بين العبارتين (مسلم) و(إسلامي)، هم فئة ذات خلفية وأيديولوجية، وتطلعات، وطرق سير، تخالف كثيرًا من تصورات غيرهم من المسلمين!
ينزعج البعض من تقسيم الناس إلى (إسلاميين) وغير (إسلاميين) يرى القسمة حاصرة بين (مسلمين) و(كفار) فقط، بل والأوقح، أن يصف التقسيم بالسخافة، على أن الإخوان المسلمين أنفسهم، في بدايات النشأة، كانوا من الممتعضين من تقسيم المسلمين إلى (مسلمين) وإلى (إخوان مسلمين) حتى قيل: من المسلم الذي ليس من الإخوان المسلمين؟
وعندما كتب الإخوان المسلمون، هل وسموا أنفسهم بعبارات من قبيل (الفكر المسلم) أو (المسلم السياسي)، أو (الحركات المسلمة)؟ كلا، فالمطلع على العناوين، سواء كانت فكرية، أو سياسية، أو حركية، لا يلق غير عبارات من قبيل: الفكر الإسلامي، السياسة الإسلامية، الحركة الإسلامية، وصار مثل هذا الوصف شبيهًا بأن يكون حكرًا على رابطة جامعة ينطوي تحتها كل من كان الإخوان المسلمون بمختلف طبقاتهم، وأجيالهم، ومدى حماسهم، مرجعيةً له بشكل أو بآخر.
ثم تجد من يتحذلق على التقسيم مع أنه وليد الحركات ذات التوجه الإخواني، فلمَ يدخل تحت جناحه مسلم ليست له نفس الأفكار ولا نفس الطرق، ولا هو من نفس البيئة؟ وقد كان القرآن مشتملًا على تقاسيم للمسلمين أنفسهم، بالأسماء، ففرق بين (المهاجرين) وبين (الأنصار) وبين الذين (بايعوا تحت الشجرة) وبين الذي بايعوا (من بعد). حتى حفظت السنة تقاسيم أكثر، ففئة بايعت قبل الفتح، وفئة بايعت (بعد الفتح) وفئة وسمت بـ (الطلقاء)، وفئة من المسلمين نشأت في محيط وعلى خلفية وطبائع خاصة، وسمت بـ (الأعراب) وفيما بعد وقعت تسميات أخر.
فئة (العرب) كانت تحمل مدلولًا سياسيًا في دولة عمر، يترتب عليه مستوى القرب من مناطق النفوذ في الدولة (المدينة)، حتى قبل عمر، في مرحلة أبي بكر كانت هنالك فئة ارتدت، ثم أسلمت من جديد وبقيت على مسمى (أهل الردة) ثم تحول مسماها، إلى عبارة (أهل القادسية) في فترة عمر.
بالمقابل كانت هنالك فئة كانت تسمى بعبارة (أهل الأيام)، والفئة التي بقيت مواليةً للحكومة أيام الردة، في ظل انفصال جل العرب عنها وسمت باسم أيضًا، ثم إن اسم (أهل القادسية) لحقه اسم (الروافد) وهو اسم يحمل دلالة من لحقوا بهم على دفعات فكان الأوائل منهم يسمون (روافد أول) وهكذا.
كل اسم من هذه المسميات، يشرح لك بيئة الشخص الذي كان ينتمي إلى هذه الفئة أو تلك، سابقته، وخلفيته الأيديولوجية، وحتى ماضي أفكاره، مع أن كل الفئات كانوا ضمن (المسلمين) وكان أثر هذا عميقًا على جوانب اقتصادية واجتماعية عدة، مثلًا، الذين بقوا موالين للإسلام والمدينة فترة نهوض حركات الانفصال (حروب الردة) أخذوا امتيازات على مستوى الأراضي والديار بعد معركة (اليرموك) وحتى رواتب هؤلاء كان أعلى من رواتب الذين كانوا (أهل ردة) ثم تحولوا بعد إثبات جدارتهم في الولاء أيام القادسية إلى اسم (أهل القادسية) فبقيت رواتب هذه الفئة أقل من رواتب (أهل اليرموك) وامتيازاتهم بقيت أقل، بناء على محددات تسمية كل فئة، هكذا كان جانب بسيط من البيروقراطية العسكرية.
ثم على مستوى المسلمين داخليًا، تفهَّم الناس وجود فئتين سياسيتين (عثمانية/شيعة) وكان على هذا الأساس تعامل القوى الإعلامية من شعراء ونحوهم، حتى المثقفين من كتَّاب التاريخ أخذوا الموضوع بسلاسة، أليس هنالك شيعة وعثمانية؟ لن تجد أحدًا يمتعض من القسمة بجعل الكل تحت مسمى: المسلم، فهذا كان يلغي فوارق عدة على مستوى أيديولوجية كل منهما، ويجعل الموضوع مخالفًا للوقائع التي فرضت نفسها.
ثم نشأت فئة، ذات رؤى سياسية إسلامية وعقائدية تخالف كل من (العثمانية) وكل من (الشيعة) وسمت بـ (الخوارج) وأحيانًا (حرورية) وأحيانًا (أزارقة) ووسمت في البدايات المبكرة بعبارة (أهل النهروان)، فبقيت العبارات تحمل دلالات يصعب تذويبها عبر الانكفاء على عبارة (مسلمين) وفقط، أو جعل من يطلق مسمى (عثمانية) أو مسمى (خوارج) معاديًا لمسمى (مسلم).
كما أن القرآن عندما قسم المسلمين في مرحلة إلى (مهاجرين) و(أنصار) لم يعن بذلك وضع دلالة تفيد مزايدة إسلام فئة على أخرى، بل يشرح بهذا خلفية كل فئة. وعندما تختار فئة من عموم (المسلمين) اسم (الإسلاميين) لا يكونوا بهذا هم كل (المسلمين) لمجرد تقارب بين العبارتين (مسلم) و(إسلامي)، هم فئة ذات خلفية وأيديولوجية، وتطلعات، وطرق سير، تخالف كثيرًا من تصورات غيرهم من المسلمين!