مبارك للشعب السوري لكل المهجرين والنازحين، التحدي أن نبارك عودة كل سوريا موحدة عربيَّة، بسيادتها، بدون نزيف، ولا وصاية.
"ولمَّا كانت ذكريات الأمير ماثلة في عقول هذه الجماهير، ولما كانت معايبه ومخازيه، لا تزال حديثة العهد في وعيهم، ولما كانوا قد تخلصوا من حكم القلَّة، فإنهم، يظهرون ميلا واضحا إلى عدم العودة إلى حكم الأمراء، فيتجهون إلى نظام حكم الشعب، وينظمونه بشكل يضمن عدم تركيز السلطة لا في قلة من الرجال الأقوياء، ولا في أمير من الأمراء"
(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص220)
(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص220)
باسم بشينية
صورة لضباط رفقة حافظ الأسد.
من الفوهرر، إلى الأسد!
لطالما ألهمت ألمانيا النَّازية حافظ الأسد وحزب البعث، إلى درجة التَّقليد حتى في التَّحيَّة الألمانية [هايل هتلر]، فهلَّا توقَّف الأمر عند هذا؟ طوَّرت وزارة الدعاية الألمانيَّة خطوات لجعل هتلر، يبدو كفوهرر، أي الزَّعيم الذي لا يخطئ، بالمقابل، طوَّر البعث نظامًا أشدَّ تطرفًا [ربَّك يسقط، وبشَّار لا يسقط] تلك الجداريَّات التي تحكي لك سياسية عبادة الشَّخصيَّة، التي طورها غوبلز، الرموز المقدَّسة، الجيش الألماني الذي كان ينادي حينًا [الله هو هتلر] جوزيف غوبلز الذي قال [عبادة هتلر هي أعظم منجز] [لم يعد العصر عصر الله، إنه عصر هتلر] وجد نظيره في سوريا الأسد [مين ربَّك ولاك؟ بشَّار]، يذكر لازاريف [لقد كانت ألمانيا بأسرها تعبده].
صور حافظ، وبشَّار، التي تملأ كل زاوية من زوايا سوريا، من أزقَّتها إلى شوارعها العامَّة، إلى البيوت، والمساجد، وربَّما المراحيض، النمط المستوحى من الدِّعاية النَّازية نفسها، اعتمدت ألمانيا بشكل كبير على الوسائل البصريَّة، الجداريَّات، تلصيق صور [الفوهرر] في كل الأماكن العامَّة، في المدارس، في المكاتب الحكوميَّة، المصانع، وحتى المتاجر، [سوريا الأسد] هي استراتيجيَّة النازيَّة الألمانيَّة، في شعارها الشهير [هتلر هو ألمانيا، وألمانيا هي هتلر]. الأعلام التي تمجِّد [سوريا الأسد]، في كل زقاق سوري، كانت سياسة متحوِّرة، عن حشر رمز [الصَّليب المعقوف] في أنف كل ألماني عند أي مناسبة، وفي كل شارع.
بعدما سقطت ألمانيا، لجأ الكثير من الضباط الألمان النَّازيِّين إلى حافظ الأسد، ألويز برونر الذي كان مساعد أيخمان، وأحد أبرز منفِّذي السياسات المتعلِّقة بالهولوكوست، لجأ إلى دمشق في الخمسينات، وارتبط بحكومة سوريا، وعيِّن كمستشار أمني، وجرى استخدام خبرته في التَّعذيب والاستجواب داخل الأجهزة الأمنيَّة السوريَّة.
فرانز رايشناو، أحد المسؤولين في وزارة الخارجيَّة الألمانية، ومن المخططين لسياسة التَّهجير القسري، عمل مستشارًا لحكومة البعث في القضايا الأمنيَّة، أرهارد بيترس، ضابط استخبارات نازي، ارتبط بإعادة تنظيم الوحدات الاستخباراتيَّة السوريَّة في الخمسينات والستينات، وكان السبب المعلن لذي العلاقة شراكة النِّظامين من الموقف من الصهيونيَّة. لكن إلى أي مدى كانت تبعيَّة ذلك على إنشاء معتقلات إبادة مرعبة مثل صيدنايا، أو التطهير على أساس طائفي/عرقي للشعب السوري؟ الأفران، المشانق، غرف الكبس!
في العالم العربي، قد تجد من يمجِّد الفوهرر، من عبر عن إعجابه مرارًا بخططه، وتفكيره، ومظاهر عبادته، ينشر صوره، وخطابه، ودعايته، تداعب النازية عواطفه، ترفع من دوبامينه، لكنه يقلب الطرحة سريعًا إذا ما حدَّثته عن آل الأسد، بأحاديث لا يعرفها!
لطالما ألهمت ألمانيا النَّازية حافظ الأسد وحزب البعث، إلى درجة التَّقليد حتى في التَّحيَّة الألمانية [هايل هتلر]، فهلَّا توقَّف الأمر عند هذا؟ طوَّرت وزارة الدعاية الألمانيَّة خطوات لجعل هتلر، يبدو كفوهرر، أي الزَّعيم الذي لا يخطئ، بالمقابل، طوَّر البعث نظامًا أشدَّ تطرفًا [ربَّك يسقط، وبشَّار لا يسقط] تلك الجداريَّات التي تحكي لك سياسية عبادة الشَّخصيَّة، التي طورها غوبلز، الرموز المقدَّسة، الجيش الألماني الذي كان ينادي حينًا [الله هو هتلر] جوزيف غوبلز الذي قال [عبادة هتلر هي أعظم منجز] [لم يعد العصر عصر الله، إنه عصر هتلر] وجد نظيره في سوريا الأسد [مين ربَّك ولاك؟ بشَّار]، يذكر لازاريف [لقد كانت ألمانيا بأسرها تعبده].
صور حافظ، وبشَّار، التي تملأ كل زاوية من زوايا سوريا، من أزقَّتها إلى شوارعها العامَّة، إلى البيوت، والمساجد، وربَّما المراحيض، النمط المستوحى من الدِّعاية النَّازية نفسها، اعتمدت ألمانيا بشكل كبير على الوسائل البصريَّة، الجداريَّات، تلصيق صور [الفوهرر] في كل الأماكن العامَّة، في المدارس، في المكاتب الحكوميَّة، المصانع، وحتى المتاجر، [سوريا الأسد] هي استراتيجيَّة النازيَّة الألمانيَّة، في شعارها الشهير [هتلر هو ألمانيا، وألمانيا هي هتلر]. الأعلام التي تمجِّد [سوريا الأسد]، في كل زقاق سوري، كانت سياسة متحوِّرة، عن حشر رمز [الصَّليب المعقوف] في أنف كل ألماني عند أي مناسبة، وفي كل شارع.
بعدما سقطت ألمانيا، لجأ الكثير من الضباط الألمان النَّازيِّين إلى حافظ الأسد، ألويز برونر الذي كان مساعد أيخمان، وأحد أبرز منفِّذي السياسات المتعلِّقة بالهولوكوست، لجأ إلى دمشق في الخمسينات، وارتبط بحكومة سوريا، وعيِّن كمستشار أمني، وجرى استخدام خبرته في التَّعذيب والاستجواب داخل الأجهزة الأمنيَّة السوريَّة.
فرانز رايشناو، أحد المسؤولين في وزارة الخارجيَّة الألمانية، ومن المخططين لسياسة التَّهجير القسري، عمل مستشارًا لحكومة البعث في القضايا الأمنيَّة، أرهارد بيترس، ضابط استخبارات نازي، ارتبط بإعادة تنظيم الوحدات الاستخباراتيَّة السوريَّة في الخمسينات والستينات، وكان السبب المعلن لذي العلاقة شراكة النِّظامين من الموقف من الصهيونيَّة. لكن إلى أي مدى كانت تبعيَّة ذلك على إنشاء معتقلات إبادة مرعبة مثل صيدنايا، أو التطهير على أساس طائفي/عرقي للشعب السوري؟ الأفران، المشانق، غرف الكبس!
في العالم العربي، قد تجد من يمجِّد الفوهرر، من عبر عن إعجابه مرارًا بخططه، وتفكيره، ومظاهر عبادته، ينشر صوره، وخطابه، ودعايته، تداعب النازية عواطفه، ترفع من دوبامينه، لكنه يقلب الطرحة سريعًا إذا ما حدَّثته عن آل الأسد، بأحاديث لا يعرفها!
باسم بشينية
Photo
كان يقول في الدرس السياسي:
"الواجب يدعو عند تأليف الدول والتشريع لها، إلى اعتبار الناس جميعًا من الأشرار وإلى أنهم ينفِّسون دائما عمَّا في ضمائرهم من الشر".
"النَّاس يصلحون خوفًا من العقاب أحوالهم، ويغدون أقلَّ طموحًا"
"العامة أقوياء في وحدتهم، وضعفاء في حقيقتهم"
"عندما تكون المساواة قائمة يستحيل إقامة إمارة، أما عندما تنعدم المساواة فمن المستحيل إقامة جمهورية"
"ينتقل الناس من طموح إلى آخر، وبعد النضال ضد المعاملة السيئة، يعملون على إيقاعها بغيرهم"
"الرغبة تتفوق دائما على سلطان البلوغ، مما يؤدي إلى عدم اقتناع الناس بما يملكونه، وإلى تذمرهم من الأوضاع الحالية التي يكونون فيها"
"يزداد إدراك الجائحات وهي في مرحلتها الأولى صعوبة كلما كان النَّاس بطبعهم ميَّالين إلى النَّظر بعين العطف على كل مشروع جديد"
"يجب على المرء أن لا يغامر أبدًا بكل ما يملك على أساس نجاح جزء من قواته"
"إذا ألِفَ الشعب العيش في ظل أمير فإنه يجد صعبًا عليه الحفاظ على حريَّته إذا تحققت له هذه الحريَّة بفضل معجزة من المعجزات"
نيقولا مكيافيلي
"الواجب يدعو عند تأليف الدول والتشريع لها، إلى اعتبار الناس جميعًا من الأشرار وإلى أنهم ينفِّسون دائما عمَّا في ضمائرهم من الشر".
"النَّاس يصلحون خوفًا من العقاب أحوالهم، ويغدون أقلَّ طموحًا"
"العامة أقوياء في وحدتهم، وضعفاء في حقيقتهم"
"عندما تكون المساواة قائمة يستحيل إقامة إمارة، أما عندما تنعدم المساواة فمن المستحيل إقامة جمهورية"
"ينتقل الناس من طموح إلى آخر، وبعد النضال ضد المعاملة السيئة، يعملون على إيقاعها بغيرهم"
"الرغبة تتفوق دائما على سلطان البلوغ، مما يؤدي إلى عدم اقتناع الناس بما يملكونه، وإلى تذمرهم من الأوضاع الحالية التي يكونون فيها"
"يزداد إدراك الجائحات وهي في مرحلتها الأولى صعوبة كلما كان النَّاس بطبعهم ميَّالين إلى النَّظر بعين العطف على كل مشروع جديد"
"يجب على المرء أن لا يغامر أبدًا بكل ما يملك على أساس نجاح جزء من قواته"
"إذا ألِفَ الشعب العيش في ظل أمير فإنه يجد صعبًا عليه الحفاظ على حريَّته إذا تحققت له هذه الحريَّة بفضل معجزة من المعجزات"
نيقولا مكيافيلي
القواعد السياسية نافذة!
من المسائل التي تفرضها السِّياسة، مهما بلغ حلم الناس، أن الثورة، تعقبها حرب أهليَّة، المسألة لا تخضع لأمزجة ورغبات، فالسِّياسة علميَّة، وقوانينها نافذة! بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، تأسست الدولة، على خليفة سقوط دول في المنطقة، الحكم في قريش والمدينة وفي سائر البلاد العربية، توفي النبي، ارتدَّت كثير من القبائل، فماذا كان؟
وقعت حرب أهليَّة، وسمت بحروب الرِّدة. وامتدَّ الأمر بشكل مسالم بعد إخمادها، لكن لكون بذورها لا تزال معبَّأة في بعض القبائل، وقعت حرب أهليَّة ثانية، بعد مقتل الخليفة عثمان، الجمل، ثم صفِّين، وما لم تكن التَّربية السياسية بالغةً مراحلها القصوى، لم يكن الجانب الأخلاقي والدِّيني كافيًا في كبح جماح الحربين الدَّاخليَّتين.
وبعد أن وحَّد الأمير معاوية الدولة، لم تمض سنوات كثيرة، حتى عادت بذور الحرب لتطل، كان خروج الحسين لإسقاط يزيد بن معاوية، استمرارًا لمظاهر الخلاف على المستوى السياسي، ليس شرطًا أن يكون خلافًا أخلاقيًا، أو دينيًا، طويت تلك المرحلة بطريقة ما، فاندلع الوضع في الحجاز، وأدَّى ذلك إلى وقعة الحرَّة، ولعب فاعلون كثر على حساب مرحلة الحسين، التي قيل أنَّها مضت، برز سياسيُّون ذوي أيديولوجيا تعود إلى ما قبل، فخرج المختار الثقفي، ووقعت معركة الكوفة، المذار، والخازر، ونحوهم، ثم أخمدت ثورته.
بعد أن أعاد مروان بن الحكم بعث الدولة، خلفه عبد الملك، الرغبات السِّياسيَّة بدأت تظهر داخل أبناء نفس النظام، فخلع عمرو بن سعيد بن العاص عبدَ الملك، فجرت تصفيته، وخطب عبد الملك على إثرها في الناس "إنا نحتمل لكم كل اللغوبة ما لم يك عقد راية أو وثوب على منبر" فالنِّزاع سياسي، يهدف إلى عقد راية، أو وثوب على منبر.
مرَّت السنوات، وأسقط العباسيون الدولة الأموية، كان أبو مسلم الخرساني، أحد أبرز الفاعلين لمصالح رؤسائه العباسيين، بعد انقضاء الثورة ما الذي وقع؟ حاول رفع راية، فكانت التصفيات على مستوى الجهات العليا في الدَّولة قد بلغ حدَّه الأقصى، قام أبو جعفر بتصفية الرجل الأول في الثورة، أبو مسلم الخرساني، رغم أنهما قد مثَّلا لحمة في المرحلة الثورية.
عندما قامت الثورة البلشفية، جرى اقتلاع السلالة الحاكمة، آل رومانوف من جذورها، ولم تمض أيام على نشوء الدولة الجديدة، كان للبلاشفة تطلُّعات أمميَّة، تصدير الثورة، وأفكار مثل الشُّيوعيَّة العالميَّة، فماذا كانت؟
نشبت حرب روسيَّة أهلية، ودعمت القوى الرأسماليَّة جيشًا روسيًا مناهضًا للجيش الأحمر، إنه الجيش الأبيض، وراح جرَّاء الحرب حوالي 12 مليون روسي. ولم يمض الكثير، حتى جرت الاشتباكات والتَّصفيات بين عناصر أبناء نفس الحزب، بل حتى بين أبناء نفس التربية السِّياسيَّة الرفيعة، ستالين، وتروتسكي.
بعد الثورة الإيرانيَّة ترى ماذا حصل؟ انزلقت الثورة إلى صراعات وتصفيات داخليَّة بين القوى المشاركة في إسقاط النِّظام السابق، سعى الخميني لإقامة نظام إسلامي، وسعى اليسار لإقامة نظام ديمقراطي اشتراكي، وبعد أن أبدت منظمة مجاهدي خلق امتعاضًا من نظام الخميني، وقعت مواجهات مسلَّحة بين الطرفين، وأعدم الخميني الآلاف خلال الثمانينات، حتى سنة 88 أصدر الخميني فتواه بإعدام آلاف السجناء السِّياسيين، من فصائل كانت مشاركة في الثورة، ولم يسلم حتى أبناء نفس التربية السياسية، فجرى استهداف شخصيات مثل آية الله منتظري، الذي كان مرشحًا لخلافة الخميني.
ألم يكن جمال عبد النَّاصر محسوبًا على الإخوان المسلمين في بدايات ترتيبه للثَّورة؟ نعم، لكن لم تمض سنوات كثيرة، حتى أصدر قرار إعدام كبارهم بنفسه، نفسهم الإخوان، لم يمض الجيل الأول منهم حتى أقدم التنظيم الخاص على تصفية أحد أعضاء مكتب الإرشاد، الذي هو سيد فايز، بواسطة علبة حلوى مفخَّخة.
نفس الأمر بعد إنهاء الإسلاميين لتواجد السوفييت في أفغانستان، بدأت الانقسامات تظهر بين مختلف الأطراف التي كانت موحَّدة، بدأت النزاعات، حتى جرت تصفية جميل الرحمن، في كونر، بعد أن حظر الحزب الإسلامي الذي كان يرأسه حكمتيار.
العالم السياسي نافذ القواعد، ولا يمكن التعامل معه بلغة أخلاقيَّة، بقدر ما يتعيَّن تناول كل شذرة فيه بتشريح سياسي، هذا هو ما يكفل سلامة التحليل ووضع التحدِّيات في مشهدها الصحيح، هذا هو ما يعنيه تحديد المسائل السياسيَّة، من الحياة السياسيَّة نفسها. لذا فالتحدِّيات التي تعقب كل ثورة، هي أكبر من الثورة نفسها، تكون عنيفة، وقاسية، ومستواها قد يصل إلى التفكيك، وقد يصل إلى مراحل متقدمة من التعقيد، وهي غامضة، لا تتميَّز برتابة النظم السابقة، ولا بنفس مبادئها.
من المسائل التي تفرضها السِّياسة، مهما بلغ حلم الناس، أن الثورة، تعقبها حرب أهليَّة، المسألة لا تخضع لأمزجة ورغبات، فالسِّياسة علميَّة، وقوانينها نافذة! بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، تأسست الدولة، على خليفة سقوط دول في المنطقة، الحكم في قريش والمدينة وفي سائر البلاد العربية، توفي النبي، ارتدَّت كثير من القبائل، فماذا كان؟
وقعت حرب أهليَّة، وسمت بحروب الرِّدة. وامتدَّ الأمر بشكل مسالم بعد إخمادها، لكن لكون بذورها لا تزال معبَّأة في بعض القبائل، وقعت حرب أهليَّة ثانية، بعد مقتل الخليفة عثمان، الجمل، ثم صفِّين، وما لم تكن التَّربية السياسية بالغةً مراحلها القصوى، لم يكن الجانب الأخلاقي والدِّيني كافيًا في كبح جماح الحربين الدَّاخليَّتين.
وبعد أن وحَّد الأمير معاوية الدولة، لم تمض سنوات كثيرة، حتى عادت بذور الحرب لتطل، كان خروج الحسين لإسقاط يزيد بن معاوية، استمرارًا لمظاهر الخلاف على المستوى السياسي، ليس شرطًا أن يكون خلافًا أخلاقيًا، أو دينيًا، طويت تلك المرحلة بطريقة ما، فاندلع الوضع في الحجاز، وأدَّى ذلك إلى وقعة الحرَّة، ولعب فاعلون كثر على حساب مرحلة الحسين، التي قيل أنَّها مضت، برز سياسيُّون ذوي أيديولوجيا تعود إلى ما قبل، فخرج المختار الثقفي، ووقعت معركة الكوفة، المذار، والخازر، ونحوهم، ثم أخمدت ثورته.
بعد أن أعاد مروان بن الحكم بعث الدولة، خلفه عبد الملك، الرغبات السِّياسيَّة بدأت تظهر داخل أبناء نفس النظام، فخلع عمرو بن سعيد بن العاص عبدَ الملك، فجرت تصفيته، وخطب عبد الملك على إثرها في الناس "إنا نحتمل لكم كل اللغوبة ما لم يك عقد راية أو وثوب على منبر" فالنِّزاع سياسي، يهدف إلى عقد راية، أو وثوب على منبر.
مرَّت السنوات، وأسقط العباسيون الدولة الأموية، كان أبو مسلم الخرساني، أحد أبرز الفاعلين لمصالح رؤسائه العباسيين، بعد انقضاء الثورة ما الذي وقع؟ حاول رفع راية، فكانت التصفيات على مستوى الجهات العليا في الدَّولة قد بلغ حدَّه الأقصى، قام أبو جعفر بتصفية الرجل الأول في الثورة، أبو مسلم الخرساني، رغم أنهما قد مثَّلا لحمة في المرحلة الثورية.
عندما قامت الثورة البلشفية، جرى اقتلاع السلالة الحاكمة، آل رومانوف من جذورها، ولم تمض أيام على نشوء الدولة الجديدة، كان للبلاشفة تطلُّعات أمميَّة، تصدير الثورة، وأفكار مثل الشُّيوعيَّة العالميَّة، فماذا كانت؟
نشبت حرب روسيَّة أهلية، ودعمت القوى الرأسماليَّة جيشًا روسيًا مناهضًا للجيش الأحمر، إنه الجيش الأبيض، وراح جرَّاء الحرب حوالي 12 مليون روسي. ولم يمض الكثير، حتى جرت الاشتباكات والتَّصفيات بين عناصر أبناء نفس الحزب، بل حتى بين أبناء نفس التربية السِّياسيَّة الرفيعة، ستالين، وتروتسكي.
بعد الثورة الإيرانيَّة ترى ماذا حصل؟ انزلقت الثورة إلى صراعات وتصفيات داخليَّة بين القوى المشاركة في إسقاط النِّظام السابق، سعى الخميني لإقامة نظام إسلامي، وسعى اليسار لإقامة نظام ديمقراطي اشتراكي، وبعد أن أبدت منظمة مجاهدي خلق امتعاضًا من نظام الخميني، وقعت مواجهات مسلَّحة بين الطرفين، وأعدم الخميني الآلاف خلال الثمانينات، حتى سنة 88 أصدر الخميني فتواه بإعدام آلاف السجناء السِّياسيين، من فصائل كانت مشاركة في الثورة، ولم يسلم حتى أبناء نفس التربية السياسية، فجرى استهداف شخصيات مثل آية الله منتظري، الذي كان مرشحًا لخلافة الخميني.
ألم يكن جمال عبد النَّاصر محسوبًا على الإخوان المسلمين في بدايات ترتيبه للثَّورة؟ نعم، لكن لم تمض سنوات كثيرة، حتى أصدر قرار إعدام كبارهم بنفسه، نفسهم الإخوان، لم يمض الجيل الأول منهم حتى أقدم التنظيم الخاص على تصفية أحد أعضاء مكتب الإرشاد، الذي هو سيد فايز، بواسطة علبة حلوى مفخَّخة.
نفس الأمر بعد إنهاء الإسلاميين لتواجد السوفييت في أفغانستان، بدأت الانقسامات تظهر بين مختلف الأطراف التي كانت موحَّدة، بدأت النزاعات، حتى جرت تصفية جميل الرحمن، في كونر، بعد أن حظر الحزب الإسلامي الذي كان يرأسه حكمتيار.
العالم السياسي نافذ القواعد، ولا يمكن التعامل معه بلغة أخلاقيَّة، بقدر ما يتعيَّن تناول كل شذرة فيه بتشريح سياسي، هذا هو ما يكفل سلامة التحليل ووضع التحدِّيات في مشهدها الصحيح، هذا هو ما يعنيه تحديد المسائل السياسيَّة، من الحياة السياسيَّة نفسها. لذا فالتحدِّيات التي تعقب كل ثورة، هي أكبر من الثورة نفسها، تكون عنيفة، وقاسية، ومستواها قد يصل إلى التفكيك، وقد يصل إلى مراحل متقدمة من التعقيد، وهي غامضة، لا تتميَّز برتابة النظم السابقة، ولا بنفس مبادئها.
أغلقت شركة نعيم الجهل أبوابها، ديمقراطية جحيم الوعي تكتسح المشهد.
باسم بشينية
Photo
"قيصر لما قضى على منافسيه أنصار الحكم الجمهوري، تسابق جميع الشيوخ، الأصدقاء والأعداء على حد سواء، إلى إلغاء كل قانون يحدُّ من سلطانه. تغالوا جميعا في عبارات التعظيم والتشريف، الأصدقاء إرضاء له، والخصوم مكرًا به، بل ذهب بعضهم إلى أن اقترحوا أن يُسمح له بمضاجعة من أراد من النساء. هذا الخنوع هو ما أغراه بعدم الاحتراس حتى قُتِل في رحاب المجلس".
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص130)
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص130)
القاسم المشترك بين كل الثورات، والناجحة بشكل خاص، هو وجود كتاب يمثل بنية نظرية، تدور حوله جل تفرعات التربية السياسية، ثورة التحرير الوطني ١٩٥٤ كان لها بيان أول نوفمبر، كان هنالك كتاب التحضير لأول نوفمبر لبوضياف أيضا، ثورات الربيع الأوروبي ١٨٤٨ التي شارك فيها ماركس، تأسس شق واسع منها على كتابه الشهير، البيان الشيوعي ١٩٤٨، الثورة الفرنسية قديما رجعت للعقد الاجتماعي، كتاب روسو، ثورة الخميني ١٩٧٩ كان لها كتاب مرجع، كتاب ولاية الفقيه، ثورة ابن سعود، وحتى الدولة السعودية الأولى والثانية، كانت لها مراجع تحدد أيديولوجيتها، كتاب التوحيد، ونحوه من الرسائل النجدية، كانت جلها كتب تحدد سياسة الدرعية تجاه باقي القبائل، الثورة الصينية، كانت أيديولوجيتها مبنية على ما كتبه ماو تسي تونغ، الكتاب الأحمر. ومع كون الثورة البلشفية قد اتخذت من رأس المال لماركس مرجعا لها، إلا أن كتبًا عدة ظهرت لتؤطر ما قبل الثورة (ما العمل؟) ومرحلة الثورة (الدولة والثورة) (الثورة والمرتد كاوتسكي) (حول التكتيك) وما بعد الثورة (الدولة) وكلها مؤلفات لفلاديمير لينين، وغيرها من الأعمال النظرية الشيء الكثير. وحتى عند الكلام عما يصنفه الكثير كثورة، وهو انقلاب جمال عبد الناصر، هنالك كتاب (فلسفة الثورة) من تأليفه، كفا*ي الذي ألفه هت*، مجموع مؤلفات هايدجر، نيتشه، ونحوهم، ومدى مساهماتهم النظرية بنظر حزبه. مختلف مؤلفات ميشيل عفلق بالنسبة لحزب البعث العراقي. كتاب (حرب التحرير الفيتنامية) لهوشي منه، وهكذا. وحتى ثورات غير تقليدية، كالثورة الصناعية، تأثرت بكثير من الأعمال النظرية، ومساهمة مثل (ثورة الأمم) لآدم سمث لم تكن بالهينة، الثورات الثقافية، والثورات الهوياتية، والثورات الاقتصادية، كلها مرهونة بمدى صلابة الأعمال النظرية المؤسسة لها. لا توجد ثورة بدون نظرية ثورة!
باسم بشينية
Photo
أكثر شيء يثير الاستفزاز في كل ألبوم صوره، القميص اللي لابسو ابن عم بشار، إيهاب مخلوف، صورة هتلر، مع التحية، التي لقت فرضًا إجباريًا في مدارس بشَّار كلها لاحقا. كان يتصور بشار أن بإمكانه أن يصنع من العلويين ما صنعه هتلر من فكرة العرق الآري، هتلر الذي احتل النمسا في يوم واحد، وتشيكوزلوفاكيا في أسبوع، وبولندا في ٣٥ يوم، والدنمارك في يوم واحد، والنرويج في شهرين، وبلجيكا في ٢٠ يوم، وهولندا في ٥ أيام، لوكسمبورغ في ساعات، فرنسا في بعض أسابيع، ووصلت قواته إلى قلب موسكو، وقتلت ٣٠ مليون سوفييتي. يرفع صورته ويتخذه مثلًا من احتلت قطعة من أرضه (الجولان) من كيان لم يمض على تأسيسه ٢٠ سنة، ولم يحررها لا هو ولا وأبوه، ولا آنسة، ولا كل عشيرته!
قبل نشوء أي حدث سياسي، أو عند ساعاته الأولى، يرمي بكل ثقل أيديلوجيَّته في الوسط، من دون أي اعتبار، كأن يحدِّثك عن خلافة أمميَّة، ودولة إسلاميَّة تبرز فيها مظاهر عدَّة مما يتمنَّاه، يحدِّثك عن قبح النظام الانتخابي، يرى في الفكر الجمهوري شرًا مطلقًا، ويشيع أن ما يجري في مكان ما، هو تأسيس لنظام يدور في رأسه، تتَّخذ فيه السلطة بمنطق البيعات، ويحاول أن يقدم خطابًا، يجعلك تنظر لأي شيء على أن أفكاره تتخذ تجسيدًا بطريقة ما.
وما أن تتحرَّك العوامل على خلاف المألوف من كلامه، هل ينعزل عما لا مشاركة له فيه فيكتفي بالمراقبة وتحليل المشهد؟ كلا، يواصل الاشراف، بأي طريقة كانت، يواصل مدَّ بعد الأبوية الروحية على المشهد، يبدأ التبرير، قد يشرح لك الكثير من مبتغاه، على أن ما يعن لخاطره هو ما يفكر فيه الفاعلون، بأن هذه بدائل سياسيَّة، لعبة دعائيَّة، وعندما يختلفون مع أيديولوجيته التي ألبسها لهم متسرعًا، يطلع لك رأيًا من الدرج الثاني: المسألة خلافيَّة. يستحضر لك كل التراث الفقهي، الإسلامي، والبشري، ويستحيل أن يتنازل، ويقر بأن الواقع منعزل عنه.
وما أن تتحرَّك العوامل على خلاف المألوف من كلامه، هل ينعزل عما لا مشاركة له فيه فيكتفي بالمراقبة وتحليل المشهد؟ كلا، يواصل الاشراف، بأي طريقة كانت، يواصل مدَّ بعد الأبوية الروحية على المشهد، يبدأ التبرير، قد يشرح لك الكثير من مبتغاه، على أن ما يعن لخاطره هو ما يفكر فيه الفاعلون، بأن هذه بدائل سياسيَّة، لعبة دعائيَّة، وعندما يختلفون مع أيديولوجيته التي ألبسها لهم متسرعًا، يطلع لك رأيًا من الدرج الثاني: المسألة خلافيَّة. يستحضر لك كل التراث الفقهي، الإسلامي، والبشري، ويستحيل أن يتنازل، ويقر بأن الواقع منعزل عنه.
تساؤلات.
معظم الشباب العربي الذي تأثر بجدارية هتلر، الألماني الذي اعتمد التحية الشهيرة لجنود الإس إس، ولا يزال متأثرًا بسياسة عبادة الحاكم، نبرة خطابه وعصبيته، يحكون لك عن رجل خدم وطنه وفكر بمسؤولية تجاه أرضه. في المقابل، يوجهون نقدهم إلى بشار الأسد، متهمين إياه بعدم خدمة البلد، هذه هي المفارقة، هؤلاء لا يشعرون بالحزن على ما حدث في صيدنايا إلا لأن الأرواح التي أزهقت والجثث التي تحولت إلى دهون، كما كان يحدث في معتقلات مثل أوزفيتش، لم تُزهق لخدمة الوطن، لو كان بشار خادمًا لوطنه، هل يسقطون المفارقة، ويصبحون من أنصاره؟
في الجهة الأخرى، هناك من يفسر الأحداث من منظور عقائدي، ويربط القضية بانتماءات مذهبية (العلوية والنصيرية)، مروجًا لهذا الخطاب باستمرار ومحولًا هذا الانتماء إلى موقف سياسي، هذا النهج لا يختلف كثيرًا عن سياسات بشار في الجوهر؛ إذ يرى أن المشكلة ليست في ممارسات بشار أو سياساته بحق الشعب، بل في انتمائه العقائدي، لو كان بشار ينتمي إلى العقيدة السنية بشكل صارم، لاعتبره هؤلاء محلًا للولاء، ولتلاشت المفارقة لديهم أيضًا لو تغيرت انتماءات من في اللعبة السياسية. لطالما مجَّد بعضهم رحلة التنقيب التي أجراها بعض الحنابلة عن جثة أبي الحسن الأشعري، ماذا لو كان الذي في صيدنايا أشعرية، وكان بشار حنبليًا؟ هل يكتبون أنه كان مجرمًا؟
معظم الشباب العربي الذي تأثر بجدارية هتلر، الألماني الذي اعتمد التحية الشهيرة لجنود الإس إس، ولا يزال متأثرًا بسياسة عبادة الحاكم، نبرة خطابه وعصبيته، يحكون لك عن رجل خدم وطنه وفكر بمسؤولية تجاه أرضه. في المقابل، يوجهون نقدهم إلى بشار الأسد، متهمين إياه بعدم خدمة البلد، هذه هي المفارقة، هؤلاء لا يشعرون بالحزن على ما حدث في صيدنايا إلا لأن الأرواح التي أزهقت والجثث التي تحولت إلى دهون، كما كان يحدث في معتقلات مثل أوزفيتش، لم تُزهق لخدمة الوطن، لو كان بشار خادمًا لوطنه، هل يسقطون المفارقة، ويصبحون من أنصاره؟
في الجهة الأخرى، هناك من يفسر الأحداث من منظور عقائدي، ويربط القضية بانتماءات مذهبية (العلوية والنصيرية)، مروجًا لهذا الخطاب باستمرار ومحولًا هذا الانتماء إلى موقف سياسي، هذا النهج لا يختلف كثيرًا عن سياسات بشار في الجوهر؛ إذ يرى أن المشكلة ليست في ممارسات بشار أو سياساته بحق الشعب، بل في انتمائه العقائدي، لو كان بشار ينتمي إلى العقيدة السنية بشكل صارم، لاعتبره هؤلاء محلًا للولاء، ولتلاشت المفارقة لديهم أيضًا لو تغيرت انتماءات من في اللعبة السياسية. لطالما مجَّد بعضهم رحلة التنقيب التي أجراها بعض الحنابلة عن جثة أبي الحسن الأشعري، ماذا لو كان الذي في صيدنايا أشعرية، وكان بشار حنبليًا؟ هل يكتبون أنه كان مجرمًا؟
عندما كان ألويس برونر أحد أبرز ضباط أيخمان، في خدمة النظام السوري السابق، تذكر تقارير عدة أنه قد جرى تعليم كثير من الضباط السوريين اللغة الألمانية، باللهجة النمساوية. وأشرف برونر بشكل خاص على تدريب عديد من ضباط التحقيق الكبار في الجهاز الأمني السوري. وبعد اتساع نفوذ كل من روسيا وإيران في سوريا، شجَّع بشار الأسد تعليم اللغة الروسية، وصار رسميا تعلمها في المناهج الحكومية السورية. بالمقابل، كانت المناطق السورية التي تخضع لإدارة قاسم سليماني، والنفوذ الإيراني، يجري التعامل معها بنفس الطريقة، انتهجت الإدارة الإيرانية عمليات تلسين واسعة في سوريا، لصالح الفارسية، وشجع بشار الأسد تعلم الإيرانية في معاهد سورية عدة، وتعدى الأمر ليصل حتى مرحلة إعادة تأهيل الهوية السورية لتضحى أكثر اقتداء بالهوية الفارسية. واليوم، على الحدود، هنالك من يفكر في شيء سلب منه واستقل عنه في الماضي القريب، كان لقرون طويلة يتعامل مع محافظات سورية تاريخية على أنها إيالة، وينظر لكثير من المواطنين السوريين على أنهم تركمان، أقلية، تحتاج هوياتهم لأن تنتعش.
واحدة من أكثر الملاحظات المتميزة لمونتسكيو في التاريخ القديم:
"جنود قرطاج مرتزقة، مقاتلو روما مواطنون"
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص44)
"جنود قرطاج مرتزقة، مقاتلو روما مواطنون"
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص44)