باسم بشينية
7.49K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
باسم بشينية
Photo
المد الأموي، من زاوية ثانية...

عندما تقرأ تاريخ العرب في إسبانيا لا تجد تاريخًا ورديًا، لم يدخلوها بالورود، ولا بالعطور، دخلوا لتأدية وظائف سياسيَّة، ذات طابع عسكري في أحيان كثيرة، دخلوها بدافع التوسُّع، كانوا إمبراطوريَّة، يفكرون بمنطق الدولة، الطَّاعة الكاملة، لا الاستقلال التَّام، كانوا دولةً تولَّدت عن قوة، لا عن ضعف، ولا داعي لذكر منجزات يزيد، ولا الحجَّاج وضبَّاطه، يكفي النظر في تاريخ ابن أبي عامر، أحد رجال الدولة الأموية، والحروب التي خاضها في الأندلس.

تدخل إسبانيا بعد سنوات طويلة، مرحلة التصفية للعرب المسلمين، وفق ما وسم بمحاكم التفتيش، وفرَّطت بهذا بكثير من العقول والمنجزات، لكن إمبراطوريَّة مرَّت من هنا، ولها منجز حضاري!

فيما بعد شيَّدت إسبانيا تماثيلًا لشخصيَّات أمويَّة، دخلت بمنطق (استعماري) في نظر الإسبان، ومنها تمثال لعبد الرحمن الداخل، الذي يقع في جنوب إسبانيا، عند الشاطئ الذي دخل منه عبد الرحمن إلى الأندلس.

وشيَّدت تمثالًا للحكم، عبد الرحمن الناصر، وسميت شوارع بشوارع بني أمية، وطرق، وأنفاق، وشيِّد تمثالٌ لابن أبي عامر، المنصور، ولا يزال في قرطبة إلى اليوم، وهو الذي قيل فيه أنه غزا في إسبانيا أكثر من ستين غزوة لم يخسر في واحدة، كان غازيًا، لكنَّ الإسبان شيَّدوا له تمثالًا.

بالمقابل لم يشِّدوا لخصومهم من المناكير، الذين لم يذكروا في صفحات التاريخ بأي منجز سياسي، ممن لم يكن لهم أمام مدٍّ إمبراطوري سوى بضع محاولات لصدِّه، طواهم التاريخ العربي، وطواهم التاريخ الإسباني. كان تصالحًا معقولًا مع الذات.

يذكر عن مسلمة بن عبد الملك، أنه حاول فرض السيطرة على مدينة في أرمينيا، فاستعصى قومها، وقاوموا ببسالة، واعتصموا بجبل، فلم يطق مسلمة صعوده، لكنَّ الوظيفة العسكرية يجب أن تنفذ، وعدهم إن نزلوا قائلا "والله لن أقتل منكم رجلًا ولا كلبًا" فنزلوا، قتلهم جميعًا، وترك رجلا واحدًا وكلبًا.

كانوا فخذًا عنيدًا، يعيق وظائف الدولة، هي لم تكن عاطفيَّة، فقرَّرت إزالتهم، كيلا يستمرَّ عناد القبيلة أمام نفوذ الدَّولة، وهكذا جرى في مختلف الأصقاع، ولكن، لا نعرف عن الأرمن، ذكر شخص خيالي، يُذكر من باب "تعويض الشرف" على أنه أحد الذين قاوموا تلك الإمبراطورية، حينما جاءهم مسلمة غازيًا، أو أنه انقلب عليهم، أو أذلهم، وقد كان ميكيافيلي يقول في الدرس السياسي:

"على الانسان أن لا يعلن عن حقيقة نواياه بل أن يعمل على تحقيق ما يرغب فيه بأي شكل من الأشكال وهذا يعني مثلًا، أن الانسان لا يحتاج عندما يطلب سلاحًا من آخر إلى أن يقول له: إنني أريد أن أقتلك به، طالما في مكنته أن يشبع رغبته عندما يصبح السلاح في يده"

يغلب الظن أن مونتسكيو كان صاحب أصول جرمانيَّة، ولكن، لم يمنعه ذلك عن الكتابة في تاريخ الرومان، مؤلفه (التأملات)، والذي انتصر فيه للرومان، ومنطقهم، كامبراطوريَّة ذات سياسة فذَّة، مقابل صعلكة الجرمان، كتب قائلًا:

"لا شيء في الحقيقة يناقض خطة الرومان أكثر من سياسة الجرمان، نقول بإيجاز إن الأولى تولَّدت عن قوة، والأخرى عن ضعف، طابع الأولى الطاعة الكاملة، سمة الأخرى الاستقلال التام، في البلاد التي استولت عليها الأمم الجرمانية كان الأمير سيدًا بالاسم فقط فيما السلطة الفعلية بيد صاحب الاقطاع، في الدولة الرومانية العلاقة معكوسة تمامًا"

وعندما كتب ميكيافيلي، وهو الفلورنسي الإيطالي، الروماني، كتابه المطارحات، أقرَّ بأن روما قد بناها إيناياس، وهو أحد اليونانيين الناجين من طروادة، لم يعتبر مشاركة إيناياس اليوناني في بناء روما مثار سخط على الهويَّة الرومانيَّة، الأمر يخضع لتصالح مع الذات قبل كل شيء، كان الرومان في تلك الفترة مجرد مدن بسيطة، مثل بساطة القبائل وحكمها، أمام هندسة فائقة كالتي جاء بها إيناياس من اليونان.

لكن قد تجد من لا منجز له، سوى التصلُّب كعود ضئيل أمام عصف دول لم يتسع غيرها في تاريخ الدول بمثل اتساعها، حتى انكسر، يوضع موضع البلاء عثرةً تنغِّص عليك يومك، بحركاته البهلوانيَّة، واستجدائه أمجادًا لا دولة رعتها ولا ربع دولة، حتى انتهى به الحال كتمثال في متحف النسيان، يقف شامخًا بلا رأس، تحت لافتة كتب عليها: "هنا يرقد من حاول أن يبدو عظيما، وفشل".
"إذا درس المرء بشيء من المثابرة شؤون الماضي، كان من السهل عليه أن يتكهن بمستقبل أية من الدول، وأن يطبق نفس العلاجات التي استخدمت في الماضي، فإذا لم يجد أن ثمة علاجات قد استعملت، أمكنه أن يبتكر علاجات جديدة، وذلك بفضل ما في الأحداث من تشابه ومماثلة.

ولكن، لما كانت هذه الدراسات تهمل، وكان ما يقرؤ من تاريخ الماضي لا يفهم، وحتى لو فهم، لم يطبق عمليًا على أيدي أولئك الذين يحكمون، فإن النتيجة هي وقوع فضائح متماثلة في جميع الأحايين"

(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص351)
باسم بشينية
Photo
في تحديد المسائل السياسيَّة.

الحياة السياسية ذاتها، هي التي تحدِّد المسائل الرئيسيَّة للمنظِّر السِّياسي، كانت هذه عبارة المؤرِّخ السياسي كوينتن سكنر في كتاب له بعنوان أسس الفكر السياسي الحديث، والذي يعتبر واحدًا من أهم المراجع الكلاسيكيَّة في الأكاديميَّة الغربية، بمعنى أن التَّنظير يعتمد على تحديد البنيات الفوقيَّة التي تتحكَّم في واقع الحياة السياسية، ثم تناول مسائلها واحدة واحدة.

في الحالة السورية، الأمر موضوعيًا يتعلَّق بكثير من البنيات، في الأصل تعتبر الحياة السياسيَّة سوريَّة بالدَّرجة الأولى، هي على أرض سوريا، وبواسطة فاعلين سوريين بشكل أكبر، لديك عوامل عدة، الشعب السوري بتنوع أطيافه، الهيئة، الحكومة المؤقتة، المجالس المحليَّة، نظام بشَّار، تنوع في أشكال المؤسسات؛ هيئات قضائية مدنيَّة، محاكم شرعيَّة، إلى أمور أعقد، قواعد روسيَّة لا تزال تجري عمليَّات جويَّة، ونفوذ إيراني لا يزال يتبنَّى خطابًا يدعم مصالح الحكومة، أمريكا التي تدعم قوات سوريا الديمقراطية، الاقتصاد الحربي وطريقة إدارة الموارد المحليَّة، والمعونات الخارجيَّة.

لديك الجيش الوطني السوري، الذي يضم فصيل العمشات، بإشراف أحد التركمان السوريين، محمد الجاسم الملقب بأبي عمشة، وهو من الأطراف التي تنسِّق مع الهيئة، وأحد أفرادها هو من رفع العلم التركي على قلعة حلب، ويستحوذ النفوذ التركي على هذا الفصيل بشكل كامل، عوامل كثيرة تلعب على الأرض.

وعلى مستوى الأيديولوجيا، تتَّحد غايات الفصائل، لكن سؤال: ماذا بعد؟ يبقى مثارًا لتحديد حقبة جديدة من الحياة السياسيَّة السورية، وهي ستحدِّد مسائل رئيسيَّة واقعيَّة يفترض أن يتناولها التنظير السياسي بشكل جدِّي.

في عالم الوهم، يجري استحضار شخصيَّات، ممارستها السِّياسيَّة لا تعدو سقف التعبير عن شعور، أو قولبة خطاب سياسي بسيط في سياق فقهي، كالتعبير عن مشاعر الفرح، أو الحزن، أو الوعظ، أو تسريح طلاب عن دراسة متن، كبنية فوقيَّة مؤثرة في أحداث العالم. على أساس أن صاحبها قد غذَّى وعيًا جماهيريًا إلى الحدِّ الذي يتعيَّن نسبة المنجز السياسي إليه كمشارك محوري في تحريك القوى السياسيَّة، عبر عمليَّة تأمل يسميها "تنظيرًا".

في نفس العالم تجد من يعتبر مجرَّد مشاركة هرموناته التي أنتجت فرحًا، أو حزنًا، على أنها من قبيل القيادة التي تقف على خلفيَّة المشهد الظاهر للعيان، كمحرِّك أبوي للحدث، يبثُّ كلامًا في أحداث تجري بمعزل تامٍّ عنه، تضمحل الحياة السياسيَّة الواقعية لصالح قيادة روحيَّة ليوتيوبر هنا، ومتأمِّل هناك.

وهكذا تتلاشى أهمية كل العوامل، التي قد لا يفهمها أصلا، بل قد يكون متناقضًا في تناولها، فيسعى لتعديل موقف له قبل أسبوع، وتهذيب شعور له طغى على إثر مشهد، ويتصور أن ما يجري داخل صدره، يفترض أن يحل محل كل تلك العوامل بنظر الأمة، كما يسميها، وهي التي يخضع مفهومها لتقلُّباته الذاتية، وهي التي كانت تشمل قبل أيام حزب الله، ثم صارً خارجها. وقد تكون جل ذي العوامل محض حسابات مادية، عندما نجهل نعادي، نقول لا فاعل في الوجود إلا الله، نصر إلهي، وأي عوامل يتحدث عنها البشر؟
الانتهازيَّة الطائفية!

حين يتحسس الكل من مسألة حرب طائفية في سوريا، دول عربية، تركيا، أمريكا، وسائل إعلام عالمية، وحتى الفاعلون على الأرض، بل والشعب السوري أجمع يتكلم عن الموضوع، حتى جرى تقديم ضمانات بشكل ما حتى للطائفة العلوية، يمتعض المحورجي العراقي من الأمر، يثور على القضية قائلًا كيف يمكن لشعب أن يعيش منسجمًا في سلم؟ تندمل جراحه أو بعض منها! يعود ملايين من مهجرِّيه إلى منازلهم، لا ينشط للأمر، ينزوي عن العالم أجمع، يعيد إنعاش الذاكرة، ليحدِّثك بعض الأحايين عن أيام معاوية، ماقتًا رغبة البشر في العيش المريح منذ القدم، ناقمًا اجماع الناس على حب السلام منذ عام الجماعة، معانيًا من عقدة الخسارة تلو الأخرى منذ اليوم الذي قرر فيه التاريخ أن يحيله من لاعبٍ أساسي إلى مجرد كومبارس في جل المشاهد، فتجده يتنقل بين طيات الحقد كمن يحاول انتزاع دور البطولة بأي شكل،حتى لوكان الثمن إعادة إشعال حرائق رمادها بالكاد انطفأ!
مبارك للشعب السوري لكل المهجرين والنازحين، التحدي أن نبارك عودة كل سوريا موحدة عربيَّة، بسيادتها، بدون نزيف، ولا وصاية.
"ولمَّا كانت ذكريات الأمير ماثلة في عقول هذه الجماهير، ولما كانت معايبه ومخازيه، لا تزال حديثة العهد في وعيهم، ولما كانوا قد تخلصوا من حكم القلَّة، فإنهم، يظهرون ميلا واضحا إلى عدم العودة إلى حكم الأمراء، فيتجهون إلى نظام حكم الشعب، وينظمونه بشكل يضمن عدم تركيز السلطة لا في قلة من الرجال الأقوياء، ولا في أمير من الأمراء"

(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص220)
صورة لضباط رفقة حافظ الأسد.
باسم بشينية
صورة لضباط رفقة حافظ الأسد.
من الفوهرر، إلى الأسد!

لطالما ألهمت ألمانيا النَّازية حافظ الأسد وحزب البعث، إلى درجة التَّقليد حتى في التَّحيَّة الألمانية [هايل هتلر]، فهلَّا توقَّف الأمر عند هذا؟ طوَّرت وزارة الدعاية الألمانيَّة خطوات لجعل هتلر، يبدو كفوهرر، أي الزَّعيم الذي لا يخطئ، بالمقابل، طوَّر البعث نظامًا أشدَّ تطرفًا [ربَّك يسقط، وبشَّار لا يسقط] تلك الجداريَّات التي تحكي لك سياسية عبادة الشَّخصيَّة، التي طورها غوبلز، الرموز المقدَّسة، الجيش الألماني الذي كان ينادي حينًا [الله هو هتلر] جوزيف غوبلز الذي قال [عبادة هتلر هي أعظم منجز] [لم يعد العصر عصر الله، إنه عصر هتلر] وجد نظيره في سوريا الأسد [مين ربَّك ولاك؟ بشَّار]، يذكر لازاريف [لقد كانت ألمانيا بأسرها تعبده].

صور حافظ، وبشَّار، التي تملأ كل زاوية من زوايا سوريا، من أزقَّتها إلى شوارعها العامَّة، إلى البيوت، والمساجد، وربَّما المراحيض، النمط المستوحى من الدِّعاية النَّازية نفسها، اعتمدت ألمانيا بشكل كبير على الوسائل البصريَّة، الجداريَّات، تلصيق صور [الفوهرر] في كل الأماكن العامَّة، في المدارس، في المكاتب الحكوميَّة، المصانع، وحتى المتاجر، [سوريا الأسد] هي استراتيجيَّة النازيَّة الألمانيَّة، في شعارها الشهير [هتلر هو ألمانيا، وألمانيا هي هتلر]. الأعلام التي تمجِّد [سوريا الأسد]، في كل زقاق سوري، كانت سياسة متحوِّرة، عن حشر رمز [الصَّليب المعقوف] في أنف كل ألماني عند أي مناسبة، وفي كل شارع.

بعدما سقطت ألمانيا، لجأ الكثير من الضباط الألمان النَّازيِّين إلى حافظ الأسد، ألويز برونر الذي كان مساعد أيخمان، وأحد أبرز منفِّذي السياسات المتعلِّقة بالهولوكوست، لجأ إلى دمشق في الخمسينات، وارتبط بحكومة سوريا، وعيِّن كمستشار أمني، وجرى استخدام خبرته في التَّعذيب والاستجواب داخل الأجهزة الأمنيَّة السوريَّة.

فرانز رايشناو، أحد المسؤولين في وزارة الخارجيَّة الألمانية، ومن المخططين لسياسة التَّهجير القسري، عمل مستشارًا لحكومة البعث في القضايا الأمنيَّة، أرهارد بيترس، ضابط استخبارات نازي، ارتبط بإعادة تنظيم الوحدات الاستخباراتيَّة السوريَّة في الخمسينات والستينات، وكان السبب المعلن لذي العلاقة شراكة النِّظامين من الموقف من الصهيونيَّة. لكن إلى أي مدى كانت تبعيَّة ذلك على إنشاء معتقلات إبادة مرعبة مثل صيدنايا، أو التطهير على أساس طائفي/عرقي للشعب السوري؟ الأفران، المشانق، غرف الكبس!

في العالم العربي، قد تجد من يمجِّد الفوهرر، من عبر عن إعجابه مرارًا بخططه، وتفكيره، ومظاهر عبادته، ينشر صوره، وخطابه، ودعايته، تداعب النازية عواطفه، ترفع من دوبامينه، لكنه يقلب الطرحة سريعًا إذا ما حدَّثته عن آل الأسد، بأحاديث لا يعرفها!
باسم بشينية
Photo
كان يقول في الدرس السياسي:

"الواجب يدعو عند تأليف الدول والتشريع لها، إلى اعتبار الناس جميعًا من الأشرار وإلى أنهم ينفِّسون دائما عمَّا في ضمائرهم من الشر".

"النَّاس يصلحون خوفًا من العقاب أحوالهم، ويغدون أقلَّ طموحًا"

"العامة أقوياء في وحدتهم، وضعفاء في حقيقتهم"

"عندما تكون المساواة قائمة يستحيل إقامة إمارة، أما عندما تنعدم المساواة فمن المستحيل إقامة جمهورية"

"ينتقل الناس من طموح إلى آخر، وبعد النضال ضد المعاملة السيئة، يعملون على إيقاعها بغيرهم"

"الرغبة تتفوق دائما على سلطان البلوغ، مما يؤدي إلى عدم اقتناع الناس بما يملكونه، وإلى تذمرهم من الأوضاع الحالية التي يكونون فيها"

"يزداد إدراك الجائحات وهي في مرحلتها الأولى صعوبة كلما كان النَّاس بطبعهم ميَّالين إلى النَّظر بعين العطف على كل مشروع جديد"

"يجب على المرء أن لا يغامر أبدًا بكل ما يملك على أساس نجاح جزء من قواته"

"إذا ألِفَ الشعب العيش في ظل أمير فإنه يجد صعبًا عليه الحفاظ على حريَّته إذا تحققت له هذه الحريَّة بفضل معجزة من المعجزات"

نيقولا مكيافيلي
القواعد السياسية نافذة!

من المسائل التي تفرضها السِّياسة، مهما بلغ حلم الناس، أن الثورة، تعقبها حرب أهليَّة، المسألة لا تخضع لأمزجة ورغبات، فالسِّياسة علميَّة، وقوانينها نافذة! بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، تأسست الدولة، على خليفة سقوط دول في المنطقة، الحكم في قريش والمدينة وفي سائر البلاد العربية، توفي النبي، ارتدَّت كثير من القبائل، فماذا كان؟

وقعت حرب أهليَّة، وسمت بحروب الرِّدة. وامتدَّ الأمر بشكل مسالم بعد إخمادها، لكن لكون بذورها لا تزال معبَّأة في بعض القبائل، وقعت حرب أهليَّة ثانية، بعد مقتل الخليفة عثمان، الجمل، ثم صفِّين، وما لم تكن التَّربية السياسية بالغةً مراحلها القصوى، لم يكن الجانب الأخلاقي والدِّيني كافيًا في كبح جماح الحربين الدَّاخليَّتين.

وبعد أن وحَّد الأمير معاوية الدولة، لم تمض سنوات كثيرة، حتى عادت بذور الحرب لتطل، كان خروج الحسين لإسقاط يزيد بن معاوية، استمرارًا لمظاهر الخلاف على المستوى السياسي، ليس شرطًا أن يكون خلافًا أخلاقيًا، أو دينيًا، طويت تلك المرحلة بطريقة ما، فاندلع الوضع في الحجاز، وأدَّى ذلك إلى وقعة الحرَّة، ولعب فاعلون كثر على حساب مرحلة الحسين، التي قيل أنَّها مضت، برز سياسيُّون ذوي أيديولوجيا تعود إلى ما قبل، فخرج المختار الثقفي، ووقعت معركة الكوفة، المذار، والخازر، ونحوهم، ثم أخمدت ثورته.

بعد أن أعاد مروان بن الحكم بعث الدولة، خلفه عبد الملك، الرغبات السِّياسيَّة بدأت تظهر داخل أبناء نفس النظام، فخلع عمرو بن سعيد بن العاص عبدَ الملك، فجرت تصفيته، وخطب عبد الملك على إثرها في الناس "إنا نحتمل لكم كل اللغوبة ما لم يك عقد راية أو وثوب على منبر" فالنِّزاع سياسي، يهدف إلى عقد راية، أو وثوب على منبر.

مرَّت السنوات، وأسقط العباسيون الدولة الأموية، كان أبو مسلم الخرساني، أحد أبرز الفاعلين لمصالح رؤسائه العباسيين، بعد انقضاء الثورة ما الذي وقع؟ حاول رفع راية، فكانت التصفيات على مستوى الجهات العليا في الدَّولة قد بلغ حدَّه الأقصى، قام أبو جعفر بتصفية الرجل الأول في الثورة، أبو مسلم الخرساني، رغم أنهما قد مثَّلا لحمة في المرحلة الثورية.

عندما قامت الثورة البلشفية، جرى اقتلاع السلالة الحاكمة، آل رومانوف من جذورها، ولم تمض أيام على نشوء الدولة الجديدة، كان للبلاشفة تطلُّعات أمميَّة، تصدير الثورة، وأفكار مثل الشُّيوعيَّة العالميَّة، فماذا كانت؟

نشبت حرب روسيَّة أهلية، ودعمت القوى الرأسماليَّة جيشًا روسيًا مناهضًا للجيش الأحمر، إنه الجيش الأبيض، وراح جرَّاء الحرب حوالي 12 مليون روسي. ولم يمض الكثير، حتى جرت الاشتباكات والتَّصفيات بين عناصر أبناء نفس الحزب، بل حتى بين أبناء نفس التربية السِّياسيَّة الرفيعة، ستالين، وتروتسكي.

بعد الثورة الإيرانيَّة ترى ماذا حصل؟ انزلقت الثورة إلى صراعات وتصفيات داخليَّة بين القوى المشاركة في إسقاط النِّظام السابق، سعى الخميني لإقامة نظام إسلامي، وسعى اليسار لإقامة نظام ديمقراطي اشتراكي، وبعد أن أبدت منظمة مجاهدي خلق امتعاضًا من نظام الخميني، وقعت مواجهات مسلَّحة بين الطرفين، وأعدم الخميني الآلاف خلال الثمانينات، حتى سنة 88 أصدر الخميني فتواه بإعدام آلاف السجناء السِّياسيين، من فصائل كانت مشاركة في الثورة، ولم يسلم حتى أبناء نفس التربية السياسية، فجرى استهداف شخصيات مثل آية الله منتظري، الذي كان مرشحًا لخلافة الخميني.

ألم يكن جمال عبد النَّاصر محسوبًا على الإخوان المسلمين في بدايات ترتيبه للثَّورة؟ نعم، لكن لم تمض سنوات كثيرة، حتى أصدر قرار إعدام كبارهم بنفسه، نفسهم الإخوان، لم يمض الجيل الأول منهم حتى أقدم التنظيم الخاص على تصفية أحد أعضاء مكتب الإرشاد، الذي هو سيد فايز، بواسطة علبة حلوى مفخَّخة.

نفس الأمر بعد إنهاء الإسلاميين لتواجد السوفييت في أفغانستان، بدأت الانقسامات تظهر بين مختلف الأطراف التي كانت موحَّدة، بدأت النزاعات، حتى جرت تصفية جميل الرحمن، في كونر، بعد أن حظر الحزب الإسلامي الذي كان يرأسه حكمتيار.

العالم السياسي نافذ القواعد، ولا يمكن التعامل معه بلغة أخلاقيَّة، بقدر ما يتعيَّن تناول كل شذرة فيه بتشريح سياسي، هذا هو ما يكفل سلامة التحليل ووضع التحدِّيات في مشهدها الصحيح، هذا هو ما يعنيه تحديد المسائل السياسيَّة، من الحياة السياسيَّة نفسها. لذا فالتحدِّيات التي تعقب كل ثورة، هي أكبر من الثورة نفسها، تكون عنيفة، وقاسية، ومستواها قد يصل إلى التفكيك، وقد يصل إلى مراحل متقدمة من التعقيد، وهي غامضة، لا تتميَّز برتابة النظم السابقة، ولا بنفس مبادئها.
أغلقت شركة نعيم الجهل أبوابها، ديمقراطية جحيم الوعي تكتسح المشهد.
باسم بشينية
Photo
"قيصر لما قضى على منافسيه أنصار الحكم الجمهوري، تسابق جميع الشيوخ، الأصدقاء والأعداء على حد سواء، إلى إلغاء كل قانون يحدُّ من سلطانه. تغالوا جميعا في عبارات التعظيم والتشريف، الأصدقاء إرضاء له، والخصوم مكرًا به، بل ذهب بعضهم إلى أن اقترحوا أن يُسمح له بمضاجعة من أراد من النساء. هذا الخنوع هو ما أغراه بعدم الاحتراس حتى قُتِل في رحاب المجلس".

(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص130)
القاسم المشترك بين كل الثورات، والناجحة بشكل خاص، هو وجود كتاب يمثل بنية نظرية، تدور حوله جل تفرعات التربية السياسية، ثورة التحرير الوطني ١٩٥٤ كان لها بيان أول نوفمبر، كان هنالك كتاب التحضير لأول نوفمبر لبوضياف أيضا، ثورات الربيع الأوروبي ١٨٤٨ التي شارك فيها ماركس، تأسس شق واسع منها على كتابه الشهير، البيان الشيوعي ١٩٤٨، الثورة الفرنسية قديما رجعت للعقد الاجتماعي، كتاب روسو، ثورة الخميني ١٩٧٩ كان لها كتاب مرجع، كتاب ولاية الفقيه، ثورة ابن سعود، وحتى الدولة السعودية الأولى والثانية، كانت لها مراجع تحدد أيديولوجيتها، كتاب التوحيد، ونحوه من الرسائل النجدية، كانت جلها كتب تحدد سياسة الدرعية تجاه باقي القبائل، الثورة الصينية، كانت أيديولوجيتها مبنية على ما كتبه ماو تسي تونغ، الكتاب الأحمر. ومع كون الثورة البلشفية قد اتخذت من رأس المال لماركس مرجعا لها، إلا أن كتبًا عدة ظهرت لتؤطر ما قبل الثورة (ما العمل؟) ومرحلة الثورة (الدولة والثورة) (الثورة والمرتد كاوتسكي) (حول التكتيك) وما بعد الثورة (الدولة) وكلها مؤلفات لفلاديمير لينين، وغيرها من الأعمال النظرية الشيء الكثير. وحتى عند الكلام عما يصنفه الكثير كثورة، وهو انقلاب جمال عبد الناصر، هنالك كتاب (فلسفة الثورة) من تأليفه، كفا*ي الذي ألفه هت*، مجموع مؤلفات هايدجر، نيتشه، ونحوهم، ومدى مساهماتهم النظرية بنظر حزبه. مختلف مؤلفات ميشيل عفلق بالنسبة لحزب البعث العراقي. كتاب (حرب التحرير الفيتنامية) لهوشي منه، وهكذا. وحتى ثورات غير تقليدية، كالثورة الصناعية، تأثرت بكثير من الأعمال النظرية، ومساهمة مثل (ثورة الأمم) لآدم سمث لم تكن بالهينة، الثورات الثقافية، والثورات الهوياتية، والثورات الاقتصادية، كلها مرهونة بمدى صلابة الأعمال النظرية المؤسسة لها. لا توجد ثورة بدون نظرية ثورة!