باسم بشينية
7.49K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
باسم بشينية
Photo
عندما شكَّل باب الحارة، هوية سياسيَّة لجيل بأكلمه.

لا نكاد نجد شخصًا من جيل التسعينات إلا وتعلَّق في صغره بمشاهدة مسلسل باب الحارة عند كل رمضان، خصوصا الأجزاء الأولى منه، منذ سنة 2006 إلى 2009، ومع كون المسلسل قدم جوانب اجتماعية وأسرية عدة، إلا أن أغلب ما عمل على ترسيخه، تلك اللغة السياسيَّة التي طفحت في الأجزاء الأولى في سياق العمل السياسي المقاوم للمحتل، وأخذ رصيدًا لا بأس به في اللا وعي الجمعي لهذا الجيل، لغة سياسية مشتركة، ومنطق مشترك في قراءة الأحداث، وحتى تصوُّر موحَّد لأدوات العمل.

إن تشكَّل الوعي السياسي، وبالأخص مسألة "العمل" وتقييمه، بالنسبة لمواليد التسعينات لم يكن مصقولًا بالتجارب أو المطالعات، تثبت الانطباعات والتَّحليلات فضلا عن البنية الذهنية التي تتناول القضايا السياسية أن جيلًا بأكمله تشكلت أولى لبنات وعيه السياسي من خلال باب الحارة وبالأخص الشخصية النرجسية "معتز" والتي مثلَّ لها وائل شرف.

كانت التفاصيل التي تأتي لاحقا، والتي وضع هذا الجيل في واجهتها، تثبت أن لغته السياسية وفهمه لطبيعة العمل السياسي قد تم تقييده ضمن إطار شعارات جوفاء، وممارسات فردية تفتقر للقدرة على استيعاب كل تعقيد في المشهد السياسي.

كثيرة هي المشاهد التي رسَّخت في ذهن المتابع العربي، أن حارةً صغيرة، قليلة السكَّان تغلبت على قوات فرنسية مدججة بالسلاح، في مشاهد تفتقر إلى الواقعية وتُبالغ في التبسيط، ركَّزت الحبكة الدرامية على تمجيد الحصار والتجويع كرمز للصمود، دون تصوير التَّداعيات الحقيقية مثل المجاعة، الأوبئة، أو ندرة المياه، أغفلت الإشارة إلى الخطورة الاستراتيجية لمجازفة احتجاز ضباط فرنسيين في حيٍّ مدني، والتي قد تؤدي إلى تجويع الحارة وقصفها على رؤوس ساكنيها، وعوض تقديم وعي سياسي، تلقَّى المشاهد العربي جرعات عالية من الفخر بسلوك الهويات النرجسية.

وكانت لشخصية "معتز" وهي الشخصية المحبَّبة لجلِّ متابعي التِّسعينات، الشخصيِّة البطوليِّة التي تقدِم على قرارات جريئة ومتسرِّعة ولا تلقي اعتبارًا للنِّهايات قط؛ الحظ الوافر من العبث بمكوِّنات الهوية السياسية الحقة، شخصيَّة معتز التي كانت مفرطة في التفكير الفرداني، والتي تحوَّلت فيما بعد إلى أيقونة تحاكي بنية الهويات النرجسيَّة، المستخفَّة والمتجاهلة بكل تعقيد سياسي، شخصيَّة وليدة اللحظة، تعتمد في تحركاتها على مشاعر وليدة اللحظة، تتمظهر فيها كل مفاهيم الشَّجاعة والبطولة الكاريزميَّة والنِّكاية، على حساب مفاهيم السياسة والموازنة والتخطيط ونحو ذلك.

كان ذلك التشكل السَّردي والإعلامي في باب الحارة، من أبلغ ما ساهم في إعادة إنتاج خطاب سياسي يتَّسم بالتَّبسيطيَّة والانفصال عن ثقل وتعقيدات الواقع، ولم تكن شخصيَّات مثل "أبو شهاب" وابن أخته "معتز" سوى شخصيَّات تكرِّس على اختلاف مساهماتها السياسيَّة في المعارك البسيطة جل معاني الاختزاليَّة للعمل السِّياسي في أطر رمزيَّة فجَّة.

كانت شخصيَّات قائمة على مجرد الاستعراض البطولي والفردي في مواجهة القوى المتفوِّقة عسكريًا، وانعكس هذا التكرار الموازي لتدفق مشاعر جيَّاشة في المشاهِد، على وعي جيل بأكمله، وبات تناول طبيعة العمل السياسي من منطق يعاني تجزئة مفاهيمية، وبما أن الوسائل البدائية كانت لصالح "حارة الضبع" في مختلف المعارك، لم يحظ الحديث عن الوسيلة والظرف والامكانية بكبير اهتمام في ذهنية الجيل نفسه، بقدر ما تشكلت مفاهيمه السياسية في سياق الصراع مع العدو على مجرد الذوبان في المعارك الاستفزازية، والقيام بعمليات لحظية، منفصلة كل الانفصال عن التنسيق، والتخطيط لما بعد.

كانت شخصية "معتز" تعاني من تضخم مفرط في الأنا، البطل الذي لا يُهزم، الذي يحل كل نزاع، ولو كان من قبيل خلع باب الحارة، بالقوة اللحظية، طلقة على عسكري، ثم الانسحاب الفردي إلى البساتين، الشخصية التي عشقت العمل البطولي الفردي، على حساب بناء شبكة تحالفات، خطوط إمداد، مخزون مؤن، أدوية، أطباء، وتوازن قوى، وغير ذلك.

وهكذا نتج جيل بأكلمه، مهزوز من حيث هويَّته السياسية والعسكرية، هويَّة فردانية، ترى حلولها في مجرد العمل المجتزأ والمشاعر الوطنية الفورية التي تتبنَّى مظاهر إبراز القوة لحظيًا لإثبات الشَّجاعة، دون التفكير في الأثر طويل الأمد، تشكَّلت هويَّات سياسيَّة لجيل كامل، عمادها تغليب مشاعر البطولة غير محسوبة التَّكاليف، وكان نتيجة هذا في حارة الضبع، معاناة حادة من العزلة وتعرض المدنيين لعقاب جماعي، بل وإرغامهم على بيع بويتهم، وفي نهاية المطاف صار محور النصر في باب الحارة، أن يعود أهاليها إلى حالة ما قبل الحصار بيوم، وأضحت التضحية البطولية مجرد سلوك عابر وغير مثمر بالمرة.
٦٠ سنة، عالم جديد في قالب قديم.

جمال عبد الناصر يوم ٦ يونيو "إنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، لقد قررت أن أتنحى تمامًا، ونهائيا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير"

أنور السادات بعد إعلان التنحي "سيدي الرئيس، لقد خرجت الملايين من جماهير شعبنا العربي يومي ٩ و١٠ يونيو نحتت من آلام النَّكسة شعارها الواحد: لا نريد غير عبد الناصر".
المسائل السياسية مثل المسائل العلمية، سواء في الرأي أو في الممارسة هي تخضع للتَّقييم المستمر، كثيرون هم الصَّحابة ومن كان من أبناء جيلهم، من قيادات، وضبَّاط جيوش، تحوَّلوا من معسكر إلى معسكر خلال الحرب الداخليَّة، نتيجة التَّقييم والنقد والمرونة، وكم حفظ عن مثل ابن تيمية تراجعه عن عقائد وسمها بعقائد الآباء، وكم تغيرت مواقف سياسيَّة متسرِّعة كالتي كانت عليها شخصيَّات غيَّرت معالم التاريخ الحديث قبل ثوراث ١٨٤٨، بشكل كامل بعد الثورات. نحن بالكاد نبني مواقف سياسيَّة كشعوب عربية، نحن نبني عقائد صنميَّة عند حديثنا عن الرأي السياسي، نحن نعتبره من قبيل الشرك الأكبر ذلك الرأي الذي يقول بإعادة تقييم مواقفنا تجاه تجاربنا السياسية!
باسم بشينية
Photo
"يجب أن يلاحظ المرء [...] السهولة التي يمكن بها إفساد الناس وتحويل طبيعتهم وتبديلها، مهما كانوا على درجة كبيرة من الصلاح"

(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص363)
التمدُّن الغربي = رفاعة الطهطاوي.
المدنيَّة الأوربية = جمال الأفغاني.
الحضارة الغربية = مصطفى محمود.
الغرب المادي = محمد قطب.
الاستلاب الثقافي = علي شريعتي.
العلمانية الشاملة والجزئية = عبد الوهاب المسيري.
وأخيرًا الجاهلية الحديثة = سيد قطب.

هذه المصطلحات على تنوعها، مع أن لها نفس الدلالة. وعلى البريق الذي حملته عند صدورها، لم تكن تعنى بالتجديد في الطرح، بقدر ما اهتمَّ أصحابها بالتجديد في المصطلح، وقد صار من قبيل (الكرنج) أن يتحدث (المفكر الإسلامي) المعاصر عن نفس المواضيع المستهلكة تلك، بمصطلحات من قبيل "الغرب المادي" و"الحضارة الغربية".

يتتابع نقد "الغرب" من جيل إلى جيل، بنفس الذهنية، ومن دون اهتمام بترتيب أولويَّات، كالمسائل المتعلقة بتاريخنا نحن، فتلك مهمة تحرك حممًا، ومن يطيقها؟ وعندما فقدت تلك المصطلحات بريقها، تجدَّد الفكر الاسلامي، لا في جوهره، ولا في جذوره، ولا في اهتماماته حتى! بل في "المصطلح" فحسب، فبقي على نفس الاهتمام، وبنفس المحتوى، وصار اختصار المصطلحات السابقة، في مصطلح جديد، لم يكن على عهد الرعيل الأول من المفكِّرين الإسلاميِّين، أو الإخوان المسلمين، وعوض وصفها جاهلية، أو مادية غربية، أو حتى علمانية شاملة، أو حضارة غربية، يبقى في محاولات كثيرة نفس المحتوى ممتدًا بمصطلح جديد، إنه: الحداثة.
كان محمد عبده يقول "أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس" وقد سبقه الغزالي قديما إذ قال "ألَّا تخالط الأمراء والسلاطين، لأن رؤيتهم ومجالستهم آفة عظيمة"، وتكرر على لسان الألباني قول "من السياسة ترك السياسة".

هكذا كان يجري التعامل مع متعلَّقات المجال السياسي برمَّته لدى فقهاء ذوي شعبية واسعة، وتضخَّم أثر ذلك بشكل حاد على الوعي الشعبي العربي، فضلا عن حركات إسلامية عدة، وتقلَّص مفهوم الرأي السياسي والبحث فيه وتطويره ونقده، لصالح الحركة الشجاعة.

وقد كان يروى عن عبد الملك بن مروان "أجد في نفسي أني بصير بالحرب" وعندما ذكروا له مصعبًا قال "هو شجاع، ولا علم له بالحرب وعنده من يخالفه" وكانوا يقولون "إن معاوية كان ذا رأي" وعند وصفهم لمروان، قالوا "ذو رأي وحيلة وتجربة".
باسم بشينية
Photo
سنة 2006، عندما وقعت مناوشات بين حزب الله، والكيان، مجَّد طه عبد الرحمن الحزب فألَّف كتابًا بعنوان (الحداثة والمقاومة) وكانت فكرة العنوان قائمة على أن حزب الله، الذي أبدى رفعًا لمعنويات التيارات الإسلامية، يمثل تحولًا وجوديًا في الروح الإسلامية الحديثة، وأخذ يُفلسف القضية لما لا يفهمه حزب الله أصلا، ولا أي زعيم لتيار إسلامي آخر، فقال:

"وغير خافٍ أن هذا هو حال المقاومة الإسلامية في لبنان؛ فلقد حقّقت بانتصارها على المحتل تحولا وجوديا في الأمة، نقلها من طور العجز إلى طور القدرة، ممدًا لها بالأسباب التي تعيد بها إثبات ذاتها وإطلاق حركتها في العالم؛ وإذا كان الأمر كذلك، لزم أن تنتمي أفعال المقاومين إلى الحداثة كما تنتمي إليها أفعال غيرهم من الغربيين" (الحداثة والمقاومة، طه عبد الرحمن، 2006، ص15)

ولم يكلف نفسه بعد 20 سنة، مع ما يتكبَّده حزب الله، وما جرَّه على لبنان اليوم، أن يراجع ما كان يرقع به قديما من إضفاء بعد فلسفي حداثوي نهضوي أممي على الحزب، ولم يهتم لذلك، بل أخذ على نفس المنوال يتحدَّث عن حداثة الإسلام البرَّاقة والتي حان وقت عطائها للعالم.

وتحدَّث في بودكاست بالأمس، أنه قد حان وقت "عطاء الإسلام للبشريَّة" وهي كلمة تكشف عن عيِّنة من تصوُّراته لطبيعة هذه العطاءات، حين كتب سنة 2006 أن حزب الله "أمدَّ الأمَّة وأطلق حركتها في العالم" وغشَّ الحركات الإسلاميَّة، فصوَّر لها الوضع على أنَّ حزب الله قد نقلها من طور العجز إلى طور القدرة، ولم يراجع شيئا من هذا، لا خلال مرحلة الحزب في سوريا، ولا خلال حداثته التجاريَّة، ولا خلال ما جرَّه على لبنان وفق ما سمي بجبهة إسناد، بل تناساه وبقي مهتمًا بتقديم سويعات يتحدَّث فيها عن سيرته الذاتية، ومراحل حياته، الروتين اليومي، والعائلة.
"حكم التاريخ كحكم المجتمع، كلاهما يخضع لتقلبات الدهر، الخزي، كل الخزي، لحاكم اضطهد حزبًا انتهى بالانتصار"

(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص25)
مع بداية الأحداث في سوريا، لم يكن يدري عن توقيتها، فضلا عن تخطيطها، كان نائما صبيحة ذلك اليوم، ثم لما انهمك العالم في شرح الوقائع، الأسباب، المؤهلات، النتائج، والتحديات. ماذا فعل؟ بات يسابق أقرانه من رموز التيارات الإسلامية نحو مقاعد VIP لتصدُّر الإدارة الإلكترونية على الترند، لكن هل طوَّر لغةً سياسية أو عقلًا؟ كلا، لا يزال ينشر النشوة بنفس العبارات، من قبيل القسم بالله أن ما يجري إنما هو فوق كل الحسابات البشرية والموازين السياسية، في صورة مبتذلة لدروشة مقلدة لتلك التي لم تفلح في شيء بالأمس القريب في جغرافيا قريبة.
الكهلنة ليست مجرد ورم، بل هي معبد عريق، لأفرع متعددة، حيث يُقدَّس كل شائب الرأس لمجرد أن هرموناته اهتزَّت فجأة بعد ركود تقدّم السن، بنظر الكهل، الأقدمية في تكرار الأخطاء ليست مجرد ميزة، هي حجة وجودية لحفر نفس نمط التفكير الذي لم يفلح أول أمس، حيث الأسبقية والأقدمية في تكرار نفس العيّنات من الأغلاط، لا تشكّل عاملًا لتجاوز نمط ما، بقدر ما يصيّرها ذلك إلى لوحة شرف، لتحمل عنوان "سنوات خبرة".
ديدين كلاش، رابر جزائري يصنف كأعلى محرز لعدد مشاهدات، صاحب أوسع قاعدة، لكن عندما يجري التعرض له بالنقد، دوما ما يقال: المستمع المحلي ذو تقييم ضعيف، لذا لا يمكن اعتبار عدد المشاهدات دليلًا، فالجمهور تعجبه أدبيات المافيا، وهكذا في مجال التثقيف الديني، دوما ما تجد مثيلًا يمتلك نفس القاعدة في مجال الدعوة، داعية، ذو قاعدة واسعة، جماهيرية أقصد، قد يرمي بتأملاته لتنعكس إلى معابر تخوين في مرحلة ما، ثم يرتب أولوية توسيع القاعدة مع حدث طارئ، قد يقلب قطعيَّاته السابقة، وينفيها، وقد ينكرها في وضح النهار بكل صفاقة، معلنًا نقيضها، لا عن تقييم ذاتي، قناعة، أو مراجعة فكرية، كلا، بل هوس الأرقام، حيث جلسات التصفيق المشروط بمزاج جماعي متقلِّب، تحركه أدبيات الدراما، ويبقى هذا النوع، هو الأوسع جماهيريًا، في الفن، والراب، وفي النشاط الدعوي أيضًا.
باسم بشينية
Photo
الوضع في سوريا والعراق ولبنان وحتى مناطق السلطة الفلسطينية يذكرني بما كتبه لوتسكي في "تاريخ الأقطار العربية" عن وضع بلاد الشام ومصر قبل الحملة الفرنسية؛ ظاهر العمر وأحمد باشا الجزار وأسرة الشهابيين والمماليك بكل تفرعاتهم، البكوات الكبار والصغار، أمراء الدروز، شيوخ البدو، واليوم: المحاصصة الطائفية في لبنان والمسلحون من الشيعة والمسيحيين وغيرهم، ميليشيات بشار الأسد، ميليشيات المعارضة، الميليشيات الإيرانية، الأكراد الموالون لأمريكا، العرب الموالون لتركيا، الدروز لهم تجمع قد يمثل أهمية مستقبلا في السويداء، العشائر في العراق وسوريا، بطبيعة الحال العراق مرتع لكافة أشكال الميليشيات والمحاصصات المافيوية القبلية والدينية. بالمجمل، المنطقة ترزح تحت ما يشبه تقسيمات نفوذ إقطاعي عسكري، وأسياد حرب على نمط القرون الوسطى تتناوشها بدعم من دول غير عربية، وتحت عيون القوى الكبرى، هذه المنطقة عادت إلى ما قبل نابليون. من قناة المأمون.
بالقرب منه عشرات الآلاف من الشهداء، وعلى حدود قريبة أحيانًا ما تباد ٣٠ قرية بالكامل خلال يوم واحد، ميليشيات أزيحت، وخرجت عن إطار الخدمة، ودول كبرى في العالم تستثمر مصالحها في المنطقة، من يسعى لتأمين أعمق لحدوده، إلى من يسعى لحفظ نفوذه على ميناء هنا، ومصنع هناك، تتحرك بين فترة وفترة فصائل، وجيوش، بعنف لا يرحم، حتى أن هنالك دولًا نوويَّة باتت تتبادل إطلاق صواريخ، تذهب ضحيَّتها فئات مدنية، نشهد على تاريخ يضع واحدًا من أبرز الأحزاب الشيعية على المحك، في بلده، وخارج بلده، وفي سياق كل هذا، في ماذا يفكر المحورجي العراقي؟ يجري إلى إنعاش الذاكرة الأولية، لا بد من التعريج على بني أمية بشتيمتين، وعندما يفرغ المحتوى، يحكي لك آلامه جرَّاء تزعزع سلامة مشهد الحسين، مشهد يقال أن قبَّته تشتمل قطرة دم سقطت من رأس الحسين قبل ١٤ قرن، وهكذا، في حين تتحرك جغرافيا العالم بسرعة نحو الأمام، ينشغل المحورجي بإصدار بيان إدانة صارم.. نحو يزيد بن معاوية 😃
لا يزال يصدِّق البعض أن "المكوِّن الدَّعوي" كما أسماه، هو المحرك الأساسي لمفاصل التاريخ الحديث، بزعمه، ولو سألت فلاحًا، لأخبرك أن المكوِّن الزراعي هو المحرك، نفس الأمر بالنسبة لبائع الشاي، فالكل ينظر لفئته، على أنها المحرك الذي لا يتحرك جزء بدونه، بالمقابل، تجد أن حرب ٤٨ كان المحرك فيها الهدف التوسعي بنظر الملك فاروق، وكثيرا ما أدُّعي لحسن البنا أن مشاركة الإخوان المسلمين في ٤٨ كان مبعثه دينيًا في فلسطين، لكن في تلك السنوات كانت الجزائر لا تزال مستعمرة من طرف فرنسا، ولم يتكلم عنها بشيء، وتذهب سنوات، وتأتي أخرى، ويمسك جمال عبد الناصر السلطة، ويدخل دعاة مصر إلى السجن، ويحرر بقايا مصر (قناة السويس) من بقايا الاحتلال، ويتعرض لعدوان ثلاثي من طرف بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ويتعرض لمحاولة اغتيال من الإخوان المسلمين، وينتصر على العدوان (بغض النظر عن كيفية ذلك)، وهو رافع لراية الثورة، متحدثًا بمصطلحات من قبيل (التأميم)، وهو المصطلح الذي راج في الدراسات الاقتصادية الاشتراكية، لا الدعوية، متبنيًا لسياسة الاشتراكية القومية، ثم يسجن قطب وباقي القيادات الدعوية الإخوانية، ويعدمهم، وتأتي سنة ٦٢، وتتحرر الجزائر بعد ثورة دامت سنوات، وهي التي عُبِّر عنها في دستور ٧٦ بأنها ثورة اشتراكية، وأن الاشتراكية هي السبيل الوحيد الكفيل باستكمال الاستقلال الوطني، وهي الثورة التي استشهد خلالها مليون ونصف مليون جزائري، والتي قادتها جبهة التحرير، وبعد ذلك اندلعت حرب ٦٧ بقيادة القومجي الاشتراكي، ثم جاءت سنة ٧٣، في المرحلة التي شارك عدد من دول العالم العربي ضد الكيان، وانخرطت دول بجيوشها، وأموالها، ولم يُستكمل التحرير، وشهدت تلك المرحلة برئاسة أنور السادات، وضع مختلف الدعاة السجن، إلى المرحلة التي عبر فيها السادات عن أحدهم بأنه «مرمي في السجن زي الكلب» في صورة غير لبقة، حتى أنه كان يأنف من تكملة (الرحمن الرحيم) عند قوله (بسم الله)، وجاءت مرحلة أفغانستان سنة ٧٩ فيما بعد، المرحلة التي شاركت فيها وكالة الاستخبارات المركزية بالدعوة، وطبعت حتى المصاحف لـ "المجاهدين"، وأعيد تثوير الوعي الدعوي على أنه المحرك الأوحد في أفغانستان، في الصراع الذي كان بين أمريكا وحلفائها ضد الاتحاد السوفييتي، حتى أن تاتشر وقفت ذات يوم قائلة نحن كأهل كتاب نحارب مع المسلمين عدوًا ملحدًا ينكر وجود الله. وتفاقم الغرور الدعوي لدى الإسلامي، مع أن حرب أفغانستان، مولها الحلفاء بما يزيد عن ٦٠٠ مليون دولار، وكانت التكبيرات ريدفةً لبعثات صواريخ ستنجر الأمريكية، ومع عدم ممارسته لأي عملية سياسية ناجحة على مدار قرن، أو أكثر، يتبجح لك أن جل قضايا الأمة الحديثة، إنما تحركها الدعوة، وجل التحركات الضخمة، إنما مدارها على جوانب سياسية لم يشارك فيها الداعية بشيء، بغير الكلام، حتى أن صفات الجبن والشجاعة، والتي صارت مرمى في شباك بعضهم البعض، مدارها على شجاعة الداعية في التعبير بالكلام عن الحكم الشرعي، تجاه ما يحدث، متوقعًا أن هذا مشاركة في صناعة الحدث، حتى بلغ بالبعض غرور لم يصب سياسيا من قبله، فأخذ ينشر أحلامًا رأى نفسه فيها على جبهات القتال، مشعرًا القراء بأنه ضمن دائرة الاشتباك، وليس سوى بائع كلام! فأحرى بالشخص أن يتواضع حتى يعرف مستوى مشاركته في صناعة أي حدث، ويتعامل مع الأحداث على هذا الأساس دون أن يكون انتهازيًا، خصوصًا عند الحروب.