باسم بشينية
Photo
فايز الدويري، ٧ أكتوبر ضرورة حتمية، فما البديل؟
في نقاش على الاتجاه المعاكس، بين فايز الدويري ونبيل السبع، يتعرض الأخير عملية ٧ أكتوبر بالنقد، في حين يدافع عنها الدويري، طرح فيصل قاسم سؤال عن فوائد العملية، أجابه الدويري أنها ضرورة، وأنها أحيت القضية في ذهن الأمة. يجيب الخصم أن العملية تسببت في إبادة عشرات الآلاف، وإعاقة مئات الآلاف، وقد تهجر ملايين، يكرِّر الدويري أنها ضرورة لإحياء القضية، وواصل في التمسُّك بهذه النقطة لآخر اللقاء.
المشكلة في الخطاب الذي يتشبث به الدويري أنه يعتمد على الخلط بين ضرورة العمل وبين كيفية العمل. وبما أن الدويري يريد التمثيل بين عملية ٧ أكتوبر وثورة ١ نوفمبر، أريد الإشارة لبعض ما حفظ عن قيادات الثورة، كان لمحمد بوضياف عبارة في مسألة التحضير لأول نوفمبر، يقول:
"يعتبر يوم ٨ ماي ١٩٤٥ بالنسبة لمناضلي جيلي نقطة انطلاق الوعي وقطيعة! وعي بضرورة البحث: زيادة عن مجرد المطالبة بالاستقلال، عن الطريق الذي يجب اتباعه، والوسائل التي ينبغي استعمالها من أجل التوصل إليه" [١]
يتكلم بوضياف عن وعي بضرورة الدراسة لما هو أهم من مجرد طلب الاستقلال، وتجديد إحياء القضية في النفوس ومسائل الكرامة والأمل، يتكلم على وجه الدقة، في مقدمة كتاب بعنوان (التحضير لأول نوفمبر) عن الوعي بالطرق والوسائل التي يجب اتباعها، للحصول على هذه الضرورة، ضرورة الاستقلال عن فرنسا، وتحقيق حرية، وإعادة إحياء القضية الجزائرية.
ولا يمكننا أن نتوقع، أن مختلف قيادات الثورة من الوطنيين الذين اختلفوا فيما بينهم، ولو بحدَّة، تحدث أي منهم عن حتمية الثورة، أو ضرورة وجود مقاومة، بقدر ما تناولت النقاشات قضايا الوسائل والطرق، خطوط الإمداد، مخازن المؤن والأدوية، ربط المدن بالأرياف، وطريقة تطبيق المقاومة على الأرض، والأهم من ذلك، طرق توحيد الجبهة الداخلية، ولهذا، خلال كل سنوات الثورة، كان بن بلة يصف كل معركة أو خطة جرَّت هزيمة بأنها هزيمة أخطأ منفذوها التَّقدير، لم يكن الحديث عن ضرورة العمليات، بقدر ما كان الحديث عن تطوير سبل لنجاح العمليَّات. فضرورة العمل ثابتة، الحديث كان عن الكيفية.
عندما يجعل الدويري كل "الكيفيات" وكل "السبل" التي تبلورت خلال ٧ أكتوبر، كضرورة جبرية، هو يذهب إلى النقد المتجه لعدم نجاعة التقدير والكيفية والأسلوب والتحرك العيني، ويجعله نقدًا على "مجرد المطالبة بالاستقلال واستمرار جنس المقاومة". ثم يسأل محاوره "ما البديل".
وكأنَّ استشهاد ما يقارب ٧٠ ألف جزائري في مظاهرات ٨ ماي، التي تعرضت لنقد من بعض القيادات على أنها وقعت في يوم وظرف وبإمكانيات وتنظيم غير مدروس كفايةً، تدل على انعدام بديل! بوضياف كما في كتابه لم يقل "ما البديل" بعد استشهاد هذا العدد الهائل! حسب ما عبَّر به عن منطق قيادات الثورة، كان التحدي لدى القيادي هو صنع البديل في الوسائل والطرق. لذا فمن عدم الاحترافية أن يتحدث لواء متقاعد يفترض أنه درس تاريخ الحروب والثورات التحررية ودرَّسها بلغة "ما البديل".
[١] التحضير لأول نوفمبر، محمد بوضياف، ص١١.
في نقاش على الاتجاه المعاكس، بين فايز الدويري ونبيل السبع، يتعرض الأخير عملية ٧ أكتوبر بالنقد، في حين يدافع عنها الدويري، طرح فيصل قاسم سؤال عن فوائد العملية، أجابه الدويري أنها ضرورة، وأنها أحيت القضية في ذهن الأمة. يجيب الخصم أن العملية تسببت في إبادة عشرات الآلاف، وإعاقة مئات الآلاف، وقد تهجر ملايين، يكرِّر الدويري أنها ضرورة لإحياء القضية، وواصل في التمسُّك بهذه النقطة لآخر اللقاء.
المشكلة في الخطاب الذي يتشبث به الدويري أنه يعتمد على الخلط بين ضرورة العمل وبين كيفية العمل. وبما أن الدويري يريد التمثيل بين عملية ٧ أكتوبر وثورة ١ نوفمبر، أريد الإشارة لبعض ما حفظ عن قيادات الثورة، كان لمحمد بوضياف عبارة في مسألة التحضير لأول نوفمبر، يقول:
"يعتبر يوم ٨ ماي ١٩٤٥ بالنسبة لمناضلي جيلي نقطة انطلاق الوعي وقطيعة! وعي بضرورة البحث: زيادة عن مجرد المطالبة بالاستقلال، عن الطريق الذي يجب اتباعه، والوسائل التي ينبغي استعمالها من أجل التوصل إليه" [١]
يتكلم بوضياف عن وعي بضرورة الدراسة لما هو أهم من مجرد طلب الاستقلال، وتجديد إحياء القضية في النفوس ومسائل الكرامة والأمل، يتكلم على وجه الدقة، في مقدمة كتاب بعنوان (التحضير لأول نوفمبر) عن الوعي بالطرق والوسائل التي يجب اتباعها، للحصول على هذه الضرورة، ضرورة الاستقلال عن فرنسا، وتحقيق حرية، وإعادة إحياء القضية الجزائرية.
ولا يمكننا أن نتوقع، أن مختلف قيادات الثورة من الوطنيين الذين اختلفوا فيما بينهم، ولو بحدَّة، تحدث أي منهم عن حتمية الثورة، أو ضرورة وجود مقاومة، بقدر ما تناولت النقاشات قضايا الوسائل والطرق، خطوط الإمداد، مخازن المؤن والأدوية، ربط المدن بالأرياف، وطريقة تطبيق المقاومة على الأرض، والأهم من ذلك، طرق توحيد الجبهة الداخلية، ولهذا، خلال كل سنوات الثورة، كان بن بلة يصف كل معركة أو خطة جرَّت هزيمة بأنها هزيمة أخطأ منفذوها التَّقدير، لم يكن الحديث عن ضرورة العمليات، بقدر ما كان الحديث عن تطوير سبل لنجاح العمليَّات. فضرورة العمل ثابتة، الحديث كان عن الكيفية.
عندما يجعل الدويري كل "الكيفيات" وكل "السبل" التي تبلورت خلال ٧ أكتوبر، كضرورة جبرية، هو يذهب إلى النقد المتجه لعدم نجاعة التقدير والكيفية والأسلوب والتحرك العيني، ويجعله نقدًا على "مجرد المطالبة بالاستقلال واستمرار جنس المقاومة". ثم يسأل محاوره "ما البديل".
وكأنَّ استشهاد ما يقارب ٧٠ ألف جزائري في مظاهرات ٨ ماي، التي تعرضت لنقد من بعض القيادات على أنها وقعت في يوم وظرف وبإمكانيات وتنظيم غير مدروس كفايةً، تدل على انعدام بديل! بوضياف كما في كتابه لم يقل "ما البديل" بعد استشهاد هذا العدد الهائل! حسب ما عبَّر به عن منطق قيادات الثورة، كان التحدي لدى القيادي هو صنع البديل في الوسائل والطرق. لذا فمن عدم الاحترافية أن يتحدث لواء متقاعد يفترض أنه درس تاريخ الحروب والثورات التحررية ودرَّسها بلغة "ما البديل".
[١] التحضير لأول نوفمبر، محمد بوضياف، ص١١.
باسم بشينية
Photo
ثم هل لنا ألَّا نتوقع هذا؟ أو نتوقَّع غيره؟
خلال الحرب العالمية الثانية، وعدت فرنسا الجزائر بالاستقلال في حال ما لو انتصرت مع حلفها على المحور، خرج الجزائريون في مظاهرات يوم ٥ ماي ١٩٤٥ مطالبين بإنفاذ الوعود، فماذا حصل؟ قتلت فرنسا الشعب، واستشهد ما بين ٤٥ ألف إلى ٧٠ ألف جزائري، وبعدها بسنتين طبقت خطة مارشال الأمريكية، والتي موَّلت الاقتصاد الحربي الفرنسي بشكل هائل ضد حركات التحرر، وخصوصا الجزائر، بقيمة ما يعادل اليوم ٣٠ مليار دولار! ثم يقال على خلفية تاريخ قريب كهذا، لم نتوقع هذا الدعم الغربي لإسرائيل! حفظ عن ابن تيمية شيء في النقاشات العقدية، مسألة ثبوت الشيء في الخارج، كان يرى أنه يكون بإحد ثلاث، ومن بينها ثبوت مثيله، كالبعث، يتصف بإمكان خارجي، لأن نظيره، وهو خلق إنسان عن عدم ثابت، في السياسة يقال نفس الأمر، كل ما ثبت نظيره سلفًا فهو في دائرة الممكن، توقَّعه، ولا تعامله كممتنع!
خلال الحرب العالمية الثانية، وعدت فرنسا الجزائر بالاستقلال في حال ما لو انتصرت مع حلفها على المحور، خرج الجزائريون في مظاهرات يوم ٥ ماي ١٩٤٥ مطالبين بإنفاذ الوعود، فماذا حصل؟ قتلت فرنسا الشعب، واستشهد ما بين ٤٥ ألف إلى ٧٠ ألف جزائري، وبعدها بسنتين طبقت خطة مارشال الأمريكية، والتي موَّلت الاقتصاد الحربي الفرنسي بشكل هائل ضد حركات التحرر، وخصوصا الجزائر، بقيمة ما يعادل اليوم ٣٠ مليار دولار! ثم يقال على خلفية تاريخ قريب كهذا، لم نتوقع هذا الدعم الغربي لإسرائيل! حفظ عن ابن تيمية شيء في النقاشات العقدية، مسألة ثبوت الشيء في الخارج، كان يرى أنه يكون بإحد ثلاث، ومن بينها ثبوت مثيله، كالبعث، يتصف بإمكان خارجي، لأن نظيره، وهو خلق إنسان عن عدم ثابت، في السياسة يقال نفس الأمر، كل ما ثبت نظيره سلفًا فهو في دائرة الممكن، توقَّعه، ولا تعامله كممتنع!
باسم بشينية
Photo
عندما شكَّل باب الحارة، هوية سياسيَّة لجيل بأكلمه.
لا نكاد نجد شخصًا من جيل التسعينات إلا وتعلَّق في صغره بمشاهدة مسلسل باب الحارة عند كل رمضان، خصوصا الأجزاء الأولى منه، منذ سنة 2006 إلى 2009، ومع كون المسلسل قدم جوانب اجتماعية وأسرية عدة، إلا أن أغلب ما عمل على ترسيخه، تلك اللغة السياسيَّة التي طفحت في الأجزاء الأولى في سياق العمل السياسي المقاوم للمحتل، وأخذ رصيدًا لا بأس به في اللا وعي الجمعي لهذا الجيل، لغة سياسية مشتركة، ومنطق مشترك في قراءة الأحداث، وحتى تصوُّر موحَّد لأدوات العمل.
إن تشكَّل الوعي السياسي، وبالأخص مسألة "العمل" وتقييمه، بالنسبة لمواليد التسعينات لم يكن مصقولًا بالتجارب أو المطالعات، تثبت الانطباعات والتَّحليلات فضلا عن البنية الذهنية التي تتناول القضايا السياسية أن جيلًا بأكمله تشكلت أولى لبنات وعيه السياسي من خلال باب الحارة وبالأخص الشخصية النرجسية "معتز" والتي مثلَّ لها وائل شرف.
كانت التفاصيل التي تأتي لاحقا، والتي وضع هذا الجيل في واجهتها، تثبت أن لغته السياسية وفهمه لطبيعة العمل السياسي قد تم تقييده ضمن إطار شعارات جوفاء، وممارسات فردية تفتقر للقدرة على استيعاب كل تعقيد في المشهد السياسي.
كثيرة هي المشاهد التي رسَّخت في ذهن المتابع العربي، أن حارةً صغيرة، قليلة السكَّان تغلبت على قوات فرنسية مدججة بالسلاح، في مشاهد تفتقر إلى الواقعية وتُبالغ في التبسيط، ركَّزت الحبكة الدرامية على تمجيد الحصار والتجويع كرمز للصمود، دون تصوير التَّداعيات الحقيقية مثل المجاعة، الأوبئة، أو ندرة المياه، أغفلت الإشارة إلى الخطورة الاستراتيجية لمجازفة احتجاز ضباط فرنسيين في حيٍّ مدني، والتي قد تؤدي إلى تجويع الحارة وقصفها على رؤوس ساكنيها، وعوض تقديم وعي سياسي، تلقَّى المشاهد العربي جرعات عالية من الفخر بسلوك الهويات النرجسية.
وكانت لشخصية "معتز" وهي الشخصية المحبَّبة لجلِّ متابعي التِّسعينات، الشخصيِّة البطوليِّة التي تقدِم على قرارات جريئة ومتسرِّعة ولا تلقي اعتبارًا للنِّهايات قط؛ الحظ الوافر من العبث بمكوِّنات الهوية السياسية الحقة، شخصيَّة معتز التي كانت مفرطة في التفكير الفرداني، والتي تحوَّلت فيما بعد إلى أيقونة تحاكي بنية الهويات النرجسيَّة، المستخفَّة والمتجاهلة بكل تعقيد سياسي، شخصيَّة وليدة اللحظة، تعتمد في تحركاتها على مشاعر وليدة اللحظة، تتمظهر فيها كل مفاهيم الشَّجاعة والبطولة الكاريزميَّة والنِّكاية، على حساب مفاهيم السياسة والموازنة والتخطيط ونحو ذلك.
كان ذلك التشكل السَّردي والإعلامي في باب الحارة، من أبلغ ما ساهم في إعادة إنتاج خطاب سياسي يتَّسم بالتَّبسيطيَّة والانفصال عن ثقل وتعقيدات الواقع، ولم تكن شخصيَّات مثل "أبو شهاب" وابن أخته "معتز" سوى شخصيَّات تكرِّس على اختلاف مساهماتها السياسيَّة في المعارك البسيطة جل معاني الاختزاليَّة للعمل السِّياسي في أطر رمزيَّة فجَّة.
كانت شخصيَّات قائمة على مجرد الاستعراض البطولي والفردي في مواجهة القوى المتفوِّقة عسكريًا، وانعكس هذا التكرار الموازي لتدفق مشاعر جيَّاشة في المشاهِد، على وعي جيل بأكمله، وبات تناول طبيعة العمل السياسي من منطق يعاني تجزئة مفاهيمية، وبما أن الوسائل البدائية كانت لصالح "حارة الضبع" في مختلف المعارك، لم يحظ الحديث عن الوسيلة والظرف والامكانية بكبير اهتمام في ذهنية الجيل نفسه، بقدر ما تشكلت مفاهيمه السياسية في سياق الصراع مع العدو على مجرد الذوبان في المعارك الاستفزازية، والقيام بعمليات لحظية، منفصلة كل الانفصال عن التنسيق، والتخطيط لما بعد.
كانت شخصية "معتز" تعاني من تضخم مفرط في الأنا، البطل الذي لا يُهزم، الذي يحل كل نزاع، ولو كان من قبيل خلع باب الحارة، بالقوة اللحظية، طلقة على عسكري، ثم الانسحاب الفردي إلى البساتين، الشخصية التي عشقت العمل البطولي الفردي، على حساب بناء شبكة تحالفات، خطوط إمداد، مخزون مؤن، أدوية، أطباء، وتوازن قوى، وغير ذلك.
وهكذا نتج جيل بأكلمه، مهزوز من حيث هويَّته السياسية والعسكرية، هويَّة فردانية، ترى حلولها في مجرد العمل المجتزأ والمشاعر الوطنية الفورية التي تتبنَّى مظاهر إبراز القوة لحظيًا لإثبات الشَّجاعة، دون التفكير في الأثر طويل الأمد، تشكَّلت هويَّات سياسيَّة لجيل كامل، عمادها تغليب مشاعر البطولة غير محسوبة التَّكاليف، وكان نتيجة هذا في حارة الضبع، معاناة حادة من العزلة وتعرض المدنيين لعقاب جماعي، بل وإرغامهم على بيع بويتهم، وفي نهاية المطاف صار محور النصر في باب الحارة، أن يعود أهاليها إلى حالة ما قبل الحصار بيوم، وأضحت التضحية البطولية مجرد سلوك عابر وغير مثمر بالمرة.
لا نكاد نجد شخصًا من جيل التسعينات إلا وتعلَّق في صغره بمشاهدة مسلسل باب الحارة عند كل رمضان، خصوصا الأجزاء الأولى منه، منذ سنة 2006 إلى 2009، ومع كون المسلسل قدم جوانب اجتماعية وأسرية عدة، إلا أن أغلب ما عمل على ترسيخه، تلك اللغة السياسيَّة التي طفحت في الأجزاء الأولى في سياق العمل السياسي المقاوم للمحتل، وأخذ رصيدًا لا بأس به في اللا وعي الجمعي لهذا الجيل، لغة سياسية مشتركة، ومنطق مشترك في قراءة الأحداث، وحتى تصوُّر موحَّد لأدوات العمل.
إن تشكَّل الوعي السياسي، وبالأخص مسألة "العمل" وتقييمه، بالنسبة لمواليد التسعينات لم يكن مصقولًا بالتجارب أو المطالعات، تثبت الانطباعات والتَّحليلات فضلا عن البنية الذهنية التي تتناول القضايا السياسية أن جيلًا بأكمله تشكلت أولى لبنات وعيه السياسي من خلال باب الحارة وبالأخص الشخصية النرجسية "معتز" والتي مثلَّ لها وائل شرف.
كانت التفاصيل التي تأتي لاحقا، والتي وضع هذا الجيل في واجهتها، تثبت أن لغته السياسية وفهمه لطبيعة العمل السياسي قد تم تقييده ضمن إطار شعارات جوفاء، وممارسات فردية تفتقر للقدرة على استيعاب كل تعقيد في المشهد السياسي.
كثيرة هي المشاهد التي رسَّخت في ذهن المتابع العربي، أن حارةً صغيرة، قليلة السكَّان تغلبت على قوات فرنسية مدججة بالسلاح، في مشاهد تفتقر إلى الواقعية وتُبالغ في التبسيط، ركَّزت الحبكة الدرامية على تمجيد الحصار والتجويع كرمز للصمود، دون تصوير التَّداعيات الحقيقية مثل المجاعة، الأوبئة، أو ندرة المياه، أغفلت الإشارة إلى الخطورة الاستراتيجية لمجازفة احتجاز ضباط فرنسيين في حيٍّ مدني، والتي قد تؤدي إلى تجويع الحارة وقصفها على رؤوس ساكنيها، وعوض تقديم وعي سياسي، تلقَّى المشاهد العربي جرعات عالية من الفخر بسلوك الهويات النرجسية.
وكانت لشخصية "معتز" وهي الشخصية المحبَّبة لجلِّ متابعي التِّسعينات، الشخصيِّة البطوليِّة التي تقدِم على قرارات جريئة ومتسرِّعة ولا تلقي اعتبارًا للنِّهايات قط؛ الحظ الوافر من العبث بمكوِّنات الهوية السياسية الحقة، شخصيَّة معتز التي كانت مفرطة في التفكير الفرداني، والتي تحوَّلت فيما بعد إلى أيقونة تحاكي بنية الهويات النرجسيَّة، المستخفَّة والمتجاهلة بكل تعقيد سياسي، شخصيَّة وليدة اللحظة، تعتمد في تحركاتها على مشاعر وليدة اللحظة، تتمظهر فيها كل مفاهيم الشَّجاعة والبطولة الكاريزميَّة والنِّكاية، على حساب مفاهيم السياسة والموازنة والتخطيط ونحو ذلك.
كان ذلك التشكل السَّردي والإعلامي في باب الحارة، من أبلغ ما ساهم في إعادة إنتاج خطاب سياسي يتَّسم بالتَّبسيطيَّة والانفصال عن ثقل وتعقيدات الواقع، ولم تكن شخصيَّات مثل "أبو شهاب" وابن أخته "معتز" سوى شخصيَّات تكرِّس على اختلاف مساهماتها السياسيَّة في المعارك البسيطة جل معاني الاختزاليَّة للعمل السِّياسي في أطر رمزيَّة فجَّة.
كانت شخصيَّات قائمة على مجرد الاستعراض البطولي والفردي في مواجهة القوى المتفوِّقة عسكريًا، وانعكس هذا التكرار الموازي لتدفق مشاعر جيَّاشة في المشاهِد، على وعي جيل بأكمله، وبات تناول طبيعة العمل السياسي من منطق يعاني تجزئة مفاهيمية، وبما أن الوسائل البدائية كانت لصالح "حارة الضبع" في مختلف المعارك، لم يحظ الحديث عن الوسيلة والظرف والامكانية بكبير اهتمام في ذهنية الجيل نفسه، بقدر ما تشكلت مفاهيمه السياسية في سياق الصراع مع العدو على مجرد الذوبان في المعارك الاستفزازية، والقيام بعمليات لحظية، منفصلة كل الانفصال عن التنسيق، والتخطيط لما بعد.
كانت شخصية "معتز" تعاني من تضخم مفرط في الأنا، البطل الذي لا يُهزم، الذي يحل كل نزاع، ولو كان من قبيل خلع باب الحارة، بالقوة اللحظية، طلقة على عسكري، ثم الانسحاب الفردي إلى البساتين، الشخصية التي عشقت العمل البطولي الفردي، على حساب بناء شبكة تحالفات، خطوط إمداد، مخزون مؤن، أدوية، أطباء، وتوازن قوى، وغير ذلك.
وهكذا نتج جيل بأكلمه، مهزوز من حيث هويَّته السياسية والعسكرية، هويَّة فردانية، ترى حلولها في مجرد العمل المجتزأ والمشاعر الوطنية الفورية التي تتبنَّى مظاهر إبراز القوة لحظيًا لإثبات الشَّجاعة، دون التفكير في الأثر طويل الأمد، تشكَّلت هويَّات سياسيَّة لجيل كامل، عمادها تغليب مشاعر البطولة غير محسوبة التَّكاليف، وكان نتيجة هذا في حارة الضبع، معاناة حادة من العزلة وتعرض المدنيين لعقاب جماعي، بل وإرغامهم على بيع بويتهم، وفي نهاية المطاف صار محور النصر في باب الحارة، أن يعود أهاليها إلى حالة ما قبل الحصار بيوم، وأضحت التضحية البطولية مجرد سلوك عابر وغير مثمر بالمرة.
٦٠ سنة، عالم جديد في قالب قديم.
جمال عبد الناصر يوم ٦ يونيو "إنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، لقد قررت أن أتنحى تمامًا، ونهائيا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير"
أنور السادات بعد إعلان التنحي "سيدي الرئيس، لقد خرجت الملايين من جماهير شعبنا العربي يومي ٩ و١٠ يونيو نحتت من آلام النَّكسة شعارها الواحد: لا نريد غير عبد الناصر".
جمال عبد الناصر يوم ٦ يونيو "إنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، لقد قررت أن أتنحى تمامًا، ونهائيا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير"
أنور السادات بعد إعلان التنحي "سيدي الرئيس، لقد خرجت الملايين من جماهير شعبنا العربي يومي ٩ و١٠ يونيو نحتت من آلام النَّكسة شعارها الواحد: لا نريد غير عبد الناصر".
المسائل السياسية مثل المسائل العلمية، سواء في الرأي أو في الممارسة هي تخضع للتَّقييم المستمر، كثيرون هم الصَّحابة ومن كان من أبناء جيلهم، من قيادات، وضبَّاط جيوش، تحوَّلوا من معسكر إلى معسكر خلال الحرب الداخليَّة، نتيجة التَّقييم والنقد والمرونة، وكم حفظ عن مثل ابن تيمية تراجعه عن عقائد وسمها بعقائد الآباء، وكم تغيرت مواقف سياسيَّة متسرِّعة كالتي كانت عليها شخصيَّات غيَّرت معالم التاريخ الحديث قبل ثوراث ١٨٤٨، بشكل كامل بعد الثورات. نحن بالكاد نبني مواقف سياسيَّة كشعوب عربية، نحن نبني عقائد صنميَّة عند حديثنا عن الرأي السياسي، نحن نعتبره من قبيل الشرك الأكبر ذلك الرأي الذي يقول بإعادة تقييم مواقفنا تجاه تجاربنا السياسية!
باسم بشينية
Photo
"يجب أن يلاحظ المرء [...] السهولة التي يمكن بها إفساد الناس وتحويل طبيعتهم وتبديلها، مهما كانوا على درجة كبيرة من الصلاح"
(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص363)
(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص363)
التمدُّن الغربي = رفاعة الطهطاوي.
المدنيَّة الأوربية = جمال الأفغاني.
الحضارة الغربية = مصطفى محمود.
الغرب المادي = محمد قطب.
الاستلاب الثقافي = علي شريعتي.
العلمانية الشاملة والجزئية = عبد الوهاب المسيري.
وأخيرًا الجاهلية الحديثة = سيد قطب.
هذه المصطلحات على تنوعها، مع أن لها نفس الدلالة. وعلى البريق الذي حملته عند صدورها، لم تكن تعنى بالتجديد في الطرح، بقدر ما اهتمَّ أصحابها بالتجديد في المصطلح، وقد صار من قبيل (الكرنج) أن يتحدث (المفكر الإسلامي) المعاصر عن نفس المواضيع المستهلكة تلك، بمصطلحات من قبيل "الغرب المادي" و"الحضارة الغربية".
يتتابع نقد "الغرب" من جيل إلى جيل، بنفس الذهنية، ومن دون اهتمام بترتيب أولويَّات، كالمسائل المتعلقة بتاريخنا نحن، فتلك مهمة تحرك حممًا، ومن يطيقها؟ وعندما فقدت تلك المصطلحات بريقها، تجدَّد الفكر الاسلامي، لا في جوهره، ولا في جذوره، ولا في اهتماماته حتى! بل في "المصطلح" فحسب، فبقي على نفس الاهتمام، وبنفس المحتوى، وصار اختصار المصطلحات السابقة، في مصطلح جديد، لم يكن على عهد الرعيل الأول من المفكِّرين الإسلاميِّين، أو الإخوان المسلمين، وعوض وصفها جاهلية، أو مادية غربية، أو حتى علمانية شاملة، أو حضارة غربية، يبقى في محاولات كثيرة نفس المحتوى ممتدًا بمصطلح جديد، إنه: الحداثة.
المدنيَّة الأوربية = جمال الأفغاني.
الحضارة الغربية = مصطفى محمود.
الغرب المادي = محمد قطب.
الاستلاب الثقافي = علي شريعتي.
العلمانية الشاملة والجزئية = عبد الوهاب المسيري.
وأخيرًا الجاهلية الحديثة = سيد قطب.
هذه المصطلحات على تنوعها، مع أن لها نفس الدلالة. وعلى البريق الذي حملته عند صدورها، لم تكن تعنى بالتجديد في الطرح، بقدر ما اهتمَّ أصحابها بالتجديد في المصطلح، وقد صار من قبيل (الكرنج) أن يتحدث (المفكر الإسلامي) المعاصر عن نفس المواضيع المستهلكة تلك، بمصطلحات من قبيل "الغرب المادي" و"الحضارة الغربية".
يتتابع نقد "الغرب" من جيل إلى جيل، بنفس الذهنية، ومن دون اهتمام بترتيب أولويَّات، كالمسائل المتعلقة بتاريخنا نحن، فتلك مهمة تحرك حممًا، ومن يطيقها؟ وعندما فقدت تلك المصطلحات بريقها، تجدَّد الفكر الاسلامي، لا في جوهره، ولا في جذوره، ولا في اهتماماته حتى! بل في "المصطلح" فحسب، فبقي على نفس الاهتمام، وبنفس المحتوى، وصار اختصار المصطلحات السابقة، في مصطلح جديد، لم يكن على عهد الرعيل الأول من المفكِّرين الإسلاميِّين، أو الإخوان المسلمين، وعوض وصفها جاهلية، أو مادية غربية، أو حتى علمانية شاملة، أو حضارة غربية، يبقى في محاولات كثيرة نفس المحتوى ممتدًا بمصطلح جديد، إنه: الحداثة.
كان محمد عبده يقول "أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس" وقد سبقه الغزالي قديما إذ قال "ألَّا تخالط الأمراء والسلاطين، لأن رؤيتهم ومجالستهم آفة عظيمة"، وتكرر على لسان الألباني قول "من السياسة ترك السياسة".
هكذا كان يجري التعامل مع متعلَّقات المجال السياسي برمَّته لدى فقهاء ذوي شعبية واسعة، وتضخَّم أثر ذلك بشكل حاد على الوعي الشعبي العربي، فضلا عن حركات إسلامية عدة، وتقلَّص مفهوم الرأي السياسي والبحث فيه وتطويره ونقده، لصالح الحركة الشجاعة.
وقد كان يروى عن عبد الملك بن مروان "أجد في نفسي أني بصير بالحرب" وعندما ذكروا له مصعبًا قال "هو شجاع، ولا علم له بالحرب وعنده من يخالفه" وكانوا يقولون "إن معاوية كان ذا رأي" وعند وصفهم لمروان، قالوا "ذو رأي وحيلة وتجربة".
هكذا كان يجري التعامل مع متعلَّقات المجال السياسي برمَّته لدى فقهاء ذوي شعبية واسعة، وتضخَّم أثر ذلك بشكل حاد على الوعي الشعبي العربي، فضلا عن حركات إسلامية عدة، وتقلَّص مفهوم الرأي السياسي والبحث فيه وتطويره ونقده، لصالح الحركة الشجاعة.
وقد كان يروى عن عبد الملك بن مروان "أجد في نفسي أني بصير بالحرب" وعندما ذكروا له مصعبًا قال "هو شجاع، ولا علم له بالحرب وعنده من يخالفه" وكانوا يقولون "إن معاوية كان ذا رأي" وعند وصفهم لمروان، قالوا "ذو رأي وحيلة وتجربة".
هل كان بوعلام صنصال أديبًا؟ قراءة نقدية في رواية (حراقة).
على المدونة... الرابط:
https://bassembech.com/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d9%88%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%b5%d9%86%d8%b5%d8%a7%d9%84-%d8%a3%d8%af%d9%8a%d8%a8%d9%8b%d8%a7%d8%9f-%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%82/
على المدونة... الرابط:
https://bassembech.com/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d9%88%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%b5%d9%86%d8%b5%d8%a7%d9%84-%d8%a3%d8%af%d9%8a%d8%a8%d9%8b%d8%a7%d8%9f-%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%82/
باسم بشينية
Photo
سنة 2006، عندما وقعت مناوشات بين حزب الله، والكيان، مجَّد طه عبد الرحمن الحزب فألَّف كتابًا بعنوان (الحداثة والمقاومة) وكانت فكرة العنوان قائمة على أن حزب الله، الذي أبدى رفعًا لمعنويات التيارات الإسلامية، يمثل تحولًا وجوديًا في الروح الإسلامية الحديثة، وأخذ يُفلسف القضية لما لا يفهمه حزب الله أصلا، ولا أي زعيم لتيار إسلامي آخر، فقال:
"وغير خافٍ أن هذا هو حال المقاومة الإسلامية في لبنان؛ فلقد حقّقت بانتصارها على المحتل تحولا وجوديا في الأمة، نقلها من طور العجز إلى طور القدرة، ممدًا لها بالأسباب التي تعيد بها إثبات ذاتها وإطلاق حركتها في العالم؛ وإذا كان الأمر كذلك، لزم أن تنتمي أفعال المقاومين إلى الحداثة كما تنتمي إليها أفعال غيرهم من الغربيين" (الحداثة والمقاومة، طه عبد الرحمن، 2006، ص15)
ولم يكلف نفسه بعد 20 سنة، مع ما يتكبَّده حزب الله، وما جرَّه على لبنان اليوم، أن يراجع ما كان يرقع به قديما من إضفاء بعد فلسفي حداثوي نهضوي أممي على الحزب، ولم يهتم لذلك، بل أخذ على نفس المنوال يتحدَّث عن حداثة الإسلام البرَّاقة والتي حان وقت عطائها للعالم.
وتحدَّث في بودكاست بالأمس، أنه قد حان وقت "عطاء الإسلام للبشريَّة" وهي كلمة تكشف عن عيِّنة من تصوُّراته لطبيعة هذه العطاءات، حين كتب سنة 2006 أن حزب الله "أمدَّ الأمَّة وأطلق حركتها في العالم" وغشَّ الحركات الإسلاميَّة، فصوَّر لها الوضع على أنَّ حزب الله قد نقلها من طور العجز إلى طور القدرة، ولم يراجع شيئا من هذا، لا خلال مرحلة الحزب في سوريا، ولا خلال حداثته التجاريَّة، ولا خلال ما جرَّه على لبنان وفق ما سمي بجبهة إسناد، بل تناساه وبقي مهتمًا بتقديم سويعات يتحدَّث فيها عن سيرته الذاتية، ومراحل حياته، الروتين اليومي، والعائلة.
"وغير خافٍ أن هذا هو حال المقاومة الإسلامية في لبنان؛ فلقد حقّقت بانتصارها على المحتل تحولا وجوديا في الأمة، نقلها من طور العجز إلى طور القدرة، ممدًا لها بالأسباب التي تعيد بها إثبات ذاتها وإطلاق حركتها في العالم؛ وإذا كان الأمر كذلك، لزم أن تنتمي أفعال المقاومين إلى الحداثة كما تنتمي إليها أفعال غيرهم من الغربيين" (الحداثة والمقاومة، طه عبد الرحمن، 2006، ص15)
ولم يكلف نفسه بعد 20 سنة، مع ما يتكبَّده حزب الله، وما جرَّه على لبنان اليوم، أن يراجع ما كان يرقع به قديما من إضفاء بعد فلسفي حداثوي نهضوي أممي على الحزب، ولم يهتم لذلك، بل أخذ على نفس المنوال يتحدَّث عن حداثة الإسلام البرَّاقة والتي حان وقت عطائها للعالم.
وتحدَّث في بودكاست بالأمس، أنه قد حان وقت "عطاء الإسلام للبشريَّة" وهي كلمة تكشف عن عيِّنة من تصوُّراته لطبيعة هذه العطاءات، حين كتب سنة 2006 أن حزب الله "أمدَّ الأمَّة وأطلق حركتها في العالم" وغشَّ الحركات الإسلاميَّة، فصوَّر لها الوضع على أنَّ حزب الله قد نقلها من طور العجز إلى طور القدرة، ولم يراجع شيئا من هذا، لا خلال مرحلة الحزب في سوريا، ولا خلال حداثته التجاريَّة، ولا خلال ما جرَّه على لبنان وفق ما سمي بجبهة إسناد، بل تناساه وبقي مهتمًا بتقديم سويعات يتحدَّث فيها عن سيرته الذاتية، ومراحل حياته، الروتين اليومي، والعائلة.
"حكم التاريخ كحكم المجتمع، كلاهما يخضع لتقلبات الدهر، الخزي، كل الخزي، لحاكم اضطهد حزبًا انتهى بالانتصار"
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص25)
(تأملات في تاريخ الرومان، مونتسكيو، ترجمة عبد الله العروي عن طبعة 1748م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2011م، ص25)
مع بداية الأحداث في سوريا، لم يكن يدري عن توقيتها، فضلا عن تخطيطها، كان نائما صبيحة ذلك اليوم، ثم لما انهمك العالم في شرح الوقائع، الأسباب، المؤهلات، النتائج، والتحديات. ماذا فعل؟ بات يسابق أقرانه من رموز التيارات الإسلامية نحو مقاعد VIP لتصدُّر الإدارة الإلكترونية على الترند، لكن هل طوَّر لغةً سياسية أو عقلًا؟ كلا، لا يزال ينشر النشوة بنفس العبارات، من قبيل القسم بالله أن ما يجري إنما هو فوق كل الحسابات البشرية والموازين السياسية، في صورة مبتذلة لدروشة مقلدة لتلك التي لم تفلح في شيء بالأمس القريب في جغرافيا قريبة.
الكهلنة ليست مجرد ورم، بل هي معبد عريق، لأفرع متعددة، حيث يُقدَّس كل شائب الرأس لمجرد أن هرموناته اهتزَّت فجأة بعد ركود تقدّم السن، بنظر الكهل، الأقدمية في تكرار الأخطاء ليست مجرد ميزة، هي حجة وجودية لحفر نفس نمط التفكير الذي لم يفلح أول أمس، حيث الأسبقية والأقدمية في تكرار نفس العيّنات من الأغلاط، لا تشكّل عاملًا لتجاوز نمط ما، بقدر ما يصيّرها ذلك إلى لوحة شرف، لتحمل عنوان "سنوات خبرة".
ديدين كلاش، رابر جزائري يصنف كأعلى محرز لعدد مشاهدات، صاحب أوسع قاعدة، لكن عندما يجري التعرض له بالنقد، دوما ما يقال: المستمع المحلي ذو تقييم ضعيف، لذا لا يمكن اعتبار عدد المشاهدات دليلًا، فالجمهور تعجبه أدبيات المافيا، وهكذا في مجال التثقيف الديني، دوما ما تجد مثيلًا يمتلك نفس القاعدة في مجال الدعوة، داعية، ذو قاعدة واسعة، جماهيرية أقصد، قد يرمي بتأملاته لتنعكس إلى معابر تخوين في مرحلة ما، ثم يرتب أولوية توسيع القاعدة مع حدث طارئ، قد يقلب قطعيَّاته السابقة، وينفيها، وقد ينكرها في وضح النهار بكل صفاقة، معلنًا نقيضها، لا عن تقييم ذاتي، قناعة، أو مراجعة فكرية، كلا، بل هوس الأرقام، حيث جلسات التصفيق المشروط بمزاج جماعي متقلِّب، تحركه أدبيات الدراما، ويبقى هذا النوع، هو الأوسع جماهيريًا، في الفن، والراب، وفي النشاط الدعوي أيضًا.