باسم بشينية
7.5K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
باسم بشينية
Photo
التاريخ له دورة!

خلال حرب ١٩٦٧ يحكي وزير الخارجية المصري مفارقة، لم نتعلَّم منها شيئا إلى يومنا هذا، اتَّصل جمال عبد الناصر بوزير الخارجية المصري محمود رياض عشيَّة ٨ يونيو، يخبره أن القوات المسلحة المصرية في حالة انهيار تام، ويجب أن تبلِّغ سفير مصر في الأمم المتحدة، أننا موافقون على وقف إطلاق النار، ذهل محمود رياض! اتصل سريعًا بالسفير المصري، ذهل الأخير أيضًا!

يحكي محمود رياض عن ذهول السفير، أن خبر هزيمة عبد الناصر كان يتردد في الأمم المتحدة على لسان سفراء أمريكا وبريطانيا، لكن السفير، كان الوحيد الذي صدَّق أن مصر مستمرة في حربٍ قيل فيها أن طأطأة أقدام الجنود المصريين صارت على حدود تل أبيب، ولم يتبق شيء عن إعلان سقوطها.

لم يكن شيء أبلغ تنكيسًا لإرادة مستقبلية، من تلك الصُّحف المصرية التي كانت تنشر ما ينقل على لسان قائد الجيش المصري عبد الحكيم عامر. وصل التضليل الذاتي، لمرحلة جاء فيها أن سفراء الدول الغربية يسخرون من السفير المصري وهو يحكي هنا وهناك أن الجيش المصري أسقط إسرائيل، كان تلك المرحلة كانت متوَّجة بفهم فلَّاحي لفن الداعية، الدعاية المصرية التي ضلَّلت سفيرها ذلك اليوم، لم تحرك في سفراء الدول الغربية غير عضلات وجوههم عند الابتسام له ببرود وهو يتداعى. وكم من فلاح اليوم يُلقَّب بما لقب به عبد الحكيم عامر ذات يوم، لواء!

قبل ١٩٦٧ بعشرين سنة، وفي سنة ١٩٤٥، ترشح تشرشل للانتخابات العامة في بريطانيا، بعد أن أبرز قيادة احترافية في الحرب العالمية الثانية، كانت شعبيته ٩٩٪ في بريطانيا وخارجها، كان قد حقق لها نصرًا قاطعًا، وبعد انتهاء الحرب "العالمية" والتي "فاز" فيها، لم يتداخل في وجدان البريطاني "الشعور بالتقدير والحب" مع "السياسية"، لم ينتخب الشعب تشرشل، نعم، تصلح لقيادة عسكرية، تنتصر في حروب "عالمية"، لكنك لن تدير السياسة بكفاءة، وجرى فوز حزب العمال بقيادة كلمنت أتلي.

بالعودة إلى ما بعد إعلان هزيمة ١٩٦٧، تناولت الصحف أمرًا يهم جيلنا الحالي أن يتمعَّنه، ألم يقع وسم مخرجات الحرب بالنكسة، انعكس سريعًا الوصف على جيل تلك السنوات، بأنه "جيل النكسة"، وسريعًا ما عادت نفس الصحف تمجِّد جمال، معلِّقة على خطاب استقالته بكلمة "لا"، لم يرض شعب النكسة أن يتخلى عن قائدها، فالعلاقة محبة، قبل أن تكون سياسة، في صورة تمظهرت فيها لوعة الأمة أن تقع مشاعرها في خدش، ولا تزال إلى يوم ذهنية جيل النكسة ممتدة، في الصنمية والمراوغة، وتكريس شروط الانهزامية.
عند رؤية شخصيات مثل الدكتور حمليل في مثل قناة النهار يناقش مواضيع العالم الثالث، أيهما أفضل لقيادة السيارة، المرأة أم الرجل, تقديم اسم البنت من دونه، مستوى، ولغة، وتفكير، لا يتجاوز ما يدور في مقاهينا. يذكرني ذلك بكتاب (مثقفون مزيفون) لباسكال بونبفاس لمَّا قال:

"عندما كان العمالقة من أمثال آرون وسارتر ينخرطون في الجدل العام كانوا يفعلون ذلك عن طريق وضع مؤلَّف ملائم للسياق واليوم، ألا يفضل البعض أن يكونوا حاضرين في وسائل الإعلام على أن يقدموا نتاجا فكريًا حقيقيًا. هل يمكن لمثقف أن ينتج نتاجا فكريا وهو حاضر في جميع المنصات المتلفزة؟! لقد حل إذن أولئك الذين يسمون مثقفي وسائل الإعلام، محل المثقفين، هل يمكن للمثقف أن يكون مثقفًا ومسوقًا إعلاميًا؟ أليس من الأفضل ألا يتعدى الوقت المخصص للظهور على الوقت المخصص للتفكير؟".

(المثقفون المزيفون، باسكال بونيفاس، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، ترجمة روز مخلوف، ورد للطباعة، الطبعة الأولى ٢٠١٣م، ص١٩)
"تزداد مصداقية المزيَّف كلما مضى أكثر باتِّجاه الأفكار المسبقة والرِّياح السَّائدة، ولولا ذلك لخاطر كما حدث في حالات كثيرة بتقديم نفسه على أنه يخالف ما يعتبر سليما بالمَنظور السَّياسي".

(المثقفون المزيفون، باسكال بونيفاس، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، ترجمة روز مخلوف، ورد للطباعة، الطبعة الأولى ٢٠١٣م، ص٢٤)
الاقتصاد أشبه بالسياسة، أول درس في إدارة الأعمال، أو المالية، هو أن السوق يخضع لتقلُّب مستمر، تقلبات في الأسعار، مخاطر في السيولة، في سعر الصرف، في التضخم، مخاطر ائتمانيَّة، وغير ذلك، ومن زاوية النظر هذه، طوَّر الاقتصاد تخصصًا عرف بإدارة المخاطر، وقسِّمت إلى قصيرة وطويلة الأمد على حسب.

وعند فشل مشروع، لا يقال (لم نتوقَّع) تقلبًا في السوق! إدارة المخاطر هي وضع إستراتيجية لكل سيناريو محتمل، لحركة مئات العوامل، لأجل إدارتها وتخفيف أثرها على المدى الطويل، أو القصير، ولكل شركة كبرى قسم إدارة مخاطر، يشمل مدراء وأخصائيين، وينفصل عمل هؤلاء عن التأثر بالقسم الاشهاري للشركة حتى لا يقع مدير المخاطر تحت تأثير الدعاية (الاشهار) في سوء تنبؤ لأحد العوامل!

ومع تطور فن إدارة المخاطر، أضحت كل معاني المجازفة، والتهور، من قبيل الاستثمارات العشوائيِّة، وقصيرة النظر، لا يجري تصنيفها علميًا كممارسة اقتصادية، ولا يتم تدريسها إلا كتجارب لاقتصاديين أغفلوا أحد أهم شروط نجاح المشروع من باب التمثيل والاعتبار. وكذلك في جانب السياسة.
باسم بشينية
Photo
لم أتوقع!

في سياق الحرب العالمية الثانية، أدَّى مبدأ عدم التوقع إلى خسائر فادحة، ستالين لم يتوقع أن تتعرَّض بلاده لهجوم من ألمانيا، والتي كانت حليفة له وفق معاهدة مولوتوف-ريبنتروب، وأدى هذا إلى إبادة لما يقرب من ٣٠ مليون سوفييتي.

في نفس السياق، لم تتوقع ألمانيا أن يشكِّل أعداؤها حلفًا ضدَّها، وأدى ذلك إلى خسارتها لأكثر من ٥ ملايين من شعبها، وتقسيمها إلى دولتين منفصلتين، شرقًا وغربًا، وفقدان سيادتها الوطنية لعقود دامت ٤٥ عامًا.

حكم التاريخ على الذين لم يحسنوا التوقع بقسوة، وصار شق واسع من فن السياسة قائمًا على مبدأ استشراف المجهول، وأضحى الرأي القائل بأن النظرية تنبثق خلال ساحة المعركة، وهو المذهب الارتجالي، الذي لا يتوقع مسارًا محددًا لأي حركة، مذهبًا رجعيًا، يتنكر لمبدأ التوقع.
باسم بشينية
Photo
فايز الدويري، ٧ أكتوبر ضرورة حتمية، فما البديل؟

في نقاش على الاتجاه المعاكس، بين فايز الدويري ونبيل السبع، يتعرض الأخير عملية ٧ أكتوبر بالنقد، في حين يدافع عنها الدويري، طرح فيصل قاسم سؤال عن فوائد العملية، أجابه الدويري أنها ضرورة، وأنها أحيت القضية في ذهن الأمة. يجيب الخصم أن العملية تسببت في إبادة عشرات الآلاف، وإعاقة مئات الآلاف، وقد تهجر ملايين، يكرِّر الدويري أنها ضرورة لإحياء القضية، وواصل في التمسُّك بهذه النقطة لآخر اللقاء.

المشكلة في الخطاب الذي يتشبث به الدويري أنه يعتمد على الخلط بين ضرورة العمل وبين كيفية العمل. وبما أن الدويري يريد التمثيل بين عملية ٧ أكتوبر وثورة ١ نوفمبر، أريد الإشارة لبعض ما حفظ عن قيادات الثورة، كان لمحمد بوضياف عبارة في مسألة التحضير لأول نوفمبر، يقول:

"يعتبر يوم ٨ ماي ١٩٤٥ بالنسبة لمناضلي جيلي نقطة انطلاق الوعي وقطيعة! وعي بضرورة البحث: زيادة عن مجرد المطالبة بالاستقلال، عن الطريق الذي يجب اتباعه، والوسائل التي ينبغي استعمالها من أجل التوصل إليه" [١]

يتكلم بوضياف عن وعي بضرورة الدراسة لما هو أهم من مجرد طلب الاستقلال، وتجديد إحياء القضية في النفوس ومسائل الكرامة والأمل، يتكلم على وجه الدقة، في مقدمة كتاب بعنوان (التحضير لأول نوفمبر) عن الوعي بالطرق والوسائل التي يجب اتباعها، للحصول على هذه الضرورة، ضرورة الاستقلال عن فرنسا، وتحقيق حرية، وإعادة إحياء القضية الجزائرية.

ولا يمكننا أن نتوقع، أن مختلف قيادات الثورة من الوطنيين الذين اختلفوا فيما بينهم، ولو بحدَّة، تحدث أي منهم عن حتمية الثورة، أو ضرورة وجود مقاومة، بقدر ما تناولت النقاشات قضايا الوسائل والطرق، خطوط الإمداد، مخازن المؤن والأدوية، ربط المدن بالأرياف، وطريقة تطبيق المقاومة على الأرض، والأهم من ذلك، طرق توحيد الجبهة الداخلية، ولهذا، خلال كل سنوات الثورة، كان بن بلة يصف كل معركة أو خطة جرَّت هزيمة بأنها هزيمة أخطأ منفذوها التَّقدير، لم يكن الحديث عن ضرورة العمليات، بقدر ما كان الحديث عن تطوير سبل لنجاح العمليَّات. فضرورة العمل ثابتة، الحديث كان عن الكيفية.

عندما يجعل الدويري كل "الكيفيات" وكل "السبل" التي تبلورت خلال ٧ أكتوبر، كضرورة جبرية، هو يذهب إلى النقد المتجه لعدم نجاعة التقدير والكيفية والأسلوب والتحرك العيني، ويجعله نقدًا على "مجرد المطالبة بالاستقلال واستمرار جنس المقاومة". ثم يسأل محاوره "ما البديل".

وكأنَّ استشهاد ما يقارب ٧٠ ألف جزائري في مظاهرات ٨ ماي، التي تعرضت لنقد من بعض القيادات على أنها وقعت في يوم وظرف وبإمكانيات وتنظيم غير مدروس كفايةً، تدل على انعدام بديل! بوضياف كما في كتابه لم يقل "ما البديل" بعد استشهاد هذا العدد الهائل! حسب ما عبَّر به عن منطق قيادات الثورة، كان التحدي لدى القيادي هو صنع البديل في الوسائل والطرق. لذا فمن عدم الاحترافية أن يتحدث لواء متقاعد يفترض أنه درس تاريخ الحروب والثورات التحررية ودرَّسها بلغة "ما البديل".

[١] التحضير لأول نوفمبر، محمد بوضياف، ص١١.
باسم بشينية
Photo
ثم هل لنا ألَّا نتوقع هذا؟ أو نتوقَّع غيره؟

خلال الحرب العالمية الثانية، وعدت فرنسا الجزائر بالاستقلال في حال ما لو انتصرت مع حلفها على المحور، خرج الجزائريون في مظاهرات يوم ٥ ماي ١٩٤٥ مطالبين بإنفاذ الوعود، فماذا حصل؟ قتلت فرنسا الشعب، واستشهد ما بين ٤٥ ألف إلى ٧٠ ألف جزائري، وبعدها بسنتين طبقت خطة مارشال الأمريكية، والتي موَّلت الاقتصاد الحربي الفرنسي بشكل هائل ضد حركات التحرر، وخصوصا الجزائر، بقيمة ما يعادل اليوم ٣٠ مليار دولار! ثم يقال على خلفية تاريخ قريب كهذا، لم نتوقع هذا الدعم الغربي لإسرائيل! حفظ عن ابن تيمية شيء في النقاشات العقدية، مسألة ثبوت الشيء في الخارج، كان يرى أنه يكون بإحد ثلاث، ومن بينها ثبوت مثيله، كالبعث، يتصف بإمكان خارجي، لأن نظيره، وهو خلق إنسان عن عدم ثابت، في السياسة يقال نفس الأمر، كل ما ثبت نظيره سلفًا فهو في دائرة الممكن، توقَّعه، ولا تعامله كممتنع!
باسم بشينية
Photo
عندما شكَّل باب الحارة، هوية سياسيَّة لجيل بأكلمه.

لا نكاد نجد شخصًا من جيل التسعينات إلا وتعلَّق في صغره بمشاهدة مسلسل باب الحارة عند كل رمضان، خصوصا الأجزاء الأولى منه، منذ سنة 2006 إلى 2009، ومع كون المسلسل قدم جوانب اجتماعية وأسرية عدة، إلا أن أغلب ما عمل على ترسيخه، تلك اللغة السياسيَّة التي طفحت في الأجزاء الأولى في سياق العمل السياسي المقاوم للمحتل، وأخذ رصيدًا لا بأس به في اللا وعي الجمعي لهذا الجيل، لغة سياسية مشتركة، ومنطق مشترك في قراءة الأحداث، وحتى تصوُّر موحَّد لأدوات العمل.

إن تشكَّل الوعي السياسي، وبالأخص مسألة "العمل" وتقييمه، بالنسبة لمواليد التسعينات لم يكن مصقولًا بالتجارب أو المطالعات، تثبت الانطباعات والتَّحليلات فضلا عن البنية الذهنية التي تتناول القضايا السياسية أن جيلًا بأكمله تشكلت أولى لبنات وعيه السياسي من خلال باب الحارة وبالأخص الشخصية النرجسية "معتز" والتي مثلَّ لها وائل شرف.

كانت التفاصيل التي تأتي لاحقا، والتي وضع هذا الجيل في واجهتها، تثبت أن لغته السياسية وفهمه لطبيعة العمل السياسي قد تم تقييده ضمن إطار شعارات جوفاء، وممارسات فردية تفتقر للقدرة على استيعاب كل تعقيد في المشهد السياسي.

كثيرة هي المشاهد التي رسَّخت في ذهن المتابع العربي، أن حارةً صغيرة، قليلة السكَّان تغلبت على قوات فرنسية مدججة بالسلاح، في مشاهد تفتقر إلى الواقعية وتُبالغ في التبسيط، ركَّزت الحبكة الدرامية على تمجيد الحصار والتجويع كرمز للصمود، دون تصوير التَّداعيات الحقيقية مثل المجاعة، الأوبئة، أو ندرة المياه، أغفلت الإشارة إلى الخطورة الاستراتيجية لمجازفة احتجاز ضباط فرنسيين في حيٍّ مدني، والتي قد تؤدي إلى تجويع الحارة وقصفها على رؤوس ساكنيها، وعوض تقديم وعي سياسي، تلقَّى المشاهد العربي جرعات عالية من الفخر بسلوك الهويات النرجسية.

وكانت لشخصية "معتز" وهي الشخصية المحبَّبة لجلِّ متابعي التِّسعينات، الشخصيِّة البطوليِّة التي تقدِم على قرارات جريئة ومتسرِّعة ولا تلقي اعتبارًا للنِّهايات قط؛ الحظ الوافر من العبث بمكوِّنات الهوية السياسية الحقة، شخصيَّة معتز التي كانت مفرطة في التفكير الفرداني، والتي تحوَّلت فيما بعد إلى أيقونة تحاكي بنية الهويات النرجسيَّة، المستخفَّة والمتجاهلة بكل تعقيد سياسي، شخصيَّة وليدة اللحظة، تعتمد في تحركاتها على مشاعر وليدة اللحظة، تتمظهر فيها كل مفاهيم الشَّجاعة والبطولة الكاريزميَّة والنِّكاية، على حساب مفاهيم السياسة والموازنة والتخطيط ونحو ذلك.

كان ذلك التشكل السَّردي والإعلامي في باب الحارة، من أبلغ ما ساهم في إعادة إنتاج خطاب سياسي يتَّسم بالتَّبسيطيَّة والانفصال عن ثقل وتعقيدات الواقع، ولم تكن شخصيَّات مثل "أبو شهاب" وابن أخته "معتز" سوى شخصيَّات تكرِّس على اختلاف مساهماتها السياسيَّة في المعارك البسيطة جل معاني الاختزاليَّة للعمل السِّياسي في أطر رمزيَّة فجَّة.

كانت شخصيَّات قائمة على مجرد الاستعراض البطولي والفردي في مواجهة القوى المتفوِّقة عسكريًا، وانعكس هذا التكرار الموازي لتدفق مشاعر جيَّاشة في المشاهِد، على وعي جيل بأكمله، وبات تناول طبيعة العمل السياسي من منطق يعاني تجزئة مفاهيمية، وبما أن الوسائل البدائية كانت لصالح "حارة الضبع" في مختلف المعارك، لم يحظ الحديث عن الوسيلة والظرف والامكانية بكبير اهتمام في ذهنية الجيل نفسه، بقدر ما تشكلت مفاهيمه السياسية في سياق الصراع مع العدو على مجرد الذوبان في المعارك الاستفزازية، والقيام بعمليات لحظية، منفصلة كل الانفصال عن التنسيق، والتخطيط لما بعد.

كانت شخصية "معتز" تعاني من تضخم مفرط في الأنا، البطل الذي لا يُهزم، الذي يحل كل نزاع، ولو كان من قبيل خلع باب الحارة، بالقوة اللحظية، طلقة على عسكري، ثم الانسحاب الفردي إلى البساتين، الشخصية التي عشقت العمل البطولي الفردي، على حساب بناء شبكة تحالفات، خطوط إمداد، مخزون مؤن، أدوية، أطباء، وتوازن قوى، وغير ذلك.

وهكذا نتج جيل بأكلمه، مهزوز من حيث هويَّته السياسية والعسكرية، هويَّة فردانية، ترى حلولها في مجرد العمل المجتزأ والمشاعر الوطنية الفورية التي تتبنَّى مظاهر إبراز القوة لحظيًا لإثبات الشَّجاعة، دون التفكير في الأثر طويل الأمد، تشكَّلت هويَّات سياسيَّة لجيل كامل، عمادها تغليب مشاعر البطولة غير محسوبة التَّكاليف، وكان نتيجة هذا في حارة الضبع، معاناة حادة من العزلة وتعرض المدنيين لعقاب جماعي، بل وإرغامهم على بيع بويتهم، وفي نهاية المطاف صار محور النصر في باب الحارة، أن يعود أهاليها إلى حالة ما قبل الحصار بيوم، وأضحت التضحية البطولية مجرد سلوك عابر وغير مثمر بالمرة.
٦٠ سنة، عالم جديد في قالب قديم.

جمال عبد الناصر يوم ٦ يونيو "إنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، لقد قررت أن أتنحى تمامًا، ونهائيا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير"

أنور السادات بعد إعلان التنحي "سيدي الرئيس، لقد خرجت الملايين من جماهير شعبنا العربي يومي ٩ و١٠ يونيو نحتت من آلام النَّكسة شعارها الواحد: لا نريد غير عبد الناصر".
المسائل السياسية مثل المسائل العلمية، سواء في الرأي أو في الممارسة هي تخضع للتَّقييم المستمر، كثيرون هم الصَّحابة ومن كان من أبناء جيلهم، من قيادات، وضبَّاط جيوش، تحوَّلوا من معسكر إلى معسكر خلال الحرب الداخليَّة، نتيجة التَّقييم والنقد والمرونة، وكم حفظ عن مثل ابن تيمية تراجعه عن عقائد وسمها بعقائد الآباء، وكم تغيرت مواقف سياسيَّة متسرِّعة كالتي كانت عليها شخصيَّات غيَّرت معالم التاريخ الحديث قبل ثوراث ١٨٤٨، بشكل كامل بعد الثورات. نحن بالكاد نبني مواقف سياسيَّة كشعوب عربية، نحن نبني عقائد صنميَّة عند حديثنا عن الرأي السياسي، نحن نعتبره من قبيل الشرك الأكبر ذلك الرأي الذي يقول بإعادة تقييم مواقفنا تجاه تجاربنا السياسية!
باسم بشينية
Photo
"يجب أن يلاحظ المرء [...] السهولة التي يمكن بها إفساد الناس وتحويل طبيعتهم وتبديلها، مهما كانوا على درجة كبيرة من الصلاح"

(مطارحات مكيافيلي، نيقولا مكيافيلي، تعريب خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، شباط (فبراير) 1982م، ص363)
التمدُّن الغربي = رفاعة الطهطاوي.
المدنيَّة الأوربية = جمال الأفغاني.
الحضارة الغربية = مصطفى محمود.
الغرب المادي = محمد قطب.
الاستلاب الثقافي = علي شريعتي.
العلمانية الشاملة والجزئية = عبد الوهاب المسيري.
وأخيرًا الجاهلية الحديثة = سيد قطب.

هذه المصطلحات على تنوعها، مع أن لها نفس الدلالة. وعلى البريق الذي حملته عند صدورها، لم تكن تعنى بالتجديد في الطرح، بقدر ما اهتمَّ أصحابها بالتجديد في المصطلح، وقد صار من قبيل (الكرنج) أن يتحدث (المفكر الإسلامي) المعاصر عن نفس المواضيع المستهلكة تلك، بمصطلحات من قبيل "الغرب المادي" و"الحضارة الغربية".

يتتابع نقد "الغرب" من جيل إلى جيل، بنفس الذهنية، ومن دون اهتمام بترتيب أولويَّات، كالمسائل المتعلقة بتاريخنا نحن، فتلك مهمة تحرك حممًا، ومن يطيقها؟ وعندما فقدت تلك المصطلحات بريقها، تجدَّد الفكر الاسلامي، لا في جوهره، ولا في جذوره، ولا في اهتماماته حتى! بل في "المصطلح" فحسب، فبقي على نفس الاهتمام، وبنفس المحتوى، وصار اختصار المصطلحات السابقة، في مصطلح جديد، لم يكن على عهد الرعيل الأول من المفكِّرين الإسلاميِّين، أو الإخوان المسلمين، وعوض وصفها جاهلية، أو مادية غربية، أو حتى علمانية شاملة، أو حضارة غربية، يبقى في محاولات كثيرة نفس المحتوى ممتدًا بمصطلح جديد، إنه: الحداثة.
كان محمد عبده يقول "أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس" وقد سبقه الغزالي قديما إذ قال "ألَّا تخالط الأمراء والسلاطين، لأن رؤيتهم ومجالستهم آفة عظيمة"، وتكرر على لسان الألباني قول "من السياسة ترك السياسة".

هكذا كان يجري التعامل مع متعلَّقات المجال السياسي برمَّته لدى فقهاء ذوي شعبية واسعة، وتضخَّم أثر ذلك بشكل حاد على الوعي الشعبي العربي، فضلا عن حركات إسلامية عدة، وتقلَّص مفهوم الرأي السياسي والبحث فيه وتطويره ونقده، لصالح الحركة الشجاعة.

وقد كان يروى عن عبد الملك بن مروان "أجد في نفسي أني بصير بالحرب" وعندما ذكروا له مصعبًا قال "هو شجاع، ولا علم له بالحرب وعنده من يخالفه" وكانوا يقولون "إن معاوية كان ذا رأي" وعند وصفهم لمروان، قالوا "ذو رأي وحيلة وتجربة".