بعض الشباب، لحقته في الأيام القليلة الماضية أشهر حسرة في الوسط السلفي؛ كأن تذهب حياتك أدراج الرياح، لمحض أنشودة، أو مقالة مغلفة ببعض عبارات دينية فحواها نوع من التصوف الهزيل، كان العفاسي جديرًا بتوضيح الأمر بصورة عملية، فعلا، كثيرون قد رسموا وهم في أول الأمر نهجًا حياتيًا كان قائما على ذم الدنيا وزينتها بطريقة اختزالية، حيث كان الإنشاد، يمثل ركيزة أساسيّة لدى كثيرين، خصوصًا تلك المرحلة التي يقع فيها استبدال سروال الجينز بقميص، واستبدال العطر الفرنسي بعطر فرنسي آخر لكن موسوم بالعربية، والأغاني التي درج عليها الشاب، بأناشيد العفاسي.
الأمر كان يمثل نوع هامشية، تغنّي، أو هو بالأحرى إنشاد، غرضه في الختام أن يحقق أرباحًا في عروض دولية حيث يأتي الناس لسماع شخصية مشهورة بعد دفع قيمة التذاكر وهي تقدم نوعا من الإسهام في خدمة الفن، تحت دعاية تغطية الفراغ الإسلامي في هذا المجال، الأمر ربما كان قد بدأ تحت سؤال: إن ترك الشاب إبان الصحوة سماع الأغاني والغزل؟ فماذا يسمع؟ هنا كانت الحاجة ملحة في الوسط الإسلامي لتكوين فرع غنائي بديل، يعوض الموسيقى، والطبل، والدف، الموجود في الفن غير الإسلامي، لكن هل خرج النسق الإنشادي عن المنظومة ككل؟ أبدًا، المنشد يحقق أرباحًا مالية ضخمة جراء ترويج أناشيد الزهد وذم الدنيا، يركب سيارات فخمة، ويتجول في أرقى المطاعم، ويتابع جمهوره يومياته على إنستغرام وسناب وتويتر، كأي شخصية مؤثرة أخرى، والمادة هي ما يختلف فقط، حياته، بارك الله له فيها وزاده. لكن رجاءًا!
جراء تغفيلك، واتجاه حياتك بمنحى بائس خلال سنوات، خلّ شعور الحسرة حبيس صدرك، العفاسي لم يقل يوما أن حنجرته مجانيّة، ولم يشارط على التزام تلك المشاعر التي تعلقت بها سريعًا، الأمر كان يمثل تجارة فقط، ولا يزال.
الأمر كان يمثل نوع هامشية، تغنّي، أو هو بالأحرى إنشاد، غرضه في الختام أن يحقق أرباحًا في عروض دولية حيث يأتي الناس لسماع شخصية مشهورة بعد دفع قيمة التذاكر وهي تقدم نوعا من الإسهام في خدمة الفن، تحت دعاية تغطية الفراغ الإسلامي في هذا المجال، الأمر ربما كان قد بدأ تحت سؤال: إن ترك الشاب إبان الصحوة سماع الأغاني والغزل؟ فماذا يسمع؟ هنا كانت الحاجة ملحة في الوسط الإسلامي لتكوين فرع غنائي بديل، يعوض الموسيقى، والطبل، والدف، الموجود في الفن غير الإسلامي، لكن هل خرج النسق الإنشادي عن المنظومة ككل؟ أبدًا، المنشد يحقق أرباحًا مالية ضخمة جراء ترويج أناشيد الزهد وذم الدنيا، يركب سيارات فخمة، ويتجول في أرقى المطاعم، ويتابع جمهوره يومياته على إنستغرام وسناب وتويتر، كأي شخصية مؤثرة أخرى، والمادة هي ما يختلف فقط، حياته، بارك الله له فيها وزاده. لكن رجاءًا!
جراء تغفيلك، واتجاه حياتك بمنحى بائس خلال سنوات، خلّ شعور الحسرة حبيس صدرك، العفاسي لم يقل يوما أن حنجرته مجانيّة، ولم يشارط على التزام تلك المشاعر التي تعلقت بها سريعًا، الأمر كان يمثل تجارة فقط، ولا يزال.
سنة ٧٠ه، خلع عمرو بن سعيد بن العاص عبدَ الملك بن مروان، وأخرج عبد الرحمن بن أم الحكم من دمشق فسار إليه عبد الملك، فاتفقوا على أن يكون عمرو بن سعيد الخليفة بعد عبد الملك. [١]
بعد ذلك، تمكن منه عبد الملك فغدر به، وقال "لو أعلم أن تبقى تصلح قرابتي لفديتك بدم النواظر، ولكنه قلما اجتمع فحلان في إبل إلا أخرج أحدهما صاحبه ثم قتـ-له، ثم قال: أدنيته مني لآمن مكره، فأصول صولة حازمٍ متمكن" [٢]
سنة ٧٥ه، وبعد استتباب النظام لعبد الملك، حج إلى مكة، وخطب في الناس قائلًا:
"أما بعد، فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من هذا المال ويؤكلون وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف يعني عثمان، ولا الخليفة المداهن يعني معاوية.
أيها الناس إنا نحتمل لكم كل اللغوية ما لم يك عقد راية أو وثوب على منبر، هذا عمرو بن سعيد وحقة حقه وقرابته قرابته، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا". [٣]
[١] تاريخ خليفة بن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط (٢٤٠ه)، تحقيق مصطفى نجيب فواز، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٥ه- ١٩٩٥م، ص١٦٠.
[٢] المرجه السابق نفسه، ص١٦٠.
[٣] المرجع السابق نفسه، ص١٧١.
بعد ذلك، تمكن منه عبد الملك فغدر به، وقال "لو أعلم أن تبقى تصلح قرابتي لفديتك بدم النواظر، ولكنه قلما اجتمع فحلان في إبل إلا أخرج أحدهما صاحبه ثم قتـ-له، ثم قال: أدنيته مني لآمن مكره، فأصول صولة حازمٍ متمكن" [٢]
سنة ٧٥ه، وبعد استتباب النظام لعبد الملك، حج إلى مكة، وخطب في الناس قائلًا:
"أما بعد، فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من هذا المال ويؤكلون وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف يعني عثمان، ولا الخليفة المداهن يعني معاوية.
أيها الناس إنا نحتمل لكم كل اللغوية ما لم يك عقد راية أو وثوب على منبر، هذا عمرو بن سعيد وحقة حقه وقرابته قرابته، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا". [٣]
[١] تاريخ خليفة بن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط (٢٤٠ه)، تحقيق مصطفى نجيب فواز، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٥ه- ١٩٩٥م، ص١٦٠.
[٢] المرجه السابق نفسه، ص١٦٠.
[٣] المرجع السابق نفسه، ص١٧١.
تطبيق لدلالة النكرة في سياق النفي 😂
"قدم مسلمة بن عبد الملك فسأل أهل حيزان (مدينة أرمينية) الصلح، فأبوا، فقاتلهم فسألوه الأمان، فحلف ألا يقتل منهم رجلا ولا كلبًا، فانحدروا، فقتلهم أجمعين، إلا رجلا واحدا وكلبا واحدًا، وأخذ الحصن وصار إلى أرض سوران".
(تاريخ خليفة بن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط (٢٤٠ه)، تحقيق مصطفى نجيب فواز، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٥ه- ١٩٩٥م، ص٢٢٢)
"قدم مسلمة بن عبد الملك فسأل أهل حيزان (مدينة أرمينية) الصلح، فأبوا، فقاتلهم فسألوه الأمان، فحلف ألا يقتل منهم رجلا ولا كلبًا، فانحدروا، فقتلهم أجمعين، إلا رجلا واحدا وكلبا واحدًا، وأخذ الحصن وصار إلى أرض سوران".
(تاريخ خليفة بن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط (٢٤٠ه)، تحقيق مصطفى نجيب فواز، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٥ه- ١٩٩٥م، ص٢٢٢)
كلما أقرأ كتابا، أجدني أستشعر بصورة أعمق مفهوم "الجهل البشري"، الذي لطالما لعبت الكتب دورًا ركيزًا على مر التاريخ في رفعه، وهنا تكمن فضيلة الكتب. الكتاب الذي تطالعه؛ صحيح أنه يساهم في زيادة معلوماتك، لكن هو بالقدر نفسه؛ يجب أن يساهم في تعريفك بمدى الجهل الذي يعتريك. فأنت تذعن له بجهلك قبل قراءته، وتؤكد له بتفضّله عليك في رفعه بعد قراءته.
باسم بشينية
أكثر ما يدعو للغثيان أن يراجع شخص كتابا فيقول "كتاب ماتع"😏
بالنسبة لمن يسأل عمن قصدت بهذا المنشور؛ الأمر كان مزحة مع صديق لا أكثر :)
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
”أما من لا يتلوَّن بكل ألوان الضيق، عند مخالطة البشر، بين حين وآخر، ومن لا يصفرُّ ويخضرُّ قرفًا وسأمًا، شفقة وتجهُّما ووحشَة، فذاك ليسَ بالتأكيد إنسانًا رفيع الذوق“.
(ما وراء الخير والشر، تباشير فلسفة للمستقبل، فريدريك نيتشه، ترجمة جيزيلا فالور حجار، مراجعة موسى وهبه، دار الفرابي، الطبعة الأولى 2003، ص54)
(ما وراء الخير والشر، تباشير فلسفة للمستقبل، فريدريك نيتشه، ترجمة جيزيلا فالور حجار، مراجعة موسى وهبه، دار الفرابي، الطبعة الأولى 2003، ص54)
رفيع الذوق، ثم ماذا؟ الذي يشعر بقرف الوضع، يريد أن يتسلى بأن ذوقه رفيع، إنها العودة إلى الذاتية، كالذي يقع صفعه، فيحسن التألم ثم يتفاخر بقوة مستقبلاته الحسيّة.
المؤكد أن كل شيء من حولنا يتعاظم انحطاطه، فقط، هذا هو الواقع الملاحظ، فلتذهب رفعة الذوق إلى الجحيم.
المؤكد أن كل شيء من حولنا يتعاظم انحطاطه، فقط، هذا هو الواقع الملاحظ، فلتذهب رفعة الذوق إلى الجحيم.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
الثوب المسروق يبيعه السارق ولا يرتديه، إنه يتخلص منه، لأن عاره ظاهر، كما قيل، أما الفكرة المسروقة، فإنه يلبسها ولا يبيعها. الفكرة المسروقة عذاب نفسيّ للسارق، إنها عاره الباطن.
قيل في المثل: "الذي يكتسي بلباس الناس عريان".
قيل في المثل: "الذي يكتسي بلباس الناس عريان".
"فإن أكُ في عدادكم قليلًا فاني في عدوكم كثيرُ
بغاث الطير أكثرها فراخا وأم الصقر مقلات نزور".
– الملك معاوية ابن أبي سفيان.
بغاث الطير أكثرها فراخا وأم الصقر مقلات نزور".
– الملك معاوية ابن أبي سفيان.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
"إنما كان للشخص أذنان ولسان واحد ليكون ما يسمع أكثر مما يقول"
(حاشية العلامة الصفتي المالكي على الجواهر الزكية في حل ألفاظ العشماوية في الفقه المالكي، تحقيق: الطهطاوي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى: ٢٠١١، ج١، ص٢٢٦)
(حاشية العلامة الصفتي المالكي على الجواهر الزكية في حل ألفاظ العشماوية في الفقه المالكي، تحقيق: الطهطاوي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى: ٢٠١١، ج١، ص٢٢٦)
Forwarded from يوسف سمرين
حول المناظرة (1)
شاهدتُ [المناظرة] بين الحسيني وابن شمس، التي دارت حول عقيدة النووي، وكان من أوائل ما لفتني التشتت في موضوع المناظرة، هل هو حول عقيدة النووي، أو حول كتاب ابن شمس عن النووي، أو الحكم عليه! وكان ينبغي أن يقع الاتفاق بداية حول تصوير عقيدة النووي، قبل أن يتم التباحث في الحكم عليه، لكنَّ الأمر كان متداخلًا لأبعد حد، كذلك بخصوص تنظيم هذه المناظرة ففيه أيضًا إشكال إذ سمح للحسيني بأن يعرض مقطعًا مجهزًا للدعاية لما يطرحه، وهو أمر لم يقم به الطرف الثاني، ففي المناظرات ينبغي أن تكون الأسلحة الدعائية للطرفين متساوية، فضلًا عن عدم احترام توقيت محدد، لأن الكلام استمر طويلًا حتى أنهكا أنفسهما والمتابعين، وهذا بعيد عن طريقة إعداد المناظرات، وهذا الكلام لكل من وافق عليه من المتناظرين أو الجهة المنظمة.
وأبدأ بالتعليق على ما ذكره الحسيني، فقد اعتمد في دفاعه على خطة ليست في منتهى الذكاء، وهي محاولة نفي أشعرية النووي! وهي أوضح من أن يكابر فيها، وفي سبيل هذا قال:
(إن وصف النووي بأنه أشعري يبدع من خالفه من كلام السبكي لا الذهبي).
وهذا لا يغيّر شيئًا من النتيجة، فلو سلّم به جدلًا فإنَّ الذهبي لا ينفي أشعرية النووي، والسبكي تلميذ الذهبي وهو مؤرخ للشافعية فكلامه له وزنه التاريخي، وقد رأيته كل حين يحتج بادعاء إطباق العلماء، فمن من العلماء من لدن النووي حتى الصراع المحدث في هذا (السلفي/السلفي) نفى أشعرية النووي أصلًا؟
(قال الحسيني: إن النووي كان يكره علم الكلام، ولذا أحال أحد سائليه إلى تجاوز المقدمة المنطقية لابن الحاجب)
وما استنبطه غير صحيح فليس هذا الموقف في الكلام، بل هو لتحريمه الفلسفة، إذ إنَّ النووي (676هـ) له موقف من المنطق، متابعة لابن الصلاح، لأنه يدفع إلى (الفلسفة) لا الكلام، لذا أنكر على الغزالي مقدمته المنطقية في المستصفى، فقال: "كيف غفل الغزالي عن حال شيخه إمام الحرمين فمن قبله من كل إمام هو له مقدّم، ولمحه في تحقيق الحقائق رافع له ومعظم ثم لم يرفع أحد منهم بالمنطق رأسًا ولا بنى عليه شيء من تصرفاته أسًا" [1]، والجويني من كبار المتكلمين الأشعرية، والنووي معظم له جدًا حتى إنه يسميه "فحل المذهب"[2].
أما المنطق فإنه يعتبره مدخلًا إلى التفلسف، كما قال ابن الصلاح (643هـ): "ما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر"[3]، وفي معرض رده على الغزالي استشهد بالمازري فقال في وصفه: "كأن إمامًا بارعًا محققًا في مذهبي مالك والأشعري" [4] وأثر هذا فيمن بعده لذا قال السيوطي: "أما المنطق وعلوم الفلسفة فلم أشتغل بها، لأنها حرام كما ذكر النووي" [5].
أما الكلام فالنووي يتابع الغزالي على أنه فرض كفاية في زمنه لانتشار البدع [من منظور أشعري] وفرض عين لمن شك في معتقده [6]، والفلسفة في ذلك الزمن كانت تطلق على مجموعة من المقالات السينوية في المقام الأول، كقدم العالم، وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، ونحو هذا، لذا نص النووي على أنَّ تعلم الفلسفة حرام [7]، أما الكلام فالمقصود به الطريقة الأشعرية.
(قال الحسيني: إنَّ النووي كره كتاب المنتخب للرازي لما فيه من الكلام)
وهذا ادعاء عجيب جدًا، إذ إنه في نفس الموضع الذي ينقل منه أنَّ النووي طلب من تلميذه أن يقرأ في "الأصول" واقترح عليه كتاب "مختصر ابن الحاجب" فإنه "كان رجلًا صالحًا" فذهب الطالب إلى شيخ آخر واقترح عليه كتاب المنتخب للرازي فضاق النووي لهذا وقال: "تعمل برأيي أو برأيك"؟! حتى قال إنه أخرج المنتخب.
فمن أين له أنّه أخرجه لما فيه من علم الكلام، وابن الحاجب (646هـ) أشعري المعتقد والنووي يثني عليه، وفي مختصره في الأصول علم كلام، بل فيه مسألة بنيت على خلق القرآن [اللفظي]، وإثبات الكلام النفسي وهي: "حد الأمر: اقتضاء فعل غير كفٍّ على جهة الاستعلاء...المعتزلة لما أنكروا كلام النفس قالوا: قول القائل لمن دونه افعل ونحوه"[8].
فالمعتزلة عندهم الأمر: افعل، وينكرون الكلام القديم، فيمنعون أن يخاطب الآمر معدومًا غير موجود، فالكلام عندهم محدث، وله صيغة، أما الأشعرية فهذا التعريف على أصولهم بأنَّ الكلام نفسي ليس حرفًا ولا صوتًا وأنه قديم، وسبق للجويني إلى بيان الثغرات في هذا بأنَّ هذا يلزم منه أنه يأمر معدومًا حال عدمه [9]، وأزرى في بحثه على الأشعري ومن وافقه! وليس هذا المهم الآن، بقدر بيان أنَّ كتاب ابن الحاجب حوى مسائل كلامية وأي مراجع للكتاب يقدر على قراءتها، ومباحث بنيت على مسائل كلامية منها الموقف من مسألة (خلق القرآن).
يتبع...
____________
[1] طبقات الشافعية، النووي، ص101.
[2]رؤوس المسائل وتحفة طلّاب الفضائل، النووي، ص157.
[3] فتاوى ومسائل ابن الصلاح، ومعه أدب المفتي والمستفتي، ج1، ص208، 209.
[4] طبقات الشافعية، النووي، ص101.
[5] التحدث بنعمة الله، عبد الرحمن السيوطي، ص138.
[6] انظر: روضة الطالبين، النووي، ج10، ص223، 224.
[7] انظر: روضة الطالبين، النووي، ج10، ص225.
شاهدتُ [المناظرة] بين الحسيني وابن شمس، التي دارت حول عقيدة النووي، وكان من أوائل ما لفتني التشتت في موضوع المناظرة، هل هو حول عقيدة النووي، أو حول كتاب ابن شمس عن النووي، أو الحكم عليه! وكان ينبغي أن يقع الاتفاق بداية حول تصوير عقيدة النووي، قبل أن يتم التباحث في الحكم عليه، لكنَّ الأمر كان متداخلًا لأبعد حد، كذلك بخصوص تنظيم هذه المناظرة ففيه أيضًا إشكال إذ سمح للحسيني بأن يعرض مقطعًا مجهزًا للدعاية لما يطرحه، وهو أمر لم يقم به الطرف الثاني، ففي المناظرات ينبغي أن تكون الأسلحة الدعائية للطرفين متساوية، فضلًا عن عدم احترام توقيت محدد، لأن الكلام استمر طويلًا حتى أنهكا أنفسهما والمتابعين، وهذا بعيد عن طريقة إعداد المناظرات، وهذا الكلام لكل من وافق عليه من المتناظرين أو الجهة المنظمة.
وأبدأ بالتعليق على ما ذكره الحسيني، فقد اعتمد في دفاعه على خطة ليست في منتهى الذكاء، وهي محاولة نفي أشعرية النووي! وهي أوضح من أن يكابر فيها، وفي سبيل هذا قال:
(إن وصف النووي بأنه أشعري يبدع من خالفه من كلام السبكي لا الذهبي).
وهذا لا يغيّر شيئًا من النتيجة، فلو سلّم به جدلًا فإنَّ الذهبي لا ينفي أشعرية النووي، والسبكي تلميذ الذهبي وهو مؤرخ للشافعية فكلامه له وزنه التاريخي، وقد رأيته كل حين يحتج بادعاء إطباق العلماء، فمن من العلماء من لدن النووي حتى الصراع المحدث في هذا (السلفي/السلفي) نفى أشعرية النووي أصلًا؟
(قال الحسيني: إن النووي كان يكره علم الكلام، ولذا أحال أحد سائليه إلى تجاوز المقدمة المنطقية لابن الحاجب)
وما استنبطه غير صحيح فليس هذا الموقف في الكلام، بل هو لتحريمه الفلسفة، إذ إنَّ النووي (676هـ) له موقف من المنطق، متابعة لابن الصلاح، لأنه يدفع إلى (الفلسفة) لا الكلام، لذا أنكر على الغزالي مقدمته المنطقية في المستصفى، فقال: "كيف غفل الغزالي عن حال شيخه إمام الحرمين فمن قبله من كل إمام هو له مقدّم، ولمحه في تحقيق الحقائق رافع له ومعظم ثم لم يرفع أحد منهم بالمنطق رأسًا ولا بنى عليه شيء من تصرفاته أسًا" [1]، والجويني من كبار المتكلمين الأشعرية، والنووي معظم له جدًا حتى إنه يسميه "فحل المذهب"[2].
أما المنطق فإنه يعتبره مدخلًا إلى التفلسف، كما قال ابن الصلاح (643هـ): "ما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر"[3]، وفي معرض رده على الغزالي استشهد بالمازري فقال في وصفه: "كأن إمامًا بارعًا محققًا في مذهبي مالك والأشعري" [4] وأثر هذا فيمن بعده لذا قال السيوطي: "أما المنطق وعلوم الفلسفة فلم أشتغل بها، لأنها حرام كما ذكر النووي" [5].
أما الكلام فالنووي يتابع الغزالي على أنه فرض كفاية في زمنه لانتشار البدع [من منظور أشعري] وفرض عين لمن شك في معتقده [6]، والفلسفة في ذلك الزمن كانت تطلق على مجموعة من المقالات السينوية في المقام الأول، كقدم العالم، وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، ونحو هذا، لذا نص النووي على أنَّ تعلم الفلسفة حرام [7]، أما الكلام فالمقصود به الطريقة الأشعرية.
(قال الحسيني: إنَّ النووي كره كتاب المنتخب للرازي لما فيه من الكلام)
وهذا ادعاء عجيب جدًا، إذ إنه في نفس الموضع الذي ينقل منه أنَّ النووي طلب من تلميذه أن يقرأ في "الأصول" واقترح عليه كتاب "مختصر ابن الحاجب" فإنه "كان رجلًا صالحًا" فذهب الطالب إلى شيخ آخر واقترح عليه كتاب المنتخب للرازي فضاق النووي لهذا وقال: "تعمل برأيي أو برأيك"؟! حتى قال إنه أخرج المنتخب.
فمن أين له أنّه أخرجه لما فيه من علم الكلام، وابن الحاجب (646هـ) أشعري المعتقد والنووي يثني عليه، وفي مختصره في الأصول علم كلام، بل فيه مسألة بنيت على خلق القرآن [اللفظي]، وإثبات الكلام النفسي وهي: "حد الأمر: اقتضاء فعل غير كفٍّ على جهة الاستعلاء...المعتزلة لما أنكروا كلام النفس قالوا: قول القائل لمن دونه افعل ونحوه"[8].
فالمعتزلة عندهم الأمر: افعل، وينكرون الكلام القديم، فيمنعون أن يخاطب الآمر معدومًا غير موجود، فالكلام عندهم محدث، وله صيغة، أما الأشعرية فهذا التعريف على أصولهم بأنَّ الكلام نفسي ليس حرفًا ولا صوتًا وأنه قديم، وسبق للجويني إلى بيان الثغرات في هذا بأنَّ هذا يلزم منه أنه يأمر معدومًا حال عدمه [9]، وأزرى في بحثه على الأشعري ومن وافقه! وليس هذا المهم الآن، بقدر بيان أنَّ كتاب ابن الحاجب حوى مسائل كلامية وأي مراجع للكتاب يقدر على قراءتها، ومباحث بنيت على مسائل كلامية منها الموقف من مسألة (خلق القرآن).
يتبع...
____________
[1] طبقات الشافعية، النووي، ص101.
[2]رؤوس المسائل وتحفة طلّاب الفضائل، النووي، ص157.
[3] فتاوى ومسائل ابن الصلاح، ومعه أدب المفتي والمستفتي، ج1، ص208، 209.
[4] طبقات الشافعية، النووي، ص101.
[5] التحدث بنعمة الله، عبد الرحمن السيوطي، ص138.
[6] انظر: روضة الطالبين، النووي، ج10، ص223، 224.
[7] انظر: روضة الطالبين، النووي، ج10، ص225.
Forwarded from يوسف سمرين
حول المناظرة (2)
في غمرة التحمّس لخطة الدفاع (الغريبة) التي اعتمدها الحسيني، وحرصه على بيان أنَّ النووي خالف الأشعرية، اندفع في بيان الفرق بينهما، فقال:
(بأنّ النووي قال في الأذكار: أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى تقديم مشيئة الله على مشيئة من سواه فقال: هذا قول أهل السنة: خالف فيها الأشاعرة لأنهم مجبرة).
وهذا القول ليس مخالفة لقول الأشعرية، ففي القرآن (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فهل الأشعرية حكّت هذه الآية ولا تثبت لفظها؟ حتى يجعل من نسبة المشيئة إلى العبّاد قولًا صريحًا في مخالفة النووي للأشعرية، فبالرجوع إلى ابن فورك (406هـ) يمكن معرفة قول الأشعري في الكسب:
"ما وقع بقدرة محدثة، وكان لا يعدل عن هذه العبارة في كتبه، ولا يختار غيرها من العبارات في ذلك، وكان يقول: إن عين الكسب وقع الحقيقة بقدرة محدثة، ووقع على الحديثة بقدرة قديمة، فيختلف الوقوع فيكون وقوعه من الله بقدرته القديمة، إحداثًا، ووقوعه من المحدِث بقدرته المحدثة اكتسابًا" [1].
فالأشعري يثبت للعبد قدرة محدثة، ويقول هي حقيقية، وهذا يقال في المشيئة، لذا قال الرازي (606هـ) -وهو موضع قال المعلمي: إنه من تأليفه في رسالته في بحث تفسير الرازي-في آية: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله):
"أي إلا أن يشاء الله تعالى أن يعطيه تلك المشيئة، لان فعل تلك المشيئة صفة محدثة فلا بد في حدوثها من مشيئة أخرى" [2] فالرازي يجعل المشيئة مثل القول في القدرة، بأنها محدثة، وأنّ مشيئة الله القديمة توجدها، وهو أشعري، فهل هذا كان يثبت خلافه مع الأشعري!
أما ما يقوله الحسيني بأنّهم يقولون بالجبر، فهذا في تقييم مدى نجاحهم في هذا التوفيق بين الإرادة المحدثة، والقديمة، بين المشيئة المحدثة والقديمة، فمخالفوهم يقولون بأنّ كسب الأشعري غير معقول، وأنَّ مؤداه الجبر، بل صرّح بعض الأشعرية بهذا كما نقله الحسيني عن البيجوري، ومن قبله وصفه بهذا الرازي، لكن هذا لا يعني أنهم يصرحون بأنه لا مشيئة في العبد، أو لا قدرة فيه، بل مرد ذلك إلى الحكم على ما قالوه بأن ما أثبتوه لا حقيقة له، وفرق بين تقييم قولهم، وبين ما صرّحوا به، فهم لا يصرحون بأنه لا مشيئة للعبد، ولا استطاعة، ولا قدرة، حتى يقول بأن من أثبتها فإنه يخالفهم.
كذلك الأمر في قوله في حجية خبر الواحد، إذ قال الحسيني:
(إن النووي قال خبر الواحد يفيد الظن ويفيد العمل، وهذا يرد على الأشاعرة إذ قالوا يفيد الظن ولا يجب العمل به!)
وهذا غير صحيح، فإنهم يقولون بأنَّ خبر الواحد لا يفيد العلم، وهو قول النووي، ولذا فإنه لا يحتج به في العلميات، في المسائل التي تحتاج إلى قاطع عقلي أو نقلي من مباحث العقيدة، وأما في الفقه وهو الأحكام العملية، فهو حجة، وقد عقد الرازي في المحصول بابًا بعنوان: (في إقامة الدليل على أنه حجة في الشرع) واحتج لوجوب العمل بخبر الواحد بـ"الإجماع، والسنة المتواترة، والقياس، والمعقول"[3]، وسبق أن ذكر كتاب (المنتخب) للرازي وفيه ينصر وجوب العمل بخبر الواحد لما فيه من ظن قال فيه:
"أجمعنا على أنّ خبر الواحد مقبول في الفتوى والشهادات فكذلك في الروايات بجامع تحصيل المصلحة المظنونة أو دفع المفسدة المظنونة"[4].
وجاء الحسيني إلى كلام النووي بأن الإيمان يزيد وينقص، وأنه قول وعمل واعتقاد، وقال (هنا يرد على الأشاعرة)
ولا أعلم هل يقصد الرد على المرجئة وخانه التعبير فقال (الأشاعرة) فإن كان قصد الثاني دون سبق لسان، فإنّ الأشعري له قولان في المسألة، قال في (مقالات الإسلاميين):
"في حكاية جملة قول أصحاب الحديث والسنة" فذكر "ويقرون أنّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" [5] إلى أن قال: "وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب" [6]، والقول الآخر بأن الإيمان هو "تصديق بالقلب، وهو اعتقاد المعتقد صدق من يؤمن به"[7].
وبكل قول قالت طائفة من الأشعرية، والأقرب لفقهاء الشافعية الأول لأنه موافق لقول الشافعي (204هـ) وهو يرد على الأحناف، ولذا تجد السبكي (756هـ) قال به ووصفه بمذهب السلف ورفض ما سواه [8]، فليس في هذا نفي لأشعريته.
يتبع...
____
[1] مقالات أبي الحسن الأشعري، ابن فورك، ص92.
[2] مفاتح الغيب، ج31، ص71.
[3] المحصول، الرازي، ج4، ص354.
[4] المنتخب من المحصول، الرازي، ق86، ب.
[5] مقالات الإسلاميين، أبو الحسن الأشعري، ص293.
[6] مقالات الإسلاميين، أبو الحسن الأشعري، ص297.
[7] مقالات أبي الحسن الأشعري، ابن فورك، ص153.
[8] انظر: السيف المسلول على من سب الرسول، تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، ص412.
في غمرة التحمّس لخطة الدفاع (الغريبة) التي اعتمدها الحسيني، وحرصه على بيان أنَّ النووي خالف الأشعرية، اندفع في بيان الفرق بينهما، فقال:
(بأنّ النووي قال في الأذكار: أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى تقديم مشيئة الله على مشيئة من سواه فقال: هذا قول أهل السنة: خالف فيها الأشاعرة لأنهم مجبرة).
وهذا القول ليس مخالفة لقول الأشعرية، ففي القرآن (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فهل الأشعرية حكّت هذه الآية ولا تثبت لفظها؟ حتى يجعل من نسبة المشيئة إلى العبّاد قولًا صريحًا في مخالفة النووي للأشعرية، فبالرجوع إلى ابن فورك (406هـ) يمكن معرفة قول الأشعري في الكسب:
"ما وقع بقدرة محدثة، وكان لا يعدل عن هذه العبارة في كتبه، ولا يختار غيرها من العبارات في ذلك، وكان يقول: إن عين الكسب وقع الحقيقة بقدرة محدثة، ووقع على الحديثة بقدرة قديمة، فيختلف الوقوع فيكون وقوعه من الله بقدرته القديمة، إحداثًا، ووقوعه من المحدِث بقدرته المحدثة اكتسابًا" [1].
فالأشعري يثبت للعبد قدرة محدثة، ويقول هي حقيقية، وهذا يقال في المشيئة، لذا قال الرازي (606هـ) -وهو موضع قال المعلمي: إنه من تأليفه في رسالته في بحث تفسير الرازي-في آية: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله):
"أي إلا أن يشاء الله تعالى أن يعطيه تلك المشيئة، لان فعل تلك المشيئة صفة محدثة فلا بد في حدوثها من مشيئة أخرى" [2] فالرازي يجعل المشيئة مثل القول في القدرة، بأنها محدثة، وأنّ مشيئة الله القديمة توجدها، وهو أشعري، فهل هذا كان يثبت خلافه مع الأشعري!
أما ما يقوله الحسيني بأنّهم يقولون بالجبر، فهذا في تقييم مدى نجاحهم في هذا التوفيق بين الإرادة المحدثة، والقديمة، بين المشيئة المحدثة والقديمة، فمخالفوهم يقولون بأنّ كسب الأشعري غير معقول، وأنَّ مؤداه الجبر، بل صرّح بعض الأشعرية بهذا كما نقله الحسيني عن البيجوري، ومن قبله وصفه بهذا الرازي، لكن هذا لا يعني أنهم يصرحون بأنه لا مشيئة في العبد، أو لا قدرة فيه، بل مرد ذلك إلى الحكم على ما قالوه بأن ما أثبتوه لا حقيقة له، وفرق بين تقييم قولهم، وبين ما صرّحوا به، فهم لا يصرحون بأنه لا مشيئة للعبد، ولا استطاعة، ولا قدرة، حتى يقول بأن من أثبتها فإنه يخالفهم.
كذلك الأمر في قوله في حجية خبر الواحد، إذ قال الحسيني:
(إن النووي قال خبر الواحد يفيد الظن ويفيد العمل، وهذا يرد على الأشاعرة إذ قالوا يفيد الظن ولا يجب العمل به!)
وهذا غير صحيح، فإنهم يقولون بأنَّ خبر الواحد لا يفيد العلم، وهو قول النووي، ولذا فإنه لا يحتج به في العلميات، في المسائل التي تحتاج إلى قاطع عقلي أو نقلي من مباحث العقيدة، وأما في الفقه وهو الأحكام العملية، فهو حجة، وقد عقد الرازي في المحصول بابًا بعنوان: (في إقامة الدليل على أنه حجة في الشرع) واحتج لوجوب العمل بخبر الواحد بـ"الإجماع، والسنة المتواترة، والقياس، والمعقول"[3]، وسبق أن ذكر كتاب (المنتخب) للرازي وفيه ينصر وجوب العمل بخبر الواحد لما فيه من ظن قال فيه:
"أجمعنا على أنّ خبر الواحد مقبول في الفتوى والشهادات فكذلك في الروايات بجامع تحصيل المصلحة المظنونة أو دفع المفسدة المظنونة"[4].
وجاء الحسيني إلى كلام النووي بأن الإيمان يزيد وينقص، وأنه قول وعمل واعتقاد، وقال (هنا يرد على الأشاعرة)
ولا أعلم هل يقصد الرد على المرجئة وخانه التعبير فقال (الأشاعرة) فإن كان قصد الثاني دون سبق لسان، فإنّ الأشعري له قولان في المسألة، قال في (مقالات الإسلاميين):
"في حكاية جملة قول أصحاب الحديث والسنة" فذكر "ويقرون أنّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" [5] إلى أن قال: "وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب" [6]، والقول الآخر بأن الإيمان هو "تصديق بالقلب، وهو اعتقاد المعتقد صدق من يؤمن به"[7].
وبكل قول قالت طائفة من الأشعرية، والأقرب لفقهاء الشافعية الأول لأنه موافق لقول الشافعي (204هـ) وهو يرد على الأحناف، ولذا تجد السبكي (756هـ) قال به ووصفه بمذهب السلف ورفض ما سواه [8]، فليس في هذا نفي لأشعريته.
يتبع...
____
[1] مقالات أبي الحسن الأشعري، ابن فورك، ص92.
[2] مفاتح الغيب، ج31، ص71.
[3] المحصول، الرازي، ج4، ص354.
[4] المنتخب من المحصول، الرازي، ق86، ب.
[5] مقالات الإسلاميين، أبو الحسن الأشعري، ص293.
[6] مقالات الإسلاميين، أبو الحسن الأشعري، ص297.
[7] مقالات أبي الحسن الأشعري، ابن فورك، ص153.
[8] انظر: السيف المسلول على من سب الرسول، تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، ص412.
Forwarded from يوسف سمرين
حول المناظرة (3)
هذا أهم ما جاء في مضمون كلام الحسيني، وحتى لا يطول الكلام فيما ذكره ففيما سبق كفاية، ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي الإغراق بالاستشهاد بالرجال، وأحكامهم، وكان من أهم ما ذكره أنَّ النووي ترجم له الذهبي فوصفه بأوصاف تدل على إمامته، ولكن هذا ينطبق على الزمخشري أيضًأ، فقال الذهبي: "العلامة... كبير المعتزلة"، وقال: "تخرّج به أئمة" [1]، فقد تخرج به أئمة وفق وصف الذهبي، فلما يقول ما الذي يجعل الزمخشري يقارن بالنووي؟ هنا لا بد أن يذكر هو الفرق عنده لم لا يقاس عليه، لا أن يكتفي بمنع هذا.
والذهبي وصف العديد من الناس بالعلم، فمثلًا عمران بن حطان (84هـ)، وهو مادح قاتل عليّ بن أبي طالب بقوله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها***إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينًا فأحسبه****أوفى البرية عند الله ميزانًا [2]
قال في ترجمته: "من أعيان العلماء" [3]، وعمران بن حطان، روى البخاري له، وهذا أبو عبيدة معمر بن المثنى (209هـ) وصفه الذهبي بقوله: "الإمام العلامة، البحر" [4] ومع ذلك جاء وصفه بأنه خارجي من ثلاثة، البلخي، والجاحظ، وابن قتيبة! وقد نقل عنه البخاري في صحيحه دون إحالة، وهذا يجرنا إلى نقطة ثانية.
قال بأنَّ النووي وضع له القبول في الأرض، كأنه يستشهد بحديث رواه البخاري ومسلم مفاده أنه إذا أحب الله عبدًا، وضع له القبول في الأرض، ويستشهد لذلك بانتشار كتبه وكثرة نفعها، ولكن هنا لا بد من التنبه إلى مغالطة، مثّل عليها الغزالي، بأنه لما يقال: الأفعى طويلة، لا يعني ولا يساوي أنَّ كل طويل أفعى، ومعنى هذا حين يقال: إنَّ أحب الله عبدًا وضع له القبول في الأرض، فإنَّ هذا لا يساوي، إن وضع القبول لعبد في الأرض فهذا يعني أنَّ الله أحبه!
وإلا بهذه الطريقة يصح الإلزام عليه بانتشار كتب أقوام هو نفسه لا يرضى مسلكهم، ولذا فإنه لما احتج عليه بالزمخشري رفض دون بيّنة، وقال العلماء هم من قبلوا النووي ونقلوا عنه، وهذا غريب كأن الزمخشري لا ينتشر إلا بين السوقة! على أنَّ الذهبي الذي تحاكم إليه قال تخرّج به أئمة، أو تضحي المنافسة في تحقيق من انتشر ذِكره أكثر وهذا يعني أنه أصوب قولًا وأهدى سبيلًا، على أنَّ الكثرة والقلة ليست علامة على الصحة والبطلان، وهي نسبية تتبع ظروفًا كثيرة، فالشافعية متى سادوا في موضع انتشر ذكر علمائهم، وحين ساد المعتزلة يومًا كانت السطوة لهم، ولما كانت الإسماعيلية ظاهرة، كان لكتبهم رواجها، فهذا لا يدل على صحة ولا بطلان، وإلا لتركنا المناظرات والبحث والنقاش، إلى النظر في (الأعلى مبيعًا!)
ولو نظرنا في ترجمة تلميذ أبي يوسف القاضي، بشر المريسي، ثم نظرنا إلى كتاب السرخسي، وبدائع الصنائع، في الفقه الحنفي، لظهر إلى أي درجة اعتنوا بمسائله في الفقه، فهل هذا يعني أنَّ بشرًا وضع له القبول في الأرض؟ هذه الأسئلة لا يجيب عليها الحسيني ولا يظهر أنه أراد الإجابة، والشاهد من هذا أنَّ هذا الاستدلال فيه ما فيه، ونرجع إلى نسخ الصحيح، فالبخاري انتشر صحيحه، وحوى ما رواه عن عمران بن حطان، وما نقله عن أبي عبيدة، فهل يرى الحسيني بهذا أن ابن حطان وضع له القبول في الأرض، وهذا شاهد على أنّ الله يحبه؟ أم لا يجزم بهذا، فإن لم يجزم فعلام جزم بالقانون نفسه.
حتى ما ذكره في المقطع الدعائي، ألا يرى أنَّ القضية ليست مثل ما يصوره، فليست الحكاية في كمية الخطأ نسبة إلى الصواب، بل خصمه ينازعه في (نوعية) الخطأ، وهذا يجر إلى طريقته في المحاججة، فإنه لما اختار نفي الأشعرية عن النووي، كأنه بهذا سلّم كلام خصمه بأنه لو كان أشعريًا وفق ادعائك، لصدقت فيه أحكامك، فاختار أن يغيّر مذهبه لهذا، وإلا لعرضه كما هو وناقش فيه، وهذا يدفعنا إلى الحديث عن طرح محمد بن شمس.
يتبع...
___
[1] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج20، ص153.
[2] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج4، ص215.
[3] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج4، ص214.
[4] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج9، ص445.
هذا أهم ما جاء في مضمون كلام الحسيني، وحتى لا يطول الكلام فيما ذكره ففيما سبق كفاية، ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي الإغراق بالاستشهاد بالرجال، وأحكامهم، وكان من أهم ما ذكره أنَّ النووي ترجم له الذهبي فوصفه بأوصاف تدل على إمامته، ولكن هذا ينطبق على الزمخشري أيضًأ، فقال الذهبي: "العلامة... كبير المعتزلة"، وقال: "تخرّج به أئمة" [1]، فقد تخرج به أئمة وفق وصف الذهبي، فلما يقول ما الذي يجعل الزمخشري يقارن بالنووي؟ هنا لا بد أن يذكر هو الفرق عنده لم لا يقاس عليه، لا أن يكتفي بمنع هذا.
والذهبي وصف العديد من الناس بالعلم، فمثلًا عمران بن حطان (84هـ)، وهو مادح قاتل عليّ بن أبي طالب بقوله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها***إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينًا فأحسبه****أوفى البرية عند الله ميزانًا [2]
قال في ترجمته: "من أعيان العلماء" [3]، وعمران بن حطان، روى البخاري له، وهذا أبو عبيدة معمر بن المثنى (209هـ) وصفه الذهبي بقوله: "الإمام العلامة، البحر" [4] ومع ذلك جاء وصفه بأنه خارجي من ثلاثة، البلخي، والجاحظ، وابن قتيبة! وقد نقل عنه البخاري في صحيحه دون إحالة، وهذا يجرنا إلى نقطة ثانية.
قال بأنَّ النووي وضع له القبول في الأرض، كأنه يستشهد بحديث رواه البخاري ومسلم مفاده أنه إذا أحب الله عبدًا، وضع له القبول في الأرض، ويستشهد لذلك بانتشار كتبه وكثرة نفعها، ولكن هنا لا بد من التنبه إلى مغالطة، مثّل عليها الغزالي، بأنه لما يقال: الأفعى طويلة، لا يعني ولا يساوي أنَّ كل طويل أفعى، ومعنى هذا حين يقال: إنَّ أحب الله عبدًا وضع له القبول في الأرض، فإنَّ هذا لا يساوي، إن وضع القبول لعبد في الأرض فهذا يعني أنَّ الله أحبه!
وإلا بهذه الطريقة يصح الإلزام عليه بانتشار كتب أقوام هو نفسه لا يرضى مسلكهم، ولذا فإنه لما احتج عليه بالزمخشري رفض دون بيّنة، وقال العلماء هم من قبلوا النووي ونقلوا عنه، وهذا غريب كأن الزمخشري لا ينتشر إلا بين السوقة! على أنَّ الذهبي الذي تحاكم إليه قال تخرّج به أئمة، أو تضحي المنافسة في تحقيق من انتشر ذِكره أكثر وهذا يعني أنه أصوب قولًا وأهدى سبيلًا، على أنَّ الكثرة والقلة ليست علامة على الصحة والبطلان، وهي نسبية تتبع ظروفًا كثيرة، فالشافعية متى سادوا في موضع انتشر ذكر علمائهم، وحين ساد المعتزلة يومًا كانت السطوة لهم، ولما كانت الإسماعيلية ظاهرة، كان لكتبهم رواجها، فهذا لا يدل على صحة ولا بطلان، وإلا لتركنا المناظرات والبحث والنقاش، إلى النظر في (الأعلى مبيعًا!)
ولو نظرنا في ترجمة تلميذ أبي يوسف القاضي، بشر المريسي، ثم نظرنا إلى كتاب السرخسي، وبدائع الصنائع، في الفقه الحنفي، لظهر إلى أي درجة اعتنوا بمسائله في الفقه، فهل هذا يعني أنَّ بشرًا وضع له القبول في الأرض؟ هذه الأسئلة لا يجيب عليها الحسيني ولا يظهر أنه أراد الإجابة، والشاهد من هذا أنَّ هذا الاستدلال فيه ما فيه، ونرجع إلى نسخ الصحيح، فالبخاري انتشر صحيحه، وحوى ما رواه عن عمران بن حطان، وما نقله عن أبي عبيدة، فهل يرى الحسيني بهذا أن ابن حطان وضع له القبول في الأرض، وهذا شاهد على أنّ الله يحبه؟ أم لا يجزم بهذا، فإن لم يجزم فعلام جزم بالقانون نفسه.
حتى ما ذكره في المقطع الدعائي، ألا يرى أنَّ القضية ليست مثل ما يصوره، فليست الحكاية في كمية الخطأ نسبة إلى الصواب، بل خصمه ينازعه في (نوعية) الخطأ، وهذا يجر إلى طريقته في المحاججة، فإنه لما اختار نفي الأشعرية عن النووي، كأنه بهذا سلّم كلام خصمه بأنه لو كان أشعريًا وفق ادعائك، لصدقت فيه أحكامك، فاختار أن يغيّر مذهبه لهذا، وإلا لعرضه كما هو وناقش فيه، وهذا يدفعنا إلى الحديث عن طرح محمد بن شمس.
يتبع...
___
[1] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج20، ص153.
[2] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج4، ص215.
[3] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج4، ص214.
[4] سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج9، ص445.
رأيت كثير من التعليقات طارت فرحا بنقد سمرين للحسيني، مع أن سلسلة نقد المناظرة لم تكتمل، خصوصا تلك الشخصيات السمجة التي تتعامل مع الوضع بصورة أشبه بالعمل النقابي.
حبيت أخبركم أن الفرحة هذه مدتها ٢٤ ساعة لا أكثر 😃
حبيت أخبركم أن الفرحة هذه مدتها ٢٤ ساعة لا أكثر 😃
Forwarded from يوسف سمرين
حول المناظرة (4)
نأتي لطرح ابن شمس الدين في المناظرة، إذ بدأ في كلامه بقاعدة تقول بأنَّ قول السلف مقدّم على الخلف، بما يُذكّر بقول اللقاني الأشعري:
وكل خير في اتباع من سلف***وكل شر في ابتاع من خلف
مع أنَّ هذا يحتاج إلى تحرير المقصود منه، فهل يقصد منه الإجماع؟ إن كان يقصد هذا فما ضابطه عنده، وهل هو يقول بانحصاره في الصحابة؟ أو بما يشمل من بعدهم، أم يقول إنه بعد القرون الثلاثة الأولى متعذر أو متعسر كما يقوله ابن تيمية، أم يقصد به الرواية، أم الرأي؟لم يذكر شيئًا من هذا.
وذكر قاعدة بعدها عنده: "إنه لا يعتد بقول الأكثرية، وأنها مبدأ ديمقراطي"، وقال "بتنزيه أهل السنة عن عصمة مشايخهم"، وقال "إنَّ المخرج من السنة القول أو العمل، لا الناس، فلا يوجد شخص عنده مفتاح يدخل الناس به السنة، أو يخرجهم منه، بل يكون هذا بأقوالهم وأفعالهم"، وقال بأنَّ "المخالف في الصفات من أعلى الخلاف مع المبتدعة".
وقد كان علماء الأصول يبحثون في الحُجة، كيف تقام، وما أدلتها، لذا ذكروا الأدلة الإجمالية، والقواعد في الاستنباط، فيحددون الخلاف، هل هو في (الدليل) أو (القاعدة الأصولية) أو (الاستدلال) لكن هذا لم يكن واردًا في (المناظرة).
وإنما اكتفى ابن شمس بأن ينقل عن (السلف) دون نظام واضح، فذكر قول البربهاري (329هـ) في كتابه (شرح السنة): (إنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب) [1]، والبربهاري حنبلي، فكيف لو نقل له أحد كلام أحمد (241هـ) وفق هذه الطريقة وهو أقدم منه، وقد قال عن الكُتب:
"أكرهها، هذا أبو حنيفة وضع كتابًا، فجاء أبو يوسف ووضع كتابًا، وجاء محمد بن الحسن فوضع كتابًا، فهذا لا انقضاء له، كلما جاء رجل وضع كتابًا، وهذا مالك وضع كتابًا، وجاء الشافعي أيضًا وجاء هذا يعني أبا ثور، وهذه الكتب وضعها بدعة، كلما جاء رجل وضع كتابًا ويترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" [2].
فهو يقول عما كتبه مالك (179هـ) والشافعي (204هـ) بدعة، فكيف بكتاب البربهاري (329هـ) الذي قال فيه: "جميع ما وصفت لك في هذا الكتاب، فهو عن الله، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه وعن التابعين" [3]، أليس بهذا يعني أنه يدعي العصمة لكتابه؟ وهو نفسه قال بأنّ أهل السنة لا يدعون العصمة، فهل هو بهذا يخرج البربهاري منهم؟ وبكل صراحة يقول البربهاري: "من انتحل شيئا خلاف ما في هذا الكتاب، فإنه ليس يدين لله بدين، وقد رده كله، كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى، إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى، وهو كافر" [4].
وهو في كتابه نفسه يقول: "الكلام، والخصومة، والجدال، والمراء، محدَث يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة" [5]، فعلى هذا أنت خالفت ما قرره البربهاري بعقد مناظرة، بجدل ومراء، حتى [وإن أصاب صاحبه الحق] فإن قلتَ: ليس البربهاري معصومًا، قيل: ولا أنت، وقد ادعى في كتابه شيئًا وأغمضتَ عنه! بل في كتابه: "لكل نبي حوض، إلا صالحٌ النبي عليه السلام فإنَّ حوضه ضرع ناقته" [6] وقد زعم مؤلفه أنَّ من انتحل شيئًا خلاف كتابه ليس له دين وشبهه بالقرآن! ومع ذلك تستدل به وتحتج به بحجة النقل عن "السلف" فهل كلام البربهاري ملزم للعالمين؟
وبقي ابن شمس ينقل مثل هذه النقول، ولما قيل له خالفوك في موضع، يكون جوابه: ليسوا بمعصومين، فما الذي جعل العِصمة فيما استحسنته من كلامهم دون ما استشنعه خصمك من كلامهم؟ فإن قال بأنَّ لديه دليلًا يحكم به على الأقوال ويميّز به دونها، قيل له ألم يكن بدليلك غنية، عن حشو اللقاء بنقل شبه الآليّ عن الرجال.
وقد احتج بابن جرير الطبري (310هـ) في نقل في الجهمية، على أنَّ ابن جرير الطبري نفسه يقول في تفسيره عند آية (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها): "غير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء، لأن جميعه كلام الله، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره، أن يقال: بعضها أفضل من بعض، وبعضها خير من بعض" [7]، ويذكر ابن شمس كذلك ابن تيمية (727هـ) في كلامه، مع أنَّ ابن تيمية نفسه رد على هذا القول بقوله: "أما كونه لا يفضل بعضه على بعض، فهذا القول لم ينقل عن أحدٍ من سلف الأمة وأئمة السنة" [8] فعلى هذا هل ابن جرير من السلف؟ أم من الخلف؟ وما الفيصل بينهما، والقضية في الصفات كما ترى، وقد جعلتها أعلى الخلاف، أم المسألة أن تنقل أي شيء تجد فيه موافقة لك؟
على أن البحث العلمي، يجعل المرء يبحث فيما يخالف قوله، وإلا لن يعدم أن يرى ما يوافقه.
يتبع....
______
[1] شرح السنة، البربهاري، ص99.
[2] مسائل أحمد، رواية ابنه عبد الله، ص437.
[3] شرح السنة، البربهاري، ص103.
[4] شرح السنة، البربهاري، ص103.
[5] شرح السنة، البربهاري، ص39.
[6] شرح السنة، البربهاري، ص44.
[7] تفسير الطبري، ج2، ص403.
[8] مجموع الفتاوى، ج17، ص76.
نأتي لطرح ابن شمس الدين في المناظرة، إذ بدأ في كلامه بقاعدة تقول بأنَّ قول السلف مقدّم على الخلف، بما يُذكّر بقول اللقاني الأشعري:
وكل خير في اتباع من سلف***وكل شر في ابتاع من خلف
مع أنَّ هذا يحتاج إلى تحرير المقصود منه، فهل يقصد منه الإجماع؟ إن كان يقصد هذا فما ضابطه عنده، وهل هو يقول بانحصاره في الصحابة؟ أو بما يشمل من بعدهم، أم يقول إنه بعد القرون الثلاثة الأولى متعذر أو متعسر كما يقوله ابن تيمية، أم يقصد به الرواية، أم الرأي؟لم يذكر شيئًا من هذا.
وذكر قاعدة بعدها عنده: "إنه لا يعتد بقول الأكثرية، وأنها مبدأ ديمقراطي"، وقال "بتنزيه أهل السنة عن عصمة مشايخهم"، وقال "إنَّ المخرج من السنة القول أو العمل، لا الناس، فلا يوجد شخص عنده مفتاح يدخل الناس به السنة، أو يخرجهم منه، بل يكون هذا بأقوالهم وأفعالهم"، وقال بأنَّ "المخالف في الصفات من أعلى الخلاف مع المبتدعة".
وقد كان علماء الأصول يبحثون في الحُجة، كيف تقام، وما أدلتها، لذا ذكروا الأدلة الإجمالية، والقواعد في الاستنباط، فيحددون الخلاف، هل هو في (الدليل) أو (القاعدة الأصولية) أو (الاستدلال) لكن هذا لم يكن واردًا في (المناظرة).
وإنما اكتفى ابن شمس بأن ينقل عن (السلف) دون نظام واضح، فذكر قول البربهاري (329هـ) في كتابه (شرح السنة): (إنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب) [1]، والبربهاري حنبلي، فكيف لو نقل له أحد كلام أحمد (241هـ) وفق هذه الطريقة وهو أقدم منه، وقد قال عن الكُتب:
"أكرهها، هذا أبو حنيفة وضع كتابًا، فجاء أبو يوسف ووضع كتابًا، وجاء محمد بن الحسن فوضع كتابًا، فهذا لا انقضاء له، كلما جاء رجل وضع كتابًا، وهذا مالك وضع كتابًا، وجاء الشافعي أيضًا وجاء هذا يعني أبا ثور، وهذه الكتب وضعها بدعة، كلما جاء رجل وضع كتابًا ويترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" [2].
فهو يقول عما كتبه مالك (179هـ) والشافعي (204هـ) بدعة، فكيف بكتاب البربهاري (329هـ) الذي قال فيه: "جميع ما وصفت لك في هذا الكتاب، فهو عن الله، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه وعن التابعين" [3]، أليس بهذا يعني أنه يدعي العصمة لكتابه؟ وهو نفسه قال بأنّ أهل السنة لا يدعون العصمة، فهل هو بهذا يخرج البربهاري منهم؟ وبكل صراحة يقول البربهاري: "من انتحل شيئا خلاف ما في هذا الكتاب، فإنه ليس يدين لله بدين، وقد رده كله، كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى، إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى، وهو كافر" [4].
وهو في كتابه نفسه يقول: "الكلام، والخصومة، والجدال، والمراء، محدَث يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة" [5]، فعلى هذا أنت خالفت ما قرره البربهاري بعقد مناظرة، بجدل ومراء، حتى [وإن أصاب صاحبه الحق] فإن قلتَ: ليس البربهاري معصومًا، قيل: ولا أنت، وقد ادعى في كتابه شيئًا وأغمضتَ عنه! بل في كتابه: "لكل نبي حوض، إلا صالحٌ النبي عليه السلام فإنَّ حوضه ضرع ناقته" [6] وقد زعم مؤلفه أنَّ من انتحل شيئًا خلاف كتابه ليس له دين وشبهه بالقرآن! ومع ذلك تستدل به وتحتج به بحجة النقل عن "السلف" فهل كلام البربهاري ملزم للعالمين؟
وبقي ابن شمس ينقل مثل هذه النقول، ولما قيل له خالفوك في موضع، يكون جوابه: ليسوا بمعصومين، فما الذي جعل العِصمة فيما استحسنته من كلامهم دون ما استشنعه خصمك من كلامهم؟ فإن قال بأنَّ لديه دليلًا يحكم به على الأقوال ويميّز به دونها، قيل له ألم يكن بدليلك غنية، عن حشو اللقاء بنقل شبه الآليّ عن الرجال.
وقد احتج بابن جرير الطبري (310هـ) في نقل في الجهمية، على أنَّ ابن جرير الطبري نفسه يقول في تفسيره عند آية (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها): "غير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء، لأن جميعه كلام الله، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره، أن يقال: بعضها أفضل من بعض، وبعضها خير من بعض" [7]، ويذكر ابن شمس كذلك ابن تيمية (727هـ) في كلامه، مع أنَّ ابن تيمية نفسه رد على هذا القول بقوله: "أما كونه لا يفضل بعضه على بعض، فهذا القول لم ينقل عن أحدٍ من سلف الأمة وأئمة السنة" [8] فعلى هذا هل ابن جرير من السلف؟ أم من الخلف؟ وما الفيصل بينهما، والقضية في الصفات كما ترى، وقد جعلتها أعلى الخلاف، أم المسألة أن تنقل أي شيء تجد فيه موافقة لك؟
على أن البحث العلمي، يجعل المرء يبحث فيما يخالف قوله، وإلا لن يعدم أن يرى ما يوافقه.
يتبع....
______
[1] شرح السنة، البربهاري، ص99.
[2] مسائل أحمد، رواية ابنه عبد الله، ص437.
[3] شرح السنة، البربهاري، ص103.
[4] شرح السنة، البربهاري، ص103.
[5] شرح السنة، البربهاري، ص39.
[6] شرح السنة، البربهاري، ص44.
[7] تفسير الطبري، ج2، ص403.
[8] مجموع الفتاوى، ج17، ص76.
Forwarded from يوسف سمرين
حول المناظرة (5)
ولنأتِ بتطبيق لطريقة ابن شمس، فهل يرضاها أو يرضاها أتباعه متى كانت عليه؟ فمن أواخر ما قام بنشره في قناته (حكم الموسيقى والغناء) وهذا المقطع شاهد الكلام، قال:
(عن قتادة) وكررها، ووصفه بأنه أحد (التابعين)، واحتج به.
ماذا لو قال لك معترض: قتادة (117هـ) من رؤوس القدرية وهو كذلك، قال عبد الله بن شوذب (156هـ): "سمعت قتادة يصيح بالقدر في مسجد البصرة صياحًا" [1] "وكان طاووس إذا أتاه قتادة ليسأله يفر منه، لمقالته في القدر" [2]، وسئل أحمد [بن حنبل] عن قتادة؟ فلم يصرّح، ولكنه يذهب إلى أنه كان يرى القدَر، [3].
وقد وصفت القدرية في المناظرة بالحرف: (مجوس هذه الأمة، لأنهم أثبتوا خالقين، خالق للخير وخالق للشر)، فلمَ تزكي قتادة ولا تحذّر منه؟ بل لمَ تحتج به؟
فإن قال وفق ما ذكره في المناظرة: لأنه لم يمش على قواعد المتكلمين!
قيل له: هذا ليس بضابط، لأن قواعد المتكلمين إنما اتسقت عبر تاريخ طويل، وأوائل كل فرقة لم يكونوا بذلك الاتساق عند المتأخرين، وهو شأن كل مقالة، فعلى كلامك أنت تعذر الرؤوس ولا تعذر أتباعهم لأن أتباعهم أضحوا متقنين للكلام فحسب، ثم إنك تخالف ما نقلته عن أحمد (241هـ) واحتججت به، إذ نقلت عنه أنه رمى محدّثًا بالتجهم، وقلت لم يسأله عما ألَّف من الكتب، فيقال: ولا سأله عما أتقنه من أبواب الكلام! وهل مشى على أصولهم في كل الصفات أم في بعضها.
ولم ينته الشاهد، فقد قلت فيه من الأدلة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) رواه البخاري، وابن حبّان في صحيحه.
الاثنان (البخاري، وابن حبان) يرويانه بهذا الإسناد:
"هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر...."
لاحظ: هشام بن عمار (254هـ)، فلننقل عن [السلف]!
قال "أبو طالب، سمعت أبا عبد الله يُسأل عن حديث هشام بن عمار، أنه قرئ عليه حديث: تجيء الرحم يوم القيامة فتتعلق بالرحمن، فقال: أخاف أن تكونَ كفرت! فقال: هذا شامي ما له ولهذا!؟" [4]
فها هو هشام يقول عن حديث إنه يخشى على قائله من الكفر، فاستشنع منه أحمد هذا، ولم تتوقف الحكاية.
قال المروذي: "ورد علينا كتاب من دمشق: سل لنا أبا عبد اللَّه، فإنَّ هشامًا قال: لفظ جبريل عليه السلام ومحمد صلى اللَّه عليه وسلم بالقرآن مخلوق، فسألتُ أبا عبد اللَّه؛ فقال: أعرفه طياشًا، لم يجترئ الكرابيسي أن يذكر جبريل ولا محمدًا، هذا قد تجهم" [5].
"وفي الكتاب أنه قال في خطبته، الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه، فسألت أبا عبد الله، فقال: هذا جهمى، الله تجلى للجبال، يقول هو: تجلى لخلقه بخلقه، إن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة" [6].
هنا يقال: الرواية مبنية على عدالة الراوي والثقة به، فأنت هنا تعدّل جهميًا، وتطلب ممن لا يجيز الصلاة خلفه أن يثق به وبروايته، وتستجيز نسبتها من طريقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد حاول الذهبي الاعتذار عن هشام والتماس التأويل له[7] لكنَّ هذا لا يعني لك شيئًا، إذ إنَّ أحمد وهو من هو في الورع، ولم يعذره، وليست هي المرة الأولى، بل قال: عرفته طيّاشًا، فلو استعملنا بعض مصطلحاتك المفضلة [غير الشرعية فأوصاف المدح والذم شرعًا إنما هي الأسماء والأحكام الشرعية] فأنت من المدجنة على هذا.
فإن قلت: لكن الحديث أخرجه البخاري (٢٥٦هـ)، وقد وضع له القبول في الأرض، قيل لك: أليس هذا ما كنت ترفضه من خصمك في المناظرة؟ وعورضتَ بطريقتك بأديسون الذي أفاد البشرية في الكهرباء! أم في موضع تعذر، وموضع لا تعذر، وموضع تقول يجب أن نبدّع وآخر لا، وموضع تحتج بالقبول، ومرة لا، وقد كانت علتك التجهم، والخوف منه، فها أنت تحيل إلى من فيه نص من أحمد (241هـ)، وفّر عليك جهد القول بأنه [يشبه] من أطلق عليهم وصف الجهمية.
فعلامَ تغض النظر عمن في الإسناد، وتجيز روايته، وتقبلها، أليس هو الأولى بالتحذير، كونه متعلقًا بالرواية وقد جاءت من طريقه؟ وقد كان أحمد لا يروي عن الجهمية، بل لم يرو عمن أجابوا في المحنة! فلمَ فعلتَ خلافه، فإن قلتَ: لأني خشيت أن أخالف البخاري، ألم يكن خصمك يقول لك: أخشى أن أخالف من تذكرهم من العلماء ممن يصفون النووي بالعلم والإمامة؟ وتقول له الكثرة ليست بحجة، فلسنا ديموقراطيين؟ وهذا يظهر طريقتك جلية، بأنّك لا تراعيها، ولا تحتكم إليها.
يتبع…
________
[1] المعرفة والتاريخ، يعقوب بن سفيان الفسوي، ج2، ص281.
[2] مسند ابن الجعد، علي بن الجعد الجوهري، ج1، ص527.
[3] مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني، تحقيق: فايز بن أحمد بن حامد حابس، ج3، ص1223، رقم الأثر: 1992.
[4] زاد المسافر، عبد العزيز بن جعفر (غلام الخلال)، ج1، ص296.
[5] ميزان الاعتدال، الذهبي، ج4، ص303.
[6] ميزان الاعتدال، الذهبي، ج4، ص304.
[7] انظر: ميزان الاعتدال، الذهبي، ج4، ص304.
ولنأتِ بتطبيق لطريقة ابن شمس، فهل يرضاها أو يرضاها أتباعه متى كانت عليه؟ فمن أواخر ما قام بنشره في قناته (حكم الموسيقى والغناء) وهذا المقطع شاهد الكلام، قال:
(عن قتادة) وكررها، ووصفه بأنه أحد (التابعين)، واحتج به.
ماذا لو قال لك معترض: قتادة (117هـ) من رؤوس القدرية وهو كذلك، قال عبد الله بن شوذب (156هـ): "سمعت قتادة يصيح بالقدر في مسجد البصرة صياحًا" [1] "وكان طاووس إذا أتاه قتادة ليسأله يفر منه، لمقالته في القدر" [2]، وسئل أحمد [بن حنبل] عن قتادة؟ فلم يصرّح، ولكنه يذهب إلى أنه كان يرى القدَر، [3].
وقد وصفت القدرية في المناظرة بالحرف: (مجوس هذه الأمة، لأنهم أثبتوا خالقين، خالق للخير وخالق للشر)، فلمَ تزكي قتادة ولا تحذّر منه؟ بل لمَ تحتج به؟
فإن قال وفق ما ذكره في المناظرة: لأنه لم يمش على قواعد المتكلمين!
قيل له: هذا ليس بضابط، لأن قواعد المتكلمين إنما اتسقت عبر تاريخ طويل، وأوائل كل فرقة لم يكونوا بذلك الاتساق عند المتأخرين، وهو شأن كل مقالة، فعلى كلامك أنت تعذر الرؤوس ولا تعذر أتباعهم لأن أتباعهم أضحوا متقنين للكلام فحسب، ثم إنك تخالف ما نقلته عن أحمد (241هـ) واحتججت به، إذ نقلت عنه أنه رمى محدّثًا بالتجهم، وقلت لم يسأله عما ألَّف من الكتب، فيقال: ولا سأله عما أتقنه من أبواب الكلام! وهل مشى على أصولهم في كل الصفات أم في بعضها.
ولم ينته الشاهد، فقد قلت فيه من الأدلة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) رواه البخاري، وابن حبّان في صحيحه.
الاثنان (البخاري، وابن حبان) يرويانه بهذا الإسناد:
"هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر...."
لاحظ: هشام بن عمار (254هـ)، فلننقل عن [السلف]!
قال "أبو طالب، سمعت أبا عبد الله يُسأل عن حديث هشام بن عمار، أنه قرئ عليه حديث: تجيء الرحم يوم القيامة فتتعلق بالرحمن، فقال: أخاف أن تكونَ كفرت! فقال: هذا شامي ما له ولهذا!؟" [4]
فها هو هشام يقول عن حديث إنه يخشى على قائله من الكفر، فاستشنع منه أحمد هذا، ولم تتوقف الحكاية.
قال المروذي: "ورد علينا كتاب من دمشق: سل لنا أبا عبد اللَّه، فإنَّ هشامًا قال: لفظ جبريل عليه السلام ومحمد صلى اللَّه عليه وسلم بالقرآن مخلوق، فسألتُ أبا عبد اللَّه؛ فقال: أعرفه طياشًا، لم يجترئ الكرابيسي أن يذكر جبريل ولا محمدًا، هذا قد تجهم" [5].
"وفي الكتاب أنه قال في خطبته، الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه، فسألت أبا عبد الله، فقال: هذا جهمى، الله تجلى للجبال، يقول هو: تجلى لخلقه بخلقه، إن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة" [6].
هنا يقال: الرواية مبنية على عدالة الراوي والثقة به، فأنت هنا تعدّل جهميًا، وتطلب ممن لا يجيز الصلاة خلفه أن يثق به وبروايته، وتستجيز نسبتها من طريقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد حاول الذهبي الاعتذار عن هشام والتماس التأويل له[7] لكنَّ هذا لا يعني لك شيئًا، إذ إنَّ أحمد وهو من هو في الورع، ولم يعذره، وليست هي المرة الأولى، بل قال: عرفته طيّاشًا، فلو استعملنا بعض مصطلحاتك المفضلة [غير الشرعية فأوصاف المدح والذم شرعًا إنما هي الأسماء والأحكام الشرعية] فأنت من المدجنة على هذا.
فإن قلت: لكن الحديث أخرجه البخاري (٢٥٦هـ)، وقد وضع له القبول في الأرض، قيل لك: أليس هذا ما كنت ترفضه من خصمك في المناظرة؟ وعورضتَ بطريقتك بأديسون الذي أفاد البشرية في الكهرباء! أم في موضع تعذر، وموضع لا تعذر، وموضع تقول يجب أن نبدّع وآخر لا، وموضع تحتج بالقبول، ومرة لا، وقد كانت علتك التجهم، والخوف منه، فها أنت تحيل إلى من فيه نص من أحمد (241هـ)، وفّر عليك جهد القول بأنه [يشبه] من أطلق عليهم وصف الجهمية.
فعلامَ تغض النظر عمن في الإسناد، وتجيز روايته، وتقبلها، أليس هو الأولى بالتحذير، كونه متعلقًا بالرواية وقد جاءت من طريقه؟ وقد كان أحمد لا يروي عن الجهمية، بل لم يرو عمن أجابوا في المحنة! فلمَ فعلتَ خلافه، فإن قلتَ: لأني خشيت أن أخالف البخاري، ألم يكن خصمك يقول لك: أخشى أن أخالف من تذكرهم من العلماء ممن يصفون النووي بالعلم والإمامة؟ وتقول له الكثرة ليست بحجة، فلسنا ديموقراطيين؟ وهذا يظهر طريقتك جلية، بأنّك لا تراعيها، ولا تحتكم إليها.
يتبع…
________
[1] المعرفة والتاريخ، يعقوب بن سفيان الفسوي، ج2، ص281.
[2] مسند ابن الجعد، علي بن الجعد الجوهري، ج1، ص527.
[3] مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني، تحقيق: فايز بن أحمد بن حامد حابس، ج3، ص1223، رقم الأثر: 1992.
[4] زاد المسافر، عبد العزيز بن جعفر (غلام الخلال)، ج1، ص296.
[5] ميزان الاعتدال، الذهبي، ج4، ص303.
[6] ميزان الاعتدال، الذهبي، ج4، ص304.
[7] انظر: ميزان الاعتدال، الذهبي، ج4، ص304.
Forwarded from يوسف سمرين
حول المناظرة (6)
خلال المناظرة يظهر أنَّ ابن شمس تحاشى التعرّض لقضية مهمة، وهي الحكم على النووي، هل يقول بإسلامه أم ماذا؟ فاكتفى بالحديث عنه بأنه "مبتدع" دون أن يبين درجة بدعته في ذلك سوى أنه قال بأن الخلاف في الصفات من أعلى الخلاف، وأنَّ السلف لهم موقف في التحذير والتنفير عن المبتدعة، على أنَّ المناظر إن لم يكن حسم موقفه وأعلنه، فعلى أي شيء يناظر، هل يناظر على مطلق البدعة فحسب؟
والناظر في كتب من سلف يجد أنهم لم يتعاملوا بطريقة واحدة مع من يرونهم مبتدعة، ونرجع إلى قتادة (117هـ) بما أنه سبق أن ضرب مثلًا، فقد كان هناك نقاش في الرواية عنه، قال علي بن المديني (234هـ) بأنه قال ليحيى القطان (198هـ) إنَّ عبد الرحمن بن مهدي (198هـ) قال: "أترك من كان رأسًا في البدعة، يدعو إليها" فقال القطان: "كيف يصنع بقتادة، وابن أبي رواد، وعمر بن ذر وذكر قومًا، قال يحيى: إن ترك هذا الصنف ترك ناسًا كثيرًا" [1].
وهذا فيه ثلاثة من كبار أهل الحديث، واحتجاج القطان بهذا يظهر انتشار خبر قتادة بينهم، وهذا يدل على أنَّ نقل قول عن السلف، لا يدل على أنَّه يمثّل كل الناس في زمنهم، فمن ترك الرواية عنه، لا يمثل من روى عنه.
وعلى سبيل المثال كان مالكٌ (179هـ) شديدًا على القدرية، فلا يرى أن يُكلموا، ولا يزوّجوا، ولا يجالسوا، لذا لم يروِ عن ثور بن يزيد الحمصي [وهو قدري لا ينفي العلم الإلهي]، رغم أنه جاء إلى المدينة، في حين روى عنه غيره، وكان مالك يرى أنَّ القدرية يستتابون وإلا قتلوا، كقول عمر بن عبد العزيز (101هـ) كما نص عليه في الموطأ.
بخلاف أحمد الذي قيّد هذا الحكم بنفي العلم، (أي: إنه يقول بإسلامهم إلا إن قالوا: الله لا يعلم أفعال العباد قبل وقوعها) ورأى الرواية عن القدرية، بل روى عن رأسها معبد الجهني، وكان يقول لو فتّشت البصرة لوجدتَ ثلث أهلها قدرية.
وفي وقت ما هجر العديد من المحدثين من يرونه على بدعة، ولا يروون عنه، وينهون عن الأخذ عنه وهذا ظاهر في قول سفيان الثوري (161هـ) بأنه ما كان يأتي حماد بن أبي سليمان (120هـ) إلا خفيًا من أصحابه، إلا أنَّ بعضهم كان يروي عمن قيل فيه، فالشافعي (204هـ) روى عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي (184هـ)، وقال فيه "أخبرني من لا أتهم" [2] أما أحمد فقال فيه: "جهمي" [3].
فلو نقل رجل قول الرافضين للرواية عنهم وقال هذا قول السلف، لأمكن أن يعارض بصنيع سفيان مع حماد، وإن قال السلف يروون عن القدرية، بحجة أنَّ أحمد روى عن معبد، أمكن أن يعارض بموقف مالك منهم وهكذا، والرواية أشدّ من غيرها، ففي غيرها قد يُظهر الواحد أنه قد يتوقف في الحكم على المسؤول عنه، ولا يصرّح فيه بإسلام أو كفر، ويقول أنا لا أحكم عليه، لكن في الرواية لا يمكن أن تصحح رواية في الحديث دون أن تكون حكمت بإسلام راويها، وكما ثبت عن ابن سيرين: إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، وهذا يدفعنا للحديث عن بعض ما في الرواية.
يتبع...
_____
[1] مسند ابن الجعد، ص164، الضعفاء العقيلي، ج1، ص8.
[2] موضح أوهام الجمع والتفريق، البغدادي، ج1، ص371.
[3] العلل ومعرفة الرجال، أحمد، ج2، ص535.
خلال المناظرة يظهر أنَّ ابن شمس تحاشى التعرّض لقضية مهمة، وهي الحكم على النووي، هل يقول بإسلامه أم ماذا؟ فاكتفى بالحديث عنه بأنه "مبتدع" دون أن يبين درجة بدعته في ذلك سوى أنه قال بأن الخلاف في الصفات من أعلى الخلاف، وأنَّ السلف لهم موقف في التحذير والتنفير عن المبتدعة، على أنَّ المناظر إن لم يكن حسم موقفه وأعلنه، فعلى أي شيء يناظر، هل يناظر على مطلق البدعة فحسب؟
والناظر في كتب من سلف يجد أنهم لم يتعاملوا بطريقة واحدة مع من يرونهم مبتدعة، ونرجع إلى قتادة (117هـ) بما أنه سبق أن ضرب مثلًا، فقد كان هناك نقاش في الرواية عنه، قال علي بن المديني (234هـ) بأنه قال ليحيى القطان (198هـ) إنَّ عبد الرحمن بن مهدي (198هـ) قال: "أترك من كان رأسًا في البدعة، يدعو إليها" فقال القطان: "كيف يصنع بقتادة، وابن أبي رواد، وعمر بن ذر وذكر قومًا، قال يحيى: إن ترك هذا الصنف ترك ناسًا كثيرًا" [1].
وهذا فيه ثلاثة من كبار أهل الحديث، واحتجاج القطان بهذا يظهر انتشار خبر قتادة بينهم، وهذا يدل على أنَّ نقل قول عن السلف، لا يدل على أنَّه يمثّل كل الناس في زمنهم، فمن ترك الرواية عنه، لا يمثل من روى عنه.
وعلى سبيل المثال كان مالكٌ (179هـ) شديدًا على القدرية، فلا يرى أن يُكلموا، ولا يزوّجوا، ولا يجالسوا، لذا لم يروِ عن ثور بن يزيد الحمصي [وهو قدري لا ينفي العلم الإلهي]، رغم أنه جاء إلى المدينة، في حين روى عنه غيره، وكان مالك يرى أنَّ القدرية يستتابون وإلا قتلوا، كقول عمر بن عبد العزيز (101هـ) كما نص عليه في الموطأ.
بخلاف أحمد الذي قيّد هذا الحكم بنفي العلم، (أي: إنه يقول بإسلامهم إلا إن قالوا: الله لا يعلم أفعال العباد قبل وقوعها) ورأى الرواية عن القدرية، بل روى عن رأسها معبد الجهني، وكان يقول لو فتّشت البصرة لوجدتَ ثلث أهلها قدرية.
وفي وقت ما هجر العديد من المحدثين من يرونه على بدعة، ولا يروون عنه، وينهون عن الأخذ عنه وهذا ظاهر في قول سفيان الثوري (161هـ) بأنه ما كان يأتي حماد بن أبي سليمان (120هـ) إلا خفيًا من أصحابه، إلا أنَّ بعضهم كان يروي عمن قيل فيه، فالشافعي (204هـ) روى عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي (184هـ)، وقال فيه "أخبرني من لا أتهم" [2] أما أحمد فقال فيه: "جهمي" [3].
فلو نقل رجل قول الرافضين للرواية عنهم وقال هذا قول السلف، لأمكن أن يعارض بصنيع سفيان مع حماد، وإن قال السلف يروون عن القدرية، بحجة أنَّ أحمد روى عن معبد، أمكن أن يعارض بموقف مالك منهم وهكذا، والرواية أشدّ من غيرها، ففي غيرها قد يُظهر الواحد أنه قد يتوقف في الحكم على المسؤول عنه، ولا يصرّح فيه بإسلام أو كفر، ويقول أنا لا أحكم عليه، لكن في الرواية لا يمكن أن تصحح رواية في الحديث دون أن تكون حكمت بإسلام راويها، وكما ثبت عن ابن سيرين: إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، وهذا يدفعنا للحديث عن بعض ما في الرواية.
يتبع...
_____
[1] مسند ابن الجعد، ص164، الضعفاء العقيلي، ج1، ص8.
[2] موضح أوهام الجمع والتفريق، البغدادي، ج1، ص371.
[3] العلل ومعرفة الرجال، أحمد، ج2، ص535.