باسم بشينية
7.32K subscribers
1.11K photos
49 videos
33 files
290 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
"يمكننا تمييز خلافة هشام، بأنها اللحظة التي تشكلت فيها أخيرا رواية سردية عظيمة لأصول الإسلام والخلافة المبكرة، ومع ذلك، تمزقت هذه النسخة الأموية، وأعيد تركيبها تحت حكم العباسيين الأول"

(معاوية بن أبي سفيان من الجزيرة العربية إلى الإمبراطورية، ستيفن هامفريز، ترجمه عن الإنكليزية: هشام شامية، المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت، ٢٠٢٢، ص٣٦)
بدأت قراءة كتاب ستيفن هامفريز، الذي بعنوان؛ معاوية ابن أبي سفيان من الجزيرة العربية إلى الإمبراطورية، مقدمة الكتاب كانت تحتوي على ما يدل على قصور هامفريز في جوانب سياسية معقدة.

مثال ذلك تفسيره للحرب الواقعة بين (بني أمية- معاوية) وبين (بني هاشم- علي) بكون ذلك يعود إلى عداء قديم، حيث مرحلة بداية الإسلام، إذ كان بنو أمية أعظم أعداء دين النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان هاشميًا.

هذا التفسير ضحل، ولا يمكن أن نفسر الواقع بهذه الاهتزالية، إلا من منطلق جدلي، الواقع يخبرنا أن بني أمية، كقبيلة، كان عملها في دولة النبي، العمل السياسي والعسكري، وعلى صعيد الولايات، قد تعدى من حيث النفوذ عمل مختلف القبائل الأخرى.

مكة، التي تعتبر أم القرى، والتي تحضى بوزن معنوي ثقيل في نفس كل مسلم، كان النبي بعد فتحها، قد استعمل عليها عتاب الأموي، وعلى غيرها استعمل الإخوة الأمويين: أبان بن سعيد، وخالد بن سعيد، وسعيد بن سعيد، وعلى نجران استعمل أبا سفيان ويزيد الأموييَّن، كانت الوحدة السياسية وفقا لهذا، معتضدة بالمصاهرة، إذ صاهر النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث من بناته، لبني أمية. حيث قام بتزويج أكبر بناته؛ زينب، لأبي العاص، وزوج اثنتين لعثمان، وقال؛ لو كانت عندنا ثالثة لزوجناها عثمان.

هذه العلاقة السياسية والأسرية العميقة، يتجاوزها هامفريز ولا يخرج عن دائرة طرح الشيع! فالواقع يخبرنا أن العداء الذي وقع إبان جاهليتهم، قد ذاب بمصداق حسن إدارتهم لوظائفهم السياسية في دولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والسياسة تخبرنا أنه إذا كان لشخص نية مبيتة، لم يكن معقولا تقديمه لمناصب قيادية، وسياسية، هو وأغلب الرؤوس الكبيرة من قبيلته، ومع ذلك يحسن الإدارة. فالطرد، أو التولية ثم العزل، هو ما يمثل وسيلة سياسية ناجعة مع الخصم، لا تنصيبه لمراكز سياسية ذات أهمية.

تناول هامفريز، هو تناول ساذج لواقع النظم السياسية المبكرة، فكثرة استعمال النبي للقوم، ومصاهرته لهم، مع أن معاوية كان حريصًا على تجنب الصدام مع بني هاشم، وأدعى للسلم، لا يمكن أن يوضع في قالب متسق مع فكرة الجذور المتقدمة إلى مرحلة جاهلية أبي سفيان رأس الأمويين.

ففكرة العودة للجذور القديمة، يمكن أن يأخذ محلًا معقولا، في حال ما لو كان معاوية، هو من أعلن عن الحرب على رأس بني هاشم. فهذا يُعقل تفسيره بإحياء العداوة القديمة، ولو كان بدرجة متدنية، ومع ذلك لن يعتبر تفسيرا جادًا ومنضبطا. ذلك لأن بني أمية الذين عادوا النبي فترة جاهليتهم، عادوا كل المسلمين بعيدًا عن الانتماء العرقي أو القبلي المتشعب الذي كانوا عليه، ولم تكن عداوتهم منحصرة تجاه بني هاشم من المسلمين.

فإن الواقع يؤكد على أن ما حصل من بني أمية فترة جاهلية رؤوسهم، حصل من غيرهم أيضا، بل من مثل أبي لهب، ولا يمكن جعل أدنى صدام لأي قبيلة مع الهاشميين، مبنيًا على كون بني تلك القبيلة كانوا قد قاوموا نبوة محمد الهاشمي، صلى الله عليه وسلم، فالعباسيون فعلوا بالعلوييين شرًا كثيرا، ولا يمكن مع هذا تفسير الأمر بنفس الفكرة تلك، فهي قد جاءت من باب تلاقي الصدف، لا أنها تقوم على تحليل سياسي عميق.
"إن الأسلحة التي يدافع بها الأمير عن ملكه إما أن تكون له وإما أن تكون لجنود مأجورة، وإما لجنود مساعدة، وإما مختلطة، فالجنود المأجورة والمساعدة خطرة ولا نفع لها، والأمير الذي يحافظ على ملكه بالجنود المأجورة لن يبقى واثقا من ملكه مطلقا".

(الأمير، نيكولا ميكيافيلي، ترجمة: محمد لطفي جمعة، مؤسسة هنداوي، ص٨٣).
أكثر شيء أستغرب منه، هو كثرة هوس الشبيبة الذين لم ينخرطوا بعد في سلك التوظيف، بمتابعة طواحين هواء؛ تضيع أوقاتهم بشكل متفق على أنه ذميم إلى حد كبير، حتى هم، الكثير منهم يدرك ذلك ويقر به. فترة الجامعة، كانت لدي شراهة وافقها تفرغ واسع، ذلك لأن المسؤوليات محدودة، وأهمها كان يتمثل في النجاح الجامعي، بعد التخرج، بدأت الحياة تتغير تدريجيًا بفعل مزاحمة مسؤوليات تأخذ حيزًا رهيبًا من الوقت، وكان ذلك يذكرني بنصائح كثير من المهتمين بالمعرفة والعلم، من حيث استغلال تلك الفترة إلى أقصى حد ممكن، كانت قراءاتي تصل إلى مستوى ممتاز، وكذلك التدوينات، كان هنالك تفرغ من ناحية الوقت، وكان لصيقا بدرجة أقل من الهمّ، مقارنة بما أتى لاحقا من ظروف، أتخيل وضعي اليوم في حال ما لم استغل تلك الفترة بالمرة، كما يحصل مع من يرمي دماغه كالكرة في ملعبٍ؛ أصدق عنوان يعلّق عليه؛ ملعب القيل والقال، ماذا كان سيحصل؟ صحفي مواقع تواصل ليس إلا! كان يمكن أن تجلس ثلاث ساعات يوميًا في متابعة أشياء ستنساها بعد النوم، نفس الساعات كان يمكن أن تتحاشى صرفها هناك، لتُتَوِّجها بقراءة ثلاث فصول من كتاب مهم! الأمر الذي سينمي وضعك المعرفي بصورة تجعلك تتكبر عن حشر أنفك في مواطن قد لا يؤهلك وعيك -في حال ما لو كان جدار الأنفة المعرفية لديك هشًا- حتى لمعرفة أنك لن تستفيد منها.
عيدكم مبارك 🌹
في ولاية زياد ابن أبيه:

"أصدر مرسوما بأن أي شخص نزل شوارع المدينة ليلا، لأي سبب كان سيواجه الإعدام من دون محاكمة. فجاء بدوي ذات ليلة إلى البصرة ومعه قطيع من الأغنام للبيع، فوجد المنطقة خارج الأسوار منعزلة ومخيفة.

دخل الحي السكني، فقبض عليه رئيس الشرطة، وقال: ويل لك، أما علمت بأمر الوالي، هل سمعت النداء؟ فأجابه البدوي: لا والله.

لذلك أشفق عليه قائد الشرطة، ولما جاء الصباح، أرسله إلى زياد إلى الذي طلب منه أن يشرح حاله فقال له البدوي ما حصل.

ردّ زياد: أظنك والله صادقًا، ولكن لا يمكنني أن أجعل وعودي وتهديداتي تبدو كأنها كذبة، فأمر به فضربت عنقه".

(معاوية بن أبي سفيان من الجزيرة العربية إلى الإمبراطورية، ستيفن هامفريز، ترجمه عن الإنكليزية: هشام شامية، المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت، ٢٠٢٢، ص١٣٤)
أنهيت قراءة كتاب ستيفن هامفريز حول معاوية ابن أبي سفيان، الكتاب من عنوانه يشرح آلية انتقال معاوية من شبه الجزيرة، نحو قيادة مقاطعتين شاميتين مهمتين، إلى قيادة أوسع دولة إسلامية إلى حد عصره.

ليس في الكتاب الكثير ليذكر، غير شرحه التفصيلي لسياسة معاوية مع أمراء القبائل الشوام، وآلية حكمه لهم، الذي كان يقوم على مبدأ المستشارية، بدل الإكراه والإخضاع.

حاول هامفريز تشريح شخصية معاوية لأبعد حد، لكن هنا دوما ما تقع أغلوطة سمجة، سواء معه، أو مع عمرو ابن العاص، وهي بناء الملامح السياسية والشخصية للرجلين، عبر ترسانة روايات كوفية، المنهجية التي تريد إخبارنا أن الاثنين، كانا يعيشان حياتهما السياسية والأسرية شبه المنحصرة في الشام، ولم يقم سند قريب لهما جغرافيا في شرح شيء حولهما، لكن مراكز البحث والصحافة السياسية كانت تشتغل ليل نهار حولهما في الدوائر الأكاديمية والإعلامية للكوفة، من حيث توثيق الأحداث، والمؤامرات، بل حتى الحوارات الشخصية بين معاوية ووزيرٍ له في القصر!! هذا التناقض الساخر كان يساهم في إضعاف كتاب مؤلف لأجل التحليل، لا مجرد سرد الروايات تحت مساحة "سمعت فرويت"، لذلك كان مستفزًا على نحو ما، اقتصار هامفريز على كتاب البلاذري حتى في الأحداث التي لعبت دورًا مركزيًا في تشكيل معاوية الملك.

أما النظرة المسبقة تجاه معاوية، والتي جاء الكتاب ليؤكدها؛ تتمثل في كون السلطان الإسلامي، لم يقدر على تكوين إمبراطورية، أو مملكة موسعة إلى حد مذهل، إلا وفقا لذهنية تتعامل مع الإسلام ككل بصورة هامشية، وتكرار هامفريز لهذا المعنى تجاه معاوية، يوضح نوعية الثغرات في بحثه؛ والتي من أهمها سؤال: هل يمكن لباحث تاريخي اعتبار رأي شيخ عاش في القرون التالية معيارًا دينيًا لتقييم سياسة معاوية وتحديد مدى اهتمامه بالإسلام من دونه؟ كان هامفريز يتعامل مع معاوية على أنه في محكمة فقهية مستقلة تاريخيا؛ تقدم رأيها عند القرن الرابع أو الخامس، أو السادس، في صحابي كان خليفة المسلمين في القرن الأول لعشرين سنة، بخلاف ذهنية تتصف بترتيب الحجج وضبطها؛ من حيث اعتبار الصحابي؛ حاكمًا على من بعده، لا العكس.

أما التحليل مع الانحياز لفكرة أيديولوجية معينة، فهذا يعكر على نحو ما صفو البحث الحقيقي. وبلغ الاستفزاز أقصاه، مع تسليمه الكامل خلال كل الكتاب بأن المسلم الحقيقي لا يصلح لأن يكون سياسيًا ذو دهاء، مع ذكره في منتصف الكتاب أن القرآن لم يأت فيه كلام كثير عن الحكومة وتفاصيل حالة الحاكم، لكن يستمر في البناء على الدوغما الشيع،ية، في أن المسلم كامل الإسلام، لا بد أن تفشل مشاريعه السياسية، وتحت هذه المسلّمة كان يفسر كل كلمة دينية أو فعلة، قام بها معاوية، بأنها قد جاءت في إطار الدعاية ولا حقيقة لاعتقاده صدقها. فقط لأنه نجح سياسيًا على نحو بارع. الأمر هنا ليس متعلقا بمعاوية، بل هو متعلق في نظر هامفريز بأهلية المسلم - كامل الإسلام- لأن يكون سياسيًا ناجحًا، كان معاوية يمثل لدى هامفريز مشروعا لبناء سردية توضح أن تقدم الإسلام سياسيًا ضمن الخلافة، لم يكن إلا نمطيًا، بل لم ينجح ذلك إلا بإماطة الإسلام جانبًا بصورة كلية، ليحل محله فن السياسة التي لا يرضاها الدين.

ومع هذا، لا يمكن أن نكثر من لوم هامفريز، فعامل الأدلجة في الكتابة حول معاوية، كان يرجع إلى القرن الثاني، والثالث، وما بعدهما، فتقييم الكتاب يأخذ درجة جيدة إذا جمعناه لغيره من السرديات، حتى المتقدمة منها.
"عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ... أرسلت عائشة رضي الله عنها إلى أبي عمر رضي الله عنه في ‌قاص ‌كان يقعد على بابها: إن هذا قد آذاني وتركني لا أسمع الصوت. فأرسل إليه فنهاه، فعاد، فقام إليه أبي عمر رضي الله عنهما بعصاه حتى كسرها على رأسه "

(تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، ١٣٩٩، ج١، ص١٥)
"عن النفيع قال: خاض الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باعث خالد بن الوليد إلى رقيق مصر يعتقهم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقة له، ومعه أسود قائم، ما رأيت أحدا من الناس أطول منه، قد حاذى رأسه برأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دنوت إليه أهوى إلي فكفه رسول الله صلى الله عليه وسلم" [١]

"عن القاسم قال: كان عبد الله رضي الله عنه يلبس النبي صلى الله عليه وسلم نعليه، ثم يأخذ العصا فيمشي أمامه، حتى إذا جلس أعطاه العصا، ونزع نعليه فجعلهما في ذراعيه، ثم استقبله بوجهه. فإذا أراد أن يقوم ألبسه نعليه، ثم أخذ العصا فمشى قدامه، حتى يلج الحجرة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم". [٢]

عن إدريس الأودي عن أبيه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى في الحجر قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رأسه بالسيف". [٣]

عن محمد بن كعب القرظي قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحرس، فنزلت: (والله يعصمك من الناس)، فترك الحرس" [٤]

[١] تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، ١٣٩٩، ج١، ص٣٠١.
[٢] المرجع نفسه، ج١، ص٣٠٣.
[٣] المرجع نفسه، ج١، ص٣٠٠.
[٤] المرجع نفسه، ج١، ص٣٠١.
"عن صهيب بن سنان قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به".

(تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، ١٣٩٩، ج٢، ص٦٦٠)
من خطبة أبي بكر رضي الله عنه عند مرضه:

"وإن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله، ولا يتحمله إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه، أشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعملكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحي من التعلم، ولا يتحير عند البديهة، قوي على الأمور، لا يخور لشيء منها ضده بعدوان ولا تقصير، يرصد لما هو آت عتاده من الحذر والظلم، وهو عمر بن الخطاب".

(تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، ١٣٩٩، ج٢، ص٦٧٦)

هذه الخطبة، تبرز كثيرا من معايير الكفاءة السياسية لدى أبي بكر رضي الله عنه.
عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب:

"أراد عمر رضي الله عنه أن يجمع القرآن، فقام في الناس ، فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان، فقتل عمر رضي الله عنه قبل أن يجمع ذلك إليه".

(تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، ١٣٩٩، ج3، ص٧٠٥)
عن يحيى بن سعيد:

"أن عثمان رضي الله عنه قال: لما يزع السلطان الناس أشد مما يزعهم القرآن".

(تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، ١٣٩٩، ج٣، ص٩٨٨)
"عن أبي رجاء أن:

عمر، وعثمان رضي الله عنهما كانا يعاقبان على الهجاء. قال: واستعار خالي من قوم كلبا لهم، فأرادوا أخذه منه، فرمى أمهم بكلبهم، فحبسه عثمان رضي الله عنه ... حتى مات"

(تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، ١٣٩٩، ج٣، ص١٠٢٤)
"عن الزهري قال:

قال عثمان رضي الله عنه: ألا تعجبون لابن أبي حذيفة، ضممت الرجل لرحمه، فكنت أجس بطنه من الليل أنظر أجائع هو أم شبعان، ثم هو يسعى في خلعي وسفك دمي، اللهم فاجزه جزاء من كفر النعمة وفجر".

(تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، ١٣٩٩، ج٣، ص١١١٩)
دائمًا ما ينزاح الوعي العامي إذا سمح له أن يتحذلق في السياسة نحو ابتكار سببية اعتباطية، تنشأ تحت ضغط المعارضة العشوائية، حيث يقع خلط الأوراق جميعًا تحت مظلة السياسة، وقد يكون باعث الأمر شعور بالامتعاض ليس له أدنى ارتباط سببي بأي باعث سياسي، هنا، يبتكر المعارض مقدمة: أصابتك شوكة في بستانك؟ سبب ذلك من نعارضه.

هذا السلوك عام، وله مصاديق على مختلف حقب التاريخ، كان أن أحد رؤوس الشؤم؛ التي قتلت عثمان رضي الله عنه، شخص يسمى بحكيم بن جبلة، كان قد أجرى سباقا مع أحدهم، فانتصر عليه، فغضب فأخذ خيلا كانت له بفارس، ثم قام ابن جبلة في الناس فجعل يعيب على عثمان جراء غضبه، ويؤلّب عليه وعلى واليه. [١]

ثم سرعان ما انتشر في البلد وصار يلاك على ألسنة الناس؛ عزل أبا موسى، وولى علينا ابن عامر. فجأة، وقع تصعيد الأمر (بسبب غضبة في سباق خيل، وقصعة طعام، ليس لهما علاقة بعثمان) إلى مستوى القدوم على الخليفة؛ وتهديده إن لم يعزل واليه وينصّب غيره.

[١] تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، ١٣٩٩، ج٣، ص١١٤٦.
أنهيت قراءة تاريخ المدينة، لعمر ابن شبة، وهو كتاب يقع في ١٣١٥ صفحة، تعرض فيه لبعض ما جاء حول المدينة، أورد ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبخلافة أبي بكر، وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، ثم أسهب فيما يتعلق بسياسة عثمان، والمعارضة المدنيّة التي تعرضت له، ثم ما جاء من أخبار حول اتساعها إلى مختلف الأقطار، إلى ما وقع حين مقتله، وما وقع من بعده بقليل.
لم يتعرض الكتاب لا للجمل ولا لصفين، يرجع ذلك لكونه مؤلفا لأجل المدينة وما وقع فيها.
كان لابن شبة كتاب مطول في أخبار صفين، لكن الكتاب مفقود، وغالبا هو من الكتب التي وقع إحراقها لاعتبارات مذهبية.
بعض الشباب، لحقته في الأيام القليلة الماضية أشهر حسرة في الوسط السلفي؛ كأن تذهب حياتك أدراج الرياح، لمحض أنشودة، أو مقالة مغلفة ببعض عبارات دينية فحواها نوع من التصوف الهزيل، كان العفاسي جديرًا بتوضيح الأمر بصورة عملية، فعلا، كثيرون قد رسموا وهم في أول الأمر نهجًا حياتيًا كان قائما على ذم الدنيا وزينتها بطريقة اختزالية، حيث كان الإنشاد، يمثل ركيزة أساسيّة لدى كثيرين، خصوصًا تلك المرحلة التي يقع فيها استبدال سروال الجينز بقميص، واستبدال العطر الفرنسي بعطر فرنسي آخر لكن موسوم بالعربية، والأغاني التي درج عليها الشاب، بأناشيد العفاسي.

الأمر كان يمثل نوع هامشية، تغنّي، أو هو بالأحرى إنشاد، غرضه في الختام أن يحقق أرباحًا في عروض دولية حيث يأتي الناس لسماع شخصية مشهورة بعد دفع قيمة التذاكر وهي تقدم نوعا من الإسهام في خدمة الفن، تحت دعاية تغطية الفراغ الإسلامي في هذا المجال، الأمر ربما كان قد بدأ تحت سؤال: إن ترك الشاب إبان الصحوة سماع الأغاني والغزل؟ فماذا يسمع؟ هنا كانت الحاجة ملحة في الوسط الإسلامي لتكوين فرع غنائي بديل، يعوض الموسيقى، والطبل، والدف، الموجود في الفن غير الإسلامي، لكن هل خرج النسق الإنشادي عن المنظومة ككل؟ أبدًا، المنشد يحقق أرباحًا مالية ضخمة جراء ترويج أناشيد الزهد وذم الدنيا، يركب سيارات فخمة، ويتجول في أرقى المطاعم، ويتابع جمهوره يومياته على إنستغرام وسناب وتويتر، كأي شخصية مؤثرة أخرى، والمادة هي ما يختلف فقط، حياته، بارك الله له فيها وزاده. لكن رجاءًا!
جراء تغفيلك، واتجاه حياتك بمنحى بائس خلال سنوات، خلّ شعور الحسرة حبيس صدرك، العفاسي لم يقل يوما أن حنجرته مجانيّة، ولم يشارط على التزام تلك المشاعر التي تعلقت بها سريعًا، الأمر كان يمثل تجارة فقط، ولا يزال.